الفصل التاسع

لغتنا الرسمية منذ نصف قرن

لن تجد في هذا الحديث ظرف أبي نواس ولا دعابته، ولا أثرًا أدبيًّا من هذه الآثار التي تعودت أنْ أتحدث فيها إليك، ولكنك ستجد فيه شيئًا له قيمته وخطره، وربما كان أعظم قيمة وأجلَّ خطرًا من ظرف أبي نواس ودعابته؛ ذلك لأنه يمسنا ويمسنا من قريب جدًّا، ولا تظن أنه يمسنا من حيث اللغة الرسمية وحدها؛ فهو يمسنا من ناحية أخرى، من ناحية الآثار المصرية والعناية بالآثار المصرية، ولقد حدثتك ذات يوم عن لغة الحجاز، واتخذت منشور صاحب الجلالة الهاشمية فيما بينه وبين مصر من خلاف نموذجًا لهذه اللغة الحجازية، أما اليوم فأحدثك عن لغتنا نحن الرسمية، وأتخذ نموذجًا لهذه اللغة نصوصًا ثلاثة، صدر أحدها عن أمير مصر سعيد باشا، وصدر الثاني عن ناظر خارجيته، وصدر الثالث عن البطركخانة القبطية بالقاهرة، ولست أفسر هذه النصوص، ولا أعلق عليها، فهي تفسر نفسها وتشهد بالشأو البعيد الذي قطعته لغتنا الرسمية الآن، على ضعفها وسوئها، في الرقي والبراءة من الفساد، تشهد بذلك وتدعو كتابنا وأدباءنا إلى ألا يملكهم السأم والغيظ حين يقرءون ما يصدر عن دواوين الحكومة المصرية في هذه الأيام، فإن ما يصدر عن دواوين الحكومة المصرية في هذه الأيام قد يكون من آيات البيان العربي بالقياس إلى ما كان يصدر عنها منذ نصف قرن، ولكني أحب قبل أنْ تقرأ هذه النصوص أنْ تعرف موضوعها.

مرقس بك كابس عالم مصري قبطي، ولد في طهطا سنة ١٨٣٠، ونال من روما شهادة الدكتوراه في الفلسفة والعلوم الدينية سنة ١٨٥٧ وعاد إلى مصر، وكان يريد أنْ يكون قسيسًا كاثوليكيًّا، ولكنه عدل عن هذا واشتغل بالحياة المدنية، فعين سنة ١٨٦٣ أمينًا مساعدًا بالمتحف المصري في بولاق ومفتشًا للبحث عن الآثار، ثم اعتزل هذا العمل سنة ١٨٧٥ وعمل في تصفية بيت المال، ثم توفي سنة ١٩٠٥، وكان عضوًا بالمجمع العلمي المصري وترك آثارًا قيِّمة في الهيروغليفية والقبطية، قد نعرض لها في غير هذا الحديث.

فلما اختير للعمل في المتحف المصري أراد أنْ يزور الأديار ويطلع على ما فيها من الكتب والآثار، وسعى له «مريت» في ذلك عند الأمير، فصدر الأمر إلى ناظر الخارجية بأن يتكلم في ذلك إلى البطركخانة، ثم صدر من الأمير منشور إلى مديري الأقاليم ونظار محطات السكك الحديدية والمشرفين على السفن النيلية، يطلب إليهم أنْ يعينوا هذا المفتش وييسروا عليه القيام بما كُلِّفَ به من البحث عن الآثار، وإليك هذه النصوص، فاقرأ واضحك، وتدبر وتبين منها أنَّ عناية المصريين بالآثار المصرية وتفوقهم فيها كان لهما منذ حين شأن ليس لهما الآن، ثم تقدم معي بالشكر إلى هذا الصديق الذي لا أسميه والذي تفضل على «السياسة» بهذه النصوص الثلاثة.

طه حسين
(١) إعلان إلى مديرون الأقاليم قبلي وبحري، ونظار محطات السكة الحديد، ومأمور وابورات بحر النيل:

رافعه مسيو كابيز جرى انتخابه بمعرفة مأمور الأنتيقة؛ لضرورة الاطلاع على الكتب والآثار الموجودين بالديورة القبطية الكائنة على شاطئ النيل، والديورة التي بالصحراء، والمأمور المومى إليه التمس بواسطة ديوان الخارجية صدور إعلان من لدنا بإعطاء ما يلزم من الجمال، وما يلزم للمشالات والأنفار الكفاية لأجل مساعدته على هذه المأمورية المتوجه لها، وحيث وافق إرادتنا تعيينه لما ذكر، وأعطاه ما يلزم من المديريات من جمال أو أنفار أو ركائب؛ لتوصيله من أي جهةٍ إلى الجهة التي يقصدها بالقطر المصري — قبلي وبحري — ثم إذا كان قاصدًا جهة من لزوم هذه المأمورية ويكون وابور قائم من وابورات السكة الحديد أو البحر، فيجري نزوله وتوصيله، فقد أصدرنا هذا الإعلان وعطي له بيده الاعتماد الأجري بموجبه في الجهات التي يمر بها داخل الحكومة، كما اقتضته إرادتنا.

ختم
محمد سعيد
٤ جا سنة ٧٨، نمرة سايرة ٥٧
(٢) صورة أمر وارد من سعادة أفندم الباشا ناظر أمور خارجية تاريخه ٢٣ سنة ١٢٧٨ نمرة ٣٠ خطابًا إلى وكيل بطرخانة الأقباط:

أنَّ مدير الآثار التاريخية المعين من طرف سعادة أفندينا وَلِّي النعم الخديوي الأعظم، أنهى للأعتاب الخديوية أنه بحسب اقتضى المصلحة ينبغي مشاهدة كافة الديورة القبطية الموجودة بالقطر المصري، التابعة إلى الطائفة رئاسة جنابكم إنْ كان على شواطئ بحر النيل المبارك أو بالصحراء؛ لأجل الاطلاع على الكتب الموجودة بها والآثار القديمة، وبناءً على التماس المومى إليه، صدر لنا النطق السامي بمكاتبة محبتكم عن هذه الخصوص؛ لكي أنْ تحرروا من طرفكم إعلانات عمومية لكافة رويسا الديورة، أنْ يرخصوا إلى مسيو كابيز الذي تعين لهذه المأمورية بالاطلاع على الكتب والآثار القديمة التي توجد بالديورة رياستهم؛ فلذا اقتضى تحريره لجنابكم، نؤمل بوصوله لطرف محبتكم، تأمروا من يلزم بتحرير الإعلانات اللازمة، وترسلوها لطرفنا بمكاتبة من محبتكم؛ لأجل توصلها إلى المعين في هذه المأمورية، ومأمولنا في جنابكم نجاز ذلك في أقرب وقت اتباعًا للأمر الكريم.

(٣) من البطرخانة المرقسية بمحروسة مصر إلى جناب المكرم القمص عبد الملك ريس دير العدوي المعروف بالمحرق بجبل قسقام بمديرية أسيوط:

الأمر المحرر صورته أعلاه وارد من سعادة أفندم الباشا ناظر أمور خارجية إلى البطركخانتيك، عما تعلقت به الإرادة السنية من جهة البحث عن الآثار التاريخية، وأنه صدر النطق السامي بتعيين المسيو أكابيز لمروره على كافة الأديورة القبطية، والاطلاع على ما يوجد بهم باطلاعكم على ما حواه الأمر المشار إليه تفهمون الكيفية، وحيث أنه فرض واجب نفاذ ما تعلقت به الإرادة الداورية فاقتضى تحرير هذا من البطركخانة إعلانًا لكم لكي بقدوم حضرة المسيو المومى إليه لجهة طرفكم تقابلوه بمزيد الإكرام وتقديم واجبات التبجيل والاحترام، وتمروا معه على محلات الدير بطرفكم، وكل ما أراد الاطلاع عليه وآثارات أو كتب تطلعوه عليه بحسبما يرغب بدون تمنع، ومن كون الغرض هو الاطلاع والمعاينة فقط كمنطوق الأمر فمن بعد مطالعته على ما يصير الاطلاع عليه يصير إعادته وحفظه بمحله كما كان، وإنما الأمل تبذلون في ذلك غاية جهدكم وتشمروا عن ساعد جدكم فيما يلزم نجازه حتى يعود شاكر لحسن مرآكم والمحذور أنْ يحصل قصور من طرفكم يوجب لملامتكم معاذ الله تعالى.

ختم
من البطركخانة المرقسية بمصر

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠