الفصل الرابع

الذوق الأدبي

شديد جدًّا حرج هذا الموقف الذي يضطر إليه الصحفي إذا أراد أن يكون حرًّا، وإذا أراد أن يقدر حرية غيره، فيبيح صحيفته لنقد الناقدين واختصام المختصمين، شديد جدًّا حرج هذا الموقف؛ لأن الناس لا يقدرون حريتهم وحرية غيرهم كما ينبغي، فهم يسرفون إذا اكتالوا، ويطففون إذا كالوا، يرون لأنفسهم الحق في كل شيء؛ في أن يقولوا ما يشاءون، وفي أن يسبوا ما يشاءون، وينكرون على غيرهم كل شيء؛ فليس لهم أن يقولوا إلا خيرًا، وليس لهم أن يصفوك إلا بما تحب وترضى، يجب أن يكونوا لسانك لا ألسنة أنفسهم، يجب أن يشعروا كما تشعر، ويذوقوا كما تذوق، لا كما يشعرون ويذوقون، وقد احتملنا هذا الطغيان في الخصومة السياسية؛ لأن الله قد ابتلى مصر بأدعياء السياسة يتخذونها تجارة وسبيلًا إلى الربح، وكنا نرجو أن يعفينا الله منها في الخصومات الأدبية؛ لأن الأدباء أحق الناس أن يكونوا مؤدبين، ولكن الله أبى إلا أن يفتن الناس في الأدب كما فتنهم في السياسة وكما فتنهم في الأخلاق، فلنصبر ولنسأل الله أن يهيئ لنا من أمرنا رشدًا في كل شيء.

نكتب هذا وبين يدينا مقال للأستاذ صادق الرافعي أراد أن يدافع به عن أسلوبه في العتب، فلم يُتَحْ له هذا الدفاع إلا بالشتم واستصغار الخصم، فوصف الناقديْنِ اللذين تناولا أسلوبه في الأسبوع الماضي بأنهما عقربان، ثم أضاف إليهما القصور وحرمهما الفقه الأدبي، كأن الله عز وجل قد أبى الكمال والإتقان إلا على الأستاذ وأصحاب الأستاذ، مع أن الفضل بيد الله يؤتيه من يشاء.

ونحن مضطرون إلى أن ننشر مقال الأستاذ، لأنه يدافع عن نفسه، ولأن فيه ما يستحق الرد، ولكنا نحب أن يلتفت الأستاذ إلى أن النقد شيء والشتم شيء آخر، وإلى أن الذوق قد تغير في هذا أيضًا كما تغير في الأساليب الأدبية، فالناس لا ينقد بعضهم بعضًا الآن كما كان يتهاجى جرير والفرزدق منذ أحد عشر قرنًا، وليس ينبغي أن يباح لك الاستمتاع بالحرية الصحفية، فتسرف في هذا الاستمتاع، وتضطر صاحب الصحيفة إلى أن يخرج عن طور الأدب فينشر الشتم والسب، أو يصطنع الحزم فيأبى عليك أن تدفع عن نفسك حتى تكون في ألفاظك ومعانيك مقتصدًا مؤثرًا للين القول وحلوه على غليظه وفجه.

وبعد، فقد أعجبنا من الأستاذ دفاعه عن نفسه حين أخذناه بقوله: «وهب أن الذوق تغير» ففي هذا الدفاع بحث، ولكننا لا نريد أن ننازع الأستاذ ولا أن نطيل جداله في مسألةٍ لفظية، وإنما نلفته إلى أن الذين يؤثرون الأسلوب ويتكلفونه، ويزدرون الأساليب الحديثة ويمقتونها أحرياء ألا يتكلفوا هذه الأساليب إلا مجيدين متجنبين مواضع الشبه، مؤثرين فصيح القول على ركيكه، مفضلين ما ليس فيه شك على ما وقع فيه الخلاف، وأنا أعتقد أن الأستاذ حين كتب عبارته كان يعتقد أنها صحيحة فصيحة لا غبار عليها ولا خلاف فيها، فلما نبهناه إلى هذا رجع إلى اللسان وإلى الحريري، فجعل الله له مخرجًا من حيث لم يحتسب، فليهنأ الأستاذ حسن حظه بما قال ابن بري، وليحرص منذ الآن إذا تكلف القديم على أن يكون قديمًا حقًّا، لا قديمًا من قوارير.

ثم سخر الأستاذ من ناقديه، وعرض لهما مثلين من الأدب الذي يليق بأهل هذا العصر. عرض لهما كتابين كان يكتبهما لو لم يكن من أنصار القديم المخلصين في نصره وتأييده، ويسوءنا أن نلفت الأستاذ إلى أنه لم يوفق في هذه السخرية، وأن مثليه لا يصفان أذواق الناس في هذا العصر، فهم لا يكتبون كما كتب الأستاذ في رسالته التي هو بها معجب، وهم لا يكتبون كما كتب الأستاذ في رسالتيه اللتين هو منهما ساخر، وإنما لهم في العتب وغير العتب أساليب صادقة سهلة حلوة، يشعرون بها ويفهمونها، وهي بريئة من تكلف الرياضة، بريئة من تكلف الفلك، بريئة من تكلف لغة الفقهاء؛ ونريد الفقهاء الذين يتلون القرآن على القبور، أساليب هذا العصر بريئة من كل هذا التكلف؛ ولهذا نؤثرها وننصرها، وندعو الناس إلى إيثارها ونصرها إن أرادوا أن يكونوا صادقين حقًّا فيما يكتبون وفيما يحسون.

ثم أراد الكاتب أن يناقش ما كتبناه عن الذوق الأدبي الجديد، فرأى أنا موفقون وأنا غير موفقين، موفقون «إذا اعتبرنا به ما بين الكتاب وجمهور الناس» وغير موفقين «إذا اعتبرنا به ما بين الأدباء بعضهم من بعض»، وإذن فللكتابة ذوقان: ذوق مبتذل يصطنعه الأدباء إذا تنزلوا إلى مخاطبة «جمهور الناس»، وذوق آخر راقٍ جليل الخطر مقدس يصطنعونه إذا تحدث بعضهم إلى بعض، هذا رأي الأستاذ.

أما نحن فنرى غير هذا الرأي، ونرى أن الذوق الأدبي العام واحد لا يتغير بتغير من تتحدث إليه، وقد تختلف الرسائل عسرًا ويسرًا وتختلف لينًا وشدة، باختلاف من تتحدث إليه، فللصحف لغة وأساليب ليست للكتب التي يؤلفها العلماء للعلماء والأدباء للأدباء، ولكن ذلك شيء واختلاف الذوق شيء آخر، وهؤلاء كتاب أوروبا وأدباؤها يتحدث بعضهم إلى بعض ويتحدثون إلى جمهور الناس في الفرنسية أو الإنجليزية أو الألمانية، فلا يختلف الذوق الأدبي فيما يكتبون باختلاف القراء، وإنما يؤثرون الوضوح والجلاء حينًا فيطنبون ويسهبون ويصطنعون ألفاظًا ألفها الناس، ويؤثرون القصد والإيماء حينًا فيوجزون ويتخيرون ألفاظًا منتقاة، والذوق هو الذوق، والكتابة هي الكتابة، وروح العصر الذي يعيشون فيه هو هو فيما يكتبون لنظرائهم وفيما يكتبون لعامة الناس.

ونحسب أن الأمر كان كذلك أيام العباسيين، في هذا العصر الذي يرى الأستاذ أنه أحد ممثليه، فلم يكن في هذا العصر ذوقان أدبيان: ذوق مبتذل يتنزل به الكتاب إلى عامة الناس، وذوق أرستقراطي يتفكهون به فيما بينهم، هذا إسراف يذكِّرنا برأي بعض الفرق الباطنية؛ رأي أولئك الذين يرون الدين وسيلة إلى إصلاح العامة وأخذها بالمعروف وحملها على النظام، فأما الخاصة فهي منظمة بطبعها راقية بطبعها؛ وإذن فليست في حاجةٍ إلى الدين، يباح لها ما حظ على العامة، يجب على العامة أن تصلي وتصوم، أما الخاصة فلها أن تشرب الخمر وتقترف الآثام؛ لأن هذه الآثام أضعف من أن تفسد نفوسها الطاهرة الراقية بفطرتها. إلى هذا النحو ذهبت طائفة من غلاة الباطنية، ويظهر أن الأستاذ يريد أن يذهب في الأدب مذهب أولئك الناس في الدين.

أما نحن فنريد أن يفهمنا الناس، كما نريد أن نفهم الناس، ولهذا نتحدث إلى الناس بلغة الناس، وإذا تحدثنا إلى الأدباء أمثال الأستاذ تحدثنا إليهم أيضًا بلغة الناس، وليسمح لنا الأستاذ أن نلفته إلى شيءٍ ذي بال، وهو أن الأدباء الذين «يقدرون أنفسهم» لا يكتبون إلا وهم يفكرون في أنهم يُظهرون الناس على شيءٍ من أنفسهم، وفي أن ما يكتبون له قيمته؛ فهو خاص اليوم ولكنه عام غدًا، ولعل الأستاذ لا يجهل أن رسائل الأدباء فيما بينهم تنشر في حياتهم وتنشر بعد أن يموتوا، وإذن فخليق بالأديب الذي يقدر نفسه ويريد أن يقدره الناس إذا كتب، أن يفكر في هؤلاء الناس، وأن يكون من السهولة ومراعاة الذوق الأدبي بحيث لا يعجز الناس عن فهمه، والأدباء حقًّا يذهبون هذا المذهب، فنحن نقرأ الرسائل الخاصة التي كتبها «فكتور هوجو» إلى الشعراء والأدباء والتي تلقاها منهم، فنفهمها كما نفهم غيرها من الرسائل، ونقرأ ما كان بين «رينان» و«برتلو» من الرسائل فنفهمها دون مشقة ولا عناء، ولم يكن «فكتور هوجو» و«لامارتين» و«فلوبير» و«بودلير» و«رينان» و«برتلو» يتكاتبون باللاتينية ولا بفرنسية القرون الوسطى ولا بفرنسية القرن السادس عشر ولا بفرنسية القرن السابع عشر أيضًا، وإنما كانوا يتكاتبون بفرنسية القرن التاسع عشر وذوق القرن التاسع عشر، ولم يكن أدباء العصر العباسي إذا تحدث بعضهم إلى بعض أو كتب بعضهم إلى بعض يصطنعون ألفاظ رؤبة والعجاج وأساليب الجفاة من الأعراب، وإنما كانوا يتحدثون ويكتبون متأثرين بذوق العصر الذي يعيشون فيه، وإذن فلسنا مجددين إذا دعونا إلى الملاءمة بين اللغة وبين الحياة، نحن أقرب إلى السنة العباسية من الأستاذ، ونحن أقرب إلى السنة الأدبية العامة من الأستاذ، نحن أحياء نحب الحياة ولا نحب الموت.

يخشى الأستاذ إذا انتصر مذهبنا أن تضعف اللغة ويذوي عودها، وأن يضطر الناس بعد حين إلى أن يترجموا العربية إلى العربية، وليطمئن الأستاذ! فليست اللغة تتعرض لهذا الخطر إذا انتصر مذهبنا، وإنما تتعرض له إذا انتصر مذهبه، وآية ذلك بينة، وهي أن الناس محتاجون الآن إلى أن تترجم لهم رسالته في العتب، وليسوا محتاجين إلى أن تترجم لهم رسائلنا، ماذا نقول، ليسوا محتاجين إلى أن يترجم لهم الجاحظ وابن المقفع، وهم محتاجون إلى أن يترجم لهم الأستاذ صادق الرافعي، وَسَلِ القرَّاء ينبئوك الخبر اليقين!

ولسنا في ذلك بدعًا من الناس، فلك أن تذهب إلى باريس وإلى «بيت موليير» لترى كيف يسمع الناس ويفهمون من غير مشقة ولا عناء لغة «كورنيل» و«راسين» و«موليير» دون أن يحتاجوا إلى مترجم، وأؤكد لك أن الذوق الأدبي في القرن السابع عشر الفرنسي غيره في هذا القرن الذي نعيش فيه، ذلك لأن اللغة الفرنسية تحيا وتستحيل في نظامٍ وهدوء، فهي لا تطفر ولا تثب، وإذن فالصلة قائمة متينة بين عصورها الحديثة على اختلافها، وكذلك كانت الحال أيام العباسيين، وكذلك نريد أن تكون الحال في هذه الأيام.

أما إشفاق الأستاذ أن تدفن الكتب العربية كلها لأنها من آثار الذوق القديم، وأن «يوضع على دار الكتب شاهد من شواهد القبور» فألفاظ تنثر ولا تقدر، ذلك أنا لا نشفق على كتب العرب هذا الإشفاق ولا نخشى عليها الموت، وإنما نأمل لها حياة أصلح وأنفع من حياتها الآن إذا انتصر رأينا، نأمل لها أن تحيا كما تحيا الآن في فرنسا آثار «راسين» وفي إنجلترا آثار «شكسبير»، ذلك أنا لا نقطع الصلة بين قديمنا وحديثنا، وإنما نزيدها قوة ومتانة، نستمد الحياة من قديمنا على أن نضيف إليه من الحديث ما يتيح له الخصب والإثمار، وهذا هو الفرق بيننا وبينك يا سيدي الأستاذ.

أقصيت عصرًا من عصور اللغة ليس هو أجملها ولا أنقاها، ثم لجأت إليه وتحصنت به، وأبيت أن تتأخر عنه أو تتقدم، أما نحن فنستبيح لأنفسنا عصور اللغة كلها، نستخلص صفوها، ونضيف إليه صفو العصر الحديث؛ فنجد من ذلك شرابًا عذبًا يبعث فينا القوة والحياة.

لك يا سيدي الأستاذ أن تناقش وتجادل عن رأيك، ولكن عليك أن تلتفت إلى شيئين؛ أحدهما: لين القول والرفق فيه. والآخر: أن «السياسة» حرة تنشر ما يصل إليها من الرسائل متى شاءت وحيث شاءت، فإن لم يرقك هذان الشرطان فنحن آسفون، والصحف في مصر كثيرة، والسلام.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠