الفصل الثاني

شعاب الطريق

١

ليست الفلسفة العلمية التي ندعو إليها وليدة اليوم؛ فقد تناوَب التفكيرَ الفلسفي على مدى التاريخ ضربان من الفلاسفة يختلفان من حيث الدوافع التي حفزتهم إلى التفلسف؛ فهنالك الفلاسفة الذين استهدفوا بفلسفاتهم غايات دينية أو خلقية، مثل أفلاطون وسبینوزا وهيجل، وهنالك إلى جانب هؤلاء فلاسفة كان التفكير العلمي رائدهم، مهما اختلفوا في النتائج التي انتهَوا إليها، مثل ليبنتز ولُك وهيوم، وإلى جانب أولئك وهؤلاء فريقٌ ثالث اتخذ طريقًا وسطًا، مثل أرسطو ودیكارت وباركلي وكانت. «وفي اعتقادي أن الدوافع الأخلاقية والدينية — على الرغم مما قد أنتجَته من نسَقات فلسفية تتَّسم بعظمة الخيال — إلا أنها كانت على وجه الجملة عائقًا في سبيل التقدم الفلسفي.»١

على أننا وإن نكن ندعو إلى اطِّراح الفلسفة التي تجعل هدفها تثبيت قواعد الدين أو الأخلاق، فليس يعني هذا أبدًا أن نتخلَّى عن الدين أو الأخلاق، وكل ما في الأمر هو أننا لا نريد للفلسفة بمعناها الاصطلاحي الدقيق أن تكون وسيلة لنشر أخلاق بعينها أو دين بذاته؛ لأن لهذين وسائل أخرى ليس بينها التحليل العقلي الموضوعي للعبارات اللغوية وما تتضمَّنه من قضايا وكيفية إثبات هذه القضايا، وليس من شأننا الآن أن نُبدِي الرأي في الطرائق المُثلى لتثبيت الأخلاق أو لإثبات الدين.

مذهبنا هو «أن يكون العلم — لا الأخلاق ولا الدين — مصدر الوحي للفلسفة».٢ وليس في هذا انتقاص لما يمكن أن تُوحي به الأخلاق أو يُوحي به الدين من ضروب الفكر، ولكن هذا كله شيء والفلسفة بالمعنى الذي نريده لها شيءٌ آخر؛ ذلك أن المفكِّر إذا ما جعل رائده في التفكير عقيدة دينية أو مذهبًا خلقيًّا، فيستحيل عليه أن يتخلَّى عن تقييم الأشياء والأفعال تقييمًا يجعل من بعضها خيرًا ومن بعضها الآخر شرًّا، وما دام الإنسان قد تصدَّى لمثل هذا التقييم فقد بَعُد عن المنهج العلمي الذي لا يُفرِّق في موضوع البحث بين خير وشر، ولا بين جميل وقبيح؛ فالزهرة عند عالم النبات كائن يُطلَب تحليله وتشريحه، ولا يُطلَب تقييمه جمالًا أو قُبحًا، وكذلك العبارة اللغوية عند من يريد أن يتناولها تناولًا علميًّا شيءٌ يُراد تفتيته إلى أجزائه ومُقوِّماته، ولا شأن له بعد ذلك بما قد تبعثه في نفس قارئها أو سامعها من نشوة أو انقباض.

النظرة العلمية تقتضي صاحبها ألا يُجاوِز أوضاع الأمور الواقعة؛ فإذا أراد — مثلًا — أن يُحدِّد تأثير الضوء على حدقة العين التي ترى ذلك الضوء، حصر نفسه فيما يظهر له في حدقة العين من تغيرات، دون أن يُجاوِز ذلك إلى «شعور» الرائي؛ فقد يُسبِّب وقعُ الضوء على العين «ضيقًا» أو «ارتياحًا»، لكن أمثال هذه الحالات النفسية الداخلية لا تكون جزءًا من النظرية العلمية التي تصف وَقْع الضوء على العين. ولمَّا كان «وضع» الأمور في عالم الواقع هو وحده مجال البحث العلمي، أُطلقَ على النظرة العلمية اسم «الوضعية»؛ فإن كان «الوضع» القائم الذي يشغل الباحث عبارة من عبارات اللغة أو لفظة من ألفاظها، كانت «الوضعية» في هذه الحالة وضعية «منطقية»؛ ومن ثَم كان هذا الاسم (الوضعية المنطقية) مُميِّزًا لطائفة من أصحاب الفكر صمَّموا على ألا يُجاوزوا الواقع بنظرهم، وعلى أن يكون هذا الواقع الذي يختصُّون به هو اللغة التي يصوغ فيها سائر العلماء علومهم على اختلاف موضوعاتها.

لكن هذا الاتجاه «الوضعي» العلمي بين الفلاسفة لم يكن دائمًا «منطقيًّا» في صبغته، بل إنه لم يصبح كذلك إلا في العُشار الثالث من أعوام هذا القرن. وكانت هنالك قبل ذلك اتجاهات وضعية في عالم الفلسفة، جعلت موضوع تحليلها «الأشياء» لا «العبارات اللغوية والألفاظ»، غير أنهم بالطبع لم يُنافِسوا علماء الطبيعة والفَلك وما إلى ذلك في «أشيائهم» التي يبحثونها، ولكنهم اختصُّوا «بأشياء» أخرى لم تكن من شأن غيرهم من العلماء، ألا وهي — على وجه الجملة — «المعرفة الإنسانية»، فما حدودها؟ وما عناصرها؟ وما نصيبها من اليقين؟

وأول فيلسوف وضعي بالمعنى الشامل الدقيق هو «ديفد هيوم» (١٧١١–١٧٧٦م)؛ فقد تنبَّه ونبَّه الأذهان إلى أنه يستحيل على الإنسان أن يهتدي إلى وصف العالم الواقع بالتفكير الاستنباطي وحده؛ أعني أن من أراد أن يتحدث عن الوجود الخارجي في أي جزء من أجزائه، فلا يجوز له أبدًا أن يحصر نفسه بين جدران رأسه، ليضع لنفسه «مبدأً» يزعم أنه قد رآه بالحدس، ثم يستنبط من ذلك المبدأ نتائجه ونتائج نتائجه، وبعدئذٍ يقول إن هذه النتائج التي جاءته استنباطًا، إنما هي تصوُّر هذا الجزء أو ذاك من أجزاء العالم الواقع. ولما كان هذا هو بعينه ما يفعله الفلاسفة الميتافيزيقيون، إذ ترى الواحد منهم يصف العالم الخارجي أو أي جزء منه، لا عن طريق ما قد رأت عيناه أو سمعت أذناه، بل عن طريق استنباطه المنطقي العقلي الصِّرف بادئًا من مبدأ فرَضه لنفسه فرضًا؛ أقول إنه لما كان هذا الضرب من التفكير هو بعينه ما يفعله الفلاسفة الميتافيزيقيون، فقد جاء هیوم بمثابة الضربة القاتلة الأولى للتفكير الميتافيزيقي.

نعم قد سبق هیومَ فلاسفةٌ آخرون عرفوا أن التفكير الاستنباطي وحده لا يكفي بذاته أن يُنبئنا بشيء عن العالم الواقع، وأن سبيل معرفة هذا العالم الواقع هو التمرُّس بظواهره عن طريق الحواس، لكن فضل هيوم في هذا الصدد هو تطبيق هذا المبدأ في غير مُلايَنة أو تسامُح؛ فلم يفزع — كما فزع «لُك» من قبله مثلًا — من تطبيق المبدأ على أشياء كالنفس الإنسانية، فهي — كغيرها من الأشياء — إذا لم أخبُرها بالحواس فلا سبيل إلى علمي بها؛ وبالتالي فكل حدیث عنها هُراء، ولا يُنجيها أن تقول إن وجودها ينتج منطقيًّا عن كذا وكذا من المقدمات والمبادئ؛ لأن الاستنباط وحده — كما قلنا — يستحيل أن يُنبئ بجديد عن الوجود وكائناته.

وإنا لَنقدر هذه اللفتة الجديدة في تاريخ الفلسفة حق قدرها، حين نذكُر كم من أعلام الفلاسفة قد أقام بناءه الفلسفي على المنهج الاستنباطي الخالص، فتراه يبدأ بحقيقة أو طائفة من حقائق يزعم أنها واضحة بذاتها، وما دامت كذلك فكل ما ينتج عنها بالاستنباط يكون كذلك واضحًا لا يحتمل الشك. ولو وقف هؤلاء الفلاسفة الاستنباطيون عند هذا الحد لما كان على موقفهم غبار؛ لأن شأنهم عندئذٍ يكون كشأن علماء الرياضة يفرضون مجموعة من المُسلَّمات في أول الأمر ثم يستنبطون منها نظرياتهم، فتكون هذه النظريات صادقة صِدقَ مقدماتها، ما دام استنباطها من تلك المقدمات لم يتعرَّض للخطأ، لكن علماء الرياضة حين يُشيدون بناءهم الرياضي على هذا الطراز لا يزعمون أنه يُصوِّر بالضرورة عالم الطبيعة الخارجي، بدليل أنهم يستطيعون أن يُغيِّروا من مجموعة المُسلَّمات الأولية فتتغير بذلك النظريات المُستنبَطة؛ أي يتغير بذلك البناء الرياضي عما كان عليه في الحالة الأولى، ويكون كلٌّ من البناءين صحيحًا من الوجهة الرياضية، مع أنه يستحيل أن يَصدُقا معًا على العالم الطبيعي؛ أقول إنه لو سار الفلاسفة الاستنباطيون على غِرار العلماء الرياضيين، ففرضوا فروضهم «الواضحة بذاتها» ثم استنتجوا منها نتائجها، دون أن يزعموا أن تلك الفروض أو هذه النتائج مُصوِّرة لما يجري في عالم الطبيعة، لما كان لأحدٍ اعتراضٌ على ذلك، ولكان عملهم من قَبيل الرياضة الذهنية لا أكثر ولا أقل، لكنهم لا يَقنعون بهذا، ويُصرُّون على أن تكون نتائجهم الاستنباطية التي هي من فعل العقل وحده مطابقة للظواهر الطبيعية؛ ومن ثَم يقع الخطأ.

كان للمنهج الاستنباطي الخالص بريقٌ يَخطَف أبصار الفلاسفة على اختلاف مذاهبهم، وما ظنُّك بمنهجٍ كل ما يتطلَّبه من المُتعارِضين في الرأي أن يتفقوا على صواب حقيقة واحدة أو طائفة قليلة من حقائق؛ فإذا ما تمَّ لهم مثل هذا الاتفاق ضمنوا الاتفاق بعدئذٍ على تفصيلات البناء الفكري كله؛ لأن هذه التفصيلات كلَّها إنما جاءت نتائج محتومة لتلك المقدمات الأولى التي تم عليها الاتفاق بادئ ذي بدء. انظر مثلًا إلى الجهد الجبَّار الذي بذله توماس الأكویني (١٢٢٥–١٢٧٤م) ليستخلص تفصيلات المذهب الكاثوليكي كلَّها من عدد قليل جدًّا من المقدمات، كان يراها قريبة إلى كل عقل سلیم، وإذَن فلا عقبة هناك تَحُول دون الاتفاق على صوابها؛ وبالتالي يتمُّ الاتفاق على مجموعة التفصيلات التي تلزم عنها لزومًا منطقيًّا.٣ وقُل شيئًا كهذا في كثير جدًّا من فلاسفة اليونان وفلاسفة العصر الوسيط، بل في كثير جدًّا من فلاسفة العصر الحديث ذاته، الذين حسبوا أنفسهم ثائرين على المنهج الاسكولائي في التفكير، وإذا هم يَنهجون النهج نفسه من حيث الجوهر والأساس؛ فهكذا فعل ديكارت حين علَّق بناءه الفلسفي كلَّه على مِسمار واحد، هو نقطة البداية التي زعم أنها «واضحة بذاتها»، وهي تقريره عن نفسه أنه يُفكر، ثم جاءت تفصيلات البناء كله نتيجةً لازمة عن تلك البداية، ومن هذه التفصيلات ما يصف أجسام الطبيعة المادية الخارجية. وهكذا فعل سبينوزا الذي أغراه القالب الرياضي الاستنباطي إغراءً حدا به أن يستخدم هذا القالب كما استخدمه إقليدس بغير تحريف ولا تغيير؛ بُغيةَ أن يصل إلى نتائج لها نفس اليقين الذي تتَّصف بها نظريات إقليدس، فتراه في كتابه «الأخلاق» يبدأ — كما فعل إقليدس تمامًا — بطائفة من مُسلَّمات، منها ما هو تعريف ومنها ما هو بديهية أو مُصادَرة، ثم طفق بعد ذلك يستخرج من تلك المُسلَّمات كل ما يمكن استخراجه من نتائج، فإذا كان بين هذه النتائج ما يُشير إلى العالم الطبيعي الخارجي، كان معنى ذلك أنه استطاع الحديث عن هذا العالم ناسجًا من عقله الخالص، بغير حاجة منه إلى استخراج حواسه في ملاحظات أو تَجارِب.

إلى هذا الحد البعيد كان تأثير المنطق الأرسطي في صياغة التفكير الفلسفي على مر العصور؛ إذ انصرف جهد الفيلسوف إلى صبِّ بنائه في قالب استنباطي كما رأيت، مُستغنيًا عن حواسه في إدراك حقيقة العالَم. ولو رجعت إلى المبادئ الأولى التي كان يستند إليها هؤلاء الفلاسفة في تشييد بناءاتهم الفلسفية، والتي زعموا لها الوضوح الذاتي الذي لا يحتمل شكًّا، وجدت تلك المبادئ مُشتملة على ألفاظ كهذه: «نفس»، «روح»، «عقل»، «عنصر»، «تفكير»، «إرادة حرة»، وهكذا. وهي كلها كما ترى ليست أسماءً تُسمِّي محسوسات من عالم الأشياء الطبيعية. نعم إنهم كانوا يُعرِّفونها ليستدلُّوا من تعريفاتهم لها ما يمكن استدلاله من نتائج، فيزعمون الصدق لهذه النتائج ما دامت قد استُنبطت من تلك المقدمات، ولكن فاتَهم أنهم يدورون في ألفاظ بعد ألفاظ؛ فبالألفاظ التي لا تُسمِّي شيئًا كانت البداية، وبالألفاظ التي اشتقُّوها من تلك البداية كان طريق السير ثم النهاية. ولسنا نُنكر في مثل هذا العمل العقلي اتِّساقًا منطقيًّا؛ فقد يكون السير الاستدلالي على أتمِّه وأكمله وأضبطه، ولكن أين عسى أن تكون العلاقة بين هذا البناء اللفظي من جهة وبين أمور الطبيعة الواقعة من جهةٍ أخرى؟

ها هنا نُعيد من جديدٍ ما جاء هيوم لیؤكِّده، وهو أن التفكير الاستنباطي وحده، وإن يكن يُحدِّد الروابط بين فكرة وفكرة، إلا أنه لا يُجاوِز حدود الرأس إلى حيث العالم الواقع؛ فأمور هذا الواقع يستحيل أن تدخل في مجال إدراكنا إلا عن طريقٍ آخر، هو طريق الحواس؛ فالخبرة الحسية وحدها هي المصدر الذي نستقي منه العلم بالعالم الخارجي؛ وبهذا القول أصبح هيوم في طليعة الرُّوَّاد إن لم يكن الرائد الأول بحق للفلسفة الوضعية الراهنة، على الرغم من الاختلاف البعيد بين وضعيَّته ووضعية الحركة الفلسفية المعاصرة؛ إذ بينما جعل اهتمامه الأول تحليل «المعرفة» تحليلًا نفسيًّا لا منطقيًّا، بمعنى أنه حاوَل أن يردَّ «الأفكار» إلى مصادرها الأولى البسيطة، فكانت هذه المصادر عنده هي «الانطباعات» الحسية التي انطبعت بها هذه الحاسَّة أو تلك، والفكرة التي نُحاوِل ردَّها إلى مصدرها الحسي فلا نجد لها مثل هذا المصدر تكون عنده فكرة وهمية باطلة؛ أقول إنه بينما جعل مجال بحثه تحليلًا نفسيًّا كأنما هو عالم نفسي يبحث في التفكير الإنساني، ترى الوضعية المعاصرة «منطقية» لا نفسية؛ فالذي تُحلِّله ليس هو «الأفكار» بل «القضايا»، والعناصر البسيطة التي تُحاوِل الارتداد إليها ليست هي «الانطباعات» الحسية الأولية، بل هي القضايا الأولية التي لا يمكن تحليلها إلى ما هو أبسط منها، على أن كل واحدة من هذه القضايا الأولية لا تكون كذلك إلا إذا كان موضوعها خبرةً حسية مباشرة، كانطباعةٍ لونيَّة على العين أو ضغطةٍ لمسيَّة على سطح الجلد وهكذا.

٢

الوضعية المعاصرة — إذَن — ترتدُّ إلى «هیوم» من حيث ارتكازها في نهاية التحليل على الخبرة الحسية المباشرة، وذلك حين يكون الحديث قائمًا حول ظاهرة من ظواهر العالم الخارجي، لكن ما كل حديث يقوم على الظواهر الطبيعية، بل هنالك ضربٌ آخر من الحديث يكون موضوعه «لفظة» مُعيَّنة نتحدث عنها بما يُعرِّفها، كقولنا — مثلًا — «الجرو كلبٌ صغير»، فها هنا لا يقتضينا الأمر أن ننظر خارج العبارة نفسها لنعلم إن كانت صادقة أو غير صادقة؛ لأن صِدقها قائم في تكوينها نفسه؛ وإذَن فهو صِدقٌ نُقرِّره لها «قبل» النظر إلى الجِراء في عالم الحيوان؛ إذ الأمر أمر لفظة وتعريفها، أو فكرة وتحليلها.

هذه التفرقة المنطقية بين نوعَي القضايا؛ القضايا التي يقتضي تحقيق صِدقها رجوعًا إلى عالم الواقع الخارجي، والقضايا التي لا يقتضي تحقيق صِدقها أكثر من مراجعة الكلام نفسه عَجُزه على صدره، لنرى إن كان العَجُز تَكرارًا دقيقًا للصدر كله أو بعضه؛ أقول إن هذه التفرقة المنطقية بين نوعَي القضايا، والتي هي — كما سنرى في غضون هذا الكتاب — من أهم الركائز التي يرتكز عليها التحليل الحديث، إنما يرجع أكبر الفضل فيها إلى ليبنتز (١٦٤٦–١٧١٦م)، على الرغم من أن الوضعيِّين المُحدَثين لم يستخدموا هذه التفرقة لنفس الأغراض التي استخدمها ليبنتز من أجلها، بل على الرغم من أن الوضعيِّين المعاصرين لم يتَّفقوا مع ليبنتز على تفسير واحد لها.

فقد فرَّق ليبنتز تفرقةً واضحة بين ما أسماه ﺑ «حقائق العقل» وما أسماه ﺑ «حقائق الواقع»، أما «حقائق العقل» فأزليَّة وضرورية؛ أي إن صِدقها لم يحدث في لحظة مُعيَّنة من لحظات الزمن، بل هي صادقة منذ الأزَل وستظل صادقة إلى الأبد، وصِدقها «ضروري» بمعنى أنه يستحيل عليها احتمال ألا تكون صادقة. ومثل هذه الحقائق العقلية إنما تستمدُّ صِدقها من مبدأ عدم التناقض؛ أي إننا لو حكمنا عليها بالكذب كنَّا بمثابة من يُناقِض نفسه؛ فقولك — مثلًا — عن المثلث إنه شكلٌ محوط بثلاثة أضلاع، حقيقةٌ عقلية من هذا القبيل؛ لأن نقيضها مُستحيل، فلا يُجيز العقل ألا يكون المثلث محوطًا بأضلاع ثلاثة، ولو قلنا قولًا كهذا ناقَضْنا أنفسنا؛ لأن تعریف «المثلث» هو أنه شكل محوط بثلاثة أضلاع، وتقريرنا لنقيض هذه الحقيقة مُساوٍ لقولنا «المثلث ليس مثلثًا». وأمثال هذه الحقائق العقلية إما أن تكون واضحة بذاتها، أو أن تكون مُستنبَطة من حقيقة واضحة بذاتها، كأن أستنبط من الحقيقة السالفة حقيقةً أخرى، وهي أن للمثلث زوايا ثلاثًا.

ويذهب ليبنتز إلى أن «عقولنا هي مصدر الحقائق الضرورية، فمهما أكثَرْنا من الأمثلة الجزئية التي تَعرِض لنا في خبرتنا مما عساه أن يؤيِّد حقيقةً كلية مُعيَّنة، فلن يكون في مقدورنا أن نثق بصدقها إلى الأبد لمُجرَّد أننا استقرأنا عددًا من الأمثلة التي تؤيِّدها، بل لا بد أن نُدرك ما فيها من ضرورة الصدق عن طريق العقل؛ فقد تستطيع الحواسُّ أن تُوحي لنا بهذه الحقائق الكلية وأن تؤيِّدها وأن تُثبِت صِدقها، لكنها لن تستطيع أن تُقيم البرهان على استحالة تعرُّضها للخطأ وعلى يقينها الدائم.»٤

تلك هي «حقائق العقل» في يقينها الأزَلي الضروري، وأما «حقائق الواقع» فصِدقها عرَضي؛ فهي وإن تكن — في رأي ليبنتز — حقائق فطرية في النفس، شأنها في ذلك شأن الحقائق العقلية الضرورية سواءً بسواء، إلا أنها — على خلاف هذه — لا ترتكز في صدقها على مبدأ عدم التناقض، بل ترتكز في ذلك على ما أسماه ليبنتز بالعلة الكافية؛ فلو قلنا — مثلًا — عن الماء إنه يتجمَّد بالبرودة عند درجة معيَّنة، كان هذا القول حقيقةً عرَضية الصدق وليست بضروريته؛ أي إنه ليس من التناقض عند العقل ألا يتجمَّد الماء عند هذه الدرجة المعيَّنة من البرودة؛ فقد كان يمكن ألا تكون هذه هي حالة الماء، وكان هنالك حالات كثيرة جدًّا كلها ممكن، ولكن الذي جعل هذه الحالة المعيَّنة — دون سائر الممكنات جميعًا — هي حالة الواقع، هو أن الله قد اختارها لتكون مع سائر حالات العالم الواقع أحسن عالم ممكن.

وتحصيل هذه الحقائق العرَضية عن أمور الواقع إنما يكون بالملاحظة التي تتعقَّب وتستقرئ الحالات الجزئية التي تقع لنا في خبراتنا التجريبية. إنها ليست «واضحة بذاتها»؛ إذ ليس هناك عند العقل ما يُحتِّم أن تكون كما هي كائنة، لا، ولا هي مستنبَطة من حقائق واضحة بذاتها بحيث نستطيع أن نُقيم على صدقها البرهان العقلي، وليس لها من سند إلا أن حواسَّنا هكذا أدركتها.

هذه التفرقة التي ميَّز بها ليبنتز بين «حقائق العقل» و«حقائق الواقع» هي التي إذا نقلناها إلى عالم القضايا أصبحت تفرقة بين «القضية التحليلية» و«القضية التركيبية»، أو إن شئت فسمِّ الأولى قضيةً تَكرارية والثانية قضيةً إخبارية؛ الأولى يقينية لأن محمولها يُكرِّر ما في موضوعها من عناصر، والثانية احتمالية لأن محمولها يُضيف إلى موضوعها خبرًا جديدًا. وهي تفرقة — كما أسلفنا — تُكوِّن ركيزةً هامة في بناء الفلسفة التحليلية المعاصرة؛ ولهذا كان «ليبنتز» أحد الرُّوَّاد الذين مهَّدوا لنا الطريق.

وكذلك كان «عمانوئيل كانت» (١٧٢٤–١٨٠٤م) رائدًا آخر من جماعة الرُّوَّاد الذين دقُّوا شِعاب الطريق إلى الفلسفة الوضعية في شكلها الراهن، وإن بدا هذ الزعم غريبًا عند النظرة الأولى؛ إذ قد يسأل سائل: كيف يكون وضعيًّا هذا الفيلسوف الذي امتدَّ به السير حتى بلغ آمادًا هي أبعد ما تكون عمَّا تراه الأعين أو تُحسُّه الأيدي؟ لكن النظرة الفاحصة سرعان ما تتبيَّن أشد الروابط وأوثق الصلات بين «كانْت» من جهة، وجماعة الوضعية المنطقية من جهة أخرى، وحسبُنا أن نذكُر حقيقةً واحدة واضحة عن «كانت» ليَظهر صِدق دعوانا، وهي إصراره على أن تكون «الخبرة» هي المجال الوحيد الذي يمكن للإنسان أن يغترف منه أحكامه العلمية، أما إذا جاوَز الإنسان حدود «خبرته» فقد جاوَز بذلك حدوده المشروعة وعرَّض نفسه للوقوع في الخطأ.

لقد تصدَّى «كانت» لتحليل العقل الخالص في مجال التفكير العلمي، سواء كان هذا العلم علمًا رياضيًّا أو علمًا طبيعيًّا، فانتهى به التحليل إلى هذه النتيجة الهامة، وهي أن العقل الإنساني وإن تطلَّب في قيامه لما يقوم به من فكرٍ مبادئ ومقولات لا مَحِيص له عنها كي يؤدِّي ما يؤدِّيه، وهي مبادئ ومقولات ليست مستمَدَّة من عالَم الخبرة، إلا أن هذه المقولات وتلك المبادئ لا يمكن استخدامها وتطبيقها إلا في حدود الخبرة الإنسانية، نعم إنها لم تشتقَّ أصولها من عالَم التجرِبة، ولكنها لا تُستخدم إلا في عالم التجربة؛ أي إنه على الرغم من أن الإنسان مُحال عليه أن يستقي ما يستقيه من خبرات إلا إذا استعان بما فُطِر عليه عقله من مبادئ ومقولات، إلا أن هذه المبادئ والمقولات العقلية نفسها لا تُجاوِز به حدود «الظواهر» التي تقع له في خبراته؛ فحين أنظر إلى هذه المِنضَدة التي أمامي، فيستحيل عليَّ إدراكها على الصورة التي أُدركها بها، إلا إذا كان ثَمة مبدأ مجبول في فطرة العقل ينظم لي أشتات المُعطيات الحسية التي تجيء إليَّ منها، وإلا ظلَّت تلك الأشتات أشتاتًا لا تستقيم ولا تتعيَّن في «شيء» بذاته. نعم إن «المبدأ» الذي أعانني على إدراك المِنضَدة المحسوسة ليس هو بذاته أحد المعطيات الحسية، إلا أنه يقف بي عند حدود تلك المعطيات في إدراكي لهذه المِنضَدة، وأما «الشيء في ذاته» الذي هو مصدر تلك المعطيات الحسية، فمُحال عليَّ بلوغه عن طريق ذلك المبدأ نفسه؛ أي مُحال عليَّ بلوغه عن طريق العقل الخالص.

ولو سئل «كانْت» ما هو هذا «الشيء في ذاته» الذي تنبعث عنه المعطيات الحسية، أو الذي هو مصدر وراء الظواهر التي تنشأ عنها خبراتنا الحسية، لأجاب: لست أدري، ولا حاجة بي إلى هذه الدراية. فهو لا يدري لأن «الشيء في ذاته» بحكم التعريف لا يقع له في خبرته؛ إذ الخبرة محدودة «بالظواهر» لا تُجاوزها إلى الحقائق الكامنة وراءها، ثم هو في غير حاجة إلى العلم بهذه الحقائق الكامنة وراء الظواهر؛ لأنها لن تكون جزءًا من علم، كائنًا ما كان ذلك العلم. وجدير بنا في هذا الموضع أن نُشير إلى نقطة اختلاف رئيسية في هذا الصدد بين «كانْت» وبين أتباع الوضعية المنطقية المعاصرة، وتلك هي أنهما وإن يكونا على اتفاق في وجوب انحصار الإنسان في حدود خبرته، إلا أنهما يختلفان في «الحقائق» المزعومة وراء تلك الخبرة، أو ما يُسمِّيه «كانْت» «الأشياء في ذواتها»؛ فبينما يعترف «كانْت» بوجود هذه الحقائق فوق مُتناوَل الإدراك الإنساني، يرى الوضعيون المنطقيون المعاصرون أن كل عبارة يقولها قائل عن أمثال تلك «الحقائق» إنما يتبيَّن في ضوء تحليلها المنطقي أنها ليست بذات معنًى؛ ولهذا فهم يختلفون مع «كانْت» في السبب الذي من أجله لا يجوز الحديث العقلي في عالم «الأشياء في ذواتها»؛ فمِثل هذا الحديث عندهم غير جائز؛ لأنه حديثٌ محتوم عليه بحكم طبيعته أن يجيء فارغًا من المعنى، وأما «كانْت» فلا يُجيز مثل هذا الحديث؛ لأنه يختصُّ بعالمٍ إدراكُه مستحيل على العقل ما دام العقل مُركَّبًا على نحوِ ما هو مُركَّب عليه.

أيجوز للإنسان — مثلًا — أن يتحدث عن «النفس» باعتبارها كائنًا مستقلًّا عن الجسد؟ الجواب عند «كانْت» وعند أتباع الوضعية المنطقية المعاصرة معًا هو أن ذلك لا يجوز؛ لأن مثل هذا الكائن لا يقع في خبراتنا؛ ففي هذا الصدد يقول «كانْت» إننا نُخطئ إذا استدللنا وجود «نفس» مُستندين في هذا الاستدلال إلى «الوحدة» التي تنتظم فاعلية الوعي عندنا فتجعلها كِيانًا واحدًا متصلًا. نعم، يُخطئ الإنسان لو استند إلى مثل هذه الوحدة في مجرى وعيه ليستدلَّ وجود كائن عنصري مستقل قائم بذاته اسمه «نفس»؛ لأنه عندئذٍ يستدل وجود عنصر بسيط من عملية تركيبية لا بساطة فيها. إن الوحدة الصورية في فاعلية نشاطنا الواعي ليست وحدها دليلًا على ما قد يكون وراءها من جوهر قائم بذاته، كل ما في وُسعنا إدراكه هو ماذا يدور في مجال الوعي وكيف يدور، وأما «النفس» التي هي وراء هذا النشاط، فلا حيلة أمامنا للوصول إلى كُنهها. إن حياتنا الواعية ليست كائنًا بسيطًا، إنها ليست كائنًا عنصريًّا واحدًا يعرض نفسه دائمًا في هُويَّة واحدة، بل هنالك حالات كثيرة، أو حاضرات كثيرة، تَمثُل في الوعي، بينها علاقات تجعل منها شعورًا واحدًا، لكن هل يجوز لنا أن نستنتج من هذه الحاضرات النفسية الكثيرة وجود «نفس» واحدة بسيطة؟ إن طريق البحث العلمي مأمونة طالما كان مجال البحث هو هذه «الحاضرات» في مجری الشعور؛ لأننا عندئذٍ نحصر أنفسنا في حدود ما هو في نطاق الملاحظة والخبرة. وليس هنالك فرقٌ جوهري بين ملاحظة تلك الحاضرات النفسية وملاحظة الظواهر الطبيعية؛ ولهذا فلا فرق في حقيقة الأمر بين «علم النفس» و«علم الطبيعة» من حيث مادة البحث ومنهجه، وكما أنه لا يجوز لعالِم الطبيعة أن يجعل «الشيء في ذاته» موضوع بحثه، فكذلك لا يجوز لعالم النفس أن يجعل «النفس» — باعتبارها جوهرًا بسيطًا مستقلًّا قائمًا بذاته وراء الحاضرات النفسية الجزئية — موضوع بحثه. هكذا يقول «كانْت»، وهكذا يقول التجريبيون العلميون المعاصرون.

أيجوز أن نتحدث عن الكون كله دفعةً واحدة؛ أي أن نتحدث عن الكون باعتباره كلًّا واحدًا؟ يُجيب «كانْت» بما يُجيب به أتباع التجريبية العلمية المعاصرة، وهو أن ذلك غير جائز؛ لأن الكون باعتباره كلًّا واحدًا لم يقع ولن يقع لنا في خبراتنا. والفرق بين «كانْت» وبين أنصار التجريبية العلمية هو — كما أسلفنا — أن «كانْت» يُعلِّل استحالة مثل هذا الحديث بكونه فوق مُتناوَل العقل النظري بمبادئه ومقولاته، وأما التجريبيون العلميون فيُعلِّلون استحالة ذلك تعليلًا منطقيًّا؛ إذ يقولون إن كل عبارة تُقال عن مثل هذا الموضوع يمكن للتحليل المنطقي أن يُبيِّن أنها ليست بذات معنًى.

غير أنك لو سمعت ما يقوله «كانْت» عن النتائج التي تترتَّب على الحديث عن الكون باعتباره كلًّا واحدًا، لحسبته واحدًا من أتباع الفلسفة الوضعية المنطقية المعاصرة يتكلم ويبني كلامه على أساس منطقي صِرف! فاستمِع إليه وهو يصف لنا «النقائض» التي نتورَّط فيها لو جعلنا «الكون» موضوع حديثنا، فعندئذٍ يجوز للمتكلم أن يقول قضية ونقيضها في آنٍ معًا:

فلكَ أن تقول عندئذٍ إن العالم لا بد أن تكون له بداية زمنية، ولا بد أن تكون له حدود مكانية؛ لاستحالة أن يمتدَّ زمانه إلى ما لا نهاية من حيث لحظة الابتداء، أو أن يمتدَّ مكانه إلى ما لا نهاية، لكنك تستطيع في الوقت نفسه أن تقول نقيض ذلك، فتقول إن العالَم يستحيل أن تكون له بداية في الزمن ولا حدود في المكان، وإلا فلو زعمنا له بداية زمنية للَزِم أن يكون قد سبق هذه البدايةَ زمنٌ خالٍ مما يملؤه من حوادث، أو لو زعمنا له حدودًا مكانية للَزِم أن يكون وراء هذه الحدود مكانٌ خالٍ مما يحلُّ فيه، وكلا الفرضَين مُحالٌ تصوُّره؛ لأن الزمن الخالي لا يمكن التمييز فيه بين لحظة ولحظة، وبغير تتابُع اللحظات فلا زمان، ولأن المكان الخالي لا يمكن التمييز فيه بين نقطة ونقطة، وبغير تحديد العلاقات بين مختلف النقط فلا مكان.

وانظر إلى «نقيضة» أخرى من هذه النقائض التي لا مندوحة للإنسان عن التورُّط فيها إذا هو جاوَز حدود خبراته؛ ذلك أنه إذا ما رجع من المسبَّب إلى سببه، ومن هذا السبب إلى سببه، وهكذا، فقد يقول إنه لا بد من الوقوف عند سبب أول لا یكون بدَوره مُسبَّبًا لشيءٍ سابق عليه حتى لا يظلَّ ينتقل من المُسبَّبات إلى أسبابها إلى غير نهاية معلومة؛ ومن ثَم تراه يزعم وجوب أن يكون للكون سبب مُطلَق غير مسبوق بشيء، وهو في الوقت نفسه سابق لكل شيء — لكنك من الناحية الأخرى تستطيع أن تُقرِّر نقیض هذه الحقيقة فتقول إن السبب المُطلَق من كل قید وشرط مُحالٌ تصوُّره، وإلا فكيف أحدث هذا السبب الأول مُسبَّباته؟ ما الذي جعل السبب الأول يُحدِث ما قد نشأ عنه في اللحظة المعيَّنة التي حدث عندها ما قد حدث؟ وبإلقائك سؤالًا كهذا تكون بمثابة من يبحث للسبب الأول عن أسباب تُحدِّد له مَسلكه، وهو نقيض ما قد قرَّرناه له بادئ ذي بدء. وهكذا يمكن للإنسان أن يقول النقيضَين عن الموضوع الواحد إذا هو أباح لنفسه أن يُجاوِز حدود خبراته، وما دام «الكون» باعتباره كلًّا واحدًا خارجًا عن حدود هذه الخبرات فلا يجوز للإنسان أن يتخذ منه موضوعًا للحديث. ومثل هذا الاعتراض كما يُبديه «كانْت» هو هو بعينه ما يرتكز إليه الوضعيون المنطقيون في تحليلاتهم، حين يرفضون العبارات الميتافيزيقية على أساس أن كان عبارة منها يمكن أن تُقال هي ونقيضها معًا دون أن نجد في خبراتنا ما ينفي أحد النقيضين ليُثبِت الآخر، وما هكذا يكون الكلام ذو المعنى من الناحية المنطقية؛ إذ لا بد في مثل هذا الكلام أن يكون الصادق هو أحد النقيضَين دون الآخر.

ولعل أقرب ما يُقرِّب «كانْت» من جماعة الوضعية المنطقية هو موقفه إزاء البرهان الوجودي على وجود الله؛ فمن الأُسس الهامة عند هذه الجماعة — كما سنُبيِّن في هذا الكتاب — أن يظلَّ المُدرَك العقلي بغير «معنًى» حتى نجد له مُسمًّی بين محسوساتنا الفعلية أو الممكنة، وأن المُدرَك العقلي في ذاته لا يضمن لنا أن يكون له مثل ذلك المُسمَّى المحسوس؛ فلك إن شئت أن تُكوِّن في رأسك مُدرَكًا عن «الغول» أو عن «جبل من ذهب» أو عن «جنِّية البحر»، لكن مثل هذا المُدرَك العقلي لا يكون وحده دليلًا على أن له مدلولًا في عالم الأشياء.

وهذا هو نفسه موقف «كانْت» في البرهان الوجودي على وجود الله، وهو البرهان الذي يستنبط وجود الله من المُدرَك العقلي الذي نتصوَّره عنه، فكأنما نقول لأنفسنا: بما أننا قادرون على تكوين هذه الفكرة المعيَّنة عن الله، فلا بد أن يكون لهذه الفكرة مدلولها في الخارج؛ وإذَن فلا بد أن يكون الله موجودًا وجودًا فعليًّا. وهنا يعترض «كانْت» بحق قائلًا إنه من تصوُّرنا لفكرة معيَّنة عن شيء معيَّن لا يجوز الاستدلال بأن ذلك الشيء موجود وجودًا فعليًّا، وحتى إن فرضْنا أن الفكرة التي تصوَّرناها قد بلغت الغاية في الدقة واستكمال شتَّى العناصر، فسيَظل السؤال مع ذلك قائمًا: هل يوجد أو لا يوجد ذلك الشيء الذي عنه تكوَّنت الفكرة في رءوسنا؟ ذلك لأن «الوجود» ليس صفة كسائر الصفات؛ فحاوِل — مثلًا — أن ترسم في ذهنك صورة لما شئت من كائنات، كأن تتصوَّر «جبلًا من ذهب»، وارسم الصورة الذهنية بكل تفصيلاتها، ومع ذلك فلن يكون «الوجود» صفة تُضاف إلى تلك التفصيلات كأنها واحدة منها؛ بل يكون معنى «الوجود» هو أن هذه الصورة الذهنية لها ما يُقابلها في الخارج، فإذا لم يكن لها ذلك المقابل الخارجي لم تنقص الصورة شيئًا من صفاتها ولا من تفصیلاتها. بعبارةٍ أخرى، كونُ الصورة العقلية التي تصوَّرتَها مُقابِلة أو غير مُقابِلة لشيء في الخارج لا يؤثِّر في مضمون الصورة العقلية نقصًا أو زيادة؛ فمضمونها ومُحتواها هو هو في كلتا الحالتين، وليس هنالك أدنى تناقض بين أن أتصوَّر كائنًا مُعيَّنًا تصورًا عقليًّا غاية في الدقة واستيفاء العناصر والصفات، وأن أتصوَّر أن ذلك الكائن نفسه غير موجود؛ وإذَن فالعقل الخالص وحده لا يستطيع أن يستنبط الوجود الفعلي لكائن صوَّره لنفسه مُدرَكًا عقليًّا، ولا سبيل إلى إثبات هذا الوجود الفعلي للكائن الذي تصوَّرنا صفاته سوى الخبرة الحسية. ولا يكفي أن نُحلِّل مضمون المُدرَك العقلي فنجد عناصره متَّسِقة بعضها مع بعض وخالية من التناقض، لكي نزعم أنه لذلك لا بد أن يكون مُشيرًا إلى كائن خارجي موجود.

٣

جاء القرن التاسع عشر فجرى خلال أعوامه تیَّاران فكريان؛ تيَّار المثالية من جهة وتيَّار الوضعية من جهة أخرى؛ الأول يُلبِّي نداء القلب ويُشبِع الجانب العاطفي من الإنسان، والثاني يحصر نفسه في حدود التجرِبة وحدها، بحيث لا يُجاوِز عالَم الأشياء العينية التي تُدركها الحواس. ولئن كان هذان التياران الفكريان — على بُعد ما بينهما من تبايُن — يستهدفان غايةً واحدة، هي الكشف عن حقيقة العالَم، إلا أنهما قد نبَعا من مصدرَين مُتقابلين وسار كلٌّ منهما في اتجاهٍ مُضادٍّ لاتجاه الآخر؛ فتیار منهما يقصد إلى غايته هابطًا من أعلى إلى أسفل، وتيارٌ آخر يقصد إلى الغاية نفسها صاعدًا من أسفل إلى أعلى. أما التيار المثالي فينبع من داخل الفيلسوف ومن ذاته خارجًا إلى عالم الأشياء، وأما التيار الوضعي فعلى عكس ذلك، يبدأ الشوط من عالم الأشياء لينتهي إلى باطن الفيلسوف وذاته. الأول ينتهج منهجًا ذاتيًّا، والثاني يصطنع المنهج الموضوعي الذي يبني بناءه بلَبِنات من حقائق الواقع.

المثالية والوضعية كلتاهما — إبَّان القرن التاسع عشر — متَّفقتان على أن يكون هدف البحث هو الحقيقة القائمة، ولا حاجة بهما إلى الحفر وراء هذه الحقيقة القائمة بُغيةَ الوصول إلى ما هو كائن في جوفها — كما فعل «كانْت» بتحليله للعقل — ولذلك تراهما معًا، على ما بينهما من اختلاف في المنهج والوسيلة، ينصرفان إلى البحث في الطبيعة وفي التاريخ، كما تراهما معًا يُسلِّمان بأن العالم تطوُّري سائر إلى أمام، لا سكوني ذو حقائق ثابتة جامدة؛ وإذَن فليس صوابًا كل الصواب أن يُقال عن وضعية القرن التاسع عشر إنها ردُّ فِعل للحركة المثالية التي سادت النصف الأول من ذلك القرن؛ لأن الحركتَين قد سارتا حینًا جنبًا إلى جنب، حتى في إنجلترا نفسها التي تنطبع فلسفتها غالبًا بطابع التجريبية والواقعية، ولكننا — مع ذلك — نُلاحظ أن التفكير الوضعي قد أسرع الخُطى حين وهنت قوة التيار المثالي، ولبثَ الأمر كذلك حتى أوشك أن يكون هو الفلسفة القائمة بلا مُنازِع.

وليس من شك في أن الفلسفة الوضعية — وهي فلسفة تبدأ سيرها من الحقائق الواقعة المُحسَّة — قد وجدت معينًا في تقدُّم العلوم الطبيعية إبَّان القرن التاسع عشر، تقدمًا حدا بالإنسان أن يتساءل: أفلا يكون مصير هذا المنهج العلمي الذي يتَّسع مداه بهذه القفزات السريعة، أن يطَّرد اتساع رُقعته حتى يشمل نواحي الفكر كلها؟ أيجوز لنا أن نجتزئ من مجال الفكر جانبًا لنقول إن هذا الجانب لا يخضع ولن يخضع للمنهج العلمي أبد الآبدين؟ وحتى إن ثبت قطعًا أن من حياة الإنسان الفكرية ما ليس يخضع للمنهج العلمي، أفلم يَحنِ الحين أن نُركِّز اهتمامنا كله في حدود ما يستطيعه العلم ومنهجه؟ أخذت هذه الأسئلة وأمثالها تُساوِر النفوس إزاء ما قد شهده الناس من تقدُّم العلوم الطبيعية تقدمًا يستوقف النظر، ولعل أبرز من تمثَّلت فيه هذه النزعة هو «أوجيست كونت» (١٧٩٨–١٨٥٧م)، الفيلسوف الفرنسي الذي نهض ليؤدِّي رسالتَين؛ أُولاهما أن يجعل من العلوم العقلية علومًا وضعيةً، والثانية أن يُنسِّق شتَّى العلوم بما لها من قوانين ومناهج، وما تتناوله من موضوعات للبحث، في بناءٍ نسَقي واحد، كأنما أراد أن يدلَّ ببنائه هذا على أن كل ما لا يقع في حدوده لا يكون من العلم الإنساني في شيء؛ وإذَن فقد مضى عصر اللاهوت وانقضى عصر الفلسفة التأملية، وأصبح التفكير الوضعي من علم وفلسفة هو طريق النجاة، وسيكفُّ الناس عاجلًا أو آجلًا عن إرباك أنفسهم بأسئلة لا تجد لها جوابًا في عالم الحقائق الواقعة.

تلك نهاية علمية لا بد — في رأي «كونت» — أن ينتهي إليها الإنسان نتيجةً محتومة لتطوُّره الفكري؛ ذلك أن الفكر الإنساني لا مندوحة له عن السير في مراحل ثلاث تستطيع أن تراها في تاريخ أي علم شئت. على أنه كلما ازداد العلم من العلوم تعقدًا وتركیبًا، طال الأمَد الذي يحتاجه ليقطع أطواره الثلاثة في مجری تاريخه؛ فكلما أمعن موضوع العلم في التجريد كان أقرب إلى الوصول إلى مرحلة التحديد العلمي، وكلما هبط إلى المواقف ذوات الحوادث المفصَّلة المعقَّدة المركَّبة كان أبطأ في وصوله إلى تلك المرحلة. ولما كان علم الاجتماع — عند «كونت» — هو أدنى العلوم من حيث درجة التجريد، وأقربها إلى مستوى المواقف ذوات التفصيلات الجزئية، فقد آن الأوان أن نبلُغ به مرحلة التحديد العلمي، ولو فعلنا لتمَّ للإنسان بناؤه الفكري على الوجه الأكمل.

وأُولى مراحل التطور الفكري مرحلةٌ لاهوتية، لا يكون لدى الإنسان عندها من مشاهدات عن الطبيعة إلا عدد قليل، ومن ثَم تراه يُكمل الصورة لنفسه بخياله؛ فهو لا يجد في هذه المرحلة الأولى بدًّا من تعليل الظواهر الطبيعية، لا بما تشهده حواسُّه ويقع له في تجرِبته، بل بما يُسعفه به خياله المتوقِّد النشيط. وليس أقرب إلى الخيال في مثل هذه المرحلة من أن يفترض لكل شيء ذاتًا كذات الإنسان ونفسًا كنفسه، فإذا نمَت شجرة فهي إنما نمَت كما ينمو الإنسان نفسه بدافع ذاتي من باطنه، وهكذا قُل في النجوم إذا عبَرت السماء، وفي النهر إذا تدفَّق، وفي المطر إذا نزل؛ هكذا عَمُر الكونُ في خيال الإنسان عندئذٍ بالكائنات الحية ذوات الأرواح والأنفُس. ولم يكن في وُسع الإنسان بالطبع أن يُغيِّر من مجرى الأمر شيئًا، وما عليه إزاء الظواهر الطبيعية سوى أن يستسلم لفعلها، فلكلٍّ منها ما له هو نفسه من إرادة وتصميم، والغلبة للأقوى. ولا عَجب أن تسود الناسَ عندئذٍ فكرةُ السلطة المُطلَقة في السياسة والحكم، انعكاسًا لاعتقادهم إذ ذاك في قوًى مُطلَقة لا رادَّ لها في حكم الطبيعة.

وتأتي بعد المرحلة اللاهوتية في تفسير الطبيعة وظواهرها مرحلةٌ ثانية ميتافيزيقية؛ فها هنا يكون التفسير لا بافتراض كائن روحاني وراء الظاهرة المُراد تفسيرها، بل بردِّ الظاهرة إلى مبدأ أو إلى فكرة أُولى أو إلى قوة غير مُشخَّصة في ذات؛ وهنا كذلك لا يكتفي الإنسان بردِّ كل ظاهرة على حِدة إلى مبدأ خاص بها، بل يُحاول أن يضمَّ شتَّى ظواهر الكون كله تحت مبدأ واحد أو فكرة واحدة. وإذا ما بلغ الفيلسوف الميتافيزيقي مبدأً واحدًا يطوي تحته كل ظاهرات الوجود، كان بمثابة اللاهوتي في المرحلة الأولى حين بلغ به السير نقطة الإيمان بإله واحد يعلو على سائر الآلهة والقُوى؛ فكلتا المرحلتَين — اللاهوتية والميتافيزيقية — تُحاولان حلَّ جميع المشكلات بأداة واحدة، والفرق بينهما هو أن الأداة الواحدة في الحالة الأولى أداة مُشخَّصة ذات إرادة، وهي في الحالة الثانية فكرة مُجرَّدة، وأن الوسيلة لبلوغ تلك الأداة الواحدة في الحالة الأولى هي الخيال، وهي في الحالة الثانية حِجاجٌ منطقي يعلو من النتيجة إلى مقدمتها أو يهبط من المقدمة إلى نتيجتها.

ومن رأي «كونت» أن المرحلة الميتافيزيقية من مراحل الفكر الثلاث إن هي إلا مرحلةُ انتقالٍ مهمَّتُها أن تُفكِّك أوصال التفكير الروحاني الذي ساد المرحلة الأولى، تمهيدًا للمرحلة الوضعية العلمية التي هي نهاية الشوط؛ وذلك لأن استخدام الحُجة المنطقية في مرحلة التفكير الميتافيزقي من شأنه أن يكشف عما كان كامنًا في الأفكار الدينية من تناقض، ومن شأنه كذلك أن يُحلَّ أفكارًا ثابتة محلَّ ما قد كان قائمًا من كائنات كثيرة ذوات إرادة تتصرَّف إشباعًا لنزوة أو هوًى؛ فالطبيعة في المرحلة الدينية الأولى كانت خاضعة لقوًى لا رادَّ لسلطانها، ولم يكن للإنسان قدرة على تصريف شئون نفسه، أما وقد جاءت المرحلة الثانية، مرحلة التفكير الميتافيزيقي، فماذا تركَت للناس بعد أن أزالت عنهم العقيدة في سلطان غيبي نافذ الكلمة فعَّال الإرادة؟ إن من رأي «كونت» أن المرحلة الميتافيزيقية من تاريخ البشر جاءت لتهدم مصادر قوة دون أن تُقيم مقامها شيئًا إيجابيًّا يفعل فعلها؛ ولذلك ساد خلالها الشك وقويت الفردية، وأوشكت أن تتمزَّق الروابط التي تصل الفرد بجماعته. ولئن كان العقل الإنساني قد شُحِذ وأُرهِف في تلك المرحلة، فذلك على حساب الشعور الذي غاضَ مَعِينه بعد خصوبة وفيض، وانعكست لذلك كله صورة على صفحة السياسة؛ إذ أصبح السلطان في أيدي أفراد الشعب باعتبارهم أفرادًا لا ينطوُون تحت حاكم يمحوهم في شخصه محوًا؛ فإذا كانت المرحلة اللاهوتية الأولى عصر الحاكم الفرد المستبد، فقد كانت المرحلة الميتافيزيقية الثانية عصر الشعب، وأصبحت السيادة مستمَدَّة من تعاقد الأفراد بعضهم مع بعض بعد أن كانت مستمَدَّة من حقٍّ إلهي للأباطرة والملوك.

وثالثًا وأخيرًا جاءت المرحلة «الوضعية» حيث حلَّت مُشاهَدات الحواس وتجارِب العلماء محلَّ خيال اللاهوتي وحِجاج الفيلسوف الميتافيزيقي؛ ها هنا بات حتمًا على من يتكلم عن الطبيعة جادًّا أن يصل كلامه بالوقائع المحسوسة، بحيث تكون المطابقة بين العبارة الكلامية من جهة والواقعة المحسوسة التي جاءت العبارة لتتحدث عنها من جهة أخرى، هي علامة الصدق ومِعيار الصواب. وها هنا أيضًا لم يعد الإنسان يبحث عن «عِلل أُولى» يردُّ إليها الطبيعة وما فيها، بل يبحث عن «قوانین» تُصوِّر الاطِّراد الملحوظ في الظواهر الطبيعية؛ أي إنه يبحث عن «العلاقات» الكائنة بين الظواهر الملحوظة، والتي تجعل منها مجموعات من حوادث يَطَّرد وقوعها كلما تحقَّقت ظروف معيَّنة. ولا فرق عنده بين أن يكون موضوع البحث أفكار الإنسان ومشاعره، أو قِطع المادة من حيث الوزن والصلابة؛ لأنه ينظر إلى كل ما يَعرِض له نظرة موضوعية تُحاوِل أن ترى على أي نظام يَطَّرد حدوثه.

كان جهد الإنسان الفكري في المرحلتَين الأولى والثانية مُنصرِفًا إلى الكشف عن مبدأ واحد يضمُّ تحت جناحَيه كل ما في الوجود على اختلاف نوع هذا المبدأ الواحد في كلٍّ من المرحلتَين عنه في المرحلة الأخرى؛ فهو كائن رُوحاني واحد مُطلَق في المرحلة اللاهوتية الأولى، وهو مبدأ عقلي واحد مُطلَق في المرحلة الميتافيزيقية الثانية. أما في المرحلة الوضعية الثالثة والأخيرة، فما دام الاعتماد كله على الحواس وما يقع لها من خبرات، فقد أصبح مُحالًا أن يتطلَّب الإنسان للكون كله مبدأً واحدًا مهما يكن نوعه؛ لأن الخبرة الحسية التي هي مَرجِعه تقتضي أن يكون مجال البحث دائمًا محصورًا في دائرة الحوادث التي يمكن أن تقع في مجال تلك الخبرة الحسية، ومهما اتَّسع هذا المجال فهو محدود على كل حال، ولن يسعَ الكون كله؛ فقُصارانا أن نقف عند حدود خبراتنا، وكلما توافرت لنا مجموعة من ملاحظات في نوع معيَّن من الظواهر، أمكننا أن نبنيَ منها علمًا قائمًا بذاته، له قوانينه الخاصة، دون أن يكون في مُستطاعنا — هكذا يرى أوجيست كونت — أن نَدمُج قوانين علم في قوانين علم آخر بحيث يكونان معًا علمًا واحدًا، فضلًا عن أن نَدمُج قوانين العلوم كلها على اختلافها بحيث ترتدُّ جميعًا إلى قانون واحد كما كان الأمل الذي راوَد الإنسان في مرحلتَيه الأُوليَين. وكل ما يستطيعه الإنسان في توحيد العلوم هو أن يجعل منها وحدةً ذاتية؛ بمعنى أن يضمَّ الإنسان معارفه المختلفة بعضها إلى بعض داخل ذاته هو، ولا يكون معنى ذلك أن قوانين الظواهر الطبيعية المختلفة قد اتَّحدت كلها في شيء واحد موضوعي كائن خارج ذواتنا.

في هذه المرحلة الوضعية الأخيرة من مراحل التفكير الإنساني، اقتربت المعرفة النظرية من تطبيقها العملي اقترابًا جعلهما وجهَين لحقيقةٍ واحدة، وأصبح علمنا بقانون معيَّن من قوانين الظواهر الطبيعية معناه أن في مُستطاعنا أن نتحكَّم في مصيرنا بالنسبة إلى الظاهرة الطبيعية التي هي موضوع ذلك القانون؛ إننا اليوم نعلم من الطبيعة ما نعلمه لا لنقف عند هذا الحد، بل لنتسلَّف العلم بما عساه أن يقع في المستقبل. وأملُ الإنسان في هذه المرحلة العلمية من حياته الفكرية هو أن يمدَّ من نطاق علمه هذا بحيث يشمل الإنسان فردًا ومجتمعًا إلى جانب الظواهر الطبيعية الخارجية، وعندئذٍ يصبح مصيره ومصير الطبيعة في يدَيه.

تلك هي «وضعية» أوجیست كونت التي مدَّت أطرافها حتى بلغت إنجلترا، حيث ترعرعَت على أيدي «جون ستيوارت مل» و«هربرت سبنسر»، وهي وضعيةٌ قوامها — كما رأيت — جوانب ثلاثة؛ فجانبها الأول المميز هو نظرتها التاريخية عند تقديرها لقيمة الفكرة؛ فالفكرة المعيَّنة في العصر اللاهوتي قد تكون صالحة في مرحلتها، لكنها لا تعود صالحة في المرحلتَين التاليتين، والفكرة المعيَّنة في العصر الميتافيزيقي لم تكن لتَصلح في المرحلة اللاهوتية الأولى ولن تكون صالحة في المرحلة العلمية الثالثة وهكذا. وجانبها الثاني هو حصر المعرفة النافعة في حدود الخبرات التجريبية، وكل علم لنا اليوم عمَّا يُجاوِز تلك الحدود قد يكون خطأً أو صوابًا، ولكنه على كل حال علمٌ لا يُفيد. وجانبها الثالث هو تقريبها بين الفكرة النظرية وتطبيقها العملي؛ فليس علمًا ما ليس يمكن استخدامه في التحكم في مجرى الطبيعة ومصير الإنسان.

ويسود عصرَنا الراهن — منتصف القرن العشرين — فلسفةٌ وضعية جديدة لا تمتُّ إلى وضعية كونت إلا بصلةٍ واحدة، وهي أن كلتيهما ترتكزان على الخبرة الحسية وحدها إذا ما كان المجال مجال حديث عن الطبيعة وما فيها، ثم تفترق الحركتان بعد ذلك افتراقًا بعيدًا. على الرغم مما يُخيَّل للذين يأخذون الدراسات الفلسفية أخْذَ المُستهتِر من أنه ما دامت كلمة «الوضعية» مشتركة فلا بد أن يكون الاتجاه واحدًا بكل حذافيره،٥ فالحركة الفلسفية الراهنة تُضيف إلى كلمة «وضعية» كلمةً أخرى هي «منطقية»، بحيث تجعل اسمها «وضعية منطقية» لا على سبيل اللهو والعبث، بل عن قصد ودراية؛ فلو سأل سائل: لماذا يجب الكفُّ عن النظر إلى ما وراء الحس؟ كان جواب «أوجيست كونت» هو: لأنه لا يُفيد. أما جوابنا نحن فهو: لأن الكلام عندئذٍ سيخلو من المعنى. فالمذهب الوضعي عند «كونت» يجعل للعبارات المتحدثة عمَّا وراء عالم الحس معنًی، وغاية ما في الأمر هي أن معناها لا يُفيدنا في حياتنا العملية شيئًا، وأما نحن فنرفض تلك العبارات على أساس «منطقي» لا على أساس النفع وعدمه؛ إذ يُبيِّن لنا التحليل المنطقي لتلك العبارات أنها أشباه عبارات تخدع بتركيبها النحوي السليم، لكنها في حقيقة أمرها لا تؤدِّي مهمة الكلام، وهي الإخبار؛ لأنها لا تحمل معنًی على الإطلاق تخبر به.

وكذلك لا تنظر «الوضعية المنطقية» إلى الأفكار نظرةً تاريخية كما فعل «كونت»؛ فليست الفكرة عندها معتمدة على ظروفها التاريخية، بحيث تَصلح اليوم بعد أن لم تكن صالحة بالأمس، بل الأمر موكولٌ كله إلى تحليل اللفظ الدال على الفكرة تحليلًا منطقيًّا لا يعرف فوارق الزمن؛ فلا مانع — مثلًا — من تناول فكرة ميتافيزيقية من فلسفة أفلاطون، كقوله بخلود الروح، وتحليل لفظها تحليلًا ينتهي إلى أنه لفظ فارغ بغير معنًی، مهما يكن من صلاحية مثل هذا القول في زمنه.

٤

كان «هیوم» بفلسفته التجريبية، و«ليبنتز» بمنطقه الذي يُفرِّق به بين حقائق العقل وحقائق الواقع، و«كانت» بتحليله للعقل وقوله باستحالة الميتافيزيقا التي تُستنبَط من مبدأ أول، و«كونت» بمذهبه الوضعي، كان هؤلاء جميعًا من الرُّوَّاد الذين مهَّدوا الطريق، كلٌّ من جانبه، لكي ينتهيَ إلى ما انتهى إليه في القرن العشرين من حركة فلسفية عُرِفت أول ما عُرِفت باسم «الوضعية المنطقية» تمييزًا لها من «وضعية» كونت وغيره، وإنما سُمِّيت بهذا الاسم لأنها ترفض ما ترفضه وتقبل ما تقبله على أساس «المنطق» وحده؛ أي على أساس تحليل العبارات والألفاظ تحليلًا يُبيِّن حقيقة بنائها. ولا يزال فريق من أتباع هذه الحركة الفلسفية يحتفظون لها باسمها الأول، لكن فريقًا آخر أخذ يُطلِق عليها اسم «التجريبية العلمية» وما يدور حول هذا المعنى من أسماء، ولن أستطرد الآن في الحديث عن هذه «الوضعية» الجديدة؛ لأن مكان الحديث عنها تفصيلًا هو الفصل التالي من هذا الكتاب.

ولكن «الوضعية المنطقية» إن تكن قد وجدت في هؤلاء الرُّوَّاد مقدمات لها من حيث وجهة النظر العامة، إلا أنها قد اعتمدت في طرائقها التحليلية الخاصة على فريق آخر من علماء الرياضة ورجال المنطق؛ فهؤلاء هم الذين أمدُّوها بالأدوات التي تستخدمها في تحليلها الذي تريده لعبارات اللغة وألفاظها، تحليلًا انتهى بها إلى مجموعة النتائج التي انتهت إليها حتى اليوم، وما تزال ماضيةً في طريقها تُحلِّل وتُحلِّل، فتُوضِّح الغامض وتحلُّ المُتشابك وتُلقي الضوء على الزوايا المُعتِمة، وهي أثناء ذلك كله لا تظل جامدة على أدوات تحليلية بعينها، بل ما تنفكُّ تَشحذ من تلك الأدوات وتُصلِح منها بحيث تُلائم ما قد يعترض طريقها من صِعاب.

فقد حدث حول منتصف القرن الماضي أن بدأت حركتان تسيران في اتجاهَين مُتضادَّين، ولكن كلًّا منهما — مع ذلك — كانت تنفع الأخرى؛ فمن جهةٍ أراد بعض علماء الرياضة أن يقفوا وقفةً طويلةً عند أساس علمهم الرياضي — وهو العدد — لعلَّهم مُستطيعون أن يردُّوه إلى أصوله الأولية؛ ذلك أن فكرة أي عدد من سلسلة الأعداد فكرةٌ مُركَّبة وليست هي بالفكرة البسيطة؛ وإذَن فعلينا أن نسأل: من أي العناصر البسيطة رُكِّب العدد؟ وطَفِق علماء الرياضة يُحلِّلون العدد الذي هو أساس علمهم الرياضي كما قلنا، وما زالوا به تحليلًا وردًّا إلى أصوله الأولية حتى انتهَوا به إلى جذوره في المُدرَكات المنطقية الخالصة. ومن جهةٍ أخرى كان بعض المناطقة قد لفت أنظارَهم قصورُ المنطق الأرسطي؛ ذلك المنطق الذي أدار اهتمامه كله على نوع واحد من القضايا، ألا وهو القضية التي يكون قوامها موصوفًا وصفته، أو موضوعًا ومحموله كما قد جرى الاصطلاح المنطقي، مع أن هنالك من الوحدات الفكرية ما يستحيل أن يُصَبَّ في هذا القالب — قالب الموضوع والمحمول — لأنه تعبير عن علاقات وليس تعبيرًا عن أشياء موصوفة بصفات، وفي مقدمة الصور الفكرية التي تُعبِّر عن علاقات، والتي تأبى لهذا السبب أن تنساق مع المنطق الأرسطي، القضايا الرياضية؛ وإذَن فالمنطق الأرسطي بحاجة إلى مراجعة وإلى زيادة في دقة التحليل لكي يتَّسع فيَسَع صور التفكير المختلفة، سواء كان ذلك التفكير قائمًا على «أشياء» أو على «علاقات»، ومن هنا أخذ المناطقة المُحدَثون يعملون في طريق يبدأ من المُدرَكات المنطقية الخالصة، مثل «إما … أو …» و«و» و«ليس» و«إذا … إذَن …» و«كل» و«بعض» … إلخ، أقول إن المناطقة المُحدَثين أخذوا يعملون في طريق يبدأ من هذه المُدرَكات لينتهي إلى القضايا الرياضية، كما كان زملاؤهم علماء الرياضة يعملون في طريق مضادَّة بادئين بالقضايا الرياضية لينتهوا إلى مُدرَكات منطقية خالصة؛ وبهذا التَقى الفريقان عند هدف واحد، وهو أن المنطق والرياضة كليهما امتداد لبناء فكري واحد، قوامه القضايا التحليلية التي يُستنبَط بعضُها من بعض دون أن تكون دالَّة على حقائق الوجود الطبيعي.

كان هذان الفريقان؛ علماء الرياضة من جهة، وعلماء المنطق من جهة أخرى، فيما قاما به من تحليلات كلٌّ في موضوعه، بحيث التقيا عند غاية واحدة، بمثابة من هيَّأ للتحليل أدواته، فجاءت الجماعة التي أطلقت على نفسها اسم «الوضعيين المنطقيين» واستغلَّت تلك الأدوات التحليلية استغلالًا أخذ يتشعَّب ويتفرَّع، وما يزال إلى يومنا هذا ماضيًا في سبيله، حتى نتج لنا ما قد نتج من تحليلات تملأ الكتب والمجلات الفلسفية المعاصرة، وسنسوق لك مثلًا لكلٍّ من هذين الفريقين رجلًا كان في فريقه إمامًا؛ إذ نسوق «فريجه» مثلًا لفريق الرياضيين الذين عُنُوا بتحليل المُدرَكات الرياضية حتى ردُّوها إلى أصول من المنطق الخالص، و«رسل» مثلًا لفريق المناطقة الذين عُنُوا بتحليل المُدرَكات المنطقية حتى أظهروا علاقتها المباشرة بالعلوم الرياضية.

كان «جوتلوب فريجه»٦ (١٨٤٨–١٩٢٥م) أستاذًا للرياضة في جامعة بينا، وقد أصدر عام ۱۸۷۹م كتابًا صغيرًا جعل عنوانه «ترقيم الأفكار»،٧ وأراد به أن يكون محاولةً أولى لتحقيق أمل كان يتمنَّاه «ليبنتز» من قبله، وهو أن يستطيع الإنسان يومًا أن يكتب أفكاره المجرَّدة بلغة الرياضة، بحيث إذا ما اختلف مُتجادلان على أمر كان الفيصل بينهما هو شيء أشبه بالحساب الرياضي منه بالنقاش والجدل.

ويقع هذا الكتاب في ثلاثة أجزاء؛ في أولها شرح لعلاقات رمزية جديدة يقترحها «فريجه» لتكون أداة لصياغة الأفكار التي يُراد لها الدقة التامة، كما تكون أداة كذلك لاستنباط نتيجة من مقدمتها استنباطًا لا يترك فجوةً شاغرة؛ لأننا إذا أردنا أن نُبيِّن أن علم الحساب في الرياضة هو امتداد لمُدرَكات منطقية، تَحتَّم علينا أن نستنبط قضايا لا نشكُّ في أنها من علم الحساب، من مقدمات لا نشكُّ في أنها من علم المنطق، ثم لا بد أن يتمَّ الانتقال من المقدمات التي هي من المنطق إلى النتائج التي هي من علم الحساب دون أن يتسلل إلى مجرى الاستنباط شيء نُضيفه من معارفنا التي حصَّلناها بالخبرة، فلا هي من مُدرَكات المنطق ولا هي مما يتولَّد عن تلك المُدرَكات من نتائج.

إن مُدرَكات المنطق الخالص لا تحتوي على مضمونات خِبرية، وأيُّ مضمون خِبري تراه في «إذا» أو «ليس» مثلًا؟ وإذَن فلا بد لنا عند اشتقاق الرياضة من أمثال هذه الإطارات الخالية أن نكون على حذر حتى لا نُدخل في إحدى مراحل الطريق كلمة من ذوات المضمون الخِبري؛ لأننا لو فعلنا ذلك، ثم مضينا في طريقنا الاستنباطي حتی بلغنا نتيجةً ما، فعندئذٍ لن يكون من حقنا أن نقول عن تلك النتيجة التي بلغناها إنها مشتقَّة من مُدرَكات المنطق الخالص؛ إذ قد تكون نتيجة لذلك المضمون الخِبري الذي دسسناه خلال الطريق.

وقد استخدم «فريجه» في بنائه الرمزي الاستنباطي الذي استهدف به — كما أسلفنا — بیان الصلة الوثيقة بين الرياضة والمنطق، أربعَ أدوات أساسية فقط، هي:
  • (١)

    علامتان رمزيتان تقومان مقام الكلمتين المنطقيتين «ليس» و«إذا».

  • (٢)
    طائفة من الحروف الهجائية يستخدمها على نحوِ ما يستخدم الرياضي هذه الحروف في معادلاته؛ حتى لا يُضطرَّ إلى كلمات اللغة ذوات المدلول، كأن يكتب مثلًا عبارة كهذه «س متضمَّنة في ص»، وبالطبع لا تكون أمثال هذه العبارة الرمزية ذات الفجوات الشاغرة «قضية»؛ لأنها لا تُوصَف بصدق أو بكذب، وشرط «القضية» أن يجوز عليها مثل هذا الوصف، وقد اصطلح على تسمية عبارة رمزية كهذه بدالَّة قضية.٨
  • (٣)

    فإذا مُلئت الفجوات الشاغرة في «دالَّة القضية» بكلمات مناسبة، كأن نقول في العبارة الرمزية السالفة «فئة المصريين مُتضمَّنة في فئة المتكلمين بالعربية»، تحوَّلت الدالَّة إلى قضية يمكن تحقيقها صدقًا أو كذبًا.

  • (٤)

    علامة رمزية تدل على المعنى الذي نُعبِّر عنه في اللغة بكلمة «كل».

هذا هو الجهاز البسيط الذي أعدَّه «فريجه» لتحليله، ولعل أهم ما فيه هو هذه التفرقة التي أقامها بين العبارة إذا اقتصرت على رموز جبرية، والعبارة نفسها إذا استُبدل بتلك الرموز الجبرية ألفاظ من اللغة؛ أي التفرقة بين ما نُسمِّيه اليوم ﺑ «دالَّة القضية» وما نُسمِّيه ﺑ «القضية»؛ ففي هذه التفرقة التي قد تبدو للقارئ هيِّنة الخطر ثورةٌ فكرية ستلمس مداها في غضون هذا الكتاب، بل لعلها من أعظم النتائج التي وصلَت إليها التحليلات المنطقية الحديثة فقلبَت كثيرًا من الأوضاع القديمة رأسًا على عَقِب.

تلك خلاصة للجزء الأول من كتاب «فريجه» الذي أشرنا إليه، ثم يمضي الكتاب في جزئه الثاني فيُقدِّم مجموعةً كاملة من القواعد المنطقية والبديهيات، تكفي للبرهنة على كل ما يتصل بدالَّات القضايا — أي العبارات ذوات الرموز الجبرية — وفي الجزء الثالث من الكتاب يُبيِّن «فريجه» على سبيل التوضيح كيف يمكن استخدام جهازه الرمزي في صياغة أهم الأفكار المتصلة بالأعداد وترتیبها.

وكان الأمل يحدوه أن ينتقل بعد ذلك إلى الغاية الرئيسية المنشودة من مجهوده كله، وهي أن يُفصِّل القول في كيفية اشتقاق الرياضة من تلك البدايات المنطقية، لكنَّ رجاءه خاب؛ لأن أحدًا لم يُعِر أجزاءه الثلاثة الماضية لفتة ولو عابرة؛ فآثر «فريجه» أن يترك العمل عند هذا الحد الذي انتهى إليه، وأن يُحاول تقديم أفكاره الرئيسية في صورة أخرى تكون أقرب إلى قَبول القُرَّاء؛ فلعل هؤلاء القُرَّاء ازورُّوا عن كتابه بسبب التزامه للطريقة الفنية الدقيقة في التعبير؛ ومن ثَم أخرج كتابًا آخر (١٨٨٤م) عنوانه «أسس علم الحساب»،٩ يُبيِّن فيه بطریقة أسهل كيف أن هذا العلم الرياضي لا يحتاج أبدًا إلى شيء غير ما يسبق التسليم به في مجال المنطق الخالص.

ولم يكن علماء الرياضة عندئذٍ يُوافقون على رأي كهذا؛ فمَن ذا الذي كان يظن منهم أن عددًا مثل «۲» أو «٣» أو غيرهما هو في الحقيقة بغير مدلول في عالم الأشياء؛ لأنه ما دام نتيجة مُشتقَّة من مُدرَكات المنطق الخالص — ومُدرَكات المنطق الخالص خالية من أي مضمون خِبري متَّصل بعالم الواقع الطبيعي — فلا بد أن يكون بدَوره — كهذه المُدرَكات التي اشتُقَّ منها — رمزًا تحليليًّا صِرفًا بغير مضمون من الخبرة المستمَدَّة من عالم الأشياء؟

كلا، لم يكن الرأي الذي ساقه «فريجه» عن علم الحساب وأصوله مما يأخذ به أحد من علماء الرياضة عندئذٍ؛ فقد كان من هؤلاء من يعدُّ رموز الحساب (الأعداد) كألفاظ اللغة، رموزًا يتَّفق الناس على طريقة استخدامها لتدلَّ على مُسمَّيات خاصة، لكن هذا هو «فريجه» يُخضِع الأمر لتحليله فيخرج بهذه النتيجة، وهي أن الرمز الدال على عددٍ ما، مثل «۲»، إن هو إلا رمز ندل به على مجموع الفئات التي قوامُ كلٍّ منها عضوان، والتي يرتبط كلٌّ منها بالفئة المعدودة بعلاقة «واحد بواحد»، فلماذا نقول عن هذين الكتابين إنهما «اثنان»؟ نقول ذلك لأننا لو قرنَّاهما بهذين القلمين أو هذين المقعدين أو هذين الولدين وجدنا أن كل عضو منهما يُقابِل عضوًا، وهذه المقابلة التي تُسمَّى «علاقة واحد بواحد» هي معنى «التشابه» بين فئتَين؛ وعلى ذلك فلو جمعنا كل فئات الأشياء التي تتشابه معًا بعلاقة واحد بواحد، ثم إذا أطلقنا عليها رمز «۲»، لم يكن لهذا الرمز من معنًى سوى تلك الفئات المُتشابِهة المُجتمِعة.١٠

والذي يهمُّنا نحن من هذا كله أن فكرة العدد مشتقَّة من فكرة «الفئة» أو «النوع»، وهذه الأخيرة فكرةٌ خالصة للمنطق وحده. ومضى «فريجه» بعدئذٍ في طريقه لا ينثني، حتى أخرج سنة ١٨٩٣م الجزء الأول من مؤلَّفٍ ضخمٍ اعتزم إصداره بعنوان «القوانين الأساسية في علم الحساب»، والغرض منه هو نفسه الغرض من كتبه السابقة، وهو بیان العلاقة الوثيقة بين علم الحساب من جهة والمنطق الخالص من جهةٍ أخرى. ومن أهم ما يلفت النظر في هذا الجزء بحثه الدقيق في «المعنى»، فماذا نريد على وجه الدقة حين نقول عن رمز معيَّن أو لفظ معيَّن إنه «يعني» كذا وكذا؟ وما علاقة هذا «المعنى» بالمسمَّيات التي يُشير إليها ذلك الرمز أو اللفظ؟

وفي ۱۹۰۳م أصدر الجزء الثاني من مؤلَّفه هذا، وجاء في ختامه «حاشية» ألحقها به بعد أن تمَّ طبع الكتاب، قال فيها وهو آسف إن شابًّا إنجليزيًّا اسمه «برتراند رسل» قد اتصل به وبيَّن له مواضع التناقض في بنائه الرمزي الذي هو العمود الفقري لبحثه كله.

ذلك أن «برتراند رسل» كان قد أخذ ينغمس في تحليلاته وأبحاثه المنطقية انغماسًا بلغ ذروته في كتابه «أصول الرياضة» (برنكبیا ماثماتكا)، الذي أخرجه في ثلاثة مجلدات ضخمة بالاشتراك مع «وايتهد» (۱۹۱۰–۱۹۱۳م)، فجاء عمله هذا بمثابة المنهج التحليلي الذي اصطنعته جماعة الوضعية المنطقية فيما بعد، فانتهى بهم إلى ما انتهَوا إليه من نتائج سنشرحها في الفصول الآتية من الكتاب.

والغاية التي ابتغاها «رسل» من كتابه هذا هي أن يستنبط المنطق كله والرياضة البحتة كلها من مقدمات قليلة يكون طابعها منطقيًّا صِرفًا. وإنما تكون المقدمة منطقيةً خالصة إذا توافر منها أولًا أن تكون صادقة صدقًا مطلقًا غير مشروط بحالة معيَّنة من حالات العالم الخارجي، وأن تكون ثانيًا غير مُشتملة على أية كلمة من ذوات المعنى الثابت فيما عدا الكلمات المنطقية، والكلمات المنطقية هي هذه: «كل» «ليس» «أو» «و» «إما … أو …» «يستلزم»، وما إليها من ألفاظ من شأنها أن تبني للعبارة إطارها أو تُحدِّد لها صورتها دون أن يكون لها مضمون من معنًى خاصٍّ مُشير إلى أشياء الطبيعة وكائناتها.

أراد «رسل» إذَن — كما أراد من قبله «فريجه» — أن يتعقَّب قضايا الرياضة البحتة وقضايا المنطق الخالص صاعدًا بها إلى أصولها الأولية القليلة العدد، والتي يكون قوامها منطقيًّا صِرفًا، ولكن تلك الأصول الأولية لا بد أن تُصاغ في كلمات اللغة على كل حال؛ وإذَن فلا بد أن تكون بداية البناء ألفاظًا نقبلها بغير تعريف، وهي ما يُسمِّيه «رسل» باللامُعرَّفات، لا لأنها مُستحيلة التعريف بألفاظ غيرها، بل لأننا نريد أن نبدأ بهذه الكلمات أو بغيرها لنخطوَ بعدئذٍ في شوطنا الاستنباطي؛ حتی نرى هل يتكامل لنا بناء المنطق والرياضة بهذه الخطوات أو لا يتكامل.

والكلمات التي يبدأ بها «رسل» بغير أن يُحاوِل تعريفها، والتي منها سيستخرج المنطق كله والرياضة كلها، عددها ثلاثة، هي: «الإثبات» و«النفي» و«البدائل». ويرمز لها برموز خاصة حتى يستغني عن كلمات اللغة المتداوَلة؛ فرمز القضايا المُثبَتة هو «ق، ك، ل … إلخ»، ورمز النفي (الذي هو في اللغة الجارية كلمة «ليس») هو هذه العلامة «» تُوضَع أمام ما يريد أن ينفيه، ورمز البدائل (الذي هو في اللغة الجارية كلمة «أو») هو هذه العلامة «» تُوضَع بين البديلين، بحيث إذا قيل مثلًا «س ص» كان معناها باللغة الجارية: إما «س» أو «ص».

وتستطيع من هذه الرموز الثلاثة وحدها أن تُعبِّر عن بقية المصطلحات المنطقية كلها؛ لأن هذه المصطلحات يمكن ردُّها أو ترجمتها أو تحليلها إلى واحد أو أكثر من تلك اللامُعرَّفات الثلاثة؛ فمثلًا:

إذا أردنا أن نُضيف بواو العطف قضية إلى قضية، كقولنا «ق (و) ك» — أو باللغة الرمزية التي استخدمها رسل جريًا على عُرف الرياضيين في الرموز «ق ك» — أمكننا أن نُحوِّلها إلى النفي والبدائل معًا، فتصبح ( ق ك)؛ أي إن إضافة «ق» إلى «ك» بواو العطف متعادلة مع قولنا إنه ليس من الصواب أن يُقال عن القضيتين ق، ك إنه إما لا — ق أو لا — ك.
وكذلك إذا أردنا أن نقول عن قضيتين إن إحداهما تستلزم الأخرى، وهذا القول باللغة الرمزية التي استخدمها رسل يكون هكذا «ق ك» أمكننا أن نُترجم هذه الصيغة إلى صيغة أخرى تستغني عن كلمة «تستلزم» وتستعمل النفي والبدائل فقط، فتكون:
ق ك = ق ك.

أي إن قولنا إن ق تستلزم ك مُساوٍ لقولنا إنه إما أن تكون ق باطلة أو أن تكون ك صادقة.

وهكذا يُبيِّن رسل أن جميع الثوابت المنطقية يمكن ردُّها إلى اللامُعرَّفات الثلاثة التي ذكرناها، ثم يبني من هذه اللامُعرَّفات مجموعةً قليلة من بديهات، ثم يستخرج من هذه البديهات نتائجها التي تلزم عنها، ومن هذه النتائج نتائجها، حتى يتكامل له المنطق الصُّوري كله فالرياضة البحتة كلها؛ لأن الرياضة البحتة استمرار للمنطق الخالص.

وليس هنا موضع التفصيل فيما قد استحدثه رسل خلال تحليلاته المنطقية، مما يكفي أن يجعل منه بناءً منطقيًّا جديدًا يُعارِض المنطق الأرسطي أو يكاد، ونخصُّ بالذِّكر من هذه المستحدَثات نظرياته في الفئات وفي الأنماط وفي التعريف وفي الاستنباط، مما قد عرضنا بعضَه في مؤلفات أخرى،١١ وما سنَعرِض له في مواضعَ مُتفرقة من هذا الكتاب.
على أن كتاب «أصول الرياضة» هذا وإن يكن قد ألقى الضوء الشديد على طبيعة المنطق والرياضة معًا، فسرعان ما تبيَّن علماء المنطق وعلماء الرياضة مواضع النقص فيه وهمُّوا بإصلاحها، ومن أهم من تصدَّى لذلك تلميذٌ لبرتراند رسل، هو «لدفج وتجنشتين» الذي أدرك في تحليلات أستاذه أنها مبتورة الصلة بالخبرة الواقعية، كأنما رموزه الصورية في وادٍ والخبرة الفعلية في وادٍ آخر، فأراد أن يصل الطرفين برابطة تُوضِّح قيمة المنطق من الناحية التطبيقية دون أن تنقص من صدق قضاياه صدقًا مطلقًا غیر مشروط بالحالات الجزئية الواقعة في لحظات الزمان ونقاط المكان، فاقتضاه هذا أن يبحث في طبيعة القضايا بصفةٍ عامة وطبيعة قضايا المنطق بصفةٍ خاصة، وعرض نتائج بحثه هذا في رسالته المعروفة باسم «رسالة منطقية فلسفية»،١٢ والتي كان من أهم النتائج التي عرضَتها نقدُها للعبارات الميتافيزيقية؛ إذ بيَّنت أن أمثال هذه العبارات إن هي إلا نتيجة لخطأ في فهم منطق اللغة؛ فكان هذا الرأي بمثابة الحافز المباشر لتكوين جماعة فلسفية في فيينا، فجاء تكوينها فاتحة لمرحلة جديدة في الفلسفة التحليلية المعاصرة، هي التي عُرِفت فلسفتها أول ما عُرِفت باسم «الوضعية المنطقية»؛ فما هي جماعة فيينا؟ وما منحاها في النظر والبحث؟
١  Russell, Mystieism and Logic (Pelican edition)، ص٩٤.
٢  المصدر السابق في الصفحة نفسها.
٣  Anatol Rapoport, Science and the Goais of man، ص٢٠٢.
٤  Leibniz, nouveau Essais، الجزء الأول، الفصل الأول، فقرة ٥. والنص مأخوذٌ من: R. Latta, Leibniz.
٥  راجع كتاب الفكر الإسلامي الحديث، ص٢٦٨، وقد ظن مؤلفه أنني في كتابي «خرافة الميتافيزيقا» أُردِّد الفكر الغربي في القرن التاسع عشر!
٦  Gottlob Frege، راجع الفصل الذي كتبه عنه W. C. Kneale في كتاب: Revolution in Philosophy، وهو مجموعة فصول لطائفة من أساتذة الفلسفة بالجامعات الإنجليزية.
٧  Begr!ffsschrift، وقد تُرجم بعضه إلى الإنجليزية بعنوان Concept-Script أو Ideography، وقام على إصدار الترجمة الإنجليزية سنة ١٩٥٢م Black وGeach.
٨  راجع شرحًا مُفصَّلًا ﻟ «دالة القضية» والفرق بينها وبين «القضية» من كتابي «المنطق الوضعي».
٩  تُرجم هذا الكتاب حديثًا من الألمانية إلى الإنجليزية، ترجمه Austin أستاذ الفلسفة بإحدى الجامعات الإنجليزية.
١٠  من أغرب المصادفات في هذا الباب أن برتراند رسل قد انتهى إلى نفس النتيجة في تحليله للعدد، دون أن يكون قد سمع بفريجه أو قرأ كتابه، ولمَّا عرف «رسل» ذلك فيما بعدُ اتصل بفريجه واعترف بفضله.
١١  راجع نظرية رسل في الفئات وفي الأنماط، في كتابي «خرافة الميتافيزيقا».
١٢  Ludwig Wittgenstein, Tractatus logics-philosophicus.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢