الفصل السادس

مطلب اليقين

١

كان إدراك العلم اليقين بالكون أملًا يُراود الفلاسفة طوال عصورهم؛ فقد جاهَدوا ما وسعهم الجهد أن يكشفوا عن حقيقة هذا العالم بكل من فيه وما فيه. ولم يكن يكفيهم في مطلبهم ذاك أن يُحيطوا بالأمر إحاطة المُتشكِّك المُرتاب، بل أرادوا علمًا لا يأتيه الباطل من أية ناحية من نواحيه. ولم يكونوا في هذا السعي وراء الحق يُفرِّقون بين علم وعلم، فسواء كان موضوع البحث منطقًا صوريًّا أو هندسةً أو فَلكًا أو أجسادًا أو نفوسًا، فلا مناص في هذا كله من بلوغ العلم اليقين الذي ما دونه لا يكون من العلم في شيء، حتى لقد كانوا يجعلون اليقين جزءًا من تعريفهم للعلم أو للمعرفة بمعناها الصحيح، وأما ما يحتمل الخطأ فظنٌّ لا يرقى إلى أن يكون علمًا.

وسرعان ما كانوا يجدون الفرق واضحًا من حيث الصواب بين ما يُحصِّلونه بحواسِّهم عن العالم الخارجي، وبين ما يستنبطونه بعقولهم من حقائق الرياضة وما إليها؛ فالضرب الأول قابل للخطأ، والضرب الثاني يقينٌ ثابت؛ فمن الضرب الأول — مثلًا — أن تقول عن الشمس إنها تتحرَّك في السماء من الشرق إلى الغرب بناءً على شهادة الحواس، ومن الضرب الثاني أن تقول عن الخطَّين المُتوازيين إنهما لا يتلاقیان مهما امتدَّا؛ فقد يثبت — كما ثبت فعلًا — أن الشمس لا تتحرك كما يوهمنا البصر، وأما الحقيقة الثانية عن الخطَّين المُتوازيين أنهما لا يتلاقيان — وهي من استنباط العقل — فثابتةٌ مهما شهدنا بالعين أنهما يتلاقیان عند الأفق. وقد كان شغلهم الشاغل في هذا الصدد أن يبحثوا عن سرِّ اليقين فيما هو علمٌ يقيني؛ لعلهم يُطوِّعون عِلمنا بالطبيعة إلى مثل ما في الرياضة من يقين؛ وبذلك يبني الإنسان علمه على أساسٍ متين.

وسقراط هو الفيلسوف المنهجي الأول الذي أراد أن يلتمس للمعرفة الإنسانية سواء السبيل فلا تضلُّ ولا تُخطئ، حتى لقد احتلَّ مكانته الرئيسية في الفكر اليوناني بفضل منهجه قبل أي شيءٍ آخر. وحسبُنا أن نذكُر في هذا الصدد أن أرسطو حين ألقى على نفسه هذا السؤال: ماذا أفادت الفلسفة من سقراط؟ أجاب: «إنهما شيئان ينبغي أن يُنسبا بحق إلى سقراط، وهما: إقامة الحُجج على أسسٍ استقرائية، والتعريف الذي يشمل كل أفراد النوع.»١ أي إنه كان صاحب منهج جديد، ولا نزال حتى اليوم نَصف بعض الاتجاهات الفكرية بأنها «جدلية»، وهي كلمة تُشير إشارةً صريحة إلى المنهج السقراطي الذي كان يجري على أسلوب الحوار.

وكانت خطته في حواره هي الرجوع من النتائج إلى المقدمات؛ أي من النتائج إلى المبادئ التي تولَّدت عنها تلك النتائج، هي الرجوع من المواقف الجزئية إلى الفروض التي تكمن في صميم تلك المواقف؛ ذلك أننا كثيرًا ما نتكلم أو نسلك بحيث يكون كلامنا أو سلوكنا قائمًا على مبدأ معيَّن ونحن لا ندري، بل كثيرًا ما يكون ذلك المبدأ الخبيء في كلامنا وسلوكنا محل اعتقادنا الجازم، ومع ذلك ترانا — على غير وعي منا بما نكون فيه من تناقُض — نُنكِره في جدالنا مع خصومنا؛ فانظر — مثلًا — إلى فيلسوف من الظاهريين يُنكر أن يكون في الشيء إلا مجموعة ظواهره التي تبدو للحواس؛ أي إنه يُنكر أن يكون للشيء جوهرٌ عنصري ثابت دائم بغضِّ النظر عن الظواهر وتغيُّرها وزوالها، إنه ينكر ذلك وفي الوقت نفسه تراه يبحث عن قلمه الذي ضاع وعن كتابه الذي لا يذكر أين وضعه آخر مرة. وفي هذا السلوك نفسه دليلٌ على اعتقادٍ كامن في نفسه بأن القلب والكتاب لا یزالان قائمَين رغم انعدام ظواهرهما بالنسبة إلى ما تُدرِكه الحواس.

هكذا يَصدر الناس في سلوكهم العملي عن مبادئ مُتضمَّنة تحتاج إلى تحليل يُبرِزها في صراحة ووضوح، وما التحليل هنا إلا الرجوع من الحالات الجزئية في سلوكنا إلى ما هو دفين في طيِّها من مبادئ؛ أي الرجوع من السلوك الفعلي إلى مُبرِّراته العقلية. وفي هذا الرجوع من الظواهر السلوكية الجزئية إلى مُبرِّراتها العقلية، أي إلى مبادئها، ترانا نطرح من تلك المواقف الجزئية جوانبها العرَضية لنَخلُص إلى ما هو جوهريٌّ فيها، فيكون هذا الجانب الجوهري المبدأَ العقلي الذي نبحث عنه، والذي كانت الظواهر السلوكية صادرةً عنه مُنبنِية عليه. جاء في محاورة أوطيفرون ما يلي:

سقراط : أتوسَّل إليك أن تُنبئني حقيقة التقوى والفجور التي قلت إنك تعلمها جيِّد العلم، أليست التقوى في كل فعل هي هي دائمًا؟ وكذلك الفجور، أليس دائمًا نقيض التقوى؟ ثم أليس هو هو دائمًا، فله تعریفٌ واحد يشمل كل ما هو فاجر؟
أوطيفرون : كن على يقين من ذلك يا سقراط.
سقراط : وما التقوى وما الفجور؟
أوطيفرون : التقوى هي أن تفعل كما أنا فاعل.
سقراط : تذكَّر أني لم أطلب إليك أن تضرب للتقوی مثلين أو ثلاثة، بل أن تشرح الفكرة العامة التي من أجلها تكون الأشياء التقية كلها تقية. أنبِئني ما حقيقة هذه الفكرة حتى يكون لديَّ معيارٌ أنظر إليه وأقيس به الأفعال، سواء في ذلك أفعالك أو أفعال سواك، وحينئذٍ أستطيع أن أقول إن هذا العمل المعيَّن تقيٌّ وإن ذلك فاجر.٢

فواضح في هذا الحوار أن سقراط يريد ممن يحاوره أن يطَّرح من الموقف السلوكي الجزئي الذي كان يمارسه أوطيفرون ساعتئذٍ كلَّ ما هو جزئيٌّ خاص بذلك الموقف وحده؛ ليرتدَّ راجعًا به إلى المبدأ الذي على أساسه عدَّ أوطيفرون موقفه عندئذٍ (شكواه أباه في المحكمة لقتله عبدًا) حالةً من حالات التقوى.

هذا السير الراجع من الأمثلة الجزئية إلى ما وراءها من مبادئ عامة ليس من شأنه أن يكشف لنا عن معرفةٍ جديدة؛ فلن نزداد علمًا بالحالة الجزئية الواقعة أمامنا والتي اتخذناها نقطة ابتداء، بل كل ما هنالك من أمر هو أننا سنجعل المُتضمَّن صريحًا؛ فقد كان المبدأ في عقولنا يُعلِن عن نفسه في سلوكنا؛ أي إنه يخرج من عالم العقل إلى عالم الفعل مُلتفًّا في تفصيلات السلوك العملي، ونريد الآن أن نُزيل عنه لفائف الجزئيات السلوكية ليقوم وحده عاريًا فيتَّضح.

من هنا كانت طريقة سقراط في إلقاء الأسئلة على مُحاوِره يستولد المبادئ العقلية الكامنة فيه، والتي هي مصدر سلوكه؛ فالموازنة هنا واقعة بين ما هو خارج أنفسنا وما هو داخلها، بين ما هو موضع الإدراك الحسي وما هو موضع الإدراك العقلي، بين ما يعتمد على المشاهدة وما يستند إلى الفكر؛ فسلوك الإنسان في المواقف المعيَّنة ظاهر للعين، لكنه ليس عند سقراط علمًا مَهْما شهد من دقائقه، وإنما العلم هو أن يغوص وراءه إلى المبدأ الذي هو الأصل العقلي لذلك السلوك الظاهر.

ولم تكن هذه الموازنة بين المعرفة التي تأتي من مشاهدة الحوادث الخارجية والمعرفة التي تنبع من الفكر، أقول إن هذه الموازنة لم تكن جديدة، بل تناولها فلاسفةٌ قبل سقراط، نخصُّ منهم بالذكر بارمنيدس؛ ومن ثَم فقد كان هؤلاء الفلاسفة قبل سقراط بمثابة من يُوازنون بين نوعَين من العلم؛ العلم بالطبيعة من جهة والعلم الرياضي من جهةٍ أخرى، وكانوا يُدرِكون أن العلم بالطبيعة مُعرَّض للخطأ، وأما العلم الرياضي فيقینيٌّ ثابت.

لكن الجديد الذي استحدثه سقراط هو أن ينقل البحث في الأخلاق من مجال العمل الطبيعي إلى مجال العلم الرياضي، فلا يركن فيه إلى مشاهدة الحواس بل إلى منطق العقل؛ لأننا لو جعلنا السلوك الجزئي المتغيِّر موضوعه، كان موضعًا للاختلاف في الرأي بين إنسان وإنسان، وأما إذا أردنا له اليقين واتفاق الحكم بين الناس جميعًا، فسبيلنا فيه هي أن نبدأ من السلوك الظاهر سائرين القهقرى حتى نصل بالتأمل العقلي إلى المبادئ التي انبنى عليها ذلك السلوك.

ونعود الآن إلى ما قد أسلفناه من قول أرسطو في فضل سقراط على التفكير الفلسفي، إذ قال إن شيئَين ينبغي أن يُنسَبا بحق إلى سقراط، وهما انتهاج الطريقة الاستقرائية والبحث عن التعريف الشامل؛ فنُلاحظ أن ما قد أسماه أرسطو في الطريقة السقراطية منهجًا «استقرائيًّا» ليس شبيهًا بالاستقراء الذي تنهجه العلوم الطبيعية اليوم إلا في شيء واحد، وهو أن كليهما يبدأ من مواقف جزئية، ثم يختلفان بعد ذلك، فبينما استقراء العلوم الطبيعية الحديثة قائم على إدراك الروابط بين أكثر من حقيقةٍ واحدة، كأن نُدرِك الرابطة بين الرياح الشمالية وسقوط المطر، ترى الاستقراء السقراطي قائمًا على تحليل مُدرَك واحد — كالتقوی مثلًا كما تتبدَّی في أحد مواقفها السلوكية — ليَنفذ خلال ذلك المُدرَك إلى ما هو جوهري فيه؛ وبالتالي إلى تعريفه الكامل الشامل.

المنهج السقراطي هو حَفرٌ في السلوك الجزئي المُشاهَد لنستخرج منه المبدأ الكامن فيه، كما يَحفِر المثَّال قطعة الرخام لیُخرِج منها تمثالًا معيَّنًا يريد إخراجه؛ فيُروى أن سقراط قد رأی أباه — وكان مثَّالًا — رآه ذات مرة وهو ينحت من الصخرة رأس أسد ليُقام على نافورة ماء، فتناول قطعة الرخام وأخذ ينقرها بإزميله الغليظ، ثم بأزاميل وأدواتٍ أكثر دقة، وهكذا أخذت تظهر تفصیلات التمثال المنشود شيئًا فشيئًا؛ أخذ الفم في الظهور، ومن فوقه الأنف الأفطس والعينان واللَّبَد؛ فسأل سقراط أباه كيف عرف الطريقة التي يضع بها إزميله وإلى أي عمق يضربه، فأجابه أبوه قائلًا: عليك بادئ ذي بدءٍ أن ترى الأسد كامنًا في قطعة الرخام، تراه رابضًا هناك تحت سطح الحجر، حتى إذا ما تصوَّرت في وضوح أين يقع وما حدوده، كان عليك بعدئذٍ أن تُطلق سراحه. وكلما أحسنت بادئ ذي بدءٍ رؤية الأسد في موضعه من الحجر، عرفت أين تضرب بالإزميل وإلى أي عمق تغوص به.

والبحث الفلسفي عن الحقيقة في نفس صاحبها هو عملية حَفر كهذه؛ ولذلك لا يجوز للفيلسوف أن يُقدِّم الحقائق إلى تلاميذه مُعَدة «جاهزة»، بل عليه أن يُعطي أزاميل الحفر لهؤلاء التلاميذ، وأن يهديَهم أن يضربوا بها ليخرج إلى العلن ما قد كان كامنًا في أنفسهم من مبادئ يسلكون على أساسها دون أن يعلموا ماذا عساها أن تكون في شكلها وحدودها، أو على الأقل هذا هو ما ظنَّ سقراط أنه فاعله مع مُحاوِريه؛ لأننا نراه كثيرًا ما يخرج على منهجه؛ إذ لم يكن دائمًا يترك فئوس الحفر في أيدي تلاميذه يحفرون بها تحت إرشاده، بل كثيرًا ما كان ينفرد هو وحده بالكلام، مُكتفيًا من مُحاوريه بقولهم «نعم» و«هذا صحيح». والحقيقة أننا كثيرًا ما نَعجب لهؤلاء المُحاوِرين كيف يُوافقون سقراط بهذه السرعة على ما يُوافقونه عليه، مع أنه قد يكون أمرًا أبعد ما يكون عن الوضوح.٣

حجر الأساس في المنهج السقراطي هو البحث عن المبادئ الثابتة وراء الظواهر المُتغيرة، هو البحث عن الكلي وراء جزئياته، على أساس أن العلم بالمتغيِّرات ليس من العلم الصحيح في شيء؛ فلِكَي يكون العلم علمًا يجب أن يتَّصف باليقين الذي لا يُزعزعه اختلاف الناس ولا اختلاف العصور؛ فإذا ما كان الوصول إلى المبدأ الذي يُفسِّر الظواهر الموضوعة تحت البحث أمرًا میسورًا بطريقةٍ مباشرة؛ أعني أنه إذا كانت رؤية الحقائق الثابتة رؤيةً مباشرة شيئًا لا قِبل لنا به، فلتكن سبيلنا إليها بادئ ذي بدءٍ استعراض ما يقوله الناس عنها؛ وبهذا لا نضع أمامنا المبدأ العقلي المنشود، بل الذي نضعه أمامنا للبحث هو «أقوال» و«نظريات» يقولها القائلون تأويلًا للظاهرة المُراد تأويلها.

هذه الأقوال أو هذه الآراء التي يُبديها الناس تأويلًا لما يُراد تأويله من الظواهر، إنما تكون بطبيعة الحال متضادَّةً مُتبايِنة؛ فهذا يفسِّر الظاهرة على نحو، وذلك يُفسِّرها على نحوٍ آخر، ونحن نريد أن نصل إلى اليقين الثابت من ثنايا هذه الأقوال المختلفة، فنُوازِن بينها ونُعارِض بعضها ببعض لعل ذلك يُغنينا في بلوغ الحق المنشود عن معاينته معاينةً مباشرة، كما يُحاول القاضي أن يصل خلال أقوال الشهود المتضاربة إلى الحقيقة التي لم يُتَح له أن يراها رؤية العين.

وقد أطلق سقراط على هذا المنهج اسم «الديالكتيك». وهي كلمةٌ معناها المُحاوَرة أو المناقشة؛ لأن فيها ما يكون في الحوار من أخذٍ ورَد، وقد لا يتحتَّم أن يشترك في المحاورة أكثر من شخصٍ واحد؛ إذ الشخص الواحد يستطيع أن يُلقيَ على نفسه السؤال ثم يُجيب لنفسه عنه؛ وبهذا تتمُّ فيه وحده عملية التفكير بجانبَيها.

وقد شاءت سخرية القدر أن يكون هذا المنهج السقراطي في معارضة الآراء بعضها ببعض تمحيصًا للحق الثابت، هو نفسه موضع التهجُّم من أعدائه؛ فهذه هي نفسها النقطة التي استغلَّها الكاتب المسرحي المعاصر لسقراط، أرستوفان، في مسرحية «السحاب»؛ وذلك أن بروتاجوراس السوفسطائي كان قد قال قبل سقراط إن لكل أمرٍ وجهَين، وإن المتكلم القدير يستطيع أن يعرض الوجه الأضعف عرضًا يُبديه للسامع كأنه الأقوى. فأخذ أرستوفان هذا القول ونسبه إلى سقراط، ثم هزأ به فوق المسرح، بأن جعل الرذيلة تبدو في يد المُتحدِّث البارع فضيلةً والفضيلة رذيلة.

وطريقة السير المنهجي عند سقراط تبدأ بأن يفرض مبدأً على أنه هو الحق، ثم يتَّخذ من هذا المبدأ المفروض نقطة ابتداء؛ ليرى ماذا عسى أن تكون النتائج التي تُستنبط منه، فتكون صحيحة كذلك ما دام المبدأ قد فُرِض فيه الصواب؛ فالفرض باعتباره فرضًا لا يكون هو نفسه موضع بحث ونقاش ما دامت عملية استنباط نتائجه قائمة؛ لكي يكون هو معيار الصواب والخطأ، فما اتفق وإيَّاه واتَّسق كان صوابًا، وما ناقَضه وخالَفه كان خطأً، ثم يفرض مبدأً آخر ويتعقَّبه إلى نتائجه ليُوازِن بعدئذٍ بين البناءَين؛ فلعل الموازنة تنتهي به إلى اليقين — على أن أي مبدأ من هذه المبادئ المفروضة، وإن تكن فوق المناقشة أثناء استنباط نتائجها، إلا أنه يجوز بعد ذلك أن نتناول أحدها بالبحث فنفرض له مبدأً أعمَّ منه يشتمل عليه بين نتائجه؛ وبهذا نكون قد وضعناه في موضعه بالنسبة إلى معارف الإنسان؛ فهو نتيجة لما هو أعمُّ منه ومقدمة لما هو أخصُّ منه، حتى نصل إلى المبدأ الواحد الأعلى الذي ليس فوقه مبدأٌ أعم منه، والذي تندرج تحته شتَّى المبادئ كلها، فيُفسِّر لنا الكون بأَسره تفسيرًا يقينيًّا لا تفسيرًا يقوم على الرأي والظن.

ولعلك تُلاحظ أن هذا المنهج السقراطي هو نفسه منهج الرياضة؛ فالرياضة — كما في هندسة إقليدس مثلًا — تبدأ من فروض هي المُسلَّمات وهي نقطة الابتداء، ثم تسير بعد ذلك في استنباط ما يمكن استنباطه من نتائج، فتكون هذه النتائج يقينية لأنها تولَّدت عن مقدماتٍ فُرِض فيها الصواب. ولو أردت في الهندسة أن تُثبِت نظريةً معيَّنة، فما عليك إلا أن تبحث عمَّا هو أعمُّ منها مما يسبقها من نظريات ومسلَّمات، حتى تنتهي بمجموعة النظريات إلى مبادئ قليلة تُفسِّرها كلها. وفضل سقراط الأكبر في التفكير الفلسفي هو محاولته أن يَنهج في بحث المُدرَكات الأخلاقية نفس المنهج الذي ينهجه عالم الرياضة في نظرياته الهندسية، فكيف أُفسِّر ظاهرةً سلوكية معيَّنة في موقفٍ معيَّن؟ أفسِّرها بالمبدأ العقلي الكامن وراءها. وكيف أفهم هذا المبدأ العقلي نفسه؟ أفهمه بأن أبحث عن المبدأ الذي هو أعم منه ويحتويه، وهكذا حتى يتكامل البناء الخلقي كله مُستندًا إلى مبادئ معيَّنة لا بد من التسليم بها، كما يتكامل البناء الرياضي على هذه الصورة نفسها.

٢

وكان العلم اليقيني — لا الآراء والظنون — هو كذلك الأمل الذي راوَد أفلاطون كما راود أستاذه سقراط، وكان منهج ذلك هو نفسه منهج هذا، لولا أنه ازداد على يدَي أفلاطون دقةً وإحكامًا.

فكان سقراط قد اكتفى بالمقابلة بين المعرفة الحسية من جهة والمعرفة العقلية من جهةٍ أخرى؛ أي إن الأمر عنده كان ذا طرَفَين؛ فطرَف في الخارج يبدو أمام الحواس ظاهرةً بين الظاهرات الجزئية المتغيِّرة، وطرَف في الداخل يكون في العقل مبدأً ثابتًا عنه انبثقَت تلك الظاهرة التي تبدَّت للحواس؛ فما تلك الظاهرة بالنسبة للمبدأ العقلي إلا بمثابة المثَل التطبيقي الواحد. وكان يمكن أن يتبدَّى المبدأ في مثَل تطبيقي آخر؛ نقول إن سقراط كان قد اكتفى بقسمته الأمر وجهَين؛ معرفة حسية من جهة، ومعرفة عقلية من جهةٍ أخرى، كأنما المعرفة الحسية كلها من درجةٍ واحدة في سُلَّم الحق، وكأنما المعرفة العقلية كذلك من درجةٍ واحدة. وإذا كان الأمر كذلك فلا يكون فرقٌ بين الرياضة والفلسفة باعتبارهما عقليَّين، مع أن المعرفة الفلسفية — عند أفلاطون — من درجةٍ أعلى.

أمعنَ أفلاطون في الموازنة بين ضُروب المعرفة ودرجاتها، فتنبَّه لما لم يتنبَّه له سقراط، وهو أن كل مرحلة من المرحلتَين الرئيسيتين يمكن قِسمتها قسمةً فرعية إلى مرحلتين؛ فالمعارف الحسية درجتان، وكذلك المعارف العقلية درجتان، بحيث تكون كلها أربع درجات مُتفاوتة من حيث ما تُحقِّقه كلٌّ منها من الصواب. وهاك ما يقوله في ذلك أفلاطون، في آخر الكتاب السادس من «الجمهورية»:

«افرض أنك قد قسمت خطًّا قسمَين غير مُتساويين، يُمثِّل أحدهما مجموعة الأشياء المرئية، ويُمثِّل الآخر مجموعة الحقائق العقلية، ثم قسمت كلًّا من القسمَين جزأين بنفس النسبة التي بين القسمين الكبيرين؛ فعندئذٍ إن جعلت أطوال الأجزاء (الأربعة) تُمثِّل درجات الوضوح أو عدمه، كان أحد الجزأين في قسم الأشياء المرئية مُمثِّلًا لطائفة الصور؛ وأعني بها الظلال أولًا، والانعكاسات على سطح الماء وغيره من المواد المصقولة الملساء اللامعة ثانيًا. وكان الجزء الثاني مُمثِّلًا للأشياء الحقيقية التي هي أصول تُقابلها هاتيك الصور؛ وأعني بالأشياء الحقيقية صنوف الحيوان من حولنا وكافَّة أشياء العالم الطبيعي وعالم المصنوعات.

وأما القسم الثاني الكبير، فأحد جزأيه يُمثِّل حقائق نبحثها مُستعينين بأشياء الطبيعة وصورها (في جزأي القسم الأول)؛ فها هنا نبدأ بالفروض، ونسير — لا في طريقنا إلى المبدأ الأول — بل نسير إلى النتائج التي تتولَّد عن تلك الفروض. وأما الجزء الثاني من القسم الثاني فيُمثِّل حقائق النفس حين تبدأ من الفروض — لا هابطةً إلى النتائج — بل صاعدةً إلى المبدأ الأول. وهذا المبدأ لا يكون مشروطًا بشرط، ولا هو بحاجة إلى معونة أشياء الطبيعة وصورها؛ فالنفس ها هنا لا تستعين في طريق رحلتها إلا بالمُثل الحقيقية التي هي من الأشياء ماهيَّاتها.»

هذا نصٌّ غاية في الأهمية، يُبيِّن درجات الوضوح في مختلف العلوم؛ فالعلوم الطبيعية لا تُجاوِز حدود التخمين والظن؛ لأنها تتناول بالبحث أشياء جزئية متغيِّرة. والعلوم الرياضية وإن تكن يقينيةً إلا أنها على شيء من القصور؛ لأنها أولًا مُعتمِدة في ظهور حقائقها على الأشياء الجزئية، وثانيًا لأنها لا بد أن تفترض فرضًا تجعله نقطة الابتداء، ومنه تسير نازلةً إلى النتائج التي تتولَّد عن ذلك الفرض. وأما المعرفة الفلسفية فهي الحَدْس المباشر للمُثل على حقيقتها.

فالعالِم الرياضي إذا ما أراد أن يبحث في خصائص المربع — مثلًا — رسم مربعًا وافترض أنه مربعٌ حقيقي، قائلًا: افرض أن أ ب ﺟ د مربع. ولماذا يفرض أنه مربع؟ يفرض ذلك لأن ما قد رسمه وإن يكن قريب الشبه بالمربع إلا أنه ليس هو المربع كما يقتضيه تعريف المربع في الهندسة؛ فقد لا يكون السطح تامَّ الاستواء، وقد لا تكون الخطوط تامَّة الاستقامة، على حين أن المربع بحكم التعريف هو السطح المستوي المحاط بأربعة خطوط مستقيمة ومتساوية ومتعامدة؛ وإذَن فلا مناص للرياضي من أن «يفرض» أن الشكل الرسوم مربع ليمضي في إقامة البرهان على ما يريد أن يقيم عليه البرهان. أما إذا أراد أن يعرف المربع كما تقتضيه ماهيَّته، فلا يكون سبيل ذلك فرضًا يفرضه، بل سبيله أن يتصوَّر بعقله مثال المربع فيراه رؤيةً مباشرة، ورؤية المُثل هي غاية الفلسفة.

ويهمُّنا من هذا كله طبيعة التفكير الرياضي الذي أراد سقراط أن يصطنعه في تحليله للمُدرَكات الخلقية ليصل في هذه المدركات إلى العلم اليقيني؛ فالمنهج الرياضي — كما رأينا عند سقراط وعند أفلاطون معًا — ضربٌ من التفكير يتخذ لنفسه بدايةً يبدأ منها شوطه نازلًا إلى النتائج، ولا يصعد مُجاوزًا تلك البداية؛ أي إنه لا يجعل البداية نفسها محل بحث، بل يُسلِّم بصدقها ثم يستنبط.

لم يكن علمًا — عند اليونان — ما ليس يبلغ درجة اليقين؛ ولذلك فالفلسفة الديالكتيكية علمٌ لأنها تصعد بصاحبها إلى قمةٍ ينظر فيها إلى الحقائق العقلية نظرًا حدسيًّا مباشرًا. والرياضة علمٌ لأنها تُسلِّم بنقطة الابتداء ثم تستنبط النتائج التي يتحتَّم أن تكون صحيحةً ما دامت نقطة الابتداء صحيحة. وأما علم الطبيعة الذي يبحث في الجزئيات فلم يكن عندهم وجود بالمعنى الذي يفهمه أصحاب هذا العلم في العصر الحديث؛ فجزئيات الطبيعة مُتغيِّرةٌ عابرة، والعلم يَنشُد حقًّا له ثبات ودوام.

ولا غرابة بعد هذا أن نجد أرسطو حين أراد أن يستخلص منطق الفكر من واقع الفكر اليوناني، لم يجد ما يَصلح أن يكون منطقًا إلا الصور القياسية؛ فلا فكر بغير استدلال النتيجة من مقدماتها. وهو يُعرِّف القياس بأنه: «قول قُدِّم له بمقدمات معيَّنة؛ فلزم عنها بالضرورة شيءٌ غير تلك المقدمات.» أي إنه لا بد للعملية الفكرية السليمة من وجود مقدمات مُسلَّم بها، ثم تتولَّد عنها نتائج مضمونة الصدق؛ لأن المستدِلَّ لا يُضيف من عنده شيئًا؛ ومن ثَم فهو لا يتعرَّض للخطأ.

وجاءت بعد ذلك العصور الوسطى؛ فمسيحية في الغرب وإسلام في الشرق الأوسط، ولكلٍّ من الديانتَين رجالٌ أرادوا تحليل أصول عقيدتهم تحليلًا يستخرج فروعها ويُبرِز نتائجها ويوضِّح تطبيقاتها؛ فأين عساهم أن يجدوا أداةً تُعينهم في عملهم خيرًا من المنطق القياسي الذي فصَّل أرسطو شروطه وقواعده؟ إن بين أيديهم كتابًا أو كتبًا لا يجوز عندهم أن تكون موضع شك ولا ريبة، وكل ما يُطلَب منهم هو إخراج ما يمكن إخراجه من نتائج كامنة في نصوص تلك الكتب؛ أي إن العمل المطلوب هو استنباط النتائج لا وضع المقدمات؛ فالمقدمات قد نزل بها الوحي من السماء، وأعني بها نصوص العقيدة؛ فالباحث هنا لا يخلق الجنين بل يستولده. وهو بالطبع لا يُبيح لنفسه أن يستولد من النتائج ما يمكن أن يكون موضع شك، بل لا بد له من الوصول إلى أحكامٍ يقينية، وهو لا محالة واصلٌ إليها ما دام قد أخذ نفسه بالحذر في استخراج النتيجة من النص استخراجًا لا يُضيف إليه من عنده شيئًا.

٣

وذهبت العصور الوسطی وجاء العصر الحديث، فكان ديكارت في مستهَلِّه يُمثِّل ما كان سقراط في موضعه من تاريخ الفكر اليوناني، على بُعدِ ما بين الرجلَين من اختلاف؛ فكلاهما قد جاء حين كانت فترةٌ من الشك مُدبِرةً وفترةٌ من التفكير الإيجابي مُقبِلة، وكلاهما كان صاحب منهج يُقدِّمه فاتحةً للعصر الإيجابي الجديد، وكلا المنهجَين قام على أساس ما قد ظن صاحبه أنه علمٌ يقين يصحُّ أن يكون نموذجًا لكل تفكير يريد أن يكون يقينيَّ النتائج، وكلا الرجلَين لم يجدا بدًّا من التشكك فيما كان يعرفه؛ لكي يتسنَّى للمنهج الجديد أن يُبنى على أرضٍ صلبة وأساسٍ متين، وكلاهما قد فرَّقه بين مصدرَين للمعرفة؛ فمعرفة تأتي من الخارج عن طريق الحِس، ومعرفة تنبع من الداخل عن طريق الفكر، مُؤثِرًا أن يلتمس المعرفة الصحيحة من المصدر الداخلي لا من خبرة الحواس. وفوق هذا وهذا وذاك من أوجه الشبه بين الرجلين أن كليهما قد جعل العلم الرياضيَّ مِفتاح المنهج الجديد.

لكن الرجلَين وإن يكونا قد اتفقا على أن ينهجا في البحث نهج العلوم الرياضية ليَبلغا ما تبلغه هذه العلوم من يقين، إلا أنهما قد اختلفا في طريقة استخدامهما لهذا المنهج؛ فأما سقراط — كما رأينا — فقد استخدمه في طريقته الجدلية؛ بمعنى أنه كان يُعارِض مختلف الآراء في الموضوع الواحد بعضها ببعض، كان عندئذٍ يلجأ إلى أن يضع فرضًا يفترض فيه الصواب ويجعله نقطة ابتداء، ثم يستدلُّ منه ما وسعه استدلاله من نتائج، ثم يُغيِّر الفرض الأول ويمضي في استدلاله وهكذا؛ لكي تتَّضح الفوارق بين الآراء خلال ما يترتَّب عليها من نتائج. والمنهج هنا ریاضي؛ بمعنى أنه يصطنع ما تصطنعه الرياضة من فرض مُسلَّمات أوَّلية تكون هي نقطة الابتداء، ثم يكون السير بعد ذلك استنباطًا للنتائج.

وأما ديكارت فلم يستخدم المنهج الرياضي على هذا النحو، على الأقل كراهيةً منه للطريقة الجدلية التي كانت شائعة في العصور الوسطى، والتي كانت تدور بأصحابها في طاحونةٍ لفظية لا تُغْني ولا تُفيد؛ فكيف استخدم ديكارت المنهج الرياضي تحقيقًا للعلم اليقيني المنشود؟ إنه بالطبع لم يُرِد أن يتعلم الرياضة لذاتها، بل أراد أن يُطبِّق منهجها على سائر العلوم؛ إذ الرياضة نفسها ليست سوى حالة من حالات التطبيق لذلك المنهج. وعنده أن كل موضوع علمي صالحٌ للمنهج الرياضي — طبيعةً كان أو إنسانًا أو ما وراء الطبيعة — فما خصائص هذا المنهج؟

خصائصه الرئيسية هي اعتماده على الحدس أولًا في رؤية الطبائع البسيطة، ثم الاستنباط من هذه البسائط ما يمكن استنباطه من نتائج، لكن هذا الكلام المُوجَز بحاجة إلى مزيد من الشرح ليتَّضح أولًا، ولنُدرِك الفرق بين هذا المنهج الديكارتي والقياس الأرسطي ثانيًا.

فنحن نُسمِّي الإدراك حدسًا (بالاصطلاح الفلسفي) إذا ما كان نتیجةَ عيان عقلي مباشر، كأنما هو لمعة يلمع بها فِكر الإنسان فيرى؛ فالإدراك الحدسي لَقطةٌ عقلية واحدة تتمُّ في لحظةٍ زمنية واحدة، وليس الأمر مرهونًا بمقدِّمات يتلو بعضها بعضًا ونُقارِن بعضها ببعض لنستدلَّ منها نتائجها. ومثل هذا الإدراك الحدسي هو أقرب شيء إلى النور الفطري، أو إن شئت فقل أقرب إلى الإدراك الغريزي الذي جُبِل عليه الإنسان ليرى بعض الحقائق رؤيةً لا تتوقف على تعلُّم أو تدريب. وبطبيعة الحال لا يُقال عن الإدراك الحدسي إنه قد «يُخطئ»؛ إذ الخطأ إنما يكون في الحكم لا في مجرد الرؤية المباشرة، والحدس رؤيةٌ مباشرة.

بهذا الحدس نُدرِك الطبائع البسيطة إدراكًا مباشرًا، ويكون إدراكنا لها — كما هي الحال في المنهج الرياضي — هو نقطة الابتداء؛ فما هي تلك التي أسماها دیكارت بالطبائع البسيطة والتي هي من بناء المعرفة بمثابة الأساس؟

العجيب هنا هو أن فيلسوف الوضوح لم يكن واضحًا كل الوضوح في أمر «الطبائع البسيطة» على خطرها في بنائه الفلسفي؛ فهي — كما أسلفنا — حجر الزاوية من البناء كله؛ لأنها هي البداية التي لا نبحث عمَّا هو أبسط منها لنبدأ به؛ هي البداية التي نطمئنُّ إليها لأنها يقينية حتمًا، واضحة حتمًا، مُتميِّزة حتمًا، وإلا لَمَا كانت «بسيطة» كما نزعم لها. ومهما يكن من أمرها فهي عند ديكارت أربعة أنواع رئيسية؛ بسائط تَصدُق على الأشياء كلها كائنةً ما كانت، مثل «الوجود» و«الجوهر» و«العدد» و«الوحدة» و«الأمد»؛ فكل شيء كائنًا ما كان تستطيع أن تقول عنه إنه «موجود»، وتستطيع أن تقول عنه إنه يتَّصف بكذا وكيت من الصفات مما يدل على أن له جوهرًا ثابتًا تطرأ عليه الصفات، وهكذا دون أن تكون بحاجة لفهم هذه الطبائع — «الوجود» و«الوحدة» و«الجوهر» … إلخ — إلى شيء غير النظر المباشر في ذاتك الشاعرة، وبمثل هذا العيان العقلي تُدرك معاني هذه الأشياء. والنوع الثاني من البسائط يَصدُق على الأشياء الطبيعية وحدها دون الكائنات العقلية، مثل «الامتداد» و«الشكل» و«الاستقامة» و«الحركة»؛ فلكَ أن تقول عن هذا الكتاب — مثلًا — إنه يمتدُّ فيَشغل حيِّزًا من المكان، أو إنه مستطیل، أو إن طرَفه خطٌّ مستقيم، أو إنه يتحرَّك من أعلى إلى أسفل إذا ما أخليتَ عنه قبضتك، دون أن تكون بحاجة إلى وسيلةٍ غير الرؤية العقلية المباشرة لتعلم ماذا يعني قولك عن الكتاب إنه ممتدٌّ أو إنه مستطيل الشكل، وهكذا. والنوع الثالث من البسائط يَصدُق على الأشياء العقلية وحدها دون الكائنات الطبيعية، مثل «فكر» و«شك» … إلخ؛ فأنت تعلم علمًا حدسيًّا مباشرًا أنك الآن «تفكر» في كذا وكذا، وأنك «تشكُّ» إن كانت السماء مُمطِرة أو لم تكن. وأما النوع الرابع من البسائط فهي علاقات أو بديهيات تُستخدم في ربط بسائط الأنواع الثلاثة المتقدمة؛ فمن العلاقات علاقة «التساوي» وعلاقة «التشابه» وعلاقة «علة ومعلول»، ومن البديهيات البديهيةُ القائلة إنه «إذا أُضيفت كَمِّيات مُتساوية إلى كَمِّيات مُتساوية كانت النتائج مُتساوية»، والبديهية القائلة إنه «إذا كان هنالك شيئان كلٌّ منهما يُطابِق شيئًا ثالثًا، كان الشيئان مُتطابقَين»، والبديهية القائلة «إن لكل شيء سببًا». وبسائط النوع الرابع هذه (أي العلاقات والبديهيات) هي التي تُمكِّننا من تولید المعرفة من بسائط الأنواع الثلاثة الأولى؛ فهنالك — مثلًا — في بسائط النوع الأول «العدد»، فأستطيع بواسطة علاقة التساوي أن أستولد نتيجةً كقولي إن اثنين وثلاثة تُساوِیان خمسة. وهنالك في بسائط النوع الأول «الجوهر»، وفي بسائط النوع الثاني «الامتداد»؛ فأستطيع أن أرى رؤيةً حدسيةً ما بينهما من علاقة تجعل الامتداد مُحالًا بغير جوهر يرتبط به.

هنالك — إذَن — طبائع بسيطة كالَّتي ذكرناها، وهنالك علاقاتٌ بسيطة كذلك. ونعني ﺑ «البساطة» هنا أنها تُدرَك بالنور الفطري إدراكًا مباشرًا. وبعض العلاقات يربط بعض الطبائع البسيطة ربطًا نُدرِك إزاءه أنه ضروري يستحيل أن يكون على غير ما هو كائن؛ فكونُ الاثنين أو الثلاثة من جهة والخمسة من جهةٍ أخرى يتساويان علاقةٌ ضرورية بين الطرَفَين، وكون الامتداد يرتبط بجوهرٍ ما أمرٌ ضروري لا مندوحة عنه. والعلاقات الرياضية كلها هي من هذا الضرب الذي يُدرِك الإنسان فورًا أنه ضروري وأنه مُحال ألا يكون على نحو ما هو كائن. وسؤالنا الآن هو: من أين جاءت هذه الضرورة؟

إنه إذا كانت الحقيقة البسيطة بسيطة حقًّا، بالمعنى الذي أسلفناه، وجب ألا يعتمد إدراكها على شيءٍ سِواها؛ فكل «بسيطة» من البسائط مستقلَّة بذاتها، يُدرِكها الحدس إدراكًا مباشرًا، بغير أن يشترك في إدراكها إدراك «بسيطة» سِواها؛ فيجب — مثلًا — أن أفهم «الوجود» معنًى قائمًا وحده بغضِّ النظر عن «الامتداد» أو «العدد» أو غيرهما؛ ومعنى ذلك أنه كان ينبغي أن تُفهَم «البسائط» بغير حاجة إلى علاقات تربطها بعضها ببعض. دع عنك أن تكون هذه العلاقات «ضرورية» بحيث يستحيل ألا تكون البسائط المرتبطة بها غيرَ مرتبطة على النحو الذي هي مرتبطة به؛ فالحقيقة «البسيطة» ما دامت تُدرَك وحدها إدراكًا مباشرًا فيه وضوحٌ تامٌّ وفيه تمیُّز يمیزها من كل ما عداها، فهي مما لا يمكن «تعريفه» بغیره؛ أي إنها مما لا يمكن تحليله إلى ما هو أبسط منه، مع أنه إذا كان بعض هذه البسائط مرتبطًا ارتباطًا ضروريًّا بغيرها، كان معنى هذا الارتباط الضروري أنها لا هي مُدرَكة وحدها، ولا هي واضحة بذاتها، ولا هي متميِّزة ممَّا عداها، ولا هي مما لا يمكن تعريفه أو تحليله.

ولو كان ذلك كذلك في أمر البسائط من حيث وجوب استقلالها في الإدراك الحدسي، بحيث يمكن استغناء الواحدة منها عن كل ما عداها، فمن أين تأتي «ضرورة» الرياضة، مع أن الرياضة إن هي إلا ضروب من العلاقات بين حقائق بسيطة، بحيث نُحسُّ إزاء تلك العلاقات أنها ضرورية وأنها مُحال ألا تكون على غير ما هي عليه؟ إن ديكارت يُعلِّق أهميةً كبرى على يقين الحقائق الرياضية وضرورتها، إلى الحد الذي يجعل الرياضة عنده نموذجًا لا مناص من احتذائه في العلوم الأخرى لنبلغ فيها مثل اليقين الذي تُحقِّقه الرياضة؛ وإذَن فمن المهم أن نسأل سؤالنا هذا: من أين جاءت للرياضة ضرورتها عند دیكارت؟

إنه لممَّا يَجدُر ذكره هنا أن دیكارت في «التأمل الأول» من تأملاته قد شكَّ في إدراكه الحسي أولًا، وبقيت لديه الحقائق الرياضية لا يعرف كيف يكون سبيلُ الشك فيها إلا أن يفترض وجود شیطان خبيث يُضلِّله فيُوهِمه أن اثنين وثلاثة تُساوِيان خمسة، وأن للمربَّع أضلاعًا أربعة، مع أنها ليست كذلك؛ أقول إن دیكارت في التأمل الأول لا يجد الشك في الحقائق الرياضية من اليُسر بمثل ما وجده في الحقائق الطبيعية المُدرَكة بالحس؛ فبالنسبة لهذه الحقائق الطبيعية يستطيع — مثلًا — أن يحتمل إمكان أن تكون هذه الأشياء كلها مرئية في الحلم لا في اليقظة، أما بالنسبة للحقائق الرياضية «فسواء كنت مُتيقِّظًا أو نائمًا، هنالك حقيقةٌ ثابتة، وهي أن مجموع اثنين وثلاثة هو خمسة دائمًا، وأن المربع لن يزيد على أربعة أضلاع أبدًا».٤
أعود فأسأل: ما مصدر الضرورة في الحقائق الرياضية عند دیكارت؟ إنها بالطبع ليست مجرد كون الحقائق الرياضية تعتمد أول ما تعتمد على طبائع بسيطة تُدرَك بالحدس فلا يكون إدراكها معرَّضًا للخطأ؛ ذلك لأن الحقيقة الرياضية قوامها علاقات تربط هذه الطبائع البسيطة، ونحن نقول عن هذه العلاقات إنها ضرورية، لكننا الآن نسأل: من أين جاءت لها هذه الضرورة؟ أكان مُحالًا على الله أن يخلق الحقائق الرياضية على غير ما خلقها عليه؟ كلا، بل كان ذلك ممكنًا في رأي ديكارت كما ورد في بعض رسائله التي يقول فيها إن الله كان يمكنه — لو أراد ذلك — ألا يجعل للمثلث زوايا ثلاثًا، وألا يجعل أنصاف الأقطار في الدائرة مُتساوية، وأن يجعل الجبال تنهض على الأرض بغير ودیان تُقابلها، وألا يجعل الأربعة مضروبةً في اثنين تُساوي ثمانية، وباختصار فإنه لم يكن ثَمة ما يُلزِم اللهَ أن يجعل النقيضَين لا يجتمعان.٥ ولعل هذا الإمكان — إمكان أن يخلق الله الحقائق الرياضية على غير ما هي عليه — هو الذي أجاز لديكارت أن يحتمل وقوعه في الخطأ — بفعل شیطان خبيث — إذا ما قال عن مجموع اثنين وثلاثة إنه يُساوي خمسة، وعن المربع إن أضلاعه لا تزيد عن أربعة؛ فأمثال هذه الحقائق الرياضية تبدو لديكارت واضحةً ومميَّزة، ولكنه مع ذلك يحتمل أن يُضلَّه الشيطان فيها؛ وإذَن فإلى جانب الوضوح والتميُّز لا بد من شيءٍ آخَر لكي يثق في يقينِ ما يری، وهو هداية الله له في إدراكه هدايةً تُنجيه من ضلالات الشيطان.

لو رأی دیكارت ما نراه نحن اليوم من أن القضية الرياضية تحليلية لا تركيبية، تَكرارية لا إخبارية؛ بمعنى أن يكون قولنا — مثلًا — «إن للمثلث زوايا ثلاثًا» قولًا لا يزيد على تَكرار جانب من الجوانب المتضمَّنة في تعريف المثل نفسه، فكأنما القائل لا يقول بقوله هذا شيئًا أكثر من «أن المثلث هو المثلث»؛ أقول لو رأی ديكارت ما نراه نحن اليوم في طبيعة القضية الرياضية، لما شكَّ في أن يكون مُضلَّلًا بفعل شيطان خبيث في إدراكه للحقائق الرياضية؛ إذ كيف يُضلِّل الشيطان من لا يقول شيئًا؟ نعم، لو رأی دیكارت ما نراه نحن اليوم في القضية الرياضية لعرف أن اليقين في الرياضة مصدره أن الرياضة لا تقول شيئًا جديدًا بحيث تتعرَّض للخطأ من أجله؛ وبالتالي فيستحيل أن يكون منهجها صالحًا للعلوم الطبيعية التي من شأنها أن تحكي عن الطبيعية فيكون الخطأ فيها محتمل الوقوع.

لكن ديكارت كان من رأيه أن الحقيقة الرياضية تركيبية لا تحليلية؛ أي إنها تُنبِئ عن الطبيعة وما يقع فيها؛ وبالتالي فهي كأي خبر عن الطبيعة آخر معرَّضةٌ للخطأ لولا هداية من الله، بل إن كل حقيقة أخرى — غير الحقائق الرياضية — يكون قوامها بسائط مرتبطة بعلاقة، بحيث تكون البسائط والعلاقة معًا مما یدركه الإنسان بحدسه المباشر، هي كذلك حقيقةٌ تركيبية لا يكون المحمول فيها مجرد تحليل للموضوع، بل يكون إضافةً تُضاف إلى الموضوع؛ ومن ثَم فقد يُخطئ الإنسان في إدراكها لولا هداية من الله تعصمه. خذ — مثلًا — حقيقة كهذه: «الجسم له امتداد.» فإنه على الرغم من أن الامتداد لا يكون إلا في جسم، وأن الجسم لا يكون بغير امتداد، بحيث كان يكفي القائلَ أن يقول كلمة «جسم» ليُحلِّلها السامع إذا أراد فيجد في عناصرها صفة الامتداد؛ وبهذا تكون عبارة «الجسم له امتداد» من قبيل التكرار، وما دام الأمر تكرارًا لشيءٍ واحد مرَّتَين، دون أن تكون هنالك إضافة جديدة، فيتحتَّم قطعًا أن تكون العبارة صادقةً صدقًا يقينيًّا وضروريًّا؛ أقول إنه على الرغم من أن صفة «الامتداد» يُوصَل إليها بتحليل الموضوع الذي هو «جسم» فإن حقيقة كهذه — شأنها شأن الحقائق الرياضية عنده — تكون تركيبيةً خبرية؛ لأن «الامتداد» — في رأيه — طبيعةٌ بسيطة تُدرَك مستقلَّة عن «الجسم»؛ وإذَن فالربط بينهما في حقيقةٍ واحدة ليس هو من قبيل التحليل، بل هو من قبيل الخبر الذي يُضيف شيئًا إلى شيءٍ آخر. نعم، إن عبارة كهذه يقينيةٌ ضرورية في رأيه، شأنها كذلك شأن الحقائق الرياضية، ولكن من أين جاءت الضرورة وجاء اليقين هنا؟ إنهما قد جاءا مما أمدَّ الله الإنسان به من نورٍ فطري يدرك به أمثال هذه العلاقات بين الأشياء. وكان يمكن ألا يُمدَّه بذلك النور، فيرى أضلاع المربع أكثر من أربعة أو أقل، ويری زوايا المثلث أكثر من ثلاث أو أقل، كما يرى الجوهر بغیر امتداد.

إننا في تحليلنا للقضايا الرياضية اليوم — كما سنُفصِّل القول فيما بعد — نری أنه ما دام الرياضي يبدأ بمُسلَّمات (وهذه المُسلَّمات عند الرياضي ثلاثة أنواع: تعريفات وبديهيات ومصادَرات)، فإن كل نظرية تأتي بعد ذلك نتيجةً لهذه المُسلَّمات تكون تحليلية؛ لأنها بمثابة ما يُكرِّر بعض العناصر المتضمَّنة في تلك المسلَّمات، وما دام الأمر تكرارًا فهو ضروري ويقيني، فكأنك إذ تستدل نظريةً رياضية تقول: إننا ما دمنا قد سلَّمنا ﺑ «أ» و«ب» و«ﺟ»، إذَن تكون «ب» صحيحة. أما دیكارت فالأمر عنده على خلاف ذلك؛ لأنه يقول إننا لو كنا نبدأ بتعريفاتٍ صريحة ثم نستخرج منها قضايا تحليلية تُعيد ما كان متضمَّنًا في تلك التعريفات، انتهينا إلى قضايا لا تقول شيئًا، لكن ما هكذا — في رأيه — يكون المنهج الرياضي؛ فأهم ما في هذا المنهج هو أننا نبدأ بمجموعة من البسائط التي بعضها حدود وبعضها علاقات، ثم نُلاحظ أن علاقةً ما من تلك العلاقات البسيطة تربط حدَّين من تلك الحدود البسيطة أيضًا، وأن هذا الربط نراه ضروريًّا لا بد من قيامه؛ ومن ثَم يُتاح لنا أن نستدلَّ من هذه البداية نتائجها فتكون النتائج ضروريةً كذلك؛ فبهذا لا نكون إزاء قضايا تحليلية تكرارية، بل إزاء «تركیبات» فيها ما يُنبِئ عن العالم كيف تكون حقائقه. وحتى في الحالات التي قد يبدو فيها أن القضية تكرارية لا جديد في محمولها عما هو كائن في موضوعها، لو أنك أمعنت فيها النظر، وجدت فيها هي نفسها من الروابط ما لم يأتِنا عن طريق التحليل الخالص، بل كان لا بد له من رؤية حدسية تُدرك ما فيه من تركيب وبناء. ونعود إلى المثل الذي أسلفناه منذ أسطر قليلة، وهو: «الجسم له امتداد.» فها هنا موضوع القضية الذي هو «الجسم» ليس طبيعةً بسيطة، بل هو مُركَّب من بسيطتين هما «الجوهر» و«الامتداد»؛ فلو حلَّلْنا الموضوع إلى عنصرَيه أصبحت القضية: «الجوهر ذو الامتداد له امتداد.» أو بتعبير ديكارت نفسه وهو بصدد عرض هذه النقطة: «إن ما له امتداد له امتداد.»٦ ولكن بالرغم مما في هذا القول من تحلیلٍ تكراري ظاهر، فلا يزال ديكارت يُصرُّ هنا على وجهة نظره، وهي أن في الأمر تركيبًا إخباريًّا، وهو في هذا المثل إدراك الرابطة الضرورية لا بين «الجسم» من ناحية و«الامتداد» من ناحيةٍ أخرى، بل بين العنصرَين اللذين هما قوام «الجسم»، ألا وهما «الجوهر» و«الامتداد»؛ فكيف عرفت أن هذين يستحيل ألا يكونا مُتلازمين تلازمًا تتكوَّن منه الأجسام؟

عرفت ذلك لا بالتحليل، ولكن بالإدراك الحدسي لما بين البسائط من علاقات. ولسوء الحظ إن ديكارت — وهو فيلسوف الوضوح — قد ترك هذه النقطة الهامة عند هذا الحد فلم يَزِدها توضيحًا، مع أنها هي هي الأساس الذي يقوم عليه ما في الرياضة من ضرورة ويقين. إنه يرتدُّ إلى المجاز، فيقول إن العلاقة الضرورية التي تربط «الجوهر» ﺑ «الامتداد» (أو أي علاقة ضرورية أخرى) إنما نراها ﺑ «عين العقل» أو ﺑ «الرؤية العقلية» أو ﺑ «الضياء الروحي» أو ﺑ «النور الفطري». هذه كلها استعارات يستخدمها ديكارت ليُعبِّر بها عن الطريقة التي بها ندرك ضرورة العلاقة التي تربط البسائط، وواضحٌ أن «النور الفطري» هنا يشير إلى نور العقل ينصبُّ على موضوع إدراكه فيكشف عما فيه من علاقة وأطرافها، لكن كيف يدرك العقل هذا الذي يدركه؟ وما طبيعة العلاقة الضرورية هذه؟ سؤالان يتركهما ديكارت بغیر جواب.

أتكون هذه الضرورة ناشئة عن البسائط نفسها المرتبطة بمثل هذه العلاقة الضرورية؟ كلا بالطبع؛ لأن ذلك الفرض يقتضي أن تكون البسيطة من البسائط شيئًا ذا صفة تقتضي كذا وتستلزم كیت، وإذَن فلن تعود البسيطة بالبساطة التي فرضناها لها؛ لأنها عندئذٍ ستفقد استقلالها من حيث هي وحدة قائمة بذاتها، وسيكون إدراكها معتمِدًا حتمًا على إدراك ما هي متعلقة به بحكم طبيعتها. لتوضيح ذلك نقول: افرض أن «أ» و«ب» بسيطتان، وأن «ﺟ» علاقةٌ بسيطة، فكيف أعرف أن «أ» و«ب» يرتبطان ضرورةً بالعلاقة «ﺟ»؟ إن الجواب يستحيل أن يكون في تحليل «أ» و«ب» ولا في تحليل «ﺟ»؛ لأن هذه كلها بسائط يمكن إدراكُ كلٍّ منها على حِدة مستقلَّة عن كل ما عداها؛ إذَن فكيف أُدرك ضرورة الارتباط بين هذين الطرفين بهذه العلاقة؟ يُجيب ديكارت: إنه النور الفطري ينصبُّ على الحقيقة فيكشف عنها أطرافًا وعلاقات. وفي ذلك غموضٌ ظاهر.

ولعل هذا الغموض نفسه هو الذي أحسَّ به دیكارت حين أخذه القلق — في التأمل الأول من تأملاته — إزاء اليقين الرياضي؛ فبينما هو يقول «سواء كنت متيقِّظًا أو نائمًا، هنالك حقيقةٌ ثابتة، وهي أن مجموع اثنين وثلاثة هو خمسة دائمًا، وأن المربع لن يزيد على أربعة أضلاع أبدًا»، بينما هو يقول ذلك عن الحقائق الرياضية، تراه وكأنما هو لا يدري من أين جاءت إليه طمأنينة النفس إزاءها؛ إنها لم تَجِئه عن طريق الطبائع البسيطة ذاتها، التي جعلها نقطة الابتداء في شوط التفكير؛ لأن تلك البسائط (وبعضها حدود وبعضها علاقات) بحكم طبائعها لا تدل على أنها سترتبط على صورة دون أخرى. إن اثنين أو ثلاثة من جهة وخمسة من جهةٍ أخرى — باعتبارها بسائط — لا تُحتِّم بحكم طبائعها أن يكون التساوي هو العلاقة الرابطة بين الطرفين؛ بدليل أن ديكارت يعترف — كما أسلفنا — بأن الله كان يمكنه أن يجعل الأمر على غير ذلك لو أراد؛ ولهذا فهو بحاجة إلى أداةٍ أخرى تكون مفطورةً في جبلَّته يستعين بها على إدراك هذه الضرورة التي يراها في مثل هذه العلاقة الرياضية؛ ومن ثَم فقد أكمل مذهبه في «البسائط» بمذهبٍ آخر في «النور الفطري» الذي يهدي الإنسان في إدراكه للروابط الضرورية على النحو الذي ذكرنا.

لو أن دیكارت قد رأی ما نراه نحن اليوم من أن ضرورة الصدق الرياضي هي من صناعة الإنسان وليست هي بالحق الموضوعي الكائن في العالم الخارجي نفسه، وهي من صناعة الإنسان لأنه هو الذي يضع مجموعة المسلَّمات — ولو شاء لغيَّر منها ما أراد أن يغيِّر وكيف أراد — ثم يبني على ذلك بناءه الرياضي، لَأَدرك ما نُدركه نحن اليوم من أن اليقين الرياضي مصدره هو أننا نُحلِّل المسلَّمات ونُكرِّر عناصرها في النظريات؛ فليس في الأمر — كما ظن — حقائق خالدات؛ بدليل أننا قد نُعدِّد البناءات الرياضية ويكون كل بناء منها صحیحًا ما دامت أجزاؤه متَّسقةً بعضها مع بعض، لكنه لو فعل ذلك لقوَّض بیدَیه مذهبه العقلي؛ فهو من الفلاسفة العقليين — بل هو إمامهم في العصر الحديث — الذين يجعلون ضرورة الحق كائنةً في الوجود الخارجي، وأن العقل يكشف عما هنالك ولا ينتحل من عنده شيئًا. غير أنه من ناحيةٍ أخرى لم يجد مناصًا من التذبذب بين وجهَي مذهبه؛ فلو سأله سائل: ما مصدر الضرورة في الحقائق الرياضية؟ أجابه حينًا بقوله إنها واضحة بذاتها، وحينًا آخر بقوله إنها إرادة الله شاءت للأمور أن ترتبط على هذا النحو، ثم شاءت لنا أن نهتديَ إليها بما جُبِل في فطرتنا من نور.

أراد دیكارت أن يُمسك العصا من وسطها كما يقول المثل السائر؛ إذ أراد أن يجعل للحقائق الرياضية يقينًا وضرورةً موضوعيتين كائنتين في طبائع الأشياء نفسها، ولكنه أراد في الوقت نفسه أن يجعل لله قدرةً على خلق العلاقات الرياضية في صورةٍ غير صورتها الراهنة التي اختارها. والحق أن مثل هذا الموقف لو حلَّلْناه، انتهى بنا إلى نتيجة هي نفسها النتيجة التي أراد دیكارت في إصرارٍ أن يجتنبها، وهي أن الله عندئذٍ يكون قد خدع الإنسان حين جعله يدرك في الحقائق الرياضية ضرورةً ليست فيها؛ ذلك لأن مثل هذه الضرورة لا يراها الله في الحقائق الرياضية بمثل ما أراها أنا، ولو فعل لاستحال أن يكون هنالك سواها أمامه ليختار منها إذا شاء، مع أن ديكارت يُقرِّر أن الله كان يستطيع ألا يجعل أضلاع المربع أربعةً وزوايا المثلث ثلاثًا؛ ومعنى ذلك أن ما هو جائز في نظر الله مستحيلٌ في نظري أنا الإنسان؛ فكأن ضرورة الصدق في القضية الضرورية لها معنيان؛ معنًى إلهي ومعنًی بشري؛ فهي بالمعنى البشري استحالةُ تصوُّر النقيض، وهي بالمعنى الإلهي مجرد كونها الحالة التي وقع عليها اختيار الله من بين حالات محتملة أخرى؛ فكأن الله قد خلقني على نحوٍ يجعلني أرى ضرورة الصدق حيث لا ضرورة. إن النقطة الجوهرية هنا هي أن العقل الإلهي والعقل الإنساني — على هذا الأساس — مختلفان لا في الدرجة وحدها، فهذا محدود وذلك مُطلَق، بل في النوع؛ فالله يری جائزًا ما أراه مُحالًا، بل إن ما أراه تناقضًا خِلوًا من المعنى — كأن أقول مثلًا بأن أضلاع المربع ليست أربعة — هو في إدراك الله ممكنٌ جائز الوقوع لو أن إرادته شاءت. وهكذا بينما كان ديكارت يعتقد أن الكون مُقام على أساسٍ عقلي، وأن العقل في مستطاعه أن يكشف عن ذلك الأساس بما یُدركه بنوره الفطري من علاقات ضرورية تربط بين الطبائع البسيطة، كان في الوقت نفسه يذهب مذهبًا قد ينتهي به إلى أن الضرورة المزعومة هي من وهم الإنسان.٧

تلك هي الطبائع البسيطة التي أرادنا دیكارت على أن نجعل منها نقطة ابتداء؛ لأننا عندئذٍ — كما يری — نضع أقدامنا على أرضٍ صلبة. وقد رأينا في التحليل الذي أسلفناه كیف ينطوي هذا الرأي على مفارقات قد تنتهي بهدم ما أراد ديكارت بناءه.

وننتقل الآن إلى خطوته الثانية؛ خطوة الاستنباط من تلك البسائط الأولية؛ فما دام إدراكنا لتلك البسائط يقينيًّا لأنه إدراكٌ حدسي، فكل ما يُستنبط منه يكون يقينيًّا كذلك؛ فلو بدأت — مثلًا — بهذه البسائط: الأعداد ٥، ٤، ٣، ثم العلاقة «أكبر من»، ثم لو رأيت رؤيةً مباشرة بنور العقل هذه الحقيقة الرياضية الآتية: «٥ أكبر من ٤.» وبعدئذٍ رأیت كذلك بنور العقل هذه الحقيقة الرياضية الثانية: «٤ أكبر من ٣.» فعندئذٍ يُتاح لي من هذين الإدراكين الحدسيَّين المباشرين أن أستنبط هذه الحقيقة: «٥ أكبر من ۳.» وكذلك «٣ + ٢ أكبر من ٣.» وهكذا أمضي في استنباطات يقينية استمدَّت يقينها من يقين الحدوس الأولى التي حدستُها بالنور الفطري.

لقد قيل عن ديكارت إنه بمنهجه الرياضي هذا قد أحدث ثورةً فلسفية نفضت غبار العصور الوسطى، وقد كان هذا الغبار نفسه من مخلَّفات القياس الأرسطي، فلنا أن نتساءل: ما الفرق الجوهري بين القياس الأرسطي والاستنباط الديكارتي؟ يقولون إن هذا الفرق الأساسي بين المنهجَين هو أن ديكارت يبدأ شوطه بإدراكٍ حدسي لبسائط يرتبط بعضها مع بعض بعلاقاتٍ ضرورية كما أسلفنا، فيبدأ — مثلًا — برؤيةٍ مباشرة لاستقامة كل ضلع من أضلاع المربع، ثم بعدٍّ لهذه الأضلاع فإذا هي أربعة، وعندئذٍ يقول في يقين إن للمربع أضلاعًا مستقيمةً أربعة، وبعد ذلك يُرتِّب على هذه الحقيقة ما استطاع من نتائج. وأما القياس الأرسطي ففي مقدمتَيه مقدمةٌ واحدة على الأقل تكون كلية. وواضحٌ أن الحكم الكلي — كقولنا كل إنسان فانٍ — هو في حد ذاته حكمٌ يجوز أن يكون باطلًا؛ لأن رؤية الحقيقة فيه لا تكون حدسًا مباشرًا، بل تكون نتيجة لتعميم من خبراتٍ سابقة؛ فهي إذَن عمليةٌ طويلة دقيقة الخطوات. وما أكثر ما ينتهي الإنسان من خبراته إلى تعميمات يُخطئ فيها، ومع ذلك يتَّخذها مقدمات لأقيسة يستدلُّ منها النتائج التي يظن أنها يقينيةٌ ما دامت مستخرَجة استخراجًا سليمًا من مقدماتها.

لكننا إنصافًا لأرسطو في هذا السياق نقول إننا في الحقيقة نبتر المنهج الأرسطي بترًا مُضلِّلًا لو وقفنا فيه عند قياس واحد قائلين: هذا قياسٌ مُقدِّمتاه موضعُ ظن؛ وإذَن فنتيجته هي الأخرى موضع ظن. ذلك لأننا لو تعقَّبنا المنهج الأرسطي إلى بدايته الأولى، سائلين: من أين جاءت هذه المقدمات نفسها؟ فسيكون الجواب: إنها هي بدورها نتائج لمقدمات سبقتها. ومن أين جاءت هذه السابقة؟ جاءت من مقدمات سبقتها، وهكذا دوالَيك حتى نصل إلى حقيقة أو مبدأ نُدركه بالحدس المباشر؛ وإذَن فأرسطو — مثل ديكارت — يرتدُّ إلى بداية حدسية، ولسنا نرى أين يكون الفارق بينهما اللهم إلا أن يُقال إن أرسطو حين يحدس الخطوة الإدراكية الأولى فإنما يحدس تصورات كلُّ تصور منها على حدة، كأن يحدس مثلًا حقيقة «الإنسان» ثم حقيقة «الفناء»، ثم يصل ما بين الحدسَين في قضية فيقول: «الإنسان فانٍ.» أما ديكارت فهو إذ يحدس مقدماته فإنما يحدسها دفعةً واحدة بطرفَيها والعلاقة الضرورية الرابطة بينهما، لكننا قد أفضنا الحديث فيما مضى عن تحليل هذا الموقف الإدراكي عند دیكارت ووجدناه مُنطويًا على مشكلات ليس من اليسير مواجهتها وحلُّها.

٤

سقراط وأفلاطون وأرسطو ودیكارت وكثيرون غيرهم من أئمة الفلسفة في شتَّى عصورها يرون أن الصدق اليقيني هو علامة الفلسفة بمعناها الصحيح، وأن هذا الصدق اليقيني هو ضالَّة الفيلسوف المنشودة؛ فهو يريد أن يعرف الحقيقة، وأن تكون معرفته إياها يقينًا لا يحتمل الخطأ. ولقد وجدوا هذا اليقين المنشود في العلم الرياضي، وبقيَ أن يجدوه كذلك في سائر العلوم من طبيعية وإنسانية ولاهوتية وميتافيزيقية، فكيف السبيل إلى ذلك؟ كان هذا هو سؤالهم؛ فآنًا تری الفيلسوف يائسًا من اليقين في العلوم الطبيعية لاعتماد تحصيلها على الحواس أولًا؛ ولذلك فهو يرفضها ويقضي بعدم جوازها؛ لأن العلم فيها لا يعدو الظن والاحتمال، ومن هؤلاء أفلاطون، الذي لا يكون العلم عنده علمًا إلا إذا كان مرئيًّا بالعقل رؤية اليقين. ولمَّا كان ذلك لا يتيسَّر في معرفتنا بالأشياء الجزئية — أشياء هذه الدنيا التي نعيش فيها — وجب إهمالها. واليقين المنشود عنده لا يتحقَّق إلا في الرياضة من جهة وفي الميتافيزيقا من جهةٍ أخرى، والفرق بينهما هو أن الرياضة تستند إلى فروض تبدأ منها استنتاجاتها اليقينية، وأما الميتافيزيقا فهي رؤية الصور الكاملة للأشياء، أي المُثل، رؤيةً مباشرة بالمواجهة الحدسية كما تُواجه قرص الشمس لتراها. وآنًا آخر ترى الفيلسوف لا ييئَس من أن يصبَّ العلم الطبيعي في قالب اليقين الرياضي — مثل دیكارت — وإنما تكون وسيلة ذلك عنده هي اتباع منهج الرياضة عند التفكير في الطبيعة؛ فكما تبدأ الرياضة بحقائق بسيطة كالعدد ثم تمضي في طريقها إلى التركيب، فكذلك يبدأ العلم الطبيعي بطبائع بسيطة كالجوهر والامتداد، ثم يمضي في طريقه إلى التركيب؛ وبذلك يكون اليقين مضمونًا هنا كما هو مضمون هناك.

وهؤلاء الفلاسفة جميعًا على اختلافهم في المذهب والطريق يتَّفقون على أن ما يُدركه العقل الخالص وحده عن الوجود الخارجي هو نفسه ما عسانا واجدوه في الوجود الخارجي كما هو واقع؛ فما على العقل إلا أن ينسج من طبيعته خيوطًا، بادئًا بالبديهيات الواضحة ومُنتهيًا إلى نتائجها، وإذا بهذا النسيج الذي نسجه في الداخل هو صورةُ ما يقع في الخارج؛ فهذا هو إقليدس — مثلًا — يقيم بناءه الهندسي على أساسٍ عقلي صِرف؛ بمعنى أنه يبدأ بمُسلَّماتٍ يضعها، بأن يُعرِّف طائفةً من المفاهيم الهامَّة في الهندسة، كالنقطة والخط والسطح وما إلى ذلك، ويُقدِّم ببدیهیات ومصادَرات يطلب التسليم بها من غير برهان؛ لأنها عنده بمنزلة الفروض، والمناقشة لا تكون في الفروض ذاتها، بل تكون في النتائج التي تُستدل منها؛ أقول هذا هو إقليدس يبني هندسته على فروض بناءً عقليًّا صرفًا، لكنه في الوقت نفسه يتوقع أن تكون تفصیلات هذا البناء هي نفسها صورة الواقع الطبیعي؛ فإذا انتهى في بنائه العقلي مثلًا إلى أن المربع المُنشأ على وتر المثلث القائم الزاوية مُساويًا لمجموع المربعين المُنشأين على الضلعين الآخرين، كان هذا هو نفسه ما أجده على سطح الأرض لو رسمت عليه مثلثًا قائم الزاوية ثم رسمت مربعات على أضلاع ذلك المثلث؛ إذ إني سأجد عندئذٍ أن مساحة المربع المُنشأ على الوتر تُساوي مجموع مساحة المربعين المنشأين على الضلعين الآخرين.

كیف أمكنَ هذا؟ كيف أمكن أن يكون اليقين الذي يصل إليه العقل تفكيره الرياضي هو نفسه الحالة الواقعة فعلًا في العالم الطبيعي؟ كان ذلك هو السؤال عند «كانْت»؛ فهو لم يتردَّد أبدًا في أن القضية الرياضية التي هي ضرورية الصدق إنما تُصوِّر في الوقت نفسه وقائع الطبيعة، وأخذ يسأل: كيف أمكنَ لما هو صادق صدقًا لا يعتمد على الخبرة أن يكون صادقًا كذلك على أساس الخبرة؟ أو بتعبيره الاصطلاحي: كيف أمكن قيام قضية قبلية وتركيبية في آنٍ واحد؟ قضية لم نستمدَّها من الخبرة، لكنها مع ذلك تُخبِر عما هنالك في عالم الوجود الفعلي؟

حتى جاء فلاسفة التحليل المعاصر فألقَوا ضوءًا جديدًا على طبيعة القضية الرياضية، وإذا بهذا الضوء الجديد يُزيل كل هذه المشكلات بضربةٍ واحدة. وإنَّ هذا الكشف عن طبيعة القضية الرياضية لَيُعَد أهمَّ كشفٍ فلسفي في القرن الأخير كله، وهو هو موضع الثورة في الفلسفة المعاصرة كلها؛ فيقين الرياضة ليس له مصدرٌ سوى أن القضية الرياضية تَكرارٌ لفظي في الرموز؛ فلا فرق في طبيعة العبارة الرمزية بين أن تقول ۲ + ٢ = ٤، وبين أن تقول إن الماء هو الماء، وسبيلنا الآن إلى شرح ذلك في شيء من التفصيل.

القضية الرياضية ضرورية الصدق؛ فصِدقها غير مرهون بمكانٍ معيَّن ولا زمانٍ معيَّن، صِدقها ليس مرهونًا بمجموعة من الظروف دون أخرى، بل إن صدقها ضروري هنا وعلى المريخ، وصِدقها ضروري الآن كما كان ضروريًّا عند إنسان الكهوف؛ فماذا نعني ﺑ «الضرورة» هنا؟ نعني بها أن النقيض مستحيل.

والاستحالة المقصودة هنا هي الاستحالة المنطقية؛ ذلك لأن هنالك ثلاثة أنواع من الاستحالة كثيرًا ما يخلط الناس بينها، وتوضيحها لا بد منه في هذا السياق؛ فهنالك — أولًا — الاستحالة المنطقية التي أشرنا إليها، وهي لا تُقال إلا على جملة فيها شيء ونقيضه؛ فإذا قلت مثلًا إن المربع له أربعة أضلاع وليس له أربعة أضلاع، كنت تقول بذلك عبارةً مستحيلة منطقيًّا لأن ألفاظها ينقض بعضها بعضًا. كذلك قولك إن الدائرة مربعة قولٌ مستحيل منطقيًّا؛ لأننا لو حلَّلناه بأن وضعنا مكان الدائرة تعريفها ومكان كلمة «مربعة» تعريف المربع، ألفَينا أنفُسنا إزاء كلام ينقض بعضه بعضًا؛ لأنك عندئذٍ تكون بمثابة من يقول إن الخط المنحني هو في الوقت نفسه خطٌّ مستقیم؛ أي إن الخط المنحني ليس خطًّا منحنيًا. وكثيرًا ما يخفى مثل هذا التناقض في كلام الناس، بحيث يقولون ما هو مستحيل منطقيًّا بالمعنى الذي أسلفناه، وفي الوقت نفسه يظنون أنهم يقولون كلامًا متَّسقًا لا تناقض فيه. خذ مثلًا القائلين بأن روح الميت يمكن استحضارها وهي تتكلم وتسلك كما كانت تفعل في حياة جسدها. وفي ذلك استحالةٌ منطقية؛ لأن العبارة نفسها تحمل الكلمة ونقيضها، ويتَّضح ذلك لو عرَّفنا الألفاظ المستعمَلة في هذه العبارة، وأولها كلمة «روح»، ومن عَجبٍ أن هؤلاء القائلين أنفسهم هم الذين يتمسَّكون بأن يكون التعريف دالًّا على أن الروح شيءٌ غير مادِّي؛ أي إنه شيء لا يحتلُّ نقطةً من مكان، ومع ذلك يجعلون هذه التي ليست مكانًا يجعلونها أمواجًا هوائية هي الصوت المسموع، والأمواج الهوائية لا تكون إلا في مكان؛ فهم إذَن بمثابة من يقولون إن ما ليس له مكان له مكان.

وهنالك — ثانيًا — استحالةٌ تجريبية، وهي استحالة تكون في الجملة إذا كانت تقرِّر شيئًا يُناقِض قانونًا من قوانين الطبيعة كما استخلصَتها المشاهدة والتجارِب؛ فمن قوانين الطبيعة أن الماء يغلي في درجة مائة وهو في مستوى سطح البحر، وإذَن فإذا قال قائل إن الماء لا يغلي في درجة مائة وهو في مستوى سطح البحر، كان بذلك يقول ما هو مستحيل من الوجهة التجريبية. وإن يكن غير مستحيل من الوجهة المنطقية، فالقول لا تناقض فيه؛ أي إن لفظًا من ألفاظه لا يُناقِض لفظًا آخر؛ كانت الاستحالة لتكون منطقيةً لو قال القائل: «إن هذا الماء الذي أمامي يغلي ولا يغلي.» لكنه يقول عبارة بين أجزائها اتِّساق، وكل ما في الأمر أنها عبارةٌ تقدِّم صورةً للواقع غير الصورة التي قد قرَّرتها التجربة العلمية. إننا نريد للقارئ أن يكون هنا على حذرٍ شديد، فلا يصف بالاستحالة المنطقية ما هو مستحيل من الناحية التجريبية وحدها؛ ذلك لأنه قمينٌ أن ينفر من العبارات التي تُقرِّر أشياء تُخالف المألوف مخالفةً صارخة، نفورًا قد يدعوه إلى الحكم على تلك العبارات بأنها تُجاوِز حدود المنطق العقلي ذاته، ولا تكتفي بمجاوزتها لحدود التجرِبة وحدها؛ فمثلًا لو قيل: «إنك إذا ألقيت من النافذة بحجرٍ سارَ سيرًا أفقيًّا في الهواء.» كان هذا القول مستحيلًا من الناحية التجريبية وحدها لا من الناحية المنطقية؛ إذ ليس في العبارة نفسها تناقض بين أجزائها حتى تكون استحالتها منطقية، وكل ما في الأمر أنها تُقرِّر شيئًا غير الذي قد قرَّرته التجارِب. ولو قيل: «إن أمطار هذا الشتاء قد نزلت من السماء لبنًا وعسلًا.» كانت استحالة القول هنا كذلك تجريبية لا منطقية؛ لأنها استحالةٌ تنفيها التجربة ولا ينفيها أن بين أجزائها تناقضًا.

وهنالك — ثالثًا — استحالةٌ فنية، وهي الحالة التي لا يكون القول فيها مستحيلًا من الناحية المنطقية لخُلوِّه من التناقض بين أجزائه، وكذلك لا يكون مستحيلًا من الناحية التجريبية لعدم تعارُضه مع أي قانون من قوانين الطبيعة، ولكنه في الوقت نفسه قولٌ مستحيل الصدق في الظروف الحاضرة؛ لأن الوسائل العلمية والأدوات المخترَعة لا تُعِين الآن على قيام الحالة التي تصفها العبارة المذكورة، لكن تلك الوسائل والأدوات قد يُصيبها التقدُّم فيما هو آتٍ من الزمن فيصبح مُمكنًا ما هو اليوم مستحيل التنفيذ؛ فالسفر إلى القمر مستحيل حتى الآن، لا لأن قولي: «سافر فلان إلى القمر.» فيه شيء من التناقض الذي يأباه المنطق، ولا لأن السفر إلى القمر فيه ما يتعارض مع قوانين الطبيعة، وكل ما في الأمر أن الأدوات الفنية المُعِينة على ذلك لم تَكمُل بعد، وقد تَكمُل في المستقبل وقد لا تَكمُل؛ وإذَن فالاستحالة هنا لا هي منطقية ولا هي تجريبية، ولكنها فنية، وزوالها مرهون بالزمن وتقدُّم العلم.

أما وقد فرَّقنا بين هذه الأنواع الثلاثة من الاستحالة، فإننا نعود إلى سؤالنا الذي طرحناه منذ قليل: ما معنى «الضرورة» حين نصف قضيةً رياضية بأنها ضرورية الصدق؟ وجواب ذلك هو أن نقيض القضية يكون مستحیلًا استحالةً منطقية؛ فالذي يجعل قولنا: «إن المثلث له زوايا ثلاث.» ضروريَّ الصدق هو أن نقیض هذا القول ينطوي على تناقض بين أجزاء العبارة نفسها؛ وإذَن فاستحالته منطقية؛ فالنقيض هو: «ليس للمثلث زوايا ثلاث.» وبقليل من التحليل الرياضي نجد أن هذا القول الجديد يتضمَّن قولًا آخر، هو: «ليس للمثلث أضلاعٌ ثلاثة.» ولما كان تعريف المثلث هو أنه سطحٌ مُستوٍ محوط بأضلاعٍ ثلاثة، كان معنى قولنا الأخير هو: «ليس المثلث مثلثًا.» وهكذا ننتهي إلى عبارةٍ مُتناقضة الأجزاء لو أننا نقضنا القضية الأولى التي وصفناها بأنها ضرورية الصدق.

ودعوانا هي أن القضية الرياضية تستمدُّ يقينها من لفظها؛ فهي تَكرار للرمز الواحد مرَّتَين، وإن يكن هذا التكرار يختبئ عادةً وراء اختلاف صورة الرمز في كلٍّ من الحالتَين؛ فليس في يقين الرياضة سرٌّ ولا سِحرٌ يُغري الفلاسفة بجعله نموذجًا لكل علم سِواها، بل إن من يطلب اليقين الرياضي هو بمثابة من يطلب من المتكلم أن يُكرِّر الموضوع ولا يُضيف إليه خبرًا جديدًا؛ فالقضية الرياضية رمزها البسيط هو أ هي أ، وأما القضية في العلوم الطبيعية على اختلافها فرمزها هو أ هي ب؛ أي إنه في الحالة الأولى لا خلاف بين المبتدأ والخبر، وأما في الحالة الثانية فلا بد أن يكون الخبر شيئًا يختلف عن المُخبَر عنه. نعم، إن دعوانا التي نحن الآن في سبيل تأييدها، هي أن القضية الرياضية ضرورية الصدق لمجرد كونها تكرارًا لفظيًّا؛ وبذلك يكون نقيضها مستحيلًا منطقيًّا؛ لأنك بينما تقول صدقًا ضروريًّا إذ تقول إن الماء هو الماء، تراك تقول استحالةً منطقية إذا نقضت قولك ذاك بحيث أصبح: «الماء ليس هو الماء.» هذا هو صدق الرياضة، وهذه هي ضرورتها.

الصدق في القضية الرياضية مقطوع به قبل أن تُجاوز حدود القضية نفسها؛ فليس بك حاجة إلى مراجعة العالم الخارجي لتستيقن من أن الماء هو الماء حقيقةً، أما إذا قيل لك إن الماء يتركب من عنصرين هما الأكسجين والهيدروجين، فعندئذٍ يختلف الموقف، ويصبح حتمًا عليك — إذا أردت التحقُّق من صِدق هذا الزعم — أن تُجاوز حدود العبارة نفسها إلى الواقع الشَّيئي الذي تُصوِّره العبارة، مُحاولًا أن ترى إن كان القول صادقًا في وصفه لذلك الواقع أو لم يكن، وهذا هو المعنى المقصود حين يُقال عن القضية الرياضية إنها «قَبْلية»، وعن القضية في العلوم الطبيعية إنها «بَعدية»؛ فالأولى صِدقها في صلب تكوينها اللفظي، وأما الثانية فصِدقها مرهون بما هو موجودٌ خارج حدودها. صِدق الأولى ظاهر في طريقة بنائها، وصِدق الثانية معتمِد على طرفٍ آخر تُشير إليه العبارة.

القضية الرياضية «ضرورية» الصدق لأن نقيضها مستحيل منطقيًّا، ومعرفتنا بصدقها هي معرفةٌ «قبلية»؛٨ لأننا ندرك ذلك الصدق من طريقة البناء الرمزي أو البناء اللغوي نفسها. وليس حتمًا أن تكون القضية ذات الطابع الرياضي قضيةً لغتها أرقامٌ حسابية أو رموزٌ جبرية، بل إنها لَتمتدُّ حتى تشمل كل قضية يُظهر التحليل أنها مجرد تَكرار المبتدأ في الخبر؛ فإذا قلت مثلًا إن الأرملة امرأةٌ مات زوجها، لم تقل أكثر من «أن المرأة التي مات زوجها امرأةٌ مات زوجها»؛ ذلك لأنك لو وضعت مكان كلمة «الأرملة» تعريفها، وهو «امرأةٌ مات زوجها»، كان لك بذلك هذا التكرار الذي رأيت؛ ومن ثَم ضرورة الصدق ويقينه؛ فليس بك حاجة إلى مجاوزة العبارة نفسها لتتأكد من صِدقها، ليس بك حاجة إلى السؤال عن الأرامل لتستيقن من أن كلًّا منهن قد مات زوجها؛ لأنها لو لم تكن كذلك لما صحَّ أن تُسمَّى بكلمة أرملة. ومن قبيل ذلك أيضًا قولك: «كل جسم له امتداد.» فأنت هنا أيضًا لا تزيد على قولك: «إن ما له امتداد له امتداد.» لأنك لو وضعت مكان كلمة «جسم» تعريفها، لكان لك بذلك هذا التكرار، وهكذا.

لا غرابة — إذَن — أن تكون القضية ذات الطابع الرياضي صادقة بالضرورة صدقًا قبليًّا؛ فهي صادقة على كل مكان وكل زمان، وصِدقها غير مشروط بظروفٍ خاصة، وهي أيضًا صادقة صدقًا يدلُّ عليه بناؤها نفسه؛ لأن بناءها تَكرار للرمز الواحد مرَّتَين، وإن يكن هذا الرمز الواحد ذا صورتين مختلفتين ظاهرًا، إلا أنهما يتَّخذان صورةً واحدة عندما يُوضَع مكان أحد الشطرَين تعريفه، لكن ما هكذا تكون الحال في جملة تقول إن سكان القاهرة ثلاثة ملايين، وإن الحجر المُلقى يسقط على الأرض ولا يرتفع في الهواء؛ فها هنا لا بد من مجاوزة الجملة إلى ما تشير إليه من حقائق الواقع، ومهما حاولت أن تضع مكان الكلمات هنا ما يعرِّفها فلن تصل إلى قولٍ تَكراري كالذي نصل إليه عند تحليل القضية الرياضية. نعم، لا بد لك من مجاوزة الجملة إلى ما هو خارجها من حقائق الواقع إذا ما كانت الجملة تحمل خبرًا عن الواقع، وبعد ذلك فقد أجد الواقع مُصدِّقًا للجملة أو مُكذِّبًا لها، قد أجد أن سكان القاهرة فعلًا يزيدون أو ينقصون عن الثلاثة الملايين التي زعمَتها الجملة، وقد أجد الحجر المُلقى لا يتجه إلى أسفل كما تدَّعي الجملة؛ وإذَن فأمثال هذه الجملة أو تلك صِدقها لا ضرورة فيه، وهو لا يُعرَف إلا «بعد» خبرة تؤكِّد الصدق أو تنفيه.

إننا إذ نقول عن الجملة الرياضية إنها «قبلية» فلسنا نعني بذلك أن معرفتنا بها قد جاءت قبل الخبرة من حيث الترتيب الزمني؛ أي إننا لا نعني أننا عرفناها أولًا ثم جاءت بعد ذلك خبراتنا؛ إذ ليس هنالك معرفة قطُّ سبقت خبرة الإنسان في الزمن، فأقل ما يُقال هنا هو أن الإنسان لا بد له أولًا أن يتعلم الرموز التي تَرِد في الجملة الرياضية التي نقول إننا نعرفها معرفةً «قبلية»؛ كلَّا، لسنا نريد بهذه «القبلية» أسبقيَّة في زمن الحدوث، بل نعني شيئًا يتصل بطريقة تحقيقها؛ ففي تحقيق صِدقها نعلم أنها صادقة قبل أن نحتكم في ذلك إلى خبرة؛ لأن تكوينها الرمزي ذاته دالٌّ على ضرورتها ويقينها؛ إذ إنها لا تعدو أن تقول عن الشيء إنه هو الشيء نفسه، ولو نقضناها أخطأنا حتمًا؛ لأننا عندئذٍ نكون بمثابة من يُنكر أن يكون الشيء هو الشيء نفسه؛ فالجملة الضرورية اليقينية دائمًا تحليلية؛ أي إنها دائمًا تحصيل حاصل، تُحصِّل في محمولها ما سبق لها أن حصَّلته فعلًا في موضوعها، وصورتها دائمًا ترتدُّ إلى «أ هي أ»؛ أي إنها دائمًا خالية من الخبر. وقد يكون هذا الخلاء من الإخبار باديًا للنظرة الأولى كقول القائل إن الماء هو الماء، وقد يحتاج إلى تحليلٍ قصير أو طويل لإظهاره وإبرازه.

الجملة التَّكرارية (أو التحليلية) «قبلية» ما في ذلك إشكال ولا خلاف، والجملة الإخبارية (أو التركيبية) «بعدية»؛ لأن تحقيق صدقها يتطلَّب مراجعة الواقع، وهي مراجعة قد تنتهي بتأييدها أو بتفنيدها، ولكن هل يمكن للجملة الإخبارية — التي تقول عن العالم الخارجي شيئًا — أن تكون قبلية كذلك؟ أعني هل يمكن الحكم على قضيةٍ إخبارية بالصدق الضروري اليقيني من مجرد النظر إلى تكوينها، كما نفعل في القضية الرياضية؟ جوابنا عن هذا السؤال بالنفي، وأما «كانْت» فليس جوابه عنه بالإيجاب فحسب، بل إنه يُسلِّم بهذا الإيجاب تسليمًا كما لو كان الأمر بديهيةً واضحة بذاتها، ثم يسأل بعد ذلك: «كیف أمكن للقضية الإخبارية أن تكون معرفتها قبلية؟» وقد جاءت فلسفته إجابةً عن هذا السؤال.

موقفنا هو استحالة الجمع بين الخبر وضرورة الصدق في جملةٍ واحدة، فإذا كانت الجملة إخبارية فهي ليست ضرورية الصدق؛ إذ يحتمل أن نُراجعها على الواقع فإذا هي باطلة. وإذا كانت الجملة ضرورية الصدق فهي إذَن فارغة من الخبر، وهي تَكرار وتحصيل حاصل. أما «كانْت» فرأیه أن قضايا الرياضة وقضايا الطبيعة سواءٌ في أنها ذات مضمون خبري، وأنها في الوقت نفسه ضرورية الصدق، ومعرفتنا بها هي معرفةٌ قبلية، لا تستدعي مراجعة الواقع الخارجي في تحقيقها. ومن الأسس التي يبني عليها وجهة نظره هذه أن بديهيات الهندسة ليست تحصيل حاصل؛ إذ فيها من المضمون ما يُطابق وقائع العالم الخارجي، ومع ذلك فهي ضرورية الصدق، ومعرفتنا بذلك الصدق قبلية؛ ومن ثَم جاز أن نستدلَّ منها نظرياتٍ يقينيةً يمكن تطبيقها على العالم الطبيعي. خذ — مثلًا — بديهية في الهندسة تقول إن الكميات المتساوية إذا أُضيفت إلى كَمِّيات مُتساوية كانت النتائج مُتساوية، فهي صادقة بالضرورة، وصِدقها واضح من بنائها اللغوي ذاته، ومع ذلك فإذا طبَّقتها على كميات من البرتقال أو كميات من الماء انطبقت؛ ومعنى ذلك أنها قبلية وأنها في الوقت نفسه خبرية، ولا تناقُض بين الوجهَين.

إن الزعم هنا هو أن العالم الرياضي — إقليدس مثلًا — إذ يضع المسلَّمات في صدر بحثه، ليأخذ في استنباط النظريات المترتِّبة عليها، لم يستمدَّ مسلَّماته تلك من الخبرة، ومع ذلك فهي مُطابِقة للخبرة، هي وكل ما يترتَّب عليها من نظريات؛ فيكون معنى ذلك أن ما قد صدَق صدقًا عقليًّا صِرفًا وُجِد أنه كذلك صادق صدقًا تطبيقيًّا على الواقع، وهنا ينشأ سؤال «كانْت»: كيف أمكن لمثل هذا التوافق أن يكون؟ والخطأ هنا هو في الاعتقاد بأن بديهيات الرياضة ونظرياتها منطبقة حتمًا على الواقع الخارجي؛ فقد أثبتت نتائج البحث الرياضي في المائة السنة الأخيرة (منذ منتصف القرن الماضي أو نحو ذلك) أن مسلَّمات إقليدس يمكن تغييرها، واستبدال غيرها بها، والوصول بعد ذلك إلى نظرياتٍ غير نظرياته، دون أن يكون معنى هذا التغيير خطأً في هندسة إقليدس ولا خطأً في هندسة تُقام على مُسلَّماتٍ غير مُسلَّماته وتنتهي إلى نظرياتٍ غير التي انتهى هو إليها؛ ذلك لأن الصدق في الرياضة هو صِدق اتِّساق لا صِدق تطابُق، فيكفي أن يكون البناء الرياضي متَّسِقًا مقدماته مع نتائجه، مهما تكن تلك المقدمات، لنقول عنه إنه بناءٌ صحیح من الناحية الرياضية البحت، أو قل من الناحية المنطقية البحت؛ لأن العبارتين معناهما واحد، فكلا المنطق والرياضة علمٌ صوري إذا اتَّسقت فيه الصورة توافرت له بذلك شروط الصواب.

تغير أساس الرياضة بحيث لم تَعُد المسلَّمات في البناء الرياضي أمرًا محتومًا له أن يَصدُق أيضًا على الواقع، بل هي مسلَّمات لأنها فروضٌ يجوز تغييرها وتبديلها؛ فينشأ نتيجةً لكل تغيير أو تبديل بناءٌ ریاضيٌّ مختلف، دون أن نعرف من البناء الرياضي نفسه إن كان هو الذي يُطابق الطبيعة الخارجية أم يُطابقها بناءٌ ریاضي آخر؟ وإذَن فقد انهار الأساس الذي بنى عليه «كانْت» فلسفته كلها؛ ففلسفته كلها بحثٌ عن الشروط العقلية التي جعلت في الإمكان أن تكون مسلَّمات الرياضة — مثلًا — صادقةً صدقَين في آنٍ واحد؛ فهي صادقة قبل الخبرة وصادقة بعد الخبرة معًا. ولم يكن ليقول ذلك لو علم أن تلك المسلَّمات يمكن استبدال غيرها بها دون أن يتأثر الصدق الرياضي في شيء.

وفيما يلي تحليلات لأمثلة من قضايا الرياضة نوضِّح بها ما نذهب إليه من أنها تَكراريةٌ كلها؛ فضرورة صِدقها ويقين ذلك الصدق ناشئان من أنها في صميمها خالية من المضمون، ولا تقول شيئًا إيجابيًّا عن العالم بحيث تتعرَّض فيه للخطأ.

٥

خذ هذه القضية في الحساب «٢ + ٢ = ٤» التي هي مَضرِب الأمثال بيقينها، واسأل: من أين جاءها هذا اليقين؟ هل يتوقف صِدقها اليقيني حتمًا على أنها مطابقة لحالات الواقع فوق صدقها الناشئ عن تكوينها وبنائها؟ بعبارةٍ أخرى، هل هي يقينيةٌ ضرورية لأنها تحصيل حاصل كما نقول نحن، أم لأن العالم يجري مجرى الحقائق الرياضية كما يقول الفلاسفة العقليون؟ هل هي قضيةٌ تحليلية تكرارية تحليلًا صرفًا وتكرارًا خالصًا، بحيث لا يكون فيها قطُّ ما يقتضي أن تشير به إلى شيء في عالم الأشياء، أم هي تركيبيةٌ إخبارية تُصوِّر العالم الخارجي على الرغم من أن صدقها لا يتوقَّف على خبراتنا بذلك العالم؟

لهذه الأسئلة إجاباتٌ ثلاث تختلف باختلاف المدارس الفلسفية؛ فهنالك — أولًا — العقليون الذين يرون إمكان الجمع في قضيةٍ واحدة بين أن تكون مُخبِرة عن العالم وأن تكون في الوقت نفسه قبليةً غير معتمِدة في تحصيلها وإدراكها على خبرة الإنسان بالعالم. نعم، قد يختلف الفلاسفة العقليون فيما بينهم على أي القضايا يكون فيه هذا الجمع بين تَينك الصفتَين، أهي قضايا الرياضة وحدها، أم هي قضايا الرياضة والطبيعة على السواء، لكن يكفينا أن يعتقد الفيلسوف في قضيةٍ واحدة يقول فيها إنها صادقة على الخبرة الحسية دون أن تكون مُستقاة من خبرةٍ حسِّية لنقول عنه إنه فيلسوفٌ عقلي يأخذ بهذه الوجهة من النظر.

وهنالك — ثانيًا — فلاسفة المذهب التجريبي في صورته التقليدية، كما يتمثَّل مثلًا في جون ستيوارت مل، وهم يقولون أنْ ليس هنالك قضيةٌ واحدة يمكن أن تجتمع فيها صِفتا الإخبار والضرورة معًا؛ لأن القضية إن أخبرت بشيء كان معنی ذلك احتمال تعرُّضها للخطأ فيما أخبرت به؛ ولهذا ترى هؤلاء التجريبيين يُنكرون بتاتًا أن تكون هنالك قضيةٌ ضرورية الصدق، حتى قضايا الرياضة والمنطق — في رأي «مل» — إن هي إلا حصيلة الخبرة؛ وبالتالي يجوز عليها البُطلان.

وثالثًا هنالك أنصار التجريبية المنطقية — أي الوضعية المنطقية — فهم كالتجريبيين التقليديين يُنكرون في حسمٍ أن تجتمع صِفتا الإخبار والضرورة معًا في قضيةٍ واحدة، إلا أنهم على خلاف أنصار التجريبية التقليدية، لا يرَون أن قضايا الرياضة والمنطق مُستقاة من الخبرة الحسية، بل هم يقولون إن القضية إما أن تكون إخبارية؛ وبذلك يستحيل عليها أن تكون ضرورية الصدق، وإما أن تكون ضرورية الصدق؛ وبذلك يستحيل عليها أن تكون إخبارية، بل إنها في هذه الحالة تكون تحصيل حاصل، تكرَّر جزؤها الأول في جزئها الثاني دون أن تُضيف نبأً جديدًا.

وهذه الإجابة الأخيرة هي ما نأخذ به، ونعود إلى المثل الذي سُقناه لنُجري عليه عملية التحليل، وهو «۲ + ۲ = ٤»؛ فهذه قضيةٌ ضرورية الصدق، لكنها في الوقت نفسه لا تقول شيئًا مما يمكن أن تتعرَّض به للخطأ؛ فنحن وإن كنا نستطيع الحكم على صدقها «قبل» الرجوع إلى الخبرة، إلا أن ذلك نفسه معناه أنها خاويةٌ لا تُنبئ بشيء، شأنها شأن العبارة القائلة إن الماء هو الماء. وهاك التحليل الذي يُبيِّن ذلك:

العدد ٤ معناه بحكم القضية نفسها هو ۲ + ۲.

العدد ۲ معناه بحكم التعريف ١ + ١.

إذَن فقولنا ٢ + ٢ = ٤ مُساوٍ لقولنا ١ + ١ + ١ + ١ = ١ + ١ + ١ + ١. فإذا كان هذا القول يقينيَّ الصدق وضروريَّ الصدق، وصِدقه يُعرَف بغضِّ النظر عن أي خبرة بأشياء العالم الخارجي، فلأنه تَكرار لا خبر فيه. وها هنا قد يختلط الأمر على القارئ فيسأل: ألسنا في عالم الأشياء نرى شيئين مُضافَين إلى شيئين تكون أربعة في مجموعها؟ فقلمان وقلمان أربعة أقلام، وبرتقالتان وبرتقالتان أربع برتقالات، وهكذا؟ كيف إذَن نزعم أن لا علاقة بين هذه القضية الرياضية وبين عالم الأشياء؟

الواقع أننا في علم الحساب إذ نتعلم أن ۲ + ۲ = ٤، فنحن لا نتعلم بهذا إلا طريقة استخدام رموز مكانَ رموزٍ أخرى إذا ما جرى الاتفاق بأن يكون الرمزان مترادفين؛ فلا فرق أبدًا بين أن أُعلِّم الطفل الناشئ بأن الرمز «٤» يمكن وضعه مكان الرمز «۲ + ٢» في أي موضع شاء دون أن يتأثَّر تكوين العبارة، لمجرد الاتفاق بين المشتغلين بهذه الرموز على أن يكون الرمزان مترادفين؛ أقول إنه لا فرق أبدًا بين هذا وبين أن أُعلِّمه بأن «ابن الخطاب» هو نفسه «عمر» ثاني الخلفاء الراشدين، وله أن يضع أحد الاسمين مكان الآخر في أي عبارة شاء، أو كما أعلِّمه أن «الليث» اسمٌ آخر ﻟ «الأسد»، وأن الاسمَين مترادفان، وله أن يستبدل أحدهما بالآخر. وتظل «۲ + ٢ = ٤» صادقةً حتى لو فرضنا أن العالَم كله ليست فيه أربعة أشياء؛ فقد يكون في العالم كائنٌ واحد، ومع ذلك يجوز لنا القول بأن ٢ + ٢ = ٤؛ مما يدل على أن صحة استخدام هذه الصيغة الرمزية لا يقوم حُجة على طبيعة العالم الخارجي.

يقول «كانْت» وهو في سياق رأيه بأن القضية الرياضية إخبارية، ما معناه أن فكرة «٢ + ٢» ليست هي نفسها فكرة «٤»، وأننا إذ نفكر الفكرة الأولى فلا نفكر في الوقت نفسه في الفكرة الثانية؛ إذ ليست «الأربعة» مُتضمَّنة في أيٍّ من جزأي الفكرة الأولى، فلا هي في «الاثنين» الأولى ولا هي في «الاثنين» الثانية؛ وإذَن فهي إضافةٌ جديدة أضافها الإنسان إلى علمه بالعالَم حين عرف أن الفكرة الأولى — فكرة «۲ + ۲» — والفكرة الثانية — فكرة «٤» — مُتساويتان. وهذا صحيح، فمن ذا الذي زعم له أن «۲ + ۲ = ٤» قانونٌ نفسي مؤدَّاه أننا لا نفكر الفكرة الأولى إلا إذا فكَّرنا الفكرة الثانية أيضًا! إننا لا نزعم ذلك، لا نزعم أن التفكير في الأولى يؤدِّي حتمًا إلى التفكير في الثانية بناءً على قانون في علم النفس يُحتِّم ذلك، بل نقول إن هنالك «اتفاقًا» على استخدام الرموز يجعل الرمز الأول والرمز الثاني مترادفَين. إنك إذا قرأت كلمة «ليث» فعرفت أنها مُساوية لكلمةٍ أخرى هي «الأسد»، لم يكن معنى ذلك أن قانونًا نفسيًّا يُحتِّم علينا أننا إذا ما استحضرنا إلى أذهاننا فكرة «الليث» تَبِعتها فكرة «الأسد»، كلا، ولا معناه أيضًا أننا قد اكتسبنا علمًا جديدًا بالعالم الخارجي حين عرفنا أن «الأسد» هو نفسه «الليث»، بل كل ما هنالك أننا قد ألمَمنا بالطريقة الاتفاقية التي تواضعَ عليها المتكلمون باللغة العربية على استخدام الرموز.

وكثيرًا ما يُقال لنا اعتراضًا على رأينا في القضية الرياضية من أنها تحصيل حاصل، إن تحصيل الحاصل إن يكن واضحًا في قضيةٍ مثل «۲ + ٢ = ٤»، فليس هو بهذا الوضوح في العمليات الرياضية المعقَّدة؛ فمَن ذا الذي ينظر — مثلًا — إلى العددَین «٣١٩١٣» و«٩٥٨٩٠» فيُدرِك من فَوره أنهما «١٢٧٨٠٣»؟ أو من ذا الذي ينظر إلى الرمز الجبري «س + ص»٢ فيعلم من فَوره أنه مُساوٍ للرمز الجبري «س٢ + ص٢ + ٢ س ص»؟ لكن أمثال هذه الاعتراضات في رأينا سطحية وساذجة؛ لأنك دائمًا إذا حلَّلت الشِّق الثاني من أي معادلة رياضية وجدته في النهاية يرتدُّ إلى نفس العناصر التي يتكوَّن منها الشِّق الأول، وإلا فلم تكن «المعادلة» لتستحقَّ اسمها هذا. والخلاصة أنك إذا ما كنت إزاء معادلة رياضية، فأنت عندئذٍ تكون إزاء رمزٍ واحد مكرَّر مرَّتَين، وإن يكن هذا التكرار قد جاء على صورتَين مختلفتين.

وكذلك الأمر في النظريات الهندسية؛ فكل نظرية منها مستولَدة من المسلَّمات الأولى، حتى لَكأنها هي نفسها تلك المسلَّمات قد أُعيدت كتابتها على صورةٍ أخرى. ولو كان في النظرية الهندسية إضافةٌ جديدة إلى ما قد تضمَّنته المسلَّمات، لكان ذلك نفسه علامةً على فساد استدلالها؛ إذ النتيجة في الاستنباط لا يجوز لها أن تأتي بما لم يَرِد في المقدمات؛ فمن تعريف المثلث في هندسة إقليدس بأنه سطحٌ مُستوٍ محوط بثلاثة خطوط مستقيمة، تترتب نتيجةٌ خاصة بمقدار زواياه، وهي أن تلك الزوايا تُساوي ١٨٠ درجة، وقد نظنُّ أن هذه النتيجة عِلمٌ جدید لم يكن في التعريف، وهو علمٌ يُزوِّدنا بخبر عن المثلث المرسوم في الطبيعة الخارجية. ولو كان الأمر كذلك لصحَّ قول القائلين بأن القضية الرياضية قبلية وإخبارية في آن معًا، لكن حقيقة الموقف غير ذلك؛ فهذه النتيجة صحيحة على فرض التعريف الذي أسلفناه للمثلث، وهو أنه سطحٌ مُستوٍ محوط بثلاثة خطوط مستقيمة، ولكن ماذا لو غيَّرنا التعريف فجعلنا المثلث هو سطحٌ مُنحنٍ محوط بثلاثة خطوط منحنية (كالمثلث المرسوم على سطح كرة مثلًا)؟ عندئذٍ تتغير النتيجة بالنسبة لمجموع الدرجات في زواياه، وتكون هذه النتيجة صوابًا كما كانت النتيجة الأولى صوابًا؛ لأن صوابَ كلٍّ منهما ليس مُتوقِّفًا على مطابقته لما يحدث في الطبيعة الخارجية، بل مُتوقِّف على صحة استدلاله من المقدمة المفروضة. وإنه ليَجمل بنا في هذا الصدد أن نقول إن هندسة إقليدس بفرضها أن السطح مُستوٍ قد انتهت إلى نتائج، منها أن زوايا المثلث تُساوي قائمتين، وقد نجد أن هذه النتيجة تنطبق على الطبيعة أيضًا، ولكن انطباقها هذا في الحقيقة ناتج عن أن الأسطح التي نُمارسها في حياتنا العملية دائمًا من الصِّغر (الصغر النِّسبي) بحيث لا يبدو فيها الانحناء، ولكن لما وُجد أن هذه النتائج نفسها لا تنطبق على المساحات الكونية الكبرى، كأن تأخذ مثلثًا — مثلًا — رأسه الشمس، وضلعاه شعاعان من الضوء، وقاعدته سطح الأرض، فترى عندئذٍ أن نتائج إقليدس غير مُنطبِقة على الواقع الطبيعي، وإن تكن رغم ذلك محتفظة بصدقها الرياضي؛ لأنها لا تزال نتائج مستنبَطة استنباطًا سليمًا من مقدماتها المفروضة.

إن التفكير الرياضي هو أشبه شيء بطاحونة مُعَدة لطحن كل أنواع الغلال؛ فالآلة تطحن سواء كان الموضوع فيها قمحًا أو شعيرًا، وهي تطحن طحنًا مقبولًا ما دامت تستخرج من الغلال الموضوعة فيها كل ما تحتوي عليه من الدقيق، وليس على الطحَّان أن يكون الطحين ناصع البياض أو ذا سُمرةٍ خفيفة؛ لأنه — باعتباره طحَّانًا — لا يُسأل عن شيء إلا أن يكون هذا الدقيق من تلك الغلال. وهكذا يكون الرياضي في الرياضة البحت، لا يُطلَب منه إلا أن تكون نتائجه صحيحة الاستنباط من تلك المسلَّمات المفروضة، ولا شأن له بعد ذلك أن تجيء تلك النتائج مطابقةً للعالم الطبیعي أو غير مطابقة. وبعبارةٍ أخرى، شأن الرياضي هو أن يُحسِن التكرار — تكرار المقدمات في النتائج — وليس شأنه أن يُحسِن الإخبار.

ومبادئ المنطق — كقضايا الرياضة — هي كذلك صوريةٌ خالصة؛ لأنها قوالب فارغة من المضمون الحسي؛ فصِدقها إن يكن ضروريًّا، والعلم بها إن يكن قبليًّا، فما ذلك إلا لأنها لا تقول شيئًا إيجابيًّا عن الطبيعة بحيث تتعرَّض من أجله للخطأ؛ فهي في صميمها ليست إلا قواعد وضعناها لنستخدم الرموز اللغوية على أساسها، وليس فيها شيء من الحق فوق ذلك.

إننا في الحقيقة نسوق عباراتنا في عمليات التفاهم على نحوٍ يجعل تلك العبارات ذات معنًى عند السامع، هو نفسه المعنى الذي أراد أن ينقله المتكلم؛ ولهذا وجب أن نسلك ألفاظنا في عقودٍ متَّفَق على أشكالها ليَصلُح كلُّ عقد منها في موقفٍ معيَّن. والعجيب أننا إذا ما استللنا تلك الخيوط من عقود الألفاظ المرتبطة بها، ووضعناها عاريةً أمامنا، رأيناها في حد ذاتها خاويةً إلى الدرجة التي تجعل البحث فيها ضربًا من العبث، لكن هذه الخيوط العارية الخاوية الخالية من كل مضمون هي نفسها «المبادئ المنطقية» التي اتفقنا — حين اتفقنا على لغة التفاهم — أن تكون هي القوالب التي نصبُّ فيها ما نريد أن يقوله بعضنا لبعض.

وخلاء القالب من كل مضمون وفحوی هو الذي يجعله معَدًّا لأن يمتلئ بأية مادة مما يَصلح أن تنصبَّ فيه، لكنك إذا ما ملأته بهذه المادة أو تلك خرج عن كونه مبدأً منطقيًّا مجرَّدًا، وأصبح فكرةً من الأفكار الجارية على غِرار ذلك المبدأ، أما المبدأ نفسه فلا يكون موضع نقاش لأنه موضع اتفاق، وأما الفكرة التي تجري على غِراره فهي التي يصحُّ أن تكون موضعًا لاختلاف الرأي والجدل. وإذا أردت أن تهتدي إلى المبدأ المنطقي الكامن في إحدى أفكارنا — أو قُل في إحدى عبارات الكلام — فما عليك إلا أن تُفرِغ القالب من مضمونه ليصبح هيكلًا فارغًا؛ فعندئذٍ تكون قد وصلت إلى المبدأ المنطقي المنشود، أو إلى الصورة المنطقية الخالية. ابدأ مثلًا بهذه العبارة: «قيس أحبَّ ليلى.» وامضِ في تجريدها من مضمونها المعنوي خطوةً خطوة حتى يتمَّ لك تفريغها؛ فالخطوة الأولى هي أن تقول: «س أحبَّ ليلى.» والخطوة الثانية هي أن تقول: «س أحبَّ ص.» والخطوة الثالثة هي أن تقول: «س ع ص» (ع هنا معناها علاقة). فها هنا تجد القالب الفارغ الذي قد تملؤه بمادةٍ غير مادته الأصلية، فتتكوَّن لك بذلك فكرة هي والفكرة الأصلية من طِرازٍ منطقي واحد، كأن تملأ القالب — مثلًا — بقولك «بروتس قتل قیصر»، أو «الكتاب فوق المِنضدة»، وهكذا.

مثل هذا التفريغ — تفريغ أفكارنا من مادتها لتبقى لنا هياكلها الفارغة — هو الذي ينتهي بنا إلى ما نُسمِّيه مبادئ المنطق، كالمبادئ التي أطلقَ عليها أرسطو «قوانين الفكر»، وهي:
  • (١)

    قانون الذاتية: ق هي ق.

  • (٢)

    قانون عدم التناقض: ق لا تكون صادقة وكاذبة في آنٍ واحد.

  • (٣)

    قانون الثالث المرفوع: ق إما أن تكون صادقة أو كاذبة.

وكالمبادئ التي نتخذها قواعد للاستدلال، مثل:
  • (١)

    إذا كانت ق تستلزم ك، وكانت ق صادقة، لزم أن تكون ك صادقة كذلك.

  • (٢)

    إذا كانت إما ق أو ك صادقة، ثم كانت ق كاذبة، كانت ك صادقة.

فما الذي يجعل هذه المبادئ المنطقية كلها صادقة صدقًا ضروریًّا نعرفه فيها معرفةً قبلية؟ هنا يُجيب العقليون إنها كذلك لأنها وليدة العقل وطبيعته من جهة، ولأن العالم الواقع قد جاء على غِرار العقل وطبيعته من جهةٍ أخرى؛ ومن ثَم كانت صادقة على قضايا الفكر وعلى وقائع العالم على حدٍّ سواء. وأما نحن أنصار التجريبية العلمية فنقول إن صِدق هذه المبادئ كلها قائم على نفس الأساس الذي قام عليه صدق الرياضة، وهو الاتفاق على استخدام الرموز بطريقةٍ معيَّنة؛ فقد اتفقنا — مثلًا — على أن يكون معنى «إذا» حين تربط قضيتَين أن يكون صِدق القضية الثانية تابعًا لصدق القضية الأولى، وعلى أن يكون معنى «أو» حين تربط قضيتَين أن يكون صدق الواحدة تابعًا لكذب الأخرى، واتفقنا على أن يكون معنى كلمة «ليس» (أو أي كلمة نافية أخرى) هو أننا إذا أسمَينا شيئًا «نهرًا» أخرجناه من سائر أشياء الكون التي ليست أنهارًا؛ أي إننا عندئذٍ نقسم العالم قسمَين؛ قسم يدخل فيه الشيء المُسمَّى، وقسم آخر يخرج منه، بحيث لا يجوز للشيء المُسمَّى أن يُعَد عضوًا في القسمَين معًا؛ فإذا زعمنا له مثل هذه العضوية المشترَكة، كنا بذلك قد خرجنا على قواعد استخدام الرمز «ليس» كما تواضعنا فيما بيننا أن نستخدمه؛ فالشيء لا يكون ق وليس ق في آنٍ واحد، وكذلك اتفقنا على معنى «أو»، بحيث يكون الشيء إما «ق» أو «لا – ق» في الوقت الواحد.

مبادئ المنطق كقضايا الرياضة — وإن تكن أعمَّ منها — يقينية وضرورية؛ لا لأن فيها سرًّا ولها سحرًا يفتن الفلاسفة العقليين فتنةً تُغريهم بأن يتَّخذوا يقينها وضرورتها شرطًا لازمًا لكل معرفة أخرى، بل إن يقينها وضرورتها ناشئان عن كونهما صورةً فارغة من الفحوى؛ فهي تحصيل حاصل يَصدُق على كل شيء في الوجود ولا يعني شيئًا بذاته، وما ليس يعني شيئًا بذاته لا يقول شيئًا؛ قولك عن الدنيا «إنها إما أن تُمطِر غدًا أو لا تُمطِر» قولٌ یقیني ضروريُّ الصدق لسببٍ واحد هو أنه لا يقول شيئًا عن الغد.

١  أرسطو، الميتافيزيقا، م١٠٧٨، ب٢٧.
٢  محاورات أفلاطون، ترجمة زكي نجيب محمود، ص٢٥–٢٨.
٣  هذه ملاحظة J. F. Fries أوردها ليونارد نلسن في صفحة ١٢ من كتابه: Socratic Method and Critical Philosophy.
٤  التأملات، ترجمة الدكتور عثمان أمين، ص٥٧.
٥  Kemp Smith, New Studies in the Philosophy of Descartes، ص١٧٩ وما بعدها.
٦  Kemp Smith, New Studies in the Philosophy of Descartes، ص٩٠.
٧  Leonard G. Miller, Descartes, Mathematics and God (Philosophical Review, Oct. 1957).
٨  يجري الاصطلاح على أن تكون «الضرورة» وصفًا للقضية، و«القبلية» وصفًا لعلمنا بصدق تلك القضية انظر: John Hospers, Philosophical Analysis، ص١٠٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢