الفصل السابع

عِلمنا بالعالم

١

في الرياضة وما يدور مدارها من أنواع التفكير الاستنباطي، لا يحتاج صدق القضية أكثر من أن يكون تكوينها خاليًا من التناقض، فلا تناقض بين أجزائها ولا تناقض بينها وبين المقدمات التي استُنبطت منها؛ وإذَن فلا حاجة بك إلى مجاوزة النسق الرمزي نفسه إلى حيث العالم الخارجي لتعلم إن كانت القضية الرياضية صادقة أو غير صادقة؛ أي إنه لا حاجة بك إلى مجاوزة البناء اللفظي أو الرمزي إلى ما عداه؛ ومن ثَم قيل عن الرياضة إن صدقها ضروري، وإن المعرفة بذلك الصدق قَبْلية.

وأما إن كانت القضية التي بين أيدينا تُنبئ عن واقعة من وقائع العالم الخارجي، كان حتمًا لمن أراد أن يُراجع صدقها أن يُجاوز حدودها اللفظية إلى حيث الواقعة التي تُشير إليها تلك القضية؛ أي إنه لا بد في هذه الحالة من مَخرج نخرج منه إلى حيث المصدر الذي منه استقينا هذا العلم الذي جئنا الآن نسلكه في العبارة التي نقولها والتي هي موضع التحقيق؛ فلئن كان اتساق أجزاء التركيب الرمزي بعضها مع بعض وخلوُّها من التناقض وحده كافيًا للحكم بالصدق على قضايا الرياضة، ففي قضايا العلوم الطبيعية لا يكفي ذلك، ولا بد من الاحتكام إلى شيءٍ آخر خارج حدود التركيب الرمزي أو التركيب اللغوي، لنُقابل بينه وبين الصورة التي يصوِّرها هذا التركيب؛ فإن تطابَقا، أو كانت بينهما صِلة كائنةً ما كانت بحيث تجعل التركيب الرمزي رمزًا يَصلح أن ينوب عن الشيء أو الواقعة التي كان الرمز رمزًا لها، صحَّ لنا عندئذٍ أن نقول عن التركيب الرمزي أو اللغوي إنه عبارةٌ صادقة.

وهذه العودة بالعبارة إلى ما يُقابلها من وقائع العالم تقتضي أن تكون العبارة مما يتحدَّث عن جزئيةٍ واحدة من حيث علاقتها بجزئيةٍ أخرى أو أكثر؛ ذلك لأن العالم الخارجي قوامه جزئیات، وما دمت تريد أن تبحث للعبارة عن أصل يُطابقها في ذلك العالم، فلا بد أن يكون بين الجانبين هذا التقابل الذي يجعل كل اسم وارد في العبارة مُقابلًا لجزئيةٍ واحدة من جزئيات العالم، وأن يكون في العبارة من الألفاظ الدالة على علاقات ما يُقابل العلاقات القائمة في الخارج بين الجزئيات والتي تربطها معًا في واقعةٍ واحدة.

ويَندر جدًّا أن يجيء كلام الناس في هذه الصورة الجزئية التي تجعل العبارة الواحدة منه مُقابِلة لواقعةٍ واحدة معيَّنة من وقائع العالم الخارجي، بل إن الناس يتحدَّثون بعباراتٍ عامَّة تتناول أنواعًا بأَسرها من الأشياء والكائنات جملةً واحدة، فما أيسرَ أن يُقال — مثلًا — «الرياح تهبُّ على مصر من الشمال أحيانًا»، و«القطن ينضج في الخريف دائمًا»، و«البرتقال أصفر»، لكن هذه العبارات وأمثالها إنما تتحدث عن مجموعاتٍ بأسرها من الأشياء؛ فالعبارة الأولى لا تقول إن الرياح التي تهب هذه اللحظة آتيةٌ من الشمال، بل تُعمِّم القول لتجعله شاملًا لحالاتٍ كثيرة. والعبارة الثانية لا تقول هذه شجرة قطن، وهي ناضجة الثمر، ونضجها تم اليومَ الذي هو من أيام الخريف، بل تُعمِّم القول ليشمل أشجار القطن كلها في كل فصل من فصول الخريف. والعبارة الثالثة لا تقول هذه البرتقالة التي أُمسكها الآن بیدي صفراء، بل تُعمِّم القول ليشمل البرتقال كله. هكذا يتحدث الناس، وهكذا تجيء عبارات العلوم الطبيعية عامةً لا تقتصر الواحدة منها على جزئيةٍ واحدة؛ فسبيلك إلى تحقيقها — إذَن — لا بد أن تبدأ بخطوةٍ تحليلية تردُّ العبارة العامة إلى قائمة من جُمَل أوَّلية ذرية تتناول كلٌّ منها واقعةً ذريةً واحدة؛ حتى تستطيع أن تُقابِل بين الجملة من ناحية وبين الواقعة التي ترمز إليها الجملة من ناحيةٍ أخرى؛ ومعنی ذلك أن مِحكَّ الصدق في العبارة التي موضوعها عامٌّ هو إمكان ردها إلى عبارةٍ موضوعها جزئي، ثم المقابلة بعدئذٍ بين هذه الأخيرة وما يُقابلها من أجزاء الطبيعة.

والجملة الأولية الذرية التي ينتهي إليها تحليلك بحيث تتمكن بعدئذٍ من مراجعة القول على وقائع الطبيعة، شرطها — بطبيعة الحال — أن تكون مُكتفيةً بذاتها ولا تكون نتيجةً مستدَلَّة من جملةٍ أخرى؛ لأنها لو كانت نتيجةً مستنبَطة من سِواها، كان صِدقها مُتوقِّفًا على صدق ذلك الأصل الذي استُنبطت منه؛ فكل ما تعتمد عليه الجملة الأولية الذرية في صدقها هو أن تكون لدى قائلها خبرةٌ حسية مباشرة تنطبع بها حواسُّه ساعةَ نطقه بالجملة؛ فها أنا ذا أنظر إلى الورقة التي أمامي وأقول: «هذه بقعةٌ بيضاء.» فيكون قولي هذا جملةً أولية ذرية عمادُها في الصدق هو هذا الانطباع اللوني المباشر الذي أخبُره الآن ببصري. وهكذا نريد لكل جملة عامة يقولها قائل ويزعم لها الصدق، أن تكون مما يمكن تحويله إلى مواقف خِبرية مباشرة على هذا النحو، بأن نرتدَّ بها إلى قضايا أولية ذرية كلُّ قضية منها مُكتفية بذاتها في تحقيق صدقها؛ لأنها لا تتطلَّب من أجل التحقيق أكثر من مثل هذه الخبرة الحسية المباشرة. وهنا يَجمُل بنا أن نُذكِّرك بطبيعة القضية في الرياضة من حيث إن صدقها دائمًا مُتوقِّف على صدق المقدمة التي منها استُنبطت، وهذه المقدمة بدورها مُتوقِّفة في صدقها على صدق مقدمتها، وهكذا دوالَيك حتى تنتهي إلى قمة السُّلَّم، وهي المسلَّمات التي يُطلَب التسليم بها من غير رجوع إلى خبرات الحواس؛ لتعلم أن صدق القضية الرياضية ناتج دائمًا من صدق قضية أخرى، أما صدق القضية الإخبارية فهو مُتوقِّف في النهاية على الإشارة إلى موقف فيه حالة إدراك حسِّي مباشر.

وشرطٌ آخر ينبغي أن يتوافر للقضية الذرية التي ينتهي إليها تحليلك — فوق اكتفائها بذاتها في الصدق — وهو ألا تكون مما يمكن أن تجد له نقيضًا ينقضه وينفيه؛ وذلك لأنها ما دامت تشير إلى خبرةٍ حسِّية جزئية مباشرة، كانطباع عیني بهذا اللون الأبيض الذي أمامي الآن، فمُحالٌ أن يكون لهذه الخبرة نقیضٌ ممكن؛ فحتى لو نظر ناظرٌ آخر إلى البقعة اللونية نفسها وقال إنها خضراء، لَمَا كان قوله نافيًا لخبرتي الحسية؛ لأننا عندئذٍ نكون بمثابة شخصَين، يقول أحدهما إنه يشعر بألم في ضرسه ويقول الآخر إنه لا يشعر بمثل ذلك الألم، هذا إلى أن سائر خبراتي الحسية في تلك اللحظة التي أرى فيها البقعة البيضاء لا يمكن أن تنقض خبرتي باللون عندئذٍ؛ فقد أكون في اللحظة نفسها لامسًا للقلم بأصابعي وشاعرًا بصلابته، وشامًّا لرائحة الطعام المُنبعِثة من غرفةٍ مُجاوِرة، وسامعًا لصوت العربات في الطريق، لكن لا لمسُ القلم ولا شمُّ رائحة الطعام ولا سمعُ أصوات المارَّة بذي شأن في إدراكي بالعين للبقعة اللونية البيضاء. وهكذا تكون الخبرة الحسية المباشرة مستحيلة التكذيب على أساس خبراتي الأخرى، أو على أساس خبرات الآخرين.

مِحكُّ الصدق في كل كلام يدَّعي صاحبه أنه يقول به شيئًا عن العالم هو أن يرتدَّ هذا الكلام إلى أوَّلياته التي منها تكوَّن، وهذه الأوليات قضايا أوليةٌ تُشير إلى مواقف جزئية من إدراكنا الحسِّي، والقضية الأولية يمكن تعريفها بأنها القضية التي تنشأ منسوبةً إلى حالةٍ جزئية من حالات الإدراك الحسي، فتكون هذه الحالة الإدراكية الحسية نفسها هي شاهد صِدقها، بحيث لا يُطلَب على صدقها دليلٌ آخر من قضيةٍ أخرى، وكذلك تكون القضية الأولية على صورة تجعلها مستحيلة على النقض بقضيةٍ أخرى من نفس صورتها؛ أي إن أي قضيتَين أوَّليتين لا يمكن أن يتنافرا إذا كانتا مستمَدَّتين من إدراكين حسِّيَّين مختلفين؛ ١ ومعنى ذلك بعبارةٍ أخرى هو أننا لو رتَّبنا كل معلوماتنا عن العالم الطبيعي ترتيبًا يجعل كل خطوة في البناء مستمَدَّة من خطوة سابقة، وجدنا أن الأساس الأول الذي أُقيمَ عليه البناء كله هو حالاتٌ من الإدراك الحسي، كل حالة منها تُعبِّر عنها قضيةٌ أوَّلية.

هذه الجُمل الأساسية الأولية التي هي مِحكَّات الصواب في معارفنا التجريبية، قد شغلَت جماعة الوضعيين المنطقيين منذ أول تكوينها في فيينا، لكنهم لم يكونوا فيها على رأيٍ واحد؛ فمنهم من ذهب إلى الرأي الذي أسلفناه، والذي نأخذ به ونؤيِّده، وهو أن يكون مِحكُّ الصواب للعبارة اللغوية شيئًا غير اللغة نفسها وخارج نطاقها، وهو الخبرة الحسية، ولكن منهم كذلك من رأى رأيًا آخر، مثل «نوراث» و«همبل» و«كارناب»، وهو رأي لا نؤيِّدهم فيه ولا نأخذ به، ومؤدَّاه أنْ ليس هناك مجموعة من القضايا الأولية مما يمكن أن نقول عنه إنه الأساس الأول لبناء عِلمنا التجريبي كله، بحيث تكون تلك القضايا الأولية بمثابة المقدمات الأولى، وبقية أجزاء البناء بمثابة النتائج التي ترتَّبَت على تلك المقدمات. وهم يذهبون إلى أن الحق كله، كائنًا ما كان موضوعه، رياضيًّا كان أو تجريبيًّا، مُتوقِّف على تكوين الجُمل اللغوية واستدلال بعضها من بعضها الآخر، وليس هو مُتوقِّفًا — حتى في العلوم التجريبية — على علاقة الجمل بوقائع الخارج؛ ذلك أن القضية المعيَّنة — كائنةً ما كانت — إنما تكون صوابًا أو لا تكون بالنسبة إلى المجموعة الرمزية التي تُوضَع فيها وتكون جزءًا منها؛ فإن وُضعت في مجموعة بحيث يكون بينها وبين سائر الأجزاء اتساق وائتلاف وعدمُ تناقض كانت صوابًا هناك، لكنها هي نفسها يمكن أن تُنتزَع من تلك المجموعة وتُوضَع في مجموعةٍ أخرى لا تتَّسق معها فتكون خطأً هنا. وعند هؤلاء الذاهبين هذا المذهب من جماعة المنطقيين الوضعيين أنه يستحيل المقابلة بين اللغة من ناحية وبين ما ليس بلغة من ناحيةٍ أخرى، ولا يمكن المقارنة التي يكون أحد طرفَيها «جملةً لغوية» إلا بجملةٍ لغوية أخرى، لا بحالة من الإدراك الحسي؛ أي إن عالَم اللغة — بناءً على هذا الرأي — عالمٌ مُغلَق على نفسه، ومُحال على من يريد التسلل منه إلى العالم الخارجي أن يجد له مَنفذًا.

إن وجهة نظرهم هذه هي نفسها التي شرحناها في الفصل السابق قائلين إنها النظرة التي تُبيِّن طبيعة العلوم الرياضية، لكن هذه الطائفة من فلاسفة الوضعية المنطقية تريد أن تُعمِّم النظرة نفسها لتشمل كل أنواع الكلام، تحليليًّا كان أو تركيبيًّا تكراریًّا أو إخباريًّا، من العلوم الرياضية أو من العلوم الطبيعية، مع أن أقوال الرياضة — كما شرحنا بالتفصيل في الفصل السابق — تحصیلات حاصل، وأقوال العلوم الطبيعية ذوات مضمون خِبري، ولا بد أن يكون هنالك اختلاف بين الحالتَين في وسائل التحصيل ووسائل التحقيق معًا. وهم بمحوهم للفرق الجوهري بين الحقائق الرياضية والحقائق الطبيعية إنما يرتدُّون — على غير وعي منهم — إلى مذهب العقليين ديكارت وسبینوزا وليبنتز، والمثاليين أمثال هيجل؛ فهؤلاء جميعًا يجعلون مِعیار الحق اتساقًا والتئامًا بين أجزاء النسق الفكري، بحيث يخلو هذا النسق من التناقض، فلا يُقال عن «ق» إنها «ليست ق» في النسق الواحد. وكل الفَرق بين هيجل — مثلًا — وبين نوراث هو هذا: أن القضية الواحدة عند هيجل تكون إما صادقة صدقًا مُطلَقًا أو باطلة بطلانًا مُطلَقًا؛ لأن هنالك نسقًا واحدًا تكون هذه القضية جزءًا منه. وأما نوراث فلا يرى ما يمنع أن نبني أيَّ عدد شئنا من النسقات كلٌّ منها يتَّسق بعضه مع بعض، بحيث يمكن للقضية الواحدة أن تتَّسق في نسقٍ ما فتكون صوابًا فيه، وألا تتَّسق في نسقٍ آخر فتكون باطلةً فيه.

«نوراث» و«همبل» هما على رأس القائلين بهذا الرأي من بين جماعة الوضعيين المنطقيين، وقد شرحاه في مقالات نُشر بعضها في مجلة «التحليل Analysis»، ونستطيع أن نُلخِّص رأيهما فيما يأتي: (١) كل قضايا العلم، بما في ذلك القضايا الأساسية التي نتَّخذها مِحكًّا لصدق ما عداها، إنما تُساق نتيجةً لقراراتٍ إرادية يُقرِّرها زاعمو تلك القضايا، ولهم أن يُغيِّروها، وكل ما يُراعونه في كل حالة هو أن تكون مجموعة القضايا العلمية المزعومة على اتساقٍ بعضها مع بعض. (۲) فإذا قلنا عن قضيةٍ علمية معيَّنة إنها باطلة، كان أساس حُكمنا هذا هو أننا وجدناها متنافرة مع بقية القضايا العلمية، لا تتَّسق معها في بناءٍ فكري واحد. (٣) فبدل أن يكون لدينا نسقٌ واحد من القضايا بحيث نقول عنه إنه النسق الذي لا نسق سِواه، يمكن أن نبني نسقاتٍ عِدَّة كلُّ واحد منها تتَّسق أجزاؤه، لكنها في جملتها يختلف الواحد منها عن سواه، أما أيُّ هذه النسقات هو الذي ينطبق على العالم فذلك أمرٌ يُقرِّره السلوك العملي ولا يُقرِّره المنطق؛ لأن النسقات كلها عند المنطق سواء.
ولمن شاء أن يرجع إلى مقالٍ هامٍّ نشره «همبل»٢ في عدد يناير لسنة ١٩٣٥م من مجلة التحليل، يعرض فيه هذا المذهب الذي أخذ به بعض القادة من جماعة الوضعية المنطقية. وهو يتتبَّع في مقاله ذاك كيف تطوَّر الأمر من الأخذ بالقضايا الذرية التي انتهى إليها وتجنشتين بتحليله على أن تكون هي السند النهائي الذي نستند إليه في ردِّ الجملة التجريبية إلى مُقوِّماتها الأولية، حتى إذا ما بلغنا هذه المرحلة من التحليل خرجنا من حدود اللغة إلى عالم الأشياء لموازنة كل قضية ذرية مع واقعتها التي تُقابلها في ذلك العالم. تطوَّر الأمر من الأخذ بهذا الرأي إلى القول بأن مجموعة القضايا في البناء العلمي الواحد إنما تستند في صدقها إلى جُمَل أساسية، يُسمُّونها «جُمل البروتوكول»، تكون بمثابة المقدمات الصادقة لبقية القضايا العلمية، وصِدقها ذاك كان أول الأمر مُتوقِّفًا على أنها نتيجةُ ملاحظةٍ مباشرة، ثم وُجد فيما بعدُ أنها في الحقيقة أوَّلياتٌ تُفرَض فرضًا وتُختار اختیارًا من رجال العلم، بحيث يجوز لهم أن يغيِّروها فتتغيَّر النتائج حتى يحافظوا على الشرط الواحد المطلوب للحق المنطقي، وهو اتساق الأجزاء وخلوُّها من التناقض.

ويروي لنا «همبل» في هذا المقال عن «كارناب» رأيه القائل بأنه ليس هنالك في بناء العلم أوَّلیاتٌ مُطلَقة تكون هي المقدمات الصادقة التي ليس غيرها مقدمات، والتي تأتي القضايا العلمية كلها بعد ذلك نتائج لها؛ فللعُرف العلمي أن يتَّفق على أي أساس شاء المشتغلون بالعلم؛ لأن العبرة في النهاية هي بأن تجيء مجموعة قوانينهم وأقوالهم بناءً متَّسِقًا. وليس معنى هذا — هكذا يقول «همبل» — أنَّ «كارناب» و«نوراث» يُنكِران أن يكون إلى جانب عالَم اللغة عالمٌ آخر من واقعٍ عيني، بل الأمر على خلاف ذلك؛ لأن العبارات اللغوية نفسها عندهما هي واقع من الواقع التجريبي؛ فكل ما أراداه هو أن يجعلا الناس على وعيٍ تامٍّ بأن العبارة اللغوية المعيَّنة إذا قيل عنها إنها «تُعبِّر عن» واقعةٍ خارجية معيَّنة، فلا يجوز أن نخلط بين الطرفَين بحيث تنمحي الفوارق بينهما، حتى لَنَظن أن الأولى هي نفسها الثانية، مع أن الأولى «لغة» والثانية «واقعة». وعالَم اللغة وإن يكن هو نفسه جزءًا من عالَم الواقع، إلا أنه قائم بذاته، وله خصائصه التي تُميِّزه من سائر أجزاء العالم الواقع؛ وكيف أعرف أن جملةً ما هي الصواب؟ أعرف ذلك بأن أراها من حيث موضعها مع سائر الجُمل التي أقولها في مجال القول الذي وردَت فيه تلك الجملة؛ فإن اتَّسقت معها كانت صوابًا.

تلك نظرةٌ أخذ بها فريق من الوضعيين المنطقيين لا نؤيِّدهم فيها، ونأخذ برأي الفريق الآخر الذي لا يری مَناصًا في نهاية الأمر من اللجوء إلى الخبرات الحسية نُصدِّق بها العبارات اللغوية أو نُكذِّبها، ما دامت تلك العبارات قد سِیقت سياق الإخبار عن العالم الخارجي وما يجري فيه؛ فالجملة الإخبارية إذا لم تُشِر إلى شيءٍ واقعٍ خارج حدودها، لم تعُدْ تؤدِّي المهمة التي إنما خُلقت اللغة لكي تؤدِّيَها.

٢

قلنا إن تحقيق القضية الإخبارية يقتضي حتمًا أن يكون موضوعها جزئيًّا لكي يتسنَّى لنا مراجعتها على الواقعة الخارجية التي تُقابلها؛ وذلك لأن الوقائع لا تكون إلا جزئية المقومات، فلن تجد في العالم الخارجي «إنسانًا» بصفةٍ عامة بل ستجد أفرادًا، ولن تجد «لونًا» بصفةٍ عامة بل ستجد هذه البقعة الحمراء وتلك البقعة الصفراء؛ فإذا كانت القضية التي نحن بصدد تحقيقها كلية، وجب تحليلها أولًا إلى ما ينضوي تحتها من قضايا فردية، وها هنا تأتي مشكلةٌ عسيرة؛ إذ ما كل قضية كلية يمكن تحليلها إلى قضاياها الفردية تحليلًا كاملًا.

فالتحليل ممكن إذا ما قصدنا بالتعميم في القضية تعميمًا محدَّد الأعضاء، بحيث يمكن أن نُفرِد لكل عضو على حِدة قضيةً تتحدث عنه وحده؛ فإذا قلنا — مثلًا — عن طلبة كلية الآداب بجامعة القاهرة اليوم إنهم جمیعًا تزيد أعمارهم عن السادسة عشرة، كان هذا قولًا عامًّا يمكن تحليله عند التحقيق إلى قضايا جزئية فردية موضوعُ كلٍّ منها فردٌ واحد، بحيث يكمل تحليل القضية العامة إلى كل القضايا الفردية التي تنضوي تحتها، لكن ما هكذا تكون الحال إذا قلنا تعميمًا كهذا: «كل غاز يقلُّ حجمه إذا زاد الضغط الواقع عليه»، أو «كل شعاع ضوئي ساقط على سطحٍ مستوٍ مصقول ينعكس بزاوية تُساوي زاوية السقوط». فها هنا مُحال أن أُحصي الحالات الفردية التي منها يتكوَّن قولنا «كل غاز» أو قولنا «كل شعاع ضوئي»، وليست الاستحالة قاصرة على أن الحالات القائمة فعلًا مستحيلٌ حصرها، بل تجاوز ذلك إلى استحالةٍ أخرى، وهي أن التعميم يشمل حالات الماضي وحالات المستقبل مما يستحيل الرجوع إليه تحقيقًا للقضية العامة؛ فإذا عرفنا أن قوانين الطبيعة كلها هي من هذا القبيل، أدركنا أن مثل هذا التعميم المُطلَق تجب العناية بالنظر في أمر تحقيقه على الواقع كيف يكون.

إن هذه الاستحالات كلها التي تَحُول دون تحليل العبارة العامة بالمعنى اللامحدود تحليلًا كاملًا يُترجمها إلى جميع القضايا الفردية الداخلة فيها، هي التي حدَت ببعض رجال التحليل الحديث — مثل «وتجنشتين» و«رامزي» و«شليك» — ألا يُجيزوا من ضروب القول إلا القضايا الذرية، والقضايا المركبة من عدد من القضايا الذرية،٣ كقولنا مثلًا: «إذا كان هذا الشعاع الضوئي ينعكس على سطحٍ مصقول فإنه ينعكس بزاوية تُساوي زاوية سقوطه.» (هذه القضية مُركَّبة من قضيتَين ذريتين ربطت بينهما كلمة «إذا».) وذلك لأن أمثال هذه القضايا التي تُحدِّثنا عن شيءٍ واحدٍ فرد — كهذا الشعاع المعيَّن من الضوء — هي وحدها التي يمكن مقابلتها مع عالم الواقع مقابلةً تُتيح لنا تحقيقها تحقيقًا حاسمًا، على خلاف القضايا الكلية غير المحدودة الأعضاء؛ فإن مثل هذه المقابلة فيها مُحال أن تكون كاملة وقاطعة.

ولا شك أن هذه الوجهة من النظر تستتبع نتائج خطيرةً في التفكير العلمي؛ لأنك إذا لم تُجِز القول حين يكون تعمیمًا مُطلَقًا غير مُحدَّد الأفراد، أنكرت بالتالي إمكان التحدث عن كل فكرة تتناول عددًا لا نهائيًّا من الأفراد، فلا تُجيز مثلًا أن أقول عن الخط المستقيم إنه عددٌ لا نهائي من النقط. وأنكرت كذلك إمكان التحقيق المُقنِع في كل قوانين العلوم الطبيعية؛ لأن كل قانون منها هو قولٌ يشمل حالاتٍ لا نهائية في تطبيقه. أم تقول إن القانون العلمي لا ينبغي له أن يُجاوز حدود القضايا المركَّبة من قضايا ذرية، تصف ما قد لُوحِظ في المعامل وصفًا محددًا جزئيًّا يمكن العودة إليه عند تحقيقها؟ إنك إذا قلت هذا أنكرتَ أهم جوانب القانون العلمي، وهو إمكان التنبؤ بما عساه أن يحدث في حالاتٍ مستقبَلة إذا ما توافرت ظروفٌ معيَّنة؛ أي إنك في مثل هذه الحالة ستقتصر على وصف ما قد وقع، مع أن قوة القانون العلمي هي في انطباقه على حالاتٍ جديدةٍ غير التي وقعت فعلًا ولُوحظت في إبَّان البحث العلمي.

لهذا لجأ شليك إلى مَهربٍ آمنٍ يُنجيه من هذا الاعتراض؛ وذلك أن يعُدَّ القانون العلمي — لا قضية كلية تُقرِّر عن العالم شيئًا محدَّدًا معيَّنًا — بل يعُدُّه قاعدةً من قواعد السلوك، كأنما هو خُطةٌ إرشادية تهدي الناس بعدئذٍ ماذا يصنعون في الظروف والمواقف الفلانية. إنني إذا زعمت أن في الظروف الجوية المعيَّنة يكون عمود الزئبق في البارومتر مُشيرًا إلى الدرجة الفلانية، فأنا لا أقول بهذا الزعم شيئًا عن وقائع العالم كما هي قائمة؛ لأن تلك الظروف الموصوفة قد لا تقع أبدًا؛ وإذَن فصِدق القانون العلمي لا يعتمد مباشرةً على مطابقته لشيء من الواقع، بل إن القانون العلمي في صيغته العامة لا يُوصَف بصدق؛ إذ هو أقرب إلى الجملة التي تُحدِّثنا عن مجهول، مثل: «س حرارته خمسون درجةً مئوية.» لا يُقال عنها إنها صادقة إلا إذا وضعت مكان «س» قيمتها؛ أي مدلولها. فهكذا القانون العلمي، هيكلٌ لا يملؤه مضمونٌ معيَّن محدَّد؛ ولهذا يظل الحكم عليه بالصدق معلَّقًا حتى تَرِد حالةٌ جزئية فتملأ ذلك الهيكل، وتُبيِّن عندئذٍ إذا كان القول بعد امتلائه بالمضمون المحدَّد مُطابقًا للحالة الواقعة أو غير مُطابق لها.

القانون العلمي قول عامٌّ غير محدَّد المضمون؛ ولذلك فهو ما نُسمِّيه في المنطق الحديث «دالة قضية»؛ أي إنه صيغةٌ رمزية فيها ثغرة، وإلى أن تمتلئ هذه الثغرة باسمٍ جزئي معيَّن المُسمَّى لا نستطيع الحكم عليها بالصواب أو بالخطأ. وهكذا قل في كل عبارة عامة مُطلَقة؛ فهی دالةُ قضية لا قضية، هي عبارة فيها رمز لمجهول وليست هي بالعبارة الكاملة، ولا بد من تحويلها إلى قضيةٍ كاملة قبل الحكم عليها، وهذا التحويل لا يكون إلا إذا أحللنا مكان الرمز المجهول القيمةِ اسمًا جزئيًّا معروف المُسمَّى في دنيا الأشياء المحسوسة؛ فهل قولي عن الذهب إن وزنه النوعي مقداره كذا قولٌ صادق أو غير صادق؟ الجواب: هذا قولٌ ناقص لا يُحكَم عليه إلا إذا كمل؛ فهو بصورته هذه تحليله: س قطعةٌ من الذهب، ووزنها النوعي هو كذا. ولا يمكن الحكم على مثل هذه العبارة بأنها صادقة إلا إذا وجدت ما يملأ مكان «س»؛ أي إلا إذا وجدت قطعةً من الذهب وأجريت عليها التجرِبة لأستيقن من صِدق العبارة أو عدم صِدقها. هل القول بأن الشِّعر الجاهليَّ مُصوِّر لحياة البادية قولٌ صواب؟ الجواب: الحكم هنا مُحال إلا إذا رجعت إلى قصائد بعينها من الشِّعر الجاهلي؛ فهذا القول السالف صورته المنطقية هي هذه: س قصيدة من الشعر الجاهلي، وهي مُصوِّرة لحياة البادية؛ فإلى أن أجد القصيدة المعيَّنة التي تجعل الرمز المجهول الدلالةِ معلومَها، لا يمكن الحكم لأنه ليس هنالك ما يُحكَم عليه.

ونُكرِّر هذا الرأي بصورةٍ أخرى لأهميته في وجهة النظر التي نريد لها الشيوع؛ فالقول العام، الذي هو مُطلَق التعميم، هو في الحقيقة صيغةٌ لفظية بغير معنًى، ولا يكتسب معناه إلا بعد أن يتحوَّل من تعميمه إلى التخصيص الذي يُحدِّد فردًا بعينه من الأفراد التي جاء القول العام ليصفها بهذه الصفة أو تلك، إذ العبارة العامة — كما أسلفنا — هي عبارةٌ ناقصة، فيها فجوةٌ لا بد أن تُملأ باسمِ فردٍ معيَّن يمكن الرجوع إليه في دنيا الأفراد لنُقابل بينه كما نُلاحظه بحواسِّنا وبين العبارة التي جاءت تتحدَّث عنه وعن بقية أفراد نوعه جملةً واحدة؛ فإذا قال لك قائلٌ عن «كل إنسان» بأنه فانٍ، طالبتَه بأن يُحوِّل عبارته بحيث تصبح: سقراط إنسانٌ وهو فانٍ. أو قال لك قائل إن «الروح خالدة»، طالبتَه بأن يجيئك بالفرد الذي يملأ مكان «س» في هذه العبارة الناقصة التي صورتها: «س روح، وهي لا تَفنى.» وإلى أن يجد لك ذلك الفرد الذي يُحوِّل المجهول معلومًا، سيظل كلامه بغير معنًى؛ أي سيظل مستحيلًا على التحقيق.

ولكن هَبْني قد اتخذت هذه الخطوات التحليلية إزاء القول المُطلَق التعميم، أفأكون بذلك قد ضمنت صوابه إن كان صوابًا؟ إذا قيل لي مثلًا: «كلُّ حیوانٍ مُجترٍّ مشقوقُ الظلف.» ثم حوَّلت القول إلى صورته المنطقية التي هي: «س حیوان مُجترٌّ وهو مشقوق الظلف.» ثم عقَّبت على ذلك بأن بحثت فوجدت بقرةً بذاتها فوضعت الإشارة إليها مكان الرمز «س»، بحيث أصبحت العبارة الأخيرة: «هذه البقرة مُجترَّة وهي مشقوقة الظلف.» ثم مضيت هكذا أضع إشارات إلى أفرادٍ جزئية من الحيوان أراها مُجترَّة ومشقوقة الظلف معًا، فهل تكون العبارة العامة الأصلية قد تم تحقيق صوابها بهذه الخطوات؟ أفلا يجوز أن تكون الحالات الجزئية التي وقعت عليها مختلفةً عمَّا قد أقع عليه بعد ذلك من الحالات؟ بعبارةٍ أخرى، أفلا يجوز أن تظهر في المستقبل حالاتٌ مختلفة عن الحالات المبحوثة وكلها من حالات الحاضر الذي سرعان ما يُصبح ماضيًا؟

كلا، بل إن هذا الذي أجريته إنما «يؤيِّد» صِدق الدعوى التي ادَّعاها صاحب العبارة العامة السالفة الذِّكر، والتأييد وحده لا يكفي، بل لا بد إلى جانبه من محاولة إيجاد حالة تنقض العبارة المزعومة؛ فإن وُجدت كان نقضُها حاسمًا، وإن لم تُوجد كان الصواب مُرجِّحًا لها. وسنُسمِّي هذه المرحلة الثانية من مرحلتَي تحقيق الفرض «فحصًا»، وكل عبارة كلية هي فرضٌ ينتظر التحقيق.

هذه نقطةٌ نريد الوقوف عندها قليلًا لأهمِّيتها الكبرى في تكوين العقل العلمي، وخلاصتها هي أن النظرية العلمية لا تكون جديرةً باسمها هذا ما لم يترتَّب عليها انتفاء وقوع الحوادث على صورةٍ معيَّنة كما يترتَّب عليها تقرير وقوع الحوادث على صورةٍ أخرى؛ أعني أن النظرية العلمية لا تكتفي بأن تُبيِّن ماذا يقع، بل لا بد إلى جانب ذلك أن تُبيِّن ماذا يستحيل عليه أن يقع بالنسبة إلى الموضوع الذي يكون مجال بحثها. وإذا وجدت نظرية لا تعرف كيف يمكن دحضها بحالة في مُستطاعك أن تتصوَّرها بحيث لو وقعَت تلك الحالة لَقُضي على النظرية بالبُطلان، أقول إن نظريةً لا تستطيع أن تتصوَّر لها حالةً تنقضها لا تكون علميةً بالمعنى الكامل لهذه الكلمة؛ فتأييد النظرية بأمثلةٍ تشهد بصوابها لا بد أن يُتمِّمه فحص لها من حيث إمكان دحضها، وبمقدار ما يمكن تصوُّر الحالات التي إذا وقعت كانت النظرية باطلة، تكون هذه النظرية أقرب إلى التفكير العلمي الصحيح.

افرِض أن زاعمًا زعم لك عن شيءٍ اسمه «النفس»، ثم زعم لك كذلك أن تلك النفس عنصرٌ بسيط؛ أي إنها غير مُركَّبة من عِدَّة عناصر بحيث يمكن تحليلها أو تحلُّلها؛ فما مقياسك الذي تقيس به عِلمية هذا القول؟ هو هذا: أن تسأل ما الحالة التي يمكن تصوُّرها بحيث إذا وقعت كان الزعم باطلًا. والبيِّنة على من ادَّعى؛ فصاحبُ هذا الزعم مسئولٌ أن يوضِّح لي كيف يمكن دحض هذه النظرية في حالة بُطلانها؛ ماذا أرى أو ماذا أسمع أو ألمس من وقائع الدنيا إذا ما كان هذا الزعم باطلًا؟ إن صاحب هذا الزعم في حقيقة أمره لا يقول كلامًا ذا معنًى إذا عجز عن تحقيقه تأييدًا ومحاولةَ تفنيد في آنٍ معًا، وأغلب الظن أنه عاجز؛ لأنه على الأرجح قد ابتكر من عنده كلمةً هي كلمة «نفس»، ثم عرَّفها بأنها كائنٌ غير مادي بسيطُ العنصر، حتى إذا ما جاء بعد ذلك يَسوق الكلمة وتعريفها لم يكن يُنبئ عن الدنيا بنبأ، بل كان يلعب لعبةً قوامها ألفاظ، ولا فرق بينه وبين من يقول — مثلًا — «جنِّية البحر» اسمٌ سأشير به إلى كائنٍ يكون له ذيل سمكة ورأس إنسان؛ فإذا ما قال بعدئذٍ «جنِّية البحر لها ذيل سمكة ورأس إنسان» لم يكن يفعل بقوله هذا أكثر من أن يُعيد على الناس قرارًا نتخذه في شأن كلمة واستعمالها.

التأييد بالأمثلة الإيجابية أولًا، ومحاولة التفنيد بتصوُّر حالات إذا ما تحقَّقَت ثبت البُطلان ثانيًا، مرحلتان لا بد منهما لأي نظرية يُقدِّمها صاحبها ليُفسِّر بها ظواهر الطبيعة أو ليُقرِّر بها على أي نحو تجيء اطِّرادات الحوادث في الطبيعة؛ ومن أجل هذا نرى كثيرًا من النظريات التي تدَّعي العلمية — وخصوصًا في العلوم الإنسانية كعلم النفس — بعيدةً عن هذه الدقة التي نُريدها لتفكيرنا العلمي. خذ مثلًا نظرية فرويد في علم النفس التي تفسِّر السلوك الإنساني بدوافع لا شعورية دُسَّت في النفس منذ الطفولة الباكرة؛ فما مدى هذه «النظرية» من العلمية الدقيقة؟ إننا قد نستطيع «تأييدها» إيجابيًّا؛ إذ ما علينا إزاء كل سلوك يسلكه إنسان في أي موقف من المواقف سوى أن نقول إن العقدة الفلانية عند صاحب السلوك هي علة سلوكه. ولكن هذا وحده لا يكفي؛ فلا بد إلى جانب هذا من السؤال: ما الحالات التي إذا ما وقعَت عدَدْنا النظرية باطلة؟ على أي نحو يكون سلوك الإنسان لو لم يكن صادرًا عن عُقَد مكبوتة؟ افرِض سلوكَين مختلفين لشخصين في موقفٍ واحد؛ أما الأول فبغير أسباب ظاهرة يدفع طفلًا إلى الماء ليُغرِقه، وأما الثاني فلا يلبث أن يرى ذلك حتى يقفز في الماء ليُنقِذ الطفل المُشرِف على الغرق؛ فلو كانت نظرية فرويد صالحة لتعليل السلوك الأول لوجب أن تكون باطلة بالنسبة للسلوك الثاني، لكن لا، اعرض السلوكين واحدًا بعد الآخر على أنصار هذه «النظرية» يُفسِّروا لك السلوكين المتناقضين معًا بعُقدةٍ ما تُنفِّس عن مكبوتها تنفيسًا مباشرًا عند الشخص الأول، وتُنفِّس تنفيسًا فيه إعلاء عند الشخص الثاني؛ وإذَن فما زلنا نسأل: وكيف يكون السلوك في هذه الحالة على فرض بُطلان النظرية؟ لا جواب؛ وإذَن فالنظرية ينقصها كثير جدًّا لتبلغ الدقة العلمية بمعناها المُرتجی.٤

إننا في هذا الكتاب لا نطلب سوى أن يجيء كلام المتكلم مهما يكن موضوعه قابلًا للتحقيق العلمي، ما دام المتكلم قد تصدَّى للعالم الخارجي يتحدث عنه؛ فلسنا في الحقيقة نتشيَّع لرأي دون رأي في هذا العلم أو ذلك، وفي هذا المذهب الفلسفي أو ذلك، إلا إذا وجدنا أحد الرأيين مُحقَّقًا على نحوٍ علمي لم يتوافر مثله للرأي الثاني، ولا نُرخِّص للفيلسوف بما لا نُرخِّص بمثله للعالم الطبيعي؛ فكلاهما مسئول عن صواب فِكرته صوابًا تُمليه طبيعة اللغة نفسها التي لجأ كلاهما إليها للتعبير عن رأيه؛ فإذا ما قال لنا عالمٌ فلكيٌّ إن الأرض تدور حول الشمس بدليل كذا وكذا من شواهد الإثبات، طالبناه بأن يُبيِّن لنا ماذا تكون الحال إذا لم تكن الأرض تدور حول الشمس كما يدَّعي؛ كيف كانت أوضاع الظواهر الطبيعية لتتغيَّر لو لم تكن الشمس ثابتةً والأرض دائرةً حولها. وكذلك إذا قال لنا فيلسوف إن إلى جانب هذا العالم الطبيعي المليء بالجزئيات عالمًا آخر من كائناتٍ عقلية، سألنا السؤال نفسه: كيف كانت الأمور لتتغيَّر على فرض أن ليس هناك هذا العالَم العقلي المزعوم؟ فإذا لم يكن في وُسعنا قطُّ أن نتصوَّر وضعًا للحالة لو تحقَّق أبطلَ الرأيَ المتقدِّم، كان هذا الرأي مما لا يجوز عليه التحقيق العلمي؛ وبالتالي كان كلامًا بغير معنًى.

•••

موضوعنا في هذه الفقرة هو القضية الكلية وعلاقتها بالوجود الفعلي، أو هو على الأصح تحديد العلاقة بين القضية إذا لم تكن تعني فردًا جزئيًّا معيَّنًا وبين الوجود الفعلي؛ لأنه إذا كانت القضية تُحدِّد حديثها بفردٍ جزئي معيَّن لم يكن ثَمة إشكال؛ لأنها عندئذٍ ستُقابل الواقعة الخارجية المقصودة مقابلةً مباشرة؛ وبهذا يمكن تحقيقها بالمطابقة بين الجانبين؛ جانب اللغة من جهة، وجانب الواقع الشيئي من جهةٍ أخرى.

لكن الإشكال العسير هو كيف نتثبَّت من صِدق كلام هو بطبيعته غير محدَّد المعنى؛ أي إنه لا يقصد الإشارة إلى جزئي معيَّن من جزئيات الواقع العيني. ومن قَبيل هذا الكلام القضايا التي تتحدث عن فئة بأَسرها من الأشياء، مما يصح أن تُستخدم فيه كلمة «كل» أو «بعض» أو ما إليهما، مثل قولي «كل طائر له جناحان»، و«بعض النبات لا ينمو في المناطق الحارَّة». ومن قَبيل هذا الكلام غير المحدود المعنى أيضًا القضايا التي تتحدث عن فردٍ نكرة لا عن فردٍ مُعرَّف معلوم، كأن أقول: شخصٌ ما واقف أمام الباب. وسؤالنا هو: كيف يمكن التثبت من صدق أمثال هذه القضايا على حين أنها لا تقصد فردًا بعينه حتى نستطيع المقابلة بينها وبين الفرد المقصود في عالم الأشياء؟

أما القضايا العامة التي تصبُّ الحديث على «كل» أفراد فئة معيَّنة أو على «بعض» أفراد تلك الفئة، فأول ما نُلاحظه عليها هو أن حالتَيها هاتين (كونها تتحدث عن «كل» أو عن «بعض» أفراد فئةٍ ما) هما في الحقيقة وجهان لحالةٍ واحدة؛ فوجهٌ للإثبات ووجهٌ للنفي؛ وذلك لأن كل قضية مُثبَتة عن «كل» أفراد فئة معيَّنة يكون نفيُها بقضيةٍ سالبة عن «بعض» أفراد تلك الفئة. ويدخل في هذا أن نتحدث بالسلب عن فردٍ واحد من أفراد تلك الفئة؛ فإذا قلت عن الزُّجاج — مثلًا — إن «كل زجاج قابلٌ للكسر» أمكنَك أن تنفي هذا الإثبات الكلي بملاحظةٍ واحدة سالبة إذا وُجدت، بحيث تقول: «بعض الزجاج لا ينكسر.» وهكذا تكون قضايا «كل» وقضايا «بعض» نوعًا واحدًا من حيث طريقة الإثبات أو النفي؛ لأن أحدهما يؤدِّي حتمًا إلى الآخر، وابدأ من حيث شئت، ابدأ بقضية «كل» تجدها ممكنة التحويل إلى قضية «بعض»، أو ابدأ بقضية «بعض» تجدها ممكنة التحويل إلى قضية «كل»، على أنك إذا بدأت بالإثبات كان عليك أن تنتهي بالنفي، أو بدأت بالنفي كان عليك أن تنتهي بالإثبات؛ فإذا قلت عن الناس «إن كل إنسان فانٍ»، كان معنى هذا القول نفسه أن لا أحد من بني الإنسان متَّصِف بالخلود.

هذه القضايا العامة بنوعَيها، ما يتحدث منها عن «كل» وما يتحدث منها عن «بعض» أفراد فئةٍ ما، إثباتًا أو نفيًا، لا تقتضي أن يكون الموضوع الذي تتحدث عنه ذا وجودٍ فِعلي؛ فإذا قلت — مثلًا — «كل سارق في شبه الجزيرة العربية تُقطَع يده» لم يكن هذا القول بذاته دليلًا على أن هنالك سارقًا، إنما الأمر ينحلُّ في حقيقته إلى جملةٍ شرطية هي: إذا وُجد سارق قُطِعت يده. هذه نقطةٌ هامَّة لا أملُّ من تَكرارها غير معتذر للقارئ عن هذا التكرار؛ لأنها مِفتاحٌ رئيسي في التحليل الجديد؛ فما كل كلام يقتضي لمجرَّد وجوده أن يُقابله شيء في عالم الواقع، حتى القوانين العلمية — وهي من قَبيل الأحكام العامة — لا تقتضي بذاتها أن يكون هنالك في العالم الخارجي الظواهر التي تتحدث عنها؛ فقولنا عن الخشب إنه يطفو على الماء ليس دليلًا بذاته على أن هنالك في عالم الحوادث هذه الحالة، حالة قطعة من الخشب طافية على الماء، بل قد نكون حيث لا خشب ولا ماء، ومع ذلك نظلُّ نقول هذا القول عن الخشب إنه يطفو على الماء؛ لأن الأمر — كما أسلفنا — يرتدُّ إلى عبارةٍ شَرطية هي: «إذا وُجدت قطعة من الخشب وأُلقيَ بها في الماء فإنها تطفو.»

وقد غابت هذه الحقيقة عن أرسطو نفسه، فتراه في منطقه يُجيز أن يستدلَّ الوجود الفعلي لأحد أفراد فئة معيَّنة من قضية كلية عن كل أفراد تلك الفئة؛ فإذا قلنا إن كل إنسان فانٍ، جاز لنا — في رأيه — أن نستدلَّ من هذه القضية الكلية إن كانت صادقةً صِدقَ قضيةٍ أخرى تقول عن سقراط إنه فانٍ، فما ينطبق على الكل ينطبق على كل جزء منه. وموضع المُغالَطة هنا هو افتراض الوجود الفعلي لما تدل عليه القضية الكلية، مع أن هذه القضية الكلية قضيةٌ شَرطية لا تستلزم بالضرورة الوجود الفعلي لمضمونها، وذلك على خلاف القضية التي تتحدث عن فرد واحد معيَّن مثل سقراط، فها هنا لا يجوز الحديث من الناحية المنطقية إلا إذا كان للفرد الذي هو موضوع الحديث وجودٌ فِعلي؛ وإذَن فلا يجوز استدلال حديث عن فرد معيَّن مَقضي عليه بالوجود الفعلي من جملةٍ كلية هي في حكم العبارة الشَّرطية التي لا تستلزم لموضوعاتها وجودًا فعليًّا.

إنه لو كانت القضايا العامة تتضمَّن الوجود الفعلي لموضوعاتها، لَنَتج عن ذلك مُغالَطات لا حصر لها في منطق القياس الأرسطي. وخذ لذلك مثلًا قیاسًا من الشكل الثالث مقدِّمتاه هما: الأُفعوان من صنوف الحيوان، والأُفعوان يزفر اللهب؛ إذَن فبعض صنوف الحيوان يزفر اللهب. هذا قياسٌ صحيح من وجهة النظر الأرسطية، لكن وجه الخطأ فيه إنما يظهر حين نفهم العبارات الكلية على حقائقها المنطقية، وهي أنها عباراتٌ شَرطية لا تقتضي الوجود الفعلي؛ وإذَن فنحن هنا بمثابة من يقول: إنه إذا كان هنالك أفعوان فهو يدخل في عِداد الحيوان، ثم إذا كان هنالك أفعوان فهو يزفر اللهب، ومن هذين القولين الشرطيَّين لا يجوز أن أستدل نتيجةً تُشير إلى وجودٍ فِعلي بأي وجه من الوجوه.

ويَجمُل بنا في هذا السياق أن نقول عن ليبنتز إنه حاوَل أن يُنسِّق منطقًا رياضيًّا شبيهًا بما قد نجح في تنسيقه «رسل» وغيره من المعاصرين، لكنه في الوقت نفسه كان شديد الاحترام للمنطق الأرسطي، فكان كلما تناوَل القياس من الشكل الثالث — كالمَثل الذي سُقناه الآن — لمس فيه هذه المُغالَطة التي أشرنا إليها، فكان يعود إلى العمل من جديد، دون أن يطوف بباله أن القياس الأرسطيَّ يمكن أن يكون موضعًا لخطأ ومصدرًا لمُغالَطات، «وذلك وحده يُعلِّمك ألا تُسرِف في تقديرك لنوابغ الرجال».٥

٣

قطبُ الرَّحى في عِلمنا بالعالم الخارجي هو الإدراك الحسي للواقعة التي بها تتحقَّق القضية التي نكون بصدد تحقيقها؛ فإن كانت هذه القضية تتحدث عن فردٍ جزئي معیَّن محدَّد بنقطة من مكان ولحظة من زمن، كان تحقيقها معتمِدًا على إدراكنا لهذا الفرد الجزئي الذي تُحدِّثنا عنه القضية لكي نستيقن من صِدقها برجوعنا إلى الأصل الحسي الذي جاءت لتحكي عنه، أما إن كانت العبارة المُراد تحقيقها لا تتحدث عن فرد بذاته، كأن تكون عبارةً كلية تتحدث عن فئة بأَسرها من الأفراد أينما وُجِد هؤلاء الأفراد مكانًا وزمانًا، لم تكن تلك العبارة في حقيقة أمرها قضيةً بالمعنى المنطقي لهذه الكلمة؛ لأنها في هذه الحالة لا تكون بذاتها ممكنة التحقيق إلا بعد تحويلها إلى قضايا جزئية فردية تتحدث كلٌّ منها عن كائنٍ واحد؛ فالعبارة الكلية هي باصطلاح المنطق الحديث «دالة» قضية؛ أي هي عبارة فيها ثغرة شاغرة أو رمز لمجهول، ولا تتحول إلى قضية إلا بعد ملء هذه الثغرة فيها؛ أي بعد أن نستبدل بالرمز المجهول الدلالة رمزًا معلوم الدلالة؛ وعندئذٍ يكون تحقيق هذه القضية الأخيرة بالرجوع إلى أصلها الحسي؛ وإذَن فالاعتماد على الحس هو وسيلة التحقيق إما بطريقٍ مباشر في حالة القضية الفردية، أو بطريقٍ غير مباشر في حالة العبارة الكلية التي لا بد من تحويلها — بُغيةَ تحقيقها — إلى مجموعة من قضایا فردية.

وما دُمنا نجعل الإدراك الحسي للواقعة الجزئية أساسنا الأخير، فلا بد لنا هنا من كلمة عن الإدراك الحسي نفسه، كيف يكون في ذاته مبرِّرًا كافيًا للوثوق من أن الواقعة المُدرَكة عن طريقه موجودة وجودًا فعليًّا وقائمة في دنيا الأشياء؟ ها أنا ذا أُدرك بالحس قلمًا بين أصابعي، فإذا قلت «إن بين أصابعي قلمًا» عدَدت هذا القول صوابًا؛ لأنه يحكي عن واقعةٍ حسية أُدركها بالحواس، وسؤال الفلاسفة في هذه الحالة هو: وما الذي يُبرِّر لك أن تجعل الإدراك الحسي وسيلةً مأمونة في تبليغك عما هو قائم في العالم الخارجي؟ والحق أن الإنسان — فيما يبدو — يُجيز لنفسه في حالاتٍ كثيرة من حياته العقلية أن يقفز إلى نتائج لا تُبرِّرها له المعلومات التي بين يديه؛ فليس الأمر مقصورًا على استدلاله وجود شيء في الخارج ما دام قد وجد عنده «إحساسًا» معیَّنًا، بل هنالك مجموعة أخرى من الحالات العقلية الشبيهة بحالة الإدراك الحسي في وُثوبها الظاهر من معلوم إلى مجهول؛ فشبيه بانتقالي من المُعطَيات الحسية إلى الحكم بوجود الأشياء الخارجية، انتقالي من خبرة نفسية أُمارسُها الآن إلى حوادث أقول عنها إنها قد حدثت في الماضي؛ فها أنا ذا — مثلًا — أستحضر أمام ذهني لقاءً تمَّ بيني وبين صديق وحوارًا دار في ذلك اللقاء، هذا كل ما لديَّ الآن؛ خبرةٌ نفسية من نوعٍ معيَّن، لكنني أُجاوز ما لديَّ لأقول إن هذه الخبرة الراهنة «تذكُّر» لحادثٍ مضى. وشبیه به أيضًا أن أرى سلوكًا معيَّنًا لشخص أُشاهده فأقول إن هذا الشخص غاضب، فكأنما انتقلت مما أراه إلى ما لست أراه، من وضعٍ خاص في ملامح وجهه إلى خبرةٍ نفسية في جوفه، بل شبيه به كذلك انتقالنا — في البحث العلمي — من حالاتٍ جزئية نُشاهدها في المعمل إلى قانونٍ عام، مع أننا لا نشهد إلا تلك الحالات الجزئية، أما «القانون» فلا يقع لنا في خبراتنا الحسية ذاتها. كل هذه أمثلةٌ مختلفة لمشكلةٍ منطقية واحدة، وهي: ماذا يُبرِّر لنا أن نُجاوز الخبرة التي نُمارسها فعلًا إلى ما ليس منها؟ والظاهر أننا لو حلَّلْنا المشكلة في إحدى مظاهرها، كان ذلك بمثابة حلها أيضًا في سائر المظاهر.٦

وفي محاولة حل هذه المشكلة في شتَّى جوانبها، يختلف الفلاسفة باختلاف مذاهبهم:

فهنالك — أولًا — جماعة الشُّكَّاك، وخلاصة الرأي عندهم هي أن ثَمة فجوةً بین خبرتي النفسية الراهنة في اللحظة الحاضرة وبين ما هو خارجها، وهي فجوة لا محيص عن قيامها بين الطرَفَين؛ فإحساسي بهذا القلم الذي بين أصابعي الآن هو «إحساس» — أي إنه خبرةٌ نفسية أُمارسها الآن — وليس هو القلم الخارجي الذي يَشغل مكانًا وتطرأ عليه الحوادث في لحظات الزمن، كل ما لديَّ هو «إحساس»، وليس عندي أبدًا ما يُبرِّر لي أن أقفز من هذا «الإحساس» الداخلي إلى «قلم» أقول عنه إنه موجود وجودًا فعليًّا. وقُل هذا أيضًا بالنسبة لما نزعمه عن حوادث الماضي؛ فليس «الماضي» باعتباره ماضيًا هو الصورة الذهنية الحاضرة أمامي الآن عنه، فكل ما لديَّ هو هذه الصورة، وليس عندي ما يُبرِّر لي أن أُجاوزها لأقول إن لهذه الصورة أصلًا مضى زمن حدوثه. وكذلك قُل في زعمنا الذي نبني عليه قوانيننا العلمية كلها، وهو أن هذه القوانين التي تُصوِّر ما قد وقع فعلًا ستنطبق كذلك في المستقبل الذي لم يقع بعد. إن هذا المستقبل لم يكن في خبرتي؛ ولذلك فلا يجوز لي أن أمدَّ حُكمي إليه، وكذلك حُكمي على ما يدور في أنفُس الآخرين بناءً على ما أشاهده من سلوكهم، فهذا السلوك الظاهر كما يقع لي في حسِّي هو كل ما عندي، وليس ثَمة ما يُبرِّر لي أن أُجاوز نِطاقه لأقول إن هنالك جسدًا خارجيًّا يسلك هذا السلوك، فضلًا عن أن أحكم أن وراء ذلك الجسد المزعوم نفسًا تُمارس الغضب أو الخوف أو غيرهما من الحالات النفسية. ذلك هو موقف الشكاك؛ فهم لا يرَون مُبرِّرًا يُجيز للإنسان أن يعدو ما عنده إلى ما ليس عنده، وأن يُجاوز خبرته التي مارَسها فعلًا إلى ما ليس جزءًا من تلك الخبرة؛ فلا حق له في الحكم بوجود المحسوسات الخارجية بناءً على حسِّه، ولا في الحكم بوقوع حوادث الماضي بناءً على خبرةٍ نفسية راهنة، ولا في الحكم بانطباق القانون العلمي على المستقبل على أساس انطباقه الآن، ولا في الحكم بوجود أجساد الآخرين فضلًا عمَّا يدور فيها من حالاتٍ نفسية على أساس ما يظن أنه يراه من سلوكهم، إننا — من وجهة نظر الشكاك — مُحال علينا أن نعرف شيئًا فيما عدا ما نُمارسه بأنفسنا الآن ممارسةً ذاتية.

إننا لا نُقرُّ الشكاك على وجهة نظرهم هذه؛ فهم يرَون أن بين الذات العارفة والشيء المعروف فجوةً يستحيل عبورها، وفي الوقت نفسه لا سبيل — في رأيهم — إلى معرفة الشيء المطلوب معرفته إلا إذا استطاعت الذات أن تَعبر تلك الفجوة الفاصلة بينها وبين ما تريد أن تعرفه؛ نقول إننا لا نُقرُّ الشكاك على رأيهم هذا؛ لأنهم — لكي ينتهوا إلى ما انتهَوا إليه — تمسَّكوا بالاستدلال الاستنباطي وحده منهجًا لهم، على حين أن المواقف التي طبَّقوا عليها هذا المنهج لیست مما يُعالَج به؛ ذلك أنهم أرادوا في كل حالة من الحالات العقلية أن يتَّخذوا من الحالة النفسية الراهنة في اللحظة الحاضرة مقدمة، ثم أرادوا ألا يُسلِّموا بشيء إلا إذا ظهر أنه نتيجةٌ لازمة عن تلك المقدمة؛ فلديَّ الآن — مثلًا — «إحساس» بلونٍ معيَّن وصلابةٍ معيَّنة، وهذا الإحساس هو بضاعتي النفسية كلها في هذه اللحظة القائمة، فلْأتخذ منها مقدمة ثم أحاول أن أستنبط منها نتائجها، فهل ينتج عن الإحساس باللون حتمًا أن يكون الشيء المُلوَّن كائنًا في الخارج؟ هل ينتج من الإحساس بالصلابة حتمًا أن يكون الشيء الصلب قائمًا هناك ذا وجود مستقل عنِّي وعن إحساسي؟ إن هذه نتائج لا تلزم حتمًا عن المقدمة المفروضة؛ وإذَن فلا مناص من التشكك في أن يكون الشيء ذو اللون والصلابة موجودًا وجودًا فعليًّا؛ أقول إن الشُّكَّاك يريدون أن يستدلُّوا استنباطًا، وإلا فالنتائج في رأيهم لا تكون جديرةً بالتسليم؛ فلماذا لا يجعلون «الاستقراء» لا الاستنباط منهجهم ما دام الموقف يتطلَّب ذلك؟ نعم إن «الإحساس» باللون لا يدل حتمًا على أن «الشيء المُلوَّن» موجود في الخارج؛ بدليل أننا كثيرًا ما نتوهَّم وجود أشیاء ثم يَثبت لنا أن ليس لها وجود، ولكن لماذا نُصرُّ على حتمية ويقين حيث لا حتمية ولا يقين؟ لماذا لا نُقيم الاستدلال على أساس الاحتمال المُرجَّح ما دام الاحتمال هو كل ما أستطيعه؟ إنني إذا «أحسست» كأنما ألمس شيئًا صلبًا، فالأرجح جدًّا — كما تدلُّ خبرتي الماضية — ألا يكون ذلك الإحساس وهمًا، وأن يكون الشيء الصلب هناك فعلًا، وحسبي هذا الترجيح لأتصرَّف على أساسه؛ فليس من المنطق في شيء أن يُطلَب اليقين حيث لا يقين، وأن يُستخدم الاستنباط وحده حيث لا يُجدي الاستنباط شيئًا، لكن لموقف الشُّكَّاك هذا حسنة لا نجحدها عليهم، وهي أنهم بوضعهم للمشكلة على الصورة التي وضعوها قد أبرزوا معالمها وأوضحوا جوانبها، حتى لَنهتدي بها في فهمِ وجهات النظر الأخرى.

فمن وجهات النظر الأخرى في مشكلة الإدراك الحسي وهل يُبرِّر لصاحبه أن يُقرِّر وجود الشيء المُدرَك أو لا يُبرِّر، وجهة نظر الحدسيِّين الذين يسدُّون الفجوة التي أشار إليها الشُّكَّاك وقالوا عنها إنها قائمة بين المُدرِك والمُدرَك، وإنها في الوقت نفسه مستحيلة العبور؛ يسدُّ الحدسيُّون هذه الفجوة، فلا فاصل عندهم بين الذات المُدرِكة والشيء المُدرَك بالحس؛ لأن تلك الذات إنما تمسُّ الشيء المدرَك مسًّا مباشرًا. وقُل هذا في شتَّى الحالات الإدراكية كلها؛ فما الذي أدراني — مثلًا — أن لصديقي هذا الذي يجلس بجسده إلى جواري ذاتًا كذاتي؟ لماذا لا أقول عنه إنه قطعة من اللحم مُتحركة لا أكثر ولا أقل؟ وما الذي أدراني بوجود ذاته مع أن الجسم وحده لا يكفي مقدمةً أستدلُّ منها وجود شيء وراءه كالذات وما إليها؟ يُجيب الشُّكَّاك أنك لا تدري من ذلك شيئًا، ويُجيب الحدسيون جوابًا آخر؛ إذ يقولون إنك تُدرك ذات صاحبك إدراكًا مباشرًا، وليس الأمر بحاجة إلى مقدمات نستدلُّ منها نتائج. ما الذي أدراني أن الصورة الذهنية الحاضرة أمام ذهني الآن تُشير إلى حوادث مضت؟ ها أنا ذا «أذكر» سطرًا قرأته في كتاب للعقاد، لكن هذا التذكر حالةٌ نفسية راهنة، فكيف أستدلُّ ماضيًا من حاضر؟ يُجيب الشُّكَّاك أن ليس ذلك في وُسعك؛ لأن المقدمة هنا لا تحتوي على النتيجة، وأما الحدسيون فجوابهم هو أنك تُدرك ذلك إدراكًا مباشرًا، ولا مقدمة هناك ولا نتيجة. ها أنا ذا أُشاهد حالاتٍ جزئيةً لظاهرةٍ ما، فكيف يُتاح لي أن أستدلَّ قانونًا عامًّا من مُشاهَداتٍ كلها جزئية، ثم كيف يُتاح لي أن أصرف هذا القانون إلى المستقبل على حين أنه حصيلة مشاهدات ماضية وحاضرة؟ يُجيب الشُّكَّاك بأن ذلك ليس في مُستطاع الإنسان، وكل قانون عام مشكوكٌ في صوابه، وأما الحدسيون فيرَون العامَّ في الجزئي رؤيةً مباشرة.

وكما أننا لم نأخذ برأي الشُّكَّاك، فكذلك لا نأخذ برأي الحدسيين؛ لأنهم يحلُّون المشكلة بإنكارها؛ فهم في الحقيقة بمثابة من يرفض الاشتراك في اللعب بدل أن يُسهِموا في اللعبة بنصيب. ها هو ذا كتابٌ مفتوح أمامي، أنظر إليه فأراه بما خُط على صفحتَيه المفتوحتين من ترقيماتٍ سوداء، وليس يُنكِر هذه الرؤيةَ إلا مُكابرٌ مُتعنِّت عقيم، وإني لأرى الكتاب أمامي رؤيةً «مباشرة»؛ بمعنى أني أراه هو نفسه لا صورته في المرآة ولا انعكاسه على سطح المكتب الزجاجي؛ فإن كان الحدسيون يریدون هذا المعنى الدارج للرؤية المباشرة، فليس منَّا من يُنكره عليهم، ولكننا في البحث الفلسفي للإدراك الحسي لا نقصد إلى هذا المعنى الدارج بكلمة «المباشرة»، بل نُفرِّق بين الشيء كما هو قائم في الخارج، وبين انطباعه على الحاسَّة، ونسأل بعد ذلك ما الذي يُتيح لي أن أنفُذ خلال انطباعي الحسي — وهو كل بضاعتي — بحيث أتناول بعلمي شيئًا هو أصل لهذا الانطباع الذي عندي؟ ولو أراد الحدسيون أن يلغوا وجود الانطباع الحسي ليقولوا إننا نمسُّ الشيء المدرَك مسًّا مباشرًا، كانوا بذلك لا يتنكَّرون للدقة الفلسفية وحدها، بل يتنكَّرون كذلك لما يُقرِّره العلم بوظائف الأعضاء. الحق أن الشُّكَّاك مُتطرِّفون في ناحية والحدسيين مُتطرِّفون في الناحية الأخرى، أولئك يقفون عند مُعطاهم الحسي ويرفضون أن يُجاوزوه إلى ما عداه، وهؤلاء يُنكرون أن يكون لهذا المُعطی الحسي وجود، ولا يجعلون بينهم وبين الشيء الخارجي مثل هذه الحلقة الوسطى؛ فإن كان الشُّكَّاك قد عابهم شيء من التقتير والتزمُّت، فالحدسيون يعيبهم شيء من التبذير والإسراف.

وهنالك للأمر وجهة نظر ثالثة، لا هي تُزيل المُعطى الحسي كما يُزيله الحدسيون حتى لا يكون ثَمة حاجز بين الذات المُدرِكة والشيء الخارجي المُدرَك، ولا هي تعترف بوجوده، لكنها — كما يفعل الشُّكَّاك — تُنكِر إمكان التسلل خلاله لإدراك ما هو قائم خارج حدوده، بل هي تجعل «الغائب» مُساويًا ﻟ «الحاضر»؛ ففي الإدراك الحسي يكون الشيء الخارجي المدرَك هو نفسه مجموعة مُعطياته الحسية بعد تركيبها في الداخل تركيبةً عقلية؛ فلديَّ من هذا القلم الذي أكتب به مُعطًی حسيٌّ عن لونه ومُعطًى آخر عن صلابته، ومُعطًى ثالث عن شكله الأسطواني المستطيل، وهكذا، وليس كل مُعطًى من هذه المُعطَيات على حِدَة هو «القلم»، بل القلم هو مجموعة المُعطَيات تأتيني فُرادى عن طريق الإدراك الاتصالي المباشر، فأبني منها مركَّبًا منطقيًّا عن طريقه أعرف «القلم» معرفةً بالوصف (باصطلاح رسل). وهكذا قُل في شتَّى الحالات الإدراكية التي تشكَّك الشُّكَّاك في إمكان قيامها، فكيف يُتاح لي — مثلًا — أن أستخلص عبارةً كلية من معلوماتٍ جزئية، مع أن هذه المعلومات الجزئية محدودةٌ معيَّنة، على حين أن العبارة الكلية مُطلَقة المعنى؟ يُجيب الشُّكَّاك — كما رأيت — أن ذلك مُحال عليك، ونصيبك محدود بالجزئية الواحدة التي تُدركها إدراكًا مباشرًا. ويُجيب الحدسيون — كما رأیت أيضًا — أن ذلك يكون بالرؤية المباشرة لما هو عامٌّ خلال الجزئي الواحد. ويُجيب أصحاب هذه النظرة الثالثة — وهم فريق الظاهريِّين — بأن العبارة الكلية هي نفسها مُحصلة مُعطياته الحسية. كيف يجوز لي أن أستدلَّ مشاعر صاحبي من ملامح وجهه وسلوك بدنه؟ يُجيب الشُّكَّاك باستحالة ذلك، ويُجيب الحدسيون بأن ذلك الإدراك للمشاعر يأتي عن طريقٍ مباشر، شأنه شأن إدراك الملامح نفسها وحركات السلوك ذاتها، وأما الظاهريون فيجعلون إدراك المشاعر هو نفسه مُحصلة إدراك تغيُّرات الملامح وحركات السلوك؛ أي إن ذلك الإدراك هو حاصلُ جمع هذه الظواهر وليس إدراكًا لشيءٍ آخر يتمُّ «خلال» هذه الظواهر. كيف يُتاح لي أن أعرف شيئًا عن الماضي مع أن كل ما بين يديَّ إدراكاتٌ حاضرة؟ جواب الشُّكَّاك أن ذلك مُحال، وجواب الحدسيين أن إدراك الماضي إدراكٌ مباشر وليس «نتيجة» تُستدلُّ من الحاضر، وأما الظاهريون فلا يجعلون فرقًا بين الحالتَين؛ فكل قضية تقول شيئًا عن الماضي يُمكن ترجمتها إلى قضيةٍ أخرى مضموناتها إدراكاتٌ حاضرة. وهكذا ترى أنه بينما يُقرِّر الشُّكَّاك قيام فجوة بين الذات المدرِكة والشيء المدرَك، مع تقريرهم أن عبور هذه الفجوة فوق المستطاع، فإن الحدسيين والظاهريين معًا يتَّفقون على محو هذه الفجوة وإزالتها، ثم يختلفون فيما بينهم بعد ذلك على وسيلة ذلك، أما الحدسيون فيُزیلونها بإنكار وجودها بين الذات المدرِكة والشيء المدرَك، بحيث يدرك الإنسانُ الشيءَ الذي يدركه مباشرةً، وأما الظاهريون فيُزيلونها بأن يجعلوا الشيء المدرَك هو نفسه مجموعة معطياته.

وهنالك وجهة نظر رابعةٌ تجعل — كما يجعل الشُّكَّاك — فجوةً بين الذات المدرِكة والشيء المدرَك، لكنها — على خلاف الشُّكَّاك — تجعل عبور هذه الفجوة في حدود المستطاع؛ فليس الشيء الخارجي — كهذا القلم مثلًا — هو هو نفسه مُعطياته الحسية في عيني وعلى أصابعي، بل هو «شيء» قائم وحدَه هناك، يبعث الرسائل إلى حواسِّي ويُعطي الحواسَّ ما يُعطيها من «مُعطَيات»؛ أي إنه لا بد من الاعتراف بوجود مصدر للمُعطَيات الحسية، وذلك المصدر هو علة انبعاثها، وعلى هذا الأساس نفسه تستطيع أن تُفسِّر الحالات الإدراكية الأخرى؛ فكيف أعلم أن لصاحبي عقلًا وراء سلوكه الظاهر؟ الجواب هو أنك تعلم ذلك بعمليةٍ استدلالية تقوم على أساس «التمثيل»؛ فكما أن لي سلوكًا يُشبه سلوك صاحبي، وكما أن سلوكي هذا مُنبعِث عن عقل، فلا بد كذلك أن يكون سلوك صاحبي مُنبعِثًا عن عقلٍ وراءه. وكيف أعلم أنه قد كان هنالك ماضٍ مع أن كل ما لديَّ حاضر؟ الجواب هو أن ذلك يتم عن طريق الاستدلال الاحتمالي لا اليقيني؛ فالأثر الحاضر قد يدل على حدثٍ وقع في الماضي، لكن الدلالة هنا ليست «استنباطية»؛ أي إن النتيجة ليست محتواة في مقدمتها، بل هي استقرائية؛ ولذلك فهي احتمالية. كيف أستدل القانون العام من مشاهداتٍ جزئية؟ الجواب هو أن ذلك أيضًا استدلال استقرائي احتمالي، فمما قد شاهدت أُرجِّح أن حوادث المستقبل ستجيء على نفس الصورة المطَّرِدة التي شاهدتها. وليس الاستدلال هنا أيضًا يقينيًّا؛ لأن المستقبل ليس كائنًا في جوف الحاضر والماضي، بل قوامه حوادث جديدةٌ وحالات جديدة، لكني مع ذلك أستدل الصورة التي ستقع عليها هذه الحوادث والحالات على سبيل الترجيح، اعتمادًا على فرض أرجِّحه أيضًا، وهو أن ظواهر الطبيعة تسير على اطِّراد.

وموقفنا نحن الوضعيين المنطقيين إزاء هذه الإجابات الأربع هو موقفٌ يُوحِّد بين الإجابتَين الثالثة والرابعة، ويرفض الإجابتَين الأولى والثانية؛ فالسؤال المطروح هو: ما الذي يُبرِّر لي أن أحكم بناءً على إدراكي الحسي أن الشيء المدرَك موجود وجودًا فعليًّا في الخارج؟

وفي اختلاف الآراء إزاء هذا السؤال، نتَّخذ لنا موقفًا نبنيه على اللغة ودلالاتها جريًا على مبدئنا الأساسي، وهو أن عمل الفلسفة تحليل للقضايا والعبارات تحليلًا منطقيًّا؛ فكأنما السؤال يتحوَّر بين أيدينا إلى هذه الصورة: ماذا نعني بعبارة تُقرِّر شيئًا عن مُدرَك حسِّي، كهذه العبارة مثلًا: «هذا القلم أسود»؟ لو أنك ألقيت هذا السؤال على مُتشكِّك لأجابك بأنه لا يدري لهذه العبارة معنًى؛ لأنه لا يستطيع الخروج إلى معناها — وهو القلم المُلوَّن — بحيث يُدركه إدراكًا مباشرًا كما هو قائم فعلًا؛ فقد تكون هذه العبارة دالة على واقعة مُسمَّاة قائمة في الخارج، وقد لا تكون دالة على شيء من هذا. ولو ألقيتَه على حدسيٍّ لأجابك بأن هذه العبارة تعني شيئًا أدركه إدراكًا مباشرًا. ونحن الوضعيين المنطقيين نرفض هاتين الإجابتين؛ نرفض إجابة المتشكِّك لأنها خاوية لا يترتب عليها علم ولا سلوك، ونرفض إجابة الحدسي لأن صوابها ذاتي معتمِدٌ على نفسه هو وحده، فلا سبيل هناك إلى فضِّ النزاع إذا ما نشب نزاعٌ بينه وبين من يدَّعي له أنه لا يدرك هذا الذي يُدركه الحدسيُّ بحدسه إدراكًا مباشرًا، ونحن حريصون على أن يكون هنالك جانبٌ موضوعي من المعرفة يلتقي عنده مختلف الأفراد حتى يمكن قيام العلم المشترك.

وماذا لو ألقيت هذا السؤال على ظاهريٍّ مذهبه أن كل ما لديه من الشيء هو مُعطياته الحسية؟ إنه سيُجيبك بأن معنی عبارتك هذه «هذا القلم أسود» هو مُحصلة مضامين حسية؛ فثَمَّة ضغطةٌ على الأصابع وثَمَّة انطباعةٌ على العين، وهذه الانطباعة وتلك الضغطة يمكن وصفهما في شيء من التفصيل بحيث تكون مجموعة التفصيلات — وكلها مُشير إلى المُعطيات الحسية — هي المعنى المُراد بالعبارة المذكورة. وإلى هذه الإجابة يُضيف أنصار وجهة النظر الرابعة أن هنالك أمام المُعطَيات الحسية التي يقول بها الظاهريون «شيئًا» أعطاها، فلا مُعطًى بغير مُعطٍ، والمُعطي هو «الشيء» الخارجي الذي هو السبب، والمُعطَيات مُسبِّب له؛ وإذَن فمعنى العبارة «هذا القلم أسود» هو عند هؤلاء: «هنالك في العالم الخارجي شيء تنبعث عنه حادثات؛ فمنها ما يمسُّ العين فيكون لونًا أُسمِّيه أسود، ومنها ما يلمس الأصابع فيُحدِث إحساسًا بصلابة تُشعِرني بوجود شيء أنسب إليه اللون الأسود الذي رأته عیني.»

وموقفنا نحن الوضعيين المنطقيين هو أن لا تنافر بين هاتين الإجابتين الأخيرتين؛ فالمجموعتان اللفظيتان وإن اختلفتا في التفصيلات إلا أنهما تَعنیان واقعةً واحدة معيَّنة لا سبيل إلى الاختلاف عليها. ولتوضيح ذلك، افرض أن شخصين رأيا طائرًا، فقال عنه أحدهما إنه حمامة، وقال الآخر بل هو يمامة، فها هنا قد يُراجع أحدهما الآخر في نوع المُعطَيات الحسية التي أُعطيَها كلٌّ منهما، فيقول الواحد للآخر: هل ما تری هو بقعةٌ لونية من النوع الفلاني؟ فيُجيبه هذا بالإيجاب، فيسأل من جديد: وهل المنقار الذي تراه لونه كذا وشكله كيت؟! فيُجيبه بالإيجاب أيضًا، وهكذا حتى يتَّفقا على كل تفصيلات الواقعة المدرَكة، فيقول أحدهما: ولكن هذا هو ما أُسمِّيه حمامة. ويقول الآخر: ولكني أُسمِّيه يمامة. فهل يكون الاختلاف بينهما أكثر من اختلاف على التسمية دون الشيء المُسمَّى؟ وهكذا يكون الأمر بين من يقول إن ما أدركه من هذا القلم مُعطَياته الحسية، وهذه المعطيات هي كل ما هنالك، وبين من يقول إن ما أدركه من هذا القلم هو معطياته الحسية، لكن هنالك قلمًا هو الذي يُعطي هذه المُعطَيات، لا اختلاف بين هذين الشخصين إلا في الكلمات التي يستخدمها كلٌّ منهما في الوصف دون أن يكون هذا الاختلاف اللفظي ذا أثر على اتفاقهما من حيث الحقيقة المدرَكة؛ فكلٌّ منهما يستطيع أن يبنيَ سلوكه على إدراكه بحيث لا يجد أحدهما في إدراكه ما يقتضي سلوكًا يختلف عمَّا يجد الآخر في إدراكه.

وإذَن فلو قيل لنا: ما معنى العبارة القائلة: «هذا القلم أسود»؟ كان جوابنا أن معناها هو حصيلة المضمونات الحسية التي تدل عليها ألفاظها، ولكن كل مضمون حسِّي — كاللون الأسود — تُقابله مجموعة من الحوادث الخارجية، هي في هذه الحالة موجاتٌ ضوئية ذوات طول معيَّن؛ وإذَن فمعنى العبارة السالفة ذو جَناحَین؛ جناح هو المضمون الحسِّي كما يختصُّ به كل فرد مُدرِك له، وجناح آخر هو الحوادث التي تُقابل ذلك المضمون الحسِّي كالموجات الضوئية التي يُمكن لأطوالها أن تُقاس؛ فإذا قلنا عن هذه الحوادث الخارجية المُصاحِبة لإدراكنا الحسِّي إنها الإطار الذي مضمونه وفحواه هو ذلك الإدراك، كان للعبارة السالفة من حيث معناها جانبان؛ إطار ومضمون. ولمَّا كان الإطار هيكلًا من علاقات، ولمَّا كانت العلاقات أبعادًا — مكانية أو زمانية — يُمكن قياسُها قياسًا كمیًّا، كان هو المعنى العلمي للعبارة.

٤

ومهما يكن من أمر، فكل عبارة نقولها لنُقرِّر بها شيئًا مما يقع في العالم — خارج الحاضرات الذهنية التي تكون راهنة في التيار الوجداني لذواتنا الشاعرة — فهي عبارة «نقفز» بها مما نُدركه في ذواتنا إدراكًا مباشرًا إلى ما لسنا نُدركه إلا بطريقٍ غير مباشر؛ أعني أن مثل هذه العبارة لا يكون نتيجةً استنباطيةً لازمة بالضرورة عن عبارةٍ أخرى نُعبِّر فيها عن خبراتنا الذاتية؛ فإذا رأيت لونًا أسوَد، وقلت تعبيرًا عن هذا الذي تنطبع به حاسَّتي الذاتية «أرى لونًا أسود»، فمن هذه العبارة وحدها لا أستطيع أن أستنبط استنباطًا قياسيًّا ضروريًّا يقينيًّا بأن ثَمة موجات ضوئية طولُ الواحدة منها كذا وهي التي سبَّبَت إدراكي للَّون الأسود، لا أستطيع ذلك؛ لأن الموجة الضوئية ذات الطول المعيَّن شيء، وإدراكي للَّون الأسود شيءٌ آخر … ومعنى ذلك كله هو أن كل عبارة «أقفز» بها مما أُدركه بذاتي إلى ما لست أدركه مباشرة، هي صواب على سبيل الاحتمال لا على سبيل اليقين، ويبقى بعد ذلك أن نعلم درجة احتمالها، حتى إذا ما كانت عالية الدرجة الاحتمالية، عدَدْناها صوابًا؛ مما يُمكن أن نُرتِّب عليه سلوكًا نُرجِّح له أن يَبلُغ بنا في الدنيا العملية ما نريد أن نَبلغه.

ومما يتصل بهذا الموضوع نفسه تلك المشكلة التي ما ينفكُّ الفلاسفة في العصر الحديث كله يُثيرونها، وهي ما يُسمُّونه بمشكلة الاستقراء، ويريدون بها البحث في المُبرِّرات التي تُجيز للعالِم الطبيعي أن يستدل قانونًا عامًّا ينصرف إلى المستقبل، مع أن عِلمه كله مُنحصِر في أمثلةٍ جزئية شاهدَها في الماضي، فكيف يجوز له أن يقفز من المحدود إلى المُطلَق؟ إذا كان الذي قد شاهدَه هو حالات جزئية هي «س١ هي ص١»، و«س٢ هي ص٢»، و«س٣ هي ص٣» … إلخ، فكيف أمكنَ أن يُجاوز نطاق هذه الحالات المحدودة بظروفها المكانية والزمانية إلى قوله «كل س هي ص» مهما يكن مكانها وزمانها؟ إن في هذا الحكم الجديد إضافةً أُضيفت إلى المقدمات، والسؤال هو: ما الذي يُبرِّر لنا أن نُضيف هذه الإضافة التي لم نستند فيها إلى الخبرة؟ تلك هي المشكلة التي طرحها هيوم، وقرَّر فيها أن المقدمات الاستقرائية مهما راكمت منها أُلوفًا على ألوف، فهي لا تُبرِّر أن تنتهي منها إلى نتيجةٍ مُطلَقة بحيث نصف تلك النتيجة بالضرورة واليقين؛ لأن تلك المقدمات مهما بلغ عددها فهي مُغترَفة من خبرات الماضي، أما النتيجة فيُراد بها أن تنصرف إلى المستقبل؛ وإذَن فلا بد لافتراض الصدق في النتيجة من افتراض أن المستقبل سيأتي على غِرار الماضي، ومن تناقُض القول أن ندَّعي أن مثل هذا الزعم عن حوادث المستقبل مُنتزَع من الخبرة؛ إذ المستقبل لم يأتِ بعدُ حتی تُمدَّنا الخبرة بشيء عنه؛ وإذَن فلا مندوحة لنا عن الاعتراف بأن النتيجة المعتمِدة على مقدمات استقرائية تجريبية إذا وُصفت بالصدق، فذلك على سبيل الاحتمال لا اليقين، ولا يكون اليقين إلا لنتيجة لا تزيد على تحليل لِما هو مُتضمَّن في مقدماتها. وبعبارةٍ أخرى لا يكون اليقين إلا لنتيجة نَصِل إليها عن طريقٍ استنباطي نعتصر فيه النتيجة من المقدمات، كما نفعل في العلوم الرياضية مثلًا. وأما في العلوم الطبيعية حيث البحث قائم على تجارِب ومشاهدات تؤدِّي بنا إلى نتيجةٍ أعمَّ منها وأشمل، فمُحال أن يبلغ الأمر مَبلغ اليقين الرياضي. وجدير بنا في هذا الموضع أن نذكِّر القارئ بأن مثل هذا التحليل الذي جعل قوانين العلوم الطبيعية صادقة على الاحتمال لا على اليقين، والذي حصرَ اليقين في العبارات التَّكرارية وحدها كما في الرياضة، وأبرزَ التناقض في أن نزعم لعبارةٍ ما أنها تحمل في طيِّها خبرًا عن الطبيعة، ثم تكون في الوقت نفسه يقينيةَ الصدق ضروريتَه مستحيلةً على البُطلان، أقول إنه جدير بنا في هذا الموضع أن نُذكِّر القارئ بأن هذا الموقف من هیوم هو الذي أيقظ «كانْت» من سُباته، وحفَزه إلى البحث عن مصدرٍ آخر غير التجرِبة نفسها يستقي منه الإنسان ما في قوانين العلوم الطبيعية من يقين وضرورة، وانتهى به البحث — كما هو معروف — إلى أن للعقل الإنساني مبادئ ومقولات مجبولة في فطرته هي التي تخلع الضرورة واليقين على ما نُحصِّله عن طريق الخبرة من علم بالطبيعة.

لقد فرض «كانْت» الضرورة واليقين في قوانين العلم الطبيعي فرضًا لم يدَع أمامه مجالًا للشك، ثم مضى من هذه البداية المُسلَّم بصدقها ليسأل: من أین جاءت الضرورة وجاء اليقين لقوانين العلوم الطبيعية؟ وكانت فلسفته على وجه العموم محاولةً للإجابة عن هذا السؤال، لكن السؤال يُصبح غير ذي موضوع لو أنكَرْنا منذ البداية أن لأمثال هذه القوانين ضرورة أو يقينًا، إنما هي احتماليةٌ مهما علَت درجة احتمالها. وموضع الخطأ الأساسي في هذا الصدد هو إغفال الفَرق الجوهري بین علوم الرياضة وعلوم الطبيعة، كأنما هذه وتلك مُتشابهتان تشابهًا يحملنا على أن نستخدم في هذه نفس المنهج الذي نستخدمه في تلك، ونَبلغ في هذه نفس اليقين الذي نبلغه في تلك (كما يريد العقليون)، أو أن ننزل بتلك إلى نفس المنزلة الاحتمالية التي لهذه (كما يريد جون ستيوارت مل)، فكلتا المحاولتَين باطلة؛ محاولة الصعود بالقانون الطبيعي إلى يقين النظرية الرياضية، أو الهبوط بالنظرية الرياضية إلى منزلة القانون الطبيعي؛ كلتا المحاولتَين باطلة لأن كلًّا منهما تفرض خطأً أن هذين النوعين من العلوم بينهما من التشابه ما يُمكِّننا من وضعهما على مستوًى واحد من حيث اليقين أو من حيث الاحتمال.

ولقد أخذت الفوارق تَبرُز في ضوء التحليلات الفلسفية الجديدة بين التفكير في العلوم الرياضية والتفكير في العلوم الطبيعية، فبينما هو في الأولى انتقال من مقدمةٍ أعمَّ إلى نتيجةٍ أخصَّ مُتضمَّنة فيها، انتقالًا يؤدِّي حتمًا إلى يقين النتيجة على فرض الصدق في المقدمات، هو في الثانية انتقال من مقدماتٍ جزئية إلى نتيجةٍ أعمَّ منها انتقالًا يُضيف إلى تلك المقدمات ما لم يَرِد فيها؛ إذ يُضيف الإشارة إلى المستقبل مع أن المقدمات كانت — بالبداهة — مُنحصِرة في جزئیاتٍ وقعَت لنا في لحظاتٍ ماضية؛ وبالتالي فهو انتقال يؤدِّي إلى مجرَّد احتمال أن تكون تلك النتائج العامة المُطلَقة صادقة على المستقبل كما صدقت على الماضي، وصادقة على شتَّى أفراد النوع كما صدقت على مجموعة الأفراد التي وضعناها تحت البحث الفعلي ممثِّلةً لبقية أفراد ذلك النوع.

ولقد شغلَت فكرة «الاحتمال» جزءًا كبيرًا من اهتمام الفلاسفة المُحدَثين بُغيةَ تحديدها؛ فلا يكفي أن يُقال عن جملة إنها محتملة الصدق، بل لا بد من تحليل هذا «الاحتمال» نفسه لنعلم على أي أساس نُرجِّح احتمالًا على آخر. وهل كل احتمال يمكن قياسه قياسًا عدديًّا؟ إن من أولى النتائج العامة التي انتهينا إليها حتى الآن في مسألة «الاحتمال» أنه ضربان؛ فضربٌ يمكن تحديد درجته تحديدًا عددیًّا قاطعًا، وضربٌ آخر نترك فيه الاحتمال حكمًا بغير تحديد عددي مضبوط. على أنه لا يستحيل أن يكون هذا الضرب الثاني مُمكِن التحويل إلى الضرب الأول، بحيث إذا ما توافر لنا العلم الكافي في كل موقف من المواقف، استطعنا على وجه التحديد أن نقول عن الجملة المحتملة الصدق إلى أي درجة عددية يرتفع هذا الاحتمال.

قارِن بين معنى الاحتمال في العبارتَين الآتيتين:
  • (١)

    إذا ألقيت بزهرة اللعب فاحتمال أن تكون الأربعة إلى أعلى، هو ١ / ٦.

  • (٢)

    يحتمل أن يكون أخي قد سافر أمس.

فهذان حكمان كلٌّ منهما احتمالي لا يقيني؛ فليس بالضروري أن تُلقي زهرة اللعب فتظهر الأربعة، وليس بالضروري أن يكون أخي قد سافر أمس، لكن الاحتمال في الحالة الأولى له درجةٌ حسابية معلومة، وأما الاحتمال في الحالة الثانية فلا يمكن قياسه على هذا النحو، وإن لم يكن ذلك مستحيلًا، بل إن الباحثين في منطق الاحتمال منذ نحو ثلاثين عامًا فقط — وعلى رأسهم «كينز»٧ و«فون میزس»٨ — لم يكونوا يُفرِّقون بين النوعين، حتى جاء الفوج الأخير من الباحثين في هذا الموضوع نفسه، فأوشكوا الآن على إجماع بأن الاحتمال نوعان مختلفان؛ فمنه ما يخضع لتقدير كَمِّي ومنه ما ليس يخضع لمثل هذا التقدير، وأخصُّ بالذِّكر من هؤلاء «بوبر» و«كارناب» و«رسل» و«وليم نيل»،٩ حتى لقد أطلق معظمهم اسمَين مختلفين على ذَينك النوعين من الاحتمال؛ فبينما حاوَل «كینز» و«فون میزس» أن يردَّا نوعَي الاحتمال إلى ضربٍ واحد يمكن تقديره إذا ما توافَر العلم الكافي بتفصيلات الأمر، لم يعُدْ هؤلاء المعاصرون يحاولون ذلك، مُقتنِعين بأن كثيرًا جدًّا من المواقف الاحتمالية التي يرجِّح فيها الإنسان صِدقَ حُكمِه، كقولي «إن أخي يحتمل أن يكون قد سافر أمس»، يتعذَّر فيها أن نجد ما يمكن إخضاعه للعدِّ والحساب.

أما الحالات التي يكون فيها الاحتمال محسوب الدرجة حسابًا فيه دقة الرياضة وضبطها، فالتحليل يُظهرها على حقيقتها؛ فإذا هي أدخَلُ في باب الرياضة منها في باب المعارف التجريبية، فلا فَرْق جوهري بين أن أقول في هندسة إقليدس إن زوايا المثلث تُساوي قائمتين استنادًا في ذلك على بديهيات تلك الهندسة مُضافًا إليها تعريفات الألفاظ المستعمَلة كما تقدَّم بها إقليدس في صدر بحثه، بحيث تجيء هذه الحقيقة عن مجموع زوايا المثلث نتيجةً ضرورية لازمة عن تلك المقدمات، أقول إنه لا فَرْق جوهري بين هذا القول عن زوايا المثلث، وبين أن أقول عن زهرة اللعب إنها إذا رُميت فاحتمال أن تكون الأربعة إلى أعلى مقداره ١ / ٦؛ لأنني في هذه الحالة أيضًا أستخلص نتيجةً تلزم بالضرورة عن مقدماتٍ هي بدیهیات المنطق الاحتمالي وتعريفات الألفاظ المستخدمة في هذا السياق؛ فنحن في منطق الاحتمال نُقدِّم بديهيةً هي أنه لو تساوت درجة الاحتمال في مجموع الحالات الممكنة، كان مقدار احتمال وقوع أي حالة منها هو كسرٌ بَسطُه واحد ومقامه عدد الحالات الممكنة المتساوية الاحتمال؛ ففي مثال الزهرة السابق، مجموع الحالات الممكنة هو ستة، والمفروض أن تكون كلها متساوية في درجة احتمال وقوعها؛ وإذَن فمقدار احتمال وقوع واحدة منها هو ١ / ٦. إنها — كما تری — نتيجةٌ لازمة عن مقدماتٍ مفروضة.

لكنني لا أنتفع كثيرًا بعلمي أن سقوط الزهرة بالأربعة إلى أعلى درجة احتماله ١ / ٦؛ لأن مثل هذه النتيجة تظل قائمة حتى لو رُميت الزهرة ست مرَّات متتالية فلم تظهر الأربعة إلى أعلى أبدًا، أو ظهرت الأربعة في الحالات الست جميعًا؛ فما العلاقة — إذَن — بين أن تكون النتيجة النظرية الحسابية هي أن ظهور الأربعة إلى أعلى احتماله ١ / ٦ وبين الواقع كما يحدث فعلًا؟ هنا تأتي نظرية الأعداد الكبيرة التي مؤدَّاها أنه كلما زاد عدد الرَّمْيات أخذ متوسِّط ظهور الأربعة إلى أعلى يَقرُب تدريجًا من ١ / ٦، حتى يكون الانحراف بين ذلك المتوسِّط وبين هذه النسبة النظرية من الضآلة بدرجةٍ تُجيز إهماله.

إن ما يُهمُّنا الآن هو كيف يَصلح حساب الاحتمال سندًا لقضيةٍ تجريبيةٍ عامة؟ ونظرية الأعداد الكبيرة التي أسلفنا خلاصتها توضِّح ذلك؛ فمثلًا قد تدلُّني الإحصاءات الماضية على أن نسبة المواليد الذكور تزيد قليلًا عن نسبة المواليد الإناث، بحيث يمكن أن أقول بناءً على ذلك إن الوليد المنتظَر أقرب إلى أن يكون ذكرًا منه إلى أن يكون أنثى، لكنني لا أستطيع بناءً على ذلك أن أتنبَّأ بجنسه قبل ولادته أذَكرٌ هو أم أنثى؛ معنى ذلك أن تحقيق الحكم العام السابق لا يكون بالالتجاء إلى أية حالة جزئية على حِدة، بل لا بد من الرجوع إلى حالاتٍ جزئيةٍ كبيرة العدد، حتى إذا ما رأیت متوسِّط المواليد يَقرُب تدريجًا وبصفةٍ ثابتة من رقم يجعل المواليد الذكور أكثر قليلًا من المواليد الإناث، تحقَّقَت الدعوى؛ ومن ثَم يظهر الفرق المنطقي بين قضية تُعمِّم الحُكم تعميمًا ضروريًّا، وأخرى تُعمِّمه تعميمًا احتماليًّا، بين قضية مثل «زوايا المثلث تُساوي قائمتين»، وأخرى مثل «المصريون ساميُّون»؛ ففي الأولى تتحقَّق القضية في كل جزئية من جزئياتها، في كل مثلث تقع عليه، وفي الثانية لا تتحقَّق القضية إلا باللجوء إلى متوسِّط عدد كبير من الحالات بحيث يميل بنا هذا المتوسِّط نحو رقم ثابت نَصِل إليه هو نفسه مهما اختلفت العيِّنات العشوائية التي نجمعها لحساب متوسطاتها. ولو أخذنا عيِّنةً نختارها بطريقةٍ عشوائية فوجدناها منحرفة انحرافًا ملحوظًا عن المتوسِّط المفروض، كان ذلك مَدعاة إلى رفض التعميم الإحصائي الذي قدَّمناه.١٠

من ذلك نرى أن الحالات التي نقيس درجة احتمالها قياسًا كميًّا نوعان؛ فهنالك الحالات التي يجيء فيها المقدار الكَمِّي للاحتمال وكأنه نظريةٌ رياضية استُنبطت من مقدماتها، كما هي الحال في قولنا إن زهرة اللعب إذا قُذف بها كان احتمال وقوع الأربعة إلى أعلى ١ / ٦. وهنالك أيضًا الحالات التي نبني فيها تقديرنا الكَمِّي على نسبة تكرار وقوع الحادثة التي نحسب احتمال وقوعها، فها هنا يكون اعتمادنا — لا على مقدماتٍ مفروضة ونتائجها اللازمة عنها — بل على ما تجيء به الخبرة التجريبية على مَر الأيام؛ فإذا أردت أن تتتبَّع ظاهرةً معيَّنة لتحسبَ درجة احتمالها معتمِدًا على نسبة تَكرار حدوثها — كأن تحسب مثلًا درجة احتمال الإصابة بضعف النظر في مصر — فما عليك إلا أن تُعِد قائمتك على النحو الآتي:

الأفراد: ١ ٢ ٣ ٤ ٥
حالات الإصابة: −ب ب ب −ب ب
نسبة اقتران الجانبين:

وهكذا تمضي في قائمتك متمشِّيًا مع تجارِبك وملاحظاتك خطوةً خطوة، وفي كل خطوة تخطوها تعرف إلى أي حد تستطيع أن تتوقَّع حدوث الظاهرة التي وضعتَها موضع البحث. وواضح أن نسبة الاحتمال ستتغيَّر مع اختلاف ما تجيء به التجارب، وتظل تتراوح زيادةً ونقصًا حتى تستقرَّ على مقدار يُوشِك أن يكون ثابتًا. ويُشترط أن يكون اختيارك للأفراد اختیارًا عشوائيًّا. ولكي تطمئنَّ في نهاية الأمر إلى صواب النتيجة التي انتهيت إليها، فاختَر مجموعاتٍ صغری من مجموعتك الكبرى التي سجَّلتَها في قائمتك الأصلية، وليَكن اختيارك لهذه المجموعات الصغرى عشوائيًّا أيضًا، كأن تأخذ مثلًا حالةً وتترك حالتَين، أو أن تأخذ حالتَين مُتجاورتين وتترك خمس حالات وهكذا، حتى تتكوَّن لك مجموعةٌ صغری من داخل المجموعة الكبرى؛ فإذا وجدت أن نفس النسبة التي وصلت إليها في المجموعة الكبرى هي هي التي تصل إليها مهما تكن المجموعة الصغرى التي تقع عليها بعملية اختيار جزاف، كانت نتيجة البحث مُرجَّحة الصواب.

تلك حالات يمكن فيها قياس الاحتمال على شيء من الدقة، فماذا نقول في الحالات التي نتحدث فيها بلغة الاحتمال ومع ذلك يختلف في أمرها الباحثون؟ ففريق يجعلها هي الأخرى ممكنة الحساب، على حين يجعلها فريقٌ آخر مُستعصِية على التقدير الكمِّي؟ خذ مثلًا قولي عن أخي إنه يحتمل أن يكون قد سافر أمس، وأمثال هذا القول الاحتمالي في الحياة العملية كثير، فهل تُقاس درجة احتماله؟ وكيف تُقاس؟

لقد أسلفنا لك القول إن «كينز» و«فون ميزس» كانا ممن يظنُّون أنه حتى هذه الحالات يمكن قياس احتمالها؛ وذلك لأن درجة الاحتمال — عندهم — منصبَّة على القضية لا على الحادثة نفسها؛ فقضيةٌ معيَّنة أقولها تزيد درجة احتمالها أو تنقص بناءً على نسبة القضية المزعومة إلى سائر تفصیلات معلوماتي الأخرى؛ فالقضية الواحدة قد تكون قليلة الاحتمال جدًّا، حتى إذا ما وقع في علمك شيءٌ معيَّن زاد احتمال تلك القضية زيادةً كثيرة أو قليلة. خذ هذا المَثل الموضِّح؛ ما درجة احتمال الصدق في قول قائل إنه رأى أسدًا يسير في شارع بالجيزة؟ إنها درجة من القلة بحيث تكاد تبلغ درجة الصفر؛ لأننا ننسب هذا القول إلى بقية معلوماتنا عن الجيزة وما يُنتظر أن يسير في شوارعها وما لا يُنتظر، لكن افرض أن القائل أضاف إلى قوله السابق قولًا آخر، فنبَّه به السامع إلى أن حارس حديقة الحيوان قد ترك للأسد باب القفص مفتوحًا، فها هنا على ضوء هذا العلم الجديد تزيد درجة احتمال القضية الأولى زيادةً كبيرة؛ وهكذا يمكن قياس درجة الاحتمال في كل قضية مهما يكن نوعها بنسبتها إلى تفصیلاتٍ أخرى من معارف الإنسان، ثم هكذا — في رأي هذا الفريق من الباحثين — نُزيل عن الاحتمال صبغته الذاتية لنجعله حسابًا لشيء موضوعي صِرف.

لكن أمثال هذه المحاولات كلها كانت تستهدف — أساسًا — تدعيم المنطق الاستقرائي بإیجاد صلة الشَّبه بينه وبين المنطق الاستنباطي حتی یكون لذلك ما لهذا من يقين. أليست النتيجة في الاستدلال الاستنباطي — كالرياضة — يقينية؟ فإذا كانت قوانين العلوم الطبيعية لا تَصطنع ما تصطنعه الرياضة من استنباط تُستولَد فيه النتائج من مقدماتها، بل تَنهَج منهجًا تجريبيًّا يُلاحِظ حالاتٍ جزئيةً ويُحاول أن يُعمِّم منها قانونًا مُطلَق الصدق، فلنبحث لهذا المنهج التجريبي الاستقرائي عن مصدر لليقين يدعم نتائجه؛ فإذا جاء «كينز» وغيره من رجال المنطق يدافعون عن أن كل فكرة تجريبية هي — كالفكرة الرياضية — ممكنٌ قياس احتمالها قياسًا دقيقًا، كان موضع الخطأ عندهم هو نفسه موضع الخطأ عند الفلاسفة العقليين، وهو عدم إدراك الفرق الجوهري بین ما تقوله الرياضة وما تقوله العلوم الطبيعية، حتى لَيتوهَّموا أن النوعَين يمكن ردُّهما إلى مجال من القول واحد، وإلى منهج في البحث واحد.

وإمعانًا منهم في تشبيه المنهج الاستقرائي بالمنهج الاستنباطي، كانوا يحاولون أن يلتمسوا للمنهج الاستقرائي «مقدمةً كبرى» تكون بمثابة الفرض الأوَّلي الذي يجيء كل شيء بعده بمثابة النتائج؛ وبهذا يصبُّون المنهج الاستقرائي كله في قالب الاستنباط، كأن نقول — مثلًا — كما قال «مل» إن هنالك مقدمةً كبرى يبدأ منها المفكِّر الاستقرائي، وهي «ظواهر الطبيعة مطَّرِدة». هذا زعم لم نستخلصه من التجرِبة، بل فرضناه فرضًا لنفهم التجرِبة على ضوئه. وتحت هذه المقدمة الكبرى أضع مقدمةً صغرى هي أن حوادث الماضي جاءت على النحو الفلاني، فتكون نتيجة «الاستنباط» في هذه الحالة هي: إذَن فحوادث المستقبل ستجيء على النحو نفسه. أو أن نقول — كما قال كينز — إن هنالك مقدمةً كبرى ومبدأً أوليًّا تنضوي تحته خطوات البحث العلمي؛ فإذا هي بالنسبة إليه كالمقدمة الصغرى بالنسبة إلى المقدمة الكبرى في القياس، بحيث يمكن بعد ذلك استدلال النتيجة استدلالًا يقينيًّا، وأما هذه المقدمة الكبرى عنده فهي «مبدأ الصفات الأولية المحدودة»١١ الذي مؤدَّاه أن في العالم عددًا من الصفات محدَّدًا، كلٌّ منها مستقلَّة عن الأخرى، لا تستدلُّ منها ولا تكون دليلًا عليها، ومن هذه المجموعة الأوَّلية المحدَّدة تتكوَّن التشكيلات المختلفة على نحوٍ يجعلني أتوقَّع صفات «ب، ﺟ، د» إذا وقعتُ على صفة «أ»؛ لأنني أعلم أن هذه المجموعة توجد معًا؛ فالتوقُّع هنا أو احتمال ما سيَحدث مبني على علمٍ سابق بمبدأ عام سلَّمتُ به بادئَ ذي بدء.

أُعيد القول مرةً أخرى، وهو أن كل محاولة في سبيل تبرير المنطق الاستقرائي على نفس الأسس التي تُبرِّر يقين النتائج في المنطق الاستنباطي، هي محاولة في طريقٍ خاطئ؛ لأن الأمر من أساسه قائم على افتراض أن النوعين من التفكير يمكن ردُّهما إلى مجالٍ واحد ومنهجٍ واحد، ولكننا نعلم الآن ما لم يكن يعلمه سابقونا علمًا واضحًا، وهو أن الأمر في الحالتين جِدُّ مختلف. وليس من المقبول الآن أن تُبرِّر صِدق نتيجة تستخلصها من شواهد الحس بنفس الطريقة التي تُبرِّر بها صِدق نتيجة تكرر بها ما قد زعمته في مقدماتها فجاءت تحليليةً لا تُضيف إلى علمنا علمًا جديدًا؛ فلئن كنت في هذه تتوقع اليقين بطبيعة الحال وتظفر به، ففي تلك لا يكون في وُسعك إلا احتمالٌ مرجَّح الصدق؛ فلو ألقينا على أنفسنا الآن السؤال الذي ألقاه «كانْت» على نفسه، وهو: القضية من قضايا العلم الطبيعي قد جاءت من التجربة، ومع ذلك فهي ضرورية الصدق يقينية، فمن أين جاءتها تلك الضرورة وهذا اليقين؟ لو ألقينا هذا السؤال الآن، لَمَا ذهبنا معه نبحث في مبادئ العقل ومقولاته عن مصدر الضرورة واليقين لأمثال تلك القضايا التجريبية، بل لأجبنا بأنه لا ضرورة في القضايا التجريبية ولا يقين.

١  Russell, Meaning and Truth، ص١٣٩.
٢  Cari G. Hempel.
٣  Victor Craft, The Vienna Circle, (Eng. Trans. by Arthur Pap)، ص٢–١٣.
٤  Karl Popper, Philosophy of Science (British Philosophy in Mid-Century)، ص١٥٨.
٥  Couturat, La logique de Leibniz، مأخوذًا عن كتاب برتراند رسل «المنطق والمعرفة»، صفحة ٢٣٠.
٦  Ayer, A. J., Perception (British Philosophy in Mid-Century)، ص٢٢٣.
٧  هو J. M. Keynes، الذي أصبح فيما بعدُ لورد كينز الاقتصادي المعروف الذي اشتُهر بصفةٍ خاصة بعد الحرب الكبرى الثانية.
٨  هو R. von Mises، وكان من جماعة فيينا، وقد رحل إلى الولايات المتحدة حيث اتخذ منها موطنًا، وله كتاب Probability, Statisties and Truth.
٩  Popper, Rudolf Carnap, Russell, William Kneale.
١٠  راجع فصل الاحتمالات وحسابها في كتابي المنطق الوضعي.
١١  Principle of Limited Independent Variety.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢