الفصل الرابع والعشرون

الضاحك الباكي للأستاذ فكري أباظة

منذ أكثر من عام تفضل الأستاذ فكري أباظة فزارني في الكوكب وأهدى إليَّ كتابه «الضاحك الباكي»، فتلقيت زيارته شاكرًا، وتلقفت هديته شاكرًا أيضًا، ووعدت متطوعًا بقراءة الكتاب، وإعلان الرأي فيه؛ لأن الأستاذ لم يطلب إليَّ قراءة ولا إعلانًا، وإنما كان أديبًا يجامل أديبًا، وصديقًا يعرف الحق لصديق.

ثم أخذت أقرأ في الكتاب منذ اليوم الأول الذي أهدي إليَّ فيه، ولكني لم أمضِ في هذه القراءة حتى صرفتني عنها هذه الصوارف الكثيرة الملحة البغيضة، التي تصرف الناس في كل يومٍ عما يحبون وتدفعهم إلى غير ما يريدون، وما أكثر هذه الكتب التي تهدى إليَّ أو التي أشتريها، ثم آخذ في قراءتها، فلا أكاد أتقدم في هذه القراءة حتى أرد عنها ردًّا وأصد عنها صدًّا، وأصرف عنها إلى شيء من هذا السخف اليومي الكثير الذي يملأ حياة أمثالي من الناس.

ومضى عام ولم أقرأ كتاب الأستاذ، ولكني سمعت أحاديث الناس عنه، فكان منهم المعجب الراضي، وكان منهم المعرض المغضي، ويجب أنْ أعترف بأن الذين أعرضوا وأغضوا كانوا بين أصحابي أكثر من الذين رضوا وأعجبوا، ولم يكونوا يعللون إعراضهم ولا إغضاءهم، وإنما كانوا يمسون الكتاب بجملةٍ أو جملتين، يعلنون فيهما أنهم كانوا ينتظرون من الأستاذ كتابًا خيرًا من هذا الكتاب، وكنت أجد من إعراضهم وإغضائهم عزاء لي عن هذا الكتاب الذي لم أقرأه، بل كنت أحمد الله على أني لم أقرأه؛ لأني أمنت بذلك أنْ أكتب عنه، فأقول للأستاذ ما لا أحب أنْ أقوله له، على أننا التقينا والتقينا غير مرة، فأشهد ما لقيت الأستاذ ولا سمعت صوته إلا استحييت منه، وأحسست أنَّ له عليَّ دينًا ثقيلًا، وأني قد أبطأت في أداء هذا الدين، وأوشك أنْ ألتوي به على صاحبه، وما أبغض المدين حين يلتوي بالدين!

ثم تتاح لي الفرصة لأتحدث عن الأدب المصري الحديث فأذكر الشعراء وأعرض لبعض الكُتَّاب، وأشهد ما ذكرت شاعرًا، ولا عرضت لكاتب إلا كان الأستاذ فكري أباظة بينه وبيني يسألني بصوته العذب ولهجته الظريفة: «والضاحك الباكي ماذا تصنع به؟ وماذا ترى فيه؟!»

فاليوم أريد أنْ أتحدث إلى الأستاذ وإلى غيره من القراء بما صنعت بالضاحك الباكي، وبما أرى فيه.

قرأته قبل كل شيء، وقرأته كله هذه المرة، واستعدت بعض صفحاته، ووقفت عند بعضها الآخر وقفات غير قصار، وأطلت التفكير في بعض فصوله، حين خلوت إلى نفسي وأويت إلى مضجعي في غير ليلة من ليالي هذا الصيف الثقيل، ثم حمدت للأستاذ فضله عليَّ، ويده عندي، لا لأنه أهدى إليَّ كتابًا، فالكتب تهدى من الأديب إلى الأديب، وإنْ كنت أراني مقصرًا تقصيرًا شنيعًا في هذا النحو من أدب المجاملة، ولا لأنه سعى إليَّ بكتابه، فالأديب يسعى إلى الأديب، والصديق يسعى إلى الصديق، وإنْ كنت مقصرًا في هذا النحو أيضًا من أنحاء أدب المجاملة؛ بل لأنه أتاح لي شيئًا طالما تمنيته ولم أظفر به، وهو أنْ أسمع للأستاذ فكري أباظة، وأتحدث إليه وقتًا طويلًا، فأنا من قرائه الأوفياء الذين لا يكاد يخطئهم فصل من فصوله في الأهرام، أو في المصور، أو في غير الأهرام والمصور، وأنا من الذين يحبونه حبًّا عميقًا ويكلفون بما يكتب كلفًا شديدًا، يسر النفس لحظة من لحظات الحياة، وإنْ كان لا ينتهي بها إلى هذا الإعجاب الذي يملك عليها كل شيء ويشغلها عن كل شيء، وأنا كلما قرأت فصلًا من فصول الأستاذ فكري أباظة، وددت لو طال بينه وبيني الحديث، واتصلت بينه وبيني الأسباب، فعرفته أكثر مما أعرفه وألفته أكثر مما آلفه إلى الآن، فقد عرفته الآن وألفته، وبلغت من عشرته ما كنت أريد بعد أنْ قرأت كتابه الممتع الجميل، وليس هذا بالشيء القليل، بل هو شيء كثير، وكثير جدًّا، إنْ كان هذا التعبير ما يزال يضحك القراء.

ويجب أنْ أعترف أيضًا بأن رأيي في الكتاب كان يختلف اختلافًا شديدًا كلما تقدمت في قراءته، فأما أوله فلم يفتنِّي، ولم يثر في نفسي إعجابًا ولا شيئًا يقرب من الإعجاب، بل كنت أحدث نفسي بأن هؤلاء الأصدقاء الذين أعرضوا عن الكتاب في العام الماضي كانوا منصفين، ولكني تقدمت في الكتاب، فإذا أنا مأخوذ حقًّا مفتون حقًّا، يذهب بي الإعجاب كل مذهب، ويمضي بي الإكبار إلى غير حد، وإذا أنا أنكر الظلم والظالمين، وإذا أنا أزعم لنفسي أنَّ أولئك الأصدقاء المعرضين لم يقرءوا الكتاب، ولو قد قرءوه لأعجبوا به، وإذن فما كان ينبغي لهم أنْ يقضوا عليه وهم لم يقرءوه، وكنت أزعم لنفسي أحيانًا أنَّ حياة المصريين قد تطورت حقًّا، وأنَّ شعورهم الوطني قد أخذه شيء من الفتور، وأنَّ شعورهم بالحياة اليومية وما فيها من المنافع العاجلة الملحة، قد ملك عليهم ذوقهم وحكمهم، ولولا هذا لفتنوا بكتاب الأستاذ أشد فتنة، ولكان له في نفوسهم أبلغ الأثر وأعمقه.

وكنت أتحدث إلى بعضهم فألومه وأسرف في لومه، وأزعم له أني لا أعرف كتابًا عربيًّا صور ما بين المصريين والإنجليز من سوء الصلة وبعد الشقة وفساد الأمر كهذا الكتاب، فكان يستمع لي ويقرني على ما أقول، ولكنه يبتسم ويقول: ولكن أتمم قراءة الكتاب ثم حدثني بعد ذلك عن رأيك فيه، وما زلت أنتقل في الكتاب من قصةٍ إلى قصة، ومن حديثٍ إلى حديث حتى أتممته منذ ساعة أو منذ أقل من ساعة، وإذا أنا ما زلت راضيًا عن الكتاب ولكن إلى حد، وما زلت معجبًا بالكتاب ولكن في اعتدالٍ واقتصاد، ذلك أنَّ الكتاب مختلف حقًّا، متفاوت أشد التفاوت، فيه ما يروع حتى يملأ النفوس روعة وإعجابًا، وفيه ما يبعث في النفس فتورًا يكاد ينتهي بها إلى النوم، ثم فيه ما يثير في النفس شكوكًا وأوهامًا، ويبعثها على أنْ تسأل هذا السؤال: ماذا أراد الأستاذ بهذا الكلام؟ وأول ما يعجبك من الكتاب حقًّا هو هذه الصفحة الرائعة البارعة، الذي وصف الأستاذ فيها حوادث الثورة في أسيوط، فلست أعرف — كما قلت — كاتبًا مصريًّا صور ما بين المصريين والإنجليز من الشر كما صوره الأستاذ فكري أباظة، ولست أظن أنَّ قارئًا مصريًّا مهما يكن يستطيع أنْ يقرأ هذه الصفحات دون أنْ يثور قلبه ونفسه، ودون أنْ يغلي دمه غليانًا، ودون أنْ يحتاج إلى جهدٍ عنيف ليكظم غيظه أنْ ينفجر، وليمسك نفسه أنْ يندفع إلى ما لا يحسن الاندفاع إليه.

ثم تعجبك في الكتاب ملاحظات دقيقة منتشرة تمس حياتنا الاجتماعية الخاصة في الأندية والدور، ثم يعجبك في الكتاب هذا الأسلوب الظريف الذي انفرد به الأستاذ فكري أباظة، والذي وفق فيه للملائمة البريئة بين حلاوة الفكاهة ومرارة الجد، وبين اللغة الفصحى ولغة الشعب، واستطاع به أنْ يظفر بما لم يظفر به غيره من الكُتَّاب، فظفر برضا الخاصة والعامة جميعًا، وظفر بحب القراء على اختلاف ما لهم من الأهواء والنزعات والميول، فإذا أحصيت هذه الخصال التي تعجب في الكتاب، فقد يكون من الحق أنْ نحصي خصالًا أخرى لا ينبغي أنْ نمر بها معرضين، وما أشد ما كنا نحب أنْ نلقاها ولا نحصيها ولا نأخذ بها كاتبنا الأديب، وأول ما نلاحظ من ذلك هو هذا الاختلاف الذي أشرنا إليه، فلولا أنَّ الكتاب يدور كله حول شخص واحد هو الأستاذ شكري لما استطعنا أنْ نجد فيه مظهرًا من مظاهر الوحدة أو دليلًا من أدلة الانسجام، فالكتاب يوشك أنْ يمس كل شيء ويعرض لكل شيء، فهو يمس القلب والشعور، وهو يمس الحياة العملية اليومية، وهو يمس الثورة، وهو يمس الحياة السياسية بعد الثورة، وهو يمس الحياة الاجتماعية العامة والخاصة، وفي الكتاب قصص، وفي الكتاب تاريخ، وفي الكتاب فلسفة، وفي الكتاب نقد، وفي الكتاب ما شئت وما لم تشأ مما يعرض له كُتَّاب الصحف عرضًا سريعًا مسرفًا في السرعة لا تثبت فيه ولا تدقيق، وكل هذا قد أُلقي في الكتاب إلقاء، وجمع فيه جمعًا لا ينظمه إلا الزمن، وشخص الكاتب.

فأما هذا النظام الفني الذي يصل بين أجزاء الكتاب والذي يجمع السبب إلى الأثر والعلة إلى المعلول — كما يقول أصحاب المنطق — فلا تكاد تظفر به في الكتاب، والواقع أني لا أدري ماذا أراد الأستاذ فكري أباظة حين وضع كتابه هذا: أأراد أنْ يصور لنا شطرًا من حياته في هذا النوع الذي يسميه الناس بالمذكرات؟ وإذن فما هذا القصص الغرامي الكثير الذي اشتدت فيه المبالغة وعظم حظه من الإسراف، وامتلأ بهذه المآسي التي لا تكاد تقف عند حد! أم أراد أنْ يكتب قصصًا خياليًّا من هذا النوع الذي يسميه الناس رواية؟ وإذن فما هذا التاريخ الكثير الذي ينثره الأستاذ بكلتا يديه ويفعم الكتاب به إفعامًا وأكثره أو كله معروف للناس جميعًا! أم أراد أنْ يكون قاصًّا، فانقلب مؤرخًا، ثم انقلب ناقدًا خلقيًّا لا لشيءٍ إلا ليضخم حجم الكتاب؟

كل هذه أسئلة تثور في نفس القارئ إذا فرغ من قراءة الكتاب، فهو يشعر بالقاص الذي يلائم بين القصص والتاريخ ملاءمة مقبولة حين يقرأ حديث الأستاذ عن صاحبتيه ثروت ومريم، بل هو يشعر بالقاص الذي يلائم ملاءمة مقبولة بين القصص والفلسفة، حين يرى الأستاذ شكري في هذا المأزق الحرج مضطربًا بين الوفاء لمن ماتت، والافتتان بهذه الفتاة ذات الشباب الغض والوجه الحلو، والقلب النبيل، ولكن القارئ يضيع حين يرى شكري مضطربًا بين هؤلاء الأوانس اللاتي خطبهن، وحين يراه مضطربًا بين هؤلاء السيدات اللاتي كن يختلفن إليه في «الجارسونير»، ولعل الأستاذ يعذرني إذا قلت له: إني أستكثر هذا العدد الضخم من الجنس اللطيف في كتابٍ لا يكاد يزيد على المائتين من الصفحات إلا قليلًا، فأنت تستطيع أنْ تحصي ثروت ومريم، وعددًا لا بأس به من الأوانس خطبهن شكري، ثم تحصي بعد ذلك زينب وسعاد ولولو، وإحسان، وسميحة، ومن يدري! لعلي نسيت بعض هؤلاء الأوانس وبعض هؤلاء السيدات، وهناك شيء آخر تلاحظه حين تتقدم في قراءة الكتاب، وهو هذه المبالغات التي أسرف فيها الكاتب إسرافًا على نفسه وعلى القراء أيضًا.

فكاتبنا الأديب دقيق الحس، رقيق الشعور، حاد المزاج، يسرع إليه الإغماء في كل مكان وفي كل فرصة، كما يسرع إليه الصياح، وكما تسرع إليه وإلى صاحباته الحركات العصبية العنيفة التي تبلغ الصرع أو تبلغ الجنون، وكاتبنا الأديب لا يرفق بنفسه ولا بقرائه حين يصور لهم منظرًا مروعًا، فانظر إلى صاحبته مريم، وقد اعتدى على عرضها الضابط الإنجليزي، فهي تريد أنْ تقتل نفسها، وأبوها يريد أنْ يقتل الضابط، ثم يريد أنْ يقتلها هي، وصاحب الأسرة ينقذها من نفسها، وينقذها من أبيها، ثم يطلق الرصاص على نفسه، ولكنه ماكر ماهر محتال، تمر الرصاصة إلى جانب رأسه ولا تصيبه.

كل هذا في وقت قصير جدًّا، وفي صفحات قليلة جدًّا، وفي كلام ملتهب سريع يؤذي القارئ ولا يترك في نفسه أثرًا للروعة أو الجمال.

وهل يأذن الأستاذ بملاحظة أخرى على كل هذا القسم السياسي من كتابه؟ فهو أولًا معروف، وهو ثانيًا لا جديد فيه من الناحية الفنية، وهو ثالثًا مسيء إلى الكتاب يوشك أنْ يصرف عنه كثيرًا من قرائه، الذين لا يرون رأي الأستاذ في الحزب الوطني وسياسته واضطرابه بين الأحزاب على اختلاف ظروف الحياة المصرية وألوانها، وما كان أكثر ما يحسن الأستاذ إلى نفسه وإلى كتابه وإلى قرائه لو أنه ارتفع بهذا الكتاب عن الشهوات السياسية وأهواء الحياة اليومية، وقصد به إلى الفن، وإلى الفن وحده.

والأستاذ فكري أباظة ضاحك باكٍ، ولكنه إذا بكى أسرف في البكاء حتى يسبغ على الحياة لونًا مظلمًا شديد الإظلام، يبغضها إلى الناس ويقبحها في نفوسهم تقبيحًا، فإذا أضحك فهو شيطان مارد، لا يحفل بشيء، ولا يأبه لشيء، ولا يرجو لشيء ولا لأحد وقارًا، وهو على هذا النحو مضطرب المزاج أشد الاضطراب، لا يصور الرجل المعتدل، ولا يعطي للناس مثلًا صالحًا يمكن احتذاؤه وتأثره، ومع أني معجب بالأستاذ محب له، فأنا أتمنى ألا يكون الشباب كلهم أو أكثرهم مثله، فذلك لا ينفع مصر؛ لأن الشذوذ قد يستحسن في بعض الأفراد ويقبل منهم، فإذا عم أصبح خطرًا مستطيرًا.

أنكرت عليه الإطالة في حديث «الجارسونير»، ومن كان يختلف إليها من النساء، فقد أكون محافظًا مسرفًا في المحافظة، ولكنني على كل حال لا أرى لهذه الإطالة نفعًا ولا أجد فيها شيئًا جديدًا، وإنما هو حديث معاد، كثيرًا ما يتحدث به الناس في الأندية، وما أكثر ما يكتبونه في الصحف والمجلات!

ثم ينتهي الأستاذ فكري أباظة من كتابه إلى نتيجتين: فهو ينصح الشباب أنْ يتزوجوا قبل أنْ يبلغوا الخامسة والعشرين، وهو ينصح للشباب ألا يشتغلوا بالسياسة قبل أنْ يبلغوا الخامسة والثلاثين، وكلتا النصيحتين في حاجةٍ إلى البحث، بل كلتا النصيحتين لا ينبغي أنْ تقدم إلى الشباب، فكيف يستطيع الشاب أنْ يتزوج قبل أنْ يبلغ الخامسة والعشرين، وأنت تعرف من ظروف الحياة المصرية الحديثة ما تعرف، والخامسة والعشرون هي السن التي يفرغ فيها الشاب من درسه، أو يكاد يفرغ منه؟ أفترى إلى الشاب طالبًا، وزوجًا وأبًا، في وقتٍ واحد؟! أم ترى إلى الشاب زوجًا وأبًا، وهو قد خرج من المدرسة، وظفر بالإجازة، وأخذ ينتظر العمل الذي يمكنه من كسب العيش!

وشرٌّ من هذا أنْ تنصح للشاب ألا يشتغل بالسياسة قبل الخامسة والثلاثين، كيف استحال الأستاذ فكري أباظة رجعيًّا إلى هذا الحد؟ إنَّ الخامسة والثلاثين سن يصل فيها كثير من الناس إلى أرقى ما يستطيعون أنْ يبلغوه من حياتهم، وهي السن التي يكاد ينتهي عندها نشاط الشباب، وتبدأ معها رزانة الشيوخ، أفيريد الأستاذ فكري أباظة أنْ يحرم مصر نشاط الشباب المصريين، وأنْ يجعلها كلها رزانة وأناة وتقديرًا للعواقب، وإشفاقًا من الحوادث وحسابًا للغد؟ هذا كثير، كنت أظن أنه مقصور على الذين وضعوا نظام الجمعية التشريعية قبل الحرب، وعلي صدقي باشا وأمثاله في هذه الأيام، وما زلت أشك في أنه رأي يراه الأستاذ فكري أباظة، وهو المتطرف الذي لا يحب السياسة رزانة ولا أناة ولا هدوءًا.

واللغة، أيجوز لي أنْ ألفت الأستاذ إلى أنه يسرف عليها أحيانًا؟ أنا أعلم حق العلم أنه يتعمد ذلك تعمدًا في كثيرٍ من الأحيان؛ لأن أسلوبه يريد ذلك، ولأن فكاهته تقتضيه، ولكن في كتابه أغلاطًا ما أحسب أنه قصد إليها، وما أظن أنَّ الفكاهة قد اقتضتها، وإنما هو هذا الخطأ الشائع الذي يحسن بالأدباء أنْ يتجنبوه.

ومن هذه الأغلاط أيضًا لفظ «العواطفي» نسبة إلى العواطف صفحة ١٨، والجمع لا ينسب إليه على هذا النحو، وإنْ كان الشبان لا يحفلون بذلك في هذه الأيام، ومن هذه الأغلاط قوله «وخلع ملابسه حيث كانت الساعة العاشرة» صفحة ١٤ «فحيث» ظرف من ظروف المكان و«الساعة» زمان، ولست أدري! كيف يمكن أنْ يحتوي المكان الزمان، أو أنْ يحتوي الزمان المكان، وهذا خطأ شائع قد كثر التنبيه إليه، ولكن الكُتَّاب لا ينتبهون.

أما بعد، فإني أجدد للأستاذ شكري وعذري وإعجابي ونقدي، وأرجو أنْ يكون كتابه المقبل خيرًا من كتابه هذا، لا يثير في النفوس إلا ما ينبغي لصاحبه من الإعجاب الخالص.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠