الفصل الرابع عشر

النقد والأدب والحرية: حول مهذب الأغاني أيضًا

سيدي الدكتور

أحب أنْ أجاذبك الحديث؛ لأنني أشوق ما أكون إليك وإلى حديثك، وأحب أنْ أعود بك إلى مهذب الأغاني؛ لأن قليلًا على مثل مهذب الأغاني أنْ تخص به خطرة وخطرتان من صحيفة الأدب، وإذن فاسمع أقص عليك حديثي:

أملك كتاب الأغاني منذ نيف وعشرين عامًا، وقد عنيت منذ ملكته بأن أجعله حلية مكتبتي، ولكني أؤكد لسيدي وأنا من أشغف الناس بالأدب أنني لم أملأ يدي من أدب ذلك الكتاب الكريم على فرط حبي له وإعجابي به، وعلمي بأنه المنهل الفياض الذي يصدر عنه علماء الأدب جميعًا.

ومنذ عشرة أيام ملكت الجزء الأول من مهذب الأغاني، وفي عشرة أيام فقط قرأت الكتاب كله وملأت يدي منه، وعرفت أي شعوب العرب وقبائلها، وأي بطونها وأفخاذها أصلب عودًا في شعوب القول، وأيها أرق نسجًا له.

إني لأومن بأني لست من الباحثين المنقرين، الذين يسوقهم بحثهم وتنقيرهم إلى قراءة ما أورده صاحب الأغاني من فحش ومجون، أو استيعاب تركه «المهذب» مما لا شأن له ولا معنى فيه، نعم لست من أولئك الباحثين المتعمقين، ولو كنت منهم لما أعوزني أنْ أرجع إلى الأغاني وقت الحاجة إلى البحث والاستيعاب، ولكني لست بدعًا من سواد المتأدبين الذين يحبون الأدب العربي حبًّا ملك عليهم مشاعرهم، ويسرهم كل السرور أنْ يجدوه بديع النسق داني القطاف في كتابٍ واحد كما أجده في «مهذب الأغاني».

لم يكن كتاب الأغاني من خواطر أبي الفرج أو إنشائه، حتى يكون ترتيبه وتهذيبه، وضم كل شكل إلى شكله، وجمع كل إلف إلى إلفه، مسخًا وتشويهًا، ولكن أبا الفرج نقل آراء غيره في شعراء العرب ومغنيهم، فأحسن كل الإحسان في نقله، ولم يحسن في وضعه، فجمع في الجزء الواحد بين أقوام لا صلة بينهم في نسب الأدب، وذهب بكل شاعر كل مذهب في تفاريق كتابه، وربما كان في شغل بإجادة الجمع عن إجادة الوضع، فهل يعاب على رجل رأى ذلك الذخر مبددًا فنظمه، وتلك الثروة تائهة فجمعها، وذلك الأدب الفياض مكدرًا فصفاه؟! وإذا كان سيدي الدكتور يرى تنسيق كتاب الأغاني وتهذيبه معارضة لأبي الفرج واعتداء عليه وهو لا شخصية له فيه، فما رأيه في عمل أبي تمام والبحتري في حماستيهما، وقد عمد كل منهما إلى قصائد لشعراء الجاهلية والإسلام، وفي كل قصيدة نفس صاحبها وخطرات مشاعره ونزعات سرائره وأسلوب نظامه، فحذف منها ما حذف، وفرق بين أجزاء القصيدة الواحدة، فرد الغزل والوصف والحماسة والأدب منها كلًّا إلى إلفه من كتابه، فما رأي سيدي؟ أيعد ذلك مسخًا للأدب وتشويهًا له؟ وإذن فقد جنى أبو تمام وصاحبه على شعراء العصور الخوالي؟ أم يرى أنهما قد قربا بذلك النسق جني الشعر من منال الأدباء؟!

ليسمح لي سيدي الأستاذ أنْ أقول: إنْ يكن أحد أحسن إلى أبي الفرج فالأستاذ الخضري بك؛ لأنه قرب إحسانه إلى المتأدبين جميعًا، وإنَّ كتاب مهذب الأغاني كان يجب أنْ يظهر منذ أجيال بعيدة، ولو هذبه ابن مكرم تهذيب الأستاذ الخضري له لأباح منه الأدباء تبرًا لا ترب فيه.

وبعد، فهل مبلغ عني صديقي وأستاذي الجليل أني أكبر جريدة السياسة، وأجل صحيفة الأدب فيها أنْ يتاح لأناس يتخذونها ذريعة لشفاء حزازات الصدور، وحك سخائم النفوس باسم النقد، إلا فما لنقد الكتب وللتغلغل في كرامات العلماء والنيل من أقدارهم؟ وهل بهذه الوسيلة يخدم العلم والأدب؟! وإذا لم تُصَنْ كرامات العلماء في صحيفة الأدب من جريدة السياسة، ففي أي صحيفة نرجو أنْ تصان؟!

تلك كلمتي لرجل أجل علمه وأدبه، وأعرف له نبله ونزاهته، أما ذلك الذي قرأ نقدك فضحك وقهقه، وما زال يضحك ويقهقه في الترام وتحت وابل المطر، فأنت وحدك المسئول عنه؛ لأنك أنت الذي سببت له تلك الحال!

والسلام عليك ورحمة الله
كاتب

لست أدري أيوافقني الأستاذ الخضري على هذا الرأي أم يخالفني فيه، وهو أنَّ من الخير لكتاب ناشئ أنْ يكثر الكلام حوله، وتختلف الآراء فيه، وتتناوله الصحف السيارة بالرضا عنه حينًا والسخط حينًا آخر، ففي ذلك إذاعة لأمر الكتاب وإلحاح في الدعوة إليه، وضرب من الإعلان الجيد المفيد الذي قد يبتغيه المؤلفون بأموالهم، فلا يظفرون منه بما يريدون.

إذا كان الأستاذ يوافقني على هذا الرأي، فليهنئه أني نقدت كتابه وشددت في نقده، وأنه رد على هذا النقد فنقدت رده، وأنَّ هذا الحوار بيننا قد أهم جماعة من المتأدبين فاشتركوا فيه، ونشرت «السياسة» لهم فصلين يوم الأحد الماضي، وهي تنشر لهم فصلًا في هذا اليوم، وفي كل هذا ذكر للكتاب، وإلحاح في الدعوة إلى الكتاب، وتذكير للناس بأن الكتاب قد ظهر وأنه خليق أنْ يقرأ وينظر فيه، وما أحسب أنَّ الأستاذ كان يظفر من جريدة «السياسة» بإعلان كهذا متصل مفصل متكرر مهما يبذل لها من مال.

على أني أرى لكل شيء حدًّا، وأحسب أن قد نشرت «السياسة» في نقد الكتاب والذود عنه ما فيه كفاية، وأنَّ من الخير لصحيفة الأدب وقرائها أنْ ننتقل من هذا الموضوع إلى شيءٍ آخر فيه نفع جديد، وما كنت لأستأنف القول حول «مهذب الأغاني»، لولا أني رأيت فيما نشرت السياسة صباح الأحد، وفيما تنشره صباح اليوم، وفي أشياء كنت أريد أنْ أنشرها، ولكن صاحبها طلب إليَّ ألا أفعل، أمورًا خليقة أنْ نقف عندها وقفة قصيرة أخيرة.

الناس يفهمون النقد فهمين متناقضين تناقضًا شديدًا، وكلاهما خاطئ سيئ الأثر، فمنهم من يفهم من النقد حمدًا خالصًا، وثناءً طيبًا، وتقريظًا من غير تحفظ، والنقد عند هؤلاء ضرب من المدح يقصد منه ترويج الكتاب، وإذاعة أمره ورفع صاحبه بين الناس، لهذا لا يكاد أحدهم يفرغ من كتابه حتى يرسله إليك ويسعى به إليك، وحتى يرجو منك أنْ تتناوله بالنقد، وألا تحرمه كلمة من «كلامك العذب، وأسلوبك الحلو، وإنشائك الرائع»، وهو يقدر في نفسه أنَّ الكلام العذب والأسلوب الحلو والإنشاء الرائع إنما هو كلامه وأسلوبه وإنشاؤه، وأنَّ الناقد إنما هو وسيلة لترويج الكتاب والثناء عليه لا أكثر ولا أقل، ومنهم من يفهم النقد على أنه طعن وقدح وتجريح ودلالة على السيئات؛ فهو يكرهه ويكره أصحابه، ويكره تأليف الكتب حتى لا يتعرض لألسنتهم وأقلامهم، فإن اضطرته حياته وصناعته إلى التأليف، فهو يتوسل إلى الناقدين ألا يعرضوا لكتابه بخيرٍ ولا بشر، وأنْ يخلوا بينه وبين القراء يقرءونه فيرضون عنه أو يسخطون عليه، وقد وصلت إليَّ كتب أولئك وهؤلاء، وقرأت من أولئك وهؤلاء أعاجيب، وسمعت من أولئك وهؤلاء أيضًا، ولو أني أخذت أنشر لك طرفًا من هذه الكتب، أو أقص عليك شيئًا من هذه الأحاديث لضحكت كما ضحكت، ولحزنت كما حزنت، ولكني لا أريد أنْ أوذي أحدًا، فلأَطْوِ هذه الكتب، وربما مزقتها، ولأعرض عن هذه الأحاديث وربما نسيتها.

وفي الحق أنَّ الصلة بين النقاد والمؤلفين دقيقة بطبعها لا تخلو من الحرج، فأي مؤلف لا يطمع في الثناء على كتاب بذل فيه من الجهد ما بذل، ولقي فيه من العناء ما لقي! وأي مؤلف لا يكره أنْ يتناول النقاد جهده ونتيجة جهده بالنقد، فيبينوا ما فيهما من ضعفٍ، ويدلوا على ما فيها من قصور! كلنا يحب الثناء ويعتقد أنه مستحق له، وكلنا يكره الذم ويعتقد أنه خليق ألا يتعرض له، ولكن شيئًا ينقصنا مع هذا، وهو أنْ نقدر العلم قدره، ونؤمن بأن لا قوام للعلم بغير النقد، ولا أكاد أفهم أنَّ رجلًا يستحق أنْ يوصف بأنه عالم أو أديب أو من طلاب العلم والأدب، إذا لم يكن يقدر النقد وحاجة العلم والأدب إليه.

يقدر النقد لا على أنه ثناء خالص، ولا على أنه هجاء خالص، فليس العلم في حاجةٍ إلى الثناء، وليس هو في حاجةٍ إلى الهجاء، وإنما هو يترفع عنهما جميعًا، إنما ينبغي أنْ يقدر النقد على أنه تمحيص للعلم ودلالة على ما فيه من حق يجب أنْ يبقى، وباطل يجب أنْ يزول، أو قل على ما تعتقد أنه حق أو باطل، ولست أدري لِمَ يؤذيك أنْ يدلك ناقد على أنك أخطأت، وأنت لم تأخذ على الأيام عهدًا بالإصابة المطلقة، ولست أدري لِمَ تحرص على أنْ يصفك الناس بأنك موفق للحق أبدًا، ولم يقدر هذا التوفيق لإنسان ما.

النقد إذن حاجة طبيعية لكل حركة علمية أو أدبية أو فنية، ولكن النقد لا خير فيه ولا نفع منه، إذا لم يكن حرًّا من كل قيد من هذه القيود المنكرة التي تحول بين النقاد وبين أداء واجبهم على وجهه.

يجب ألا يتقيد النقد بالمجاملة وما إليها، فقد تكون للمجاملة أوقاتها ومواضعها، ولكنها أشد الأشياء منافرة للعلم، وبعدًا عن النقد الصحيح، وما رأيك فيمن يرى الحق فيعرض عنه إرضاء لصديق، أو رفقًا بأستاذ، أو تقربًا إلى ذي مكانة! أتراه رجلًا حقًّا ذلك الذي يؤثر صديقه وأستاذه وصاحب المكانة على الحق من حيث هو، وعلى الحق العلمي بنوعٍ خاص؟ وما رأيك فيمن يرى الباطل فيقره إرضاء للصديق والأستاذ وذي المكانة؟ أتراه رجلًا حقًّا ذلك الذي يؤثر الناس مهما تكن أقدارهم وصلاتهم على العلم فيرضيهم ليغضبه؟

كثيرة جدًّا هذه الأسباب التي تحول بين النقاد وبين حريتهم، ولست في حاجةٍ إلى أنْ أحصيها، فهي أظهر من أنْ تحتاج إلى أنْ يدل عليها، وأكبر ظني أنَّ حرية النقد ليست بدعًا من ضروب الحرية المختلفة، فهي نتيجة من نتائج التربية الصحيحة، وأثر من آثار الأخلاق القيِّمة، وهي عسيرة جدًّا في بلدٍ فسدت فيه الحياة الاجتماعية والسياسية، واضطر الناس فيه إلى أنْ يسرفوا في النفاق والمداجاة ليعيشوا، ولقد آلمني ما قرأته في الفصل الذي نشرته «السياسة» في صباح الأحد لمعلم أراد أنْ ينقد كتاب الأستاذ الخضري، فلم يجد بدًّا من إخفاء اسمه حتى على السياسة نفسها؛ لأنه مشفق على راتبه ومنصبه في وزارة المعارف أنْ يمسها الأستاذ الخضري ومغربي باشا بأذى.

آلمني ذلك؛ لا لأنني أشفقت على هذا المعلم من الأستاذ الخضري؛ فأنا أعلم أنَّ الأستاذ أشد رعاية للحرية من أنْ يؤذي الناس في سبيلها؛ بل لأن عاطفة كهذه قد تعبث بطائفة من الناس منهم الأساتذة والمعلمون، وإذا كان المعلم يخشى النقد الأدبي على راتبه ومنصبه، فكيف لا يخشى سلطان السياسة وأهواءها على هذا الراتب والمنصب؟! وكيف لا يقف من الوزارات السياسية هذه المواقف المريبة التي ينكرها عليه الناس؟! لا خير في النقد إذا لم يكن حرًّا، ولكن الحرية شيء، وتجاوز الحدود شيء آخر، وربما كان من الحق لي أنْ أنكر على هذا المعلم الأديب شيئًا من تجاوز القصد في نقده للأستاذ، فقد كان يستطيع أنْ يقول كل ما يريد، أنْ يقول دون أنْ يضطر إلى هذه الألفاظ التي تؤذي في غير نفع، وأنا معتذر إليه من هذا الإنكار، فقد اضطررت إليه اضطرارًا، وكنت أحب ألا أقدم له إلا شكرًا خالصًا لحسن ظنه بي، ولكني لا أريد أنْ أوثر نفسي على الحق، كما أني معتذر إليه من اضطراري إلى ألا أنشر في صحيفة الأدب هذا الفصل الثاني، الذي بعث به إلى «السياسة» ناقدًا لكتاب الأستاذ الخضري أيضًا، فأنا لم أفكر ولم تفكر «السياسة» في نقد أخلاق الأستاذ الخضري، ولا في استنباط هذه الأخلاق من مهذب الأغاني، وما كان لي ولا للسياسة أنْ نفكر في شيءٍ كهذا، فليس لنا بأخلاق الأستاذ الخضري شأن، وإنما سبيلنا مع الأحياء أنْ نعرض لكتبهم وآثارهم العلمية ليس غير، فأما استنباط الأخلاق والخصال فسبيل نسلكها مع القدماء والذين أصبحت حياتهم ملكًا للتاريخ، وإني أعذر المعلم الأديب في تجاوزه حدود الحرية في النقد الأدبي، فقد قلت: إنَّ هذه الحرية أثر من آثار الحياة الاجتماعية والسياسية، وإذ كنا حديثي عهد بها في مصر، فليس غريبًا أنْ نتجاوز حدودها، وألا نفرق بينها وبين الإسراف.

أما بعد، فهل أنا في حاجة إلى أنْ أرد على الكاتب الأديب «أحمد الألفي» فيما يطلب إليَّ من الإعراض عن تلخيص القصص؟ وهل أنا في حاجةٍ إلى أنْ أثبت للكاتب الأديب أنْ ليس على الأخلاق منها خطر؟ وهل أنا في حاجةٍ إلى أنْ أثبت له أنَّ الفرق عظيم جدًّا بين تلخيص القصص وتهذيب الأغاني؟ وهل أنا في حاجةٍ إلى أنْ أنبئه بأن كتاب صبح الأعشى كتاب قيِّم من الوجهة الأدبية والتاريخية لم يقدره الناس قدره بعد، وربما لم يكن في الآداب العربية ما يعدله؟ وهل أنا في حاجةٍ إلى أنْ أنبئه بأن صاحب صبح الأعشى قد اختصر كتابه ولخصه في كتابٍ مطبوع، يستطيع أنْ يرجع إليه إذا كان لا يريد أنْ يتورط في قراءة صبح الأعشى.

أما الأستاذ الكاتب الذي نشرت «السياسة» فصله صباح اليوم فأنا أشكر له أدبه وظرفه، ولكني أعتذر إليه إذا لم أصدقه فيما يقول من أنه ملك الأغاني منذ أكثر من عشرين سنة، دون أنْ ينتفع به حتى ظهر كتاب الأستاذ الخضري، لا أصدقه؛ لأن أكبر ظني أنه يسرف في الإساءة إلى نفسه دفاعًا عن الأستاذ الخضري، وقد لا يحتاج الأستاذ الخضري إلى كل هذا الدفاع، ثم ألفت الأستاذ إلى أنَّ الفرق عظيم جدًّا بين ما صنع أبو تمام والبحتري وغيرهما من أصحاب المختارات الشعرية، وما صنع الأستاذ الخضري بكتاب الأغاني، وما أظنه في حاجةٍ إلى معرفة أنَّ من حقنا أنْ نتخير من شعر الشعراء ما نحفظه وما نرويه، دون أنْ يكون لنا الحق في أنْ نغير كتب القدماء ونذهب بها غير مذهبهم، وخلاصة القول أني أريد أنْ ألفت القراء إلى شيئين؛ الأول: أني ما زلت محتفظًا برأيي كاملًا في عمل الأستاذ الخضري، فهو سيئ بالقياس إلى العلماء، نافع بالقياس إلى عامة الناس، وأنفع منه أنْ تؤلف لهؤلاء الناس كتب مستقلة لا تمسخ كتب القدماء ولا تشوهها. الثاني: أني سعيد كل السعادة بأن أبيح صحيفة الأدب للنقاد جميعًا، على ألا يخلو نقدهم من خصال ثلاث: الحرية، والأدب، والنفع.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠