الفصل الثامن

الحقيقة وظواهرها

١

زعَم الفلاسفة — بالحق أو بالباطل — أن ما قد يظهر لنا من العالم ليس هو بحقيقة العالم؛ فهذا الذي يظهر لنا منه متغيِّر، والحقيقة ينبغي أن تكون ثابتة؛ فها هي ذي الأشياء تظهر أمام أعيُننا حينًا ثم تختفي، أفيجوز أن تكون حقيقة العالم هي هذه العوابر التي لا تلبث أن تكون حتى تَفنى، أم يكون الوجود الحقيقي غير هذه الظواهر العابرة؟ ذلك هو السؤال الرئيسي الذي ألقاه الفلاسفة على أنفسهم منذ كانت فلسفة.

والحقيقة أن التفرقة بين ما هو ظاهر وما هو حقيقي أمرٌ مألوف لنا في حياتنا اليومية وفي حياتنا العلمية على السواء؛ فمن منا لم يقُل لنفسه يومًا عن شخصٍ ما بأن حقيقته مختلفة عن ظاهره، فليس هو — مثلًا — من الشجاعة بحيث يبدو، وليست الوطنية الصادقة جزءًا من حقيقته كما يُحاول أن يُظهِر للناس؟ إننا نعلم في الناس هذه الفوارق بين ظواهرهم وحقائقهم حتى لَنستخدم كلماتٍ خاصة — ككلمة النفاق مثلًا أو كلمة الخِداع — لنَصِف بها هذا الذي نعلمه عن الناس. وإننا لنرى بأعيُننا الشمس تظهر في الشرق ثم تعبر السماء لتختفي في الغرب، لكننا بعد ذلك نتعلم أن هذا الذي نراه هو ظاهر الأمر لا حقیقته؛ إذ حقيقة الأمر هي أن الشمس ثابتة في مكانها ثباتًا نسبيًّا، والعكس صحيح بالنسبة للأرض؛ فظاهرها ساكن لكنها في حقيقة أمرها تدور حول نفسها وتدور حول الشمس. وقد ننظر إلى كوب الماء فنراه صافيًا لا شائبة فيه؛ فإذا نظرنا إليه خلال عدسة المِجهَر عرفناه على حقيقته، وهي أنه مليء بالأعلاق والشوائب والجراثيم أشكالًا وألوانًا. وقد ألمس هذه المِنضَدة التي أكتب عليها فأُحسُّ فيها الصلابة وتماسُك الأجزاء، لكني أعلم بعد ذلك عن علماء الطبيعة أن صلابتها تلك وتماسُك أجزائها إن هما إلا ظاهر الأمر لا حقیقته؛ فحقيقة أمرها هي أن قوامها ذرَّات كلٌّ منها مجموعة من كهارب سالبة وموجبة لا تنفكُّ متحرِّكةً مغيِّرةً من أوضاعها.

تلك إذَن خبرةٌ مألوفة؛ أن يكون ظاهر الشيء غير حقيقته. ولمَّا كان من التناقض أن نحكم على الشيء الواحد بالحكمين معًا في آنٍ واحد، فنقول عنه إنه متحرِّك وثابت، أو إنه صافٍ ومَشُوب، فلا بد أن يكون أحد الحكمين المتناقضين باطلًا ليظلَّ الحكم الآخر صوابًا، وأي الشِّقَّين نحذف؟ إننا بالبداهة نحذف ما هو ظاهر في الشيء لنُبقيَ على حقيقته.

غير أن ما قد وصفناه من جوانب الشيء بأنه مجرد ظواهره، إن هو إلا إدراك أدركناه كما أدركنا من الشيء جوانبه التي نقول عنها إنها حقيقته؛ فلا يكفي أن أقول عن الإدراك الأول إنه إدراك لظاهر ثم أحذفه، وعن الإدراك الثاني إنه إدراك لحقيقي ثم أُبقيه، بل لا بد أن أسأل نفسي: ما الخصائص التي تميز الظاهر من الحقيقي ما دام كلٌّ منهما قد وقع لي في مجال إدراكي كزميله على حدٍّ سواء؟ ما الخصائص التي لا بد أن تتوافر فيما أُدركه من الشيء لأقولَ عنه إنه إدراك لحقيقة الشيء؟ وبصفةٍ عامة: ما الخصائص التي يتميَّز بها الحق من الباطل، أو الباطن من الظاهر؟ ذلك هو السؤال الرئيسي الذي كانت محاولات الإجابة عنه هي الشطر الأعظم من الإنتاج الفلسفي على اختلاف مذاهبه.

ولو وقَعنا على هذه الخصائص المنشودة التي تُميِّز الحق من الباطل فيما ندركه عن شيءٍ ما، فلا بد أن تكون تلك الخصائص هي هي بعينها التي تُميِّز الحق من الباطل في كل شيء آخر؛ أي إن علامة الحق لا يجوز لها أن تتغيَّر بتغيُّر المناسبات والظروف، بل لا بد أن تكون مُطلَقة لا فرق عند تطبيقها بين مكان ومكان ولا بين لحظة من الزمن ولحظة.

وأُولى الخصائص التي تُميِّز الحق كائنًا ما كان موضوعه — هكذا جرى العُرف بين الفلاسفة أن يقولوا — هي الخُلوُّ من التناقض بين أجزاء الفكر أو أجزاء الخبرة؛ فما يتَّصف بأنه حق لا بد أن يتَّصف في الوقت نفسه بأنه متَّسِق الأجزاء بعضها مع بعض اتِّساقًا لا يجعل أي جزء منها مُناقِضًا لأي جزء آخر؛ فإذا وجدتَ نفسك إزاء فكرة أو إزاء خبرة تُحلِّلها فترى تناقضًا بين أجزائها، فاعلم على الفور أنك إزاء باطل من الأمر.

وسأسوق لك مثلًا من فیلسوفٍ مثالي حدیث هو «برادلي»،١ الذي استخدم مبدأ عدم التناقض هذا في كتابه المعروف «الظاهر والحقيقة»٢ ليُبيِّن على ضوئه أن معارفنا الجزئية باطلة؛ لأن الكون في رأيه واحد واحديةً يستحيل تجزئتها دون أن نحطم حقیقته، فانظر إليه ماذا يقول في الفصل الثاني من كتابه ذاك — وهو مَثلٌ من تفكيره في الكتاب كله — وهو فصل يَعقِده للتحدث عن «الجوهر وصفاته»:

قوام العالم أشياء وصفاتها؛ فهذه القطعة من السُّكَّر شيء وله صفاتٌ تَنعته؛ فهي بيضاء وذات صلابة وحلاوة، ولكن ما نوع العلاقة التي تربط قطعة السُّكَّر بصفاتها تلك؟ إنه من البديهي ألا تكون قطعة السكر هي هي إحدى صفاتها مأخوذة بمعزل عن بقية الصفات؛ لأنها لا تكون هي البياض وحده، ولا الصلابة وحدها، ولا الحلاوة وحدها؛ أتكون إذَن هي مجموع هذه الصفات مجتمعةً ولا شيء أكثر من ذلك؟ كلا؛ لأن مجموعة الصفات فيها تعدُّد مع أن قطعة السُّكَّر شيءٌ واحد، فمن أين جاءتها هذه الوحدة؟ أتكون هذه الوحدة في قطعة السُّكَّر نابعةً من الصفات ذاتها أم آتيةً إليها من خارج؟ إنها بالبداهة لا هذه ولا تلك؛ فلسنا ندري كیف ترتبط صفات اللون والطعم والصلابة في وحدةٍ واحدة مع أنها مختلفةٌ أبعدَ اختلاف، وعلى كل حال فالعلاقة التي تربطها معًا ليست هي «بياضًا» ولا هي «صلابة» ولا هي «حلاوة»؛ أي إنها ليست هي من طبيعة تلك الصفات ذاتها؛ إذَن فمن أين جاءت الرابطة الموحِّدة بينها في قطعة من السُّكَّر «واحدة»؟ أم نقول أن لا وحدة هناك وإن الأمر قائمة من صفات لا أكثر ولا أقل؟ لكن هذا القول لا يُنجينا من الحكم بأن كلًّا من تلك الصفات مرتبط بالصفات الأخرى على نحوٍ ما، بحيث يمكن أن نقول إن صفة البياض مرتبطة بصفة الصلابة، ويعود الإشكال من جدید؛ كیف يرتبطان؟ ما نوع العلاقة الكائنة هنا بين الطرَفَين المُرتبطين؟ أتكون هذه العلاقة نابعةً من الصفات ذاتها أم مضافة إليها من خارج؟ وهلمَّ جرًّا؛ وإذَن فصميم المشكلة هنا هو أنك إذا وصفتَ قطعة السُّكَّر بأنها بيضاء وصلبة وحلوة، فإما أن تكون هذه الصفات آتية إلى قطعة السُّكَّر من خارج طبيعتها؛ وبذلك تكون بمثابة من يحكم على الشيء بما ليس من طبيعته، وإما أن تكون تلك الصفات هي نفسها طبيعة السُّكَّر، وفي هذه الحالة تكون قد كرَّرتَ القول ولم تُضِف حُكمًا جديدًا.

والنتيجة التي يستهدفها برادلي من كلامه هذا هي أنك لو نظرتَ إلى أي شيء على أنه حقيقةٌ قائمة بذاتها، وأخذت تصفه بكذا وكيت من الصفات، وجدت أن أقوالك عنه مُنطوية على تناقُض؛ وإذَن فيستحيل أن تكون هي الحق؛ لأن الحق شرطُه اتِّساق الأجزاء وخُلوُّها من التناقض.

والفلاسفة حين يقولون كلامًا كهذا إنما يريدون أن ينتهوا بنا إلى نتيجة يریدونها، وهي أن الكون وحدة لا تتجزَّأ، وهو وحدةٌ متَّسِقة لا تناقُض بين أجزائها؛ بمعنى أن كل جزء من أجزاء الكون يستحيل فهمه إلا في علاقاته مع سائر الأشياء، وعلاقاته تلك هي في الحقيقة علاقةٌ منطقية تجعله نتيجةً محتومة لبقية الأجزاء، كما أن بقية الأجزاء معتمِدة عليه ولا تكون بغيره، كأنما الكون في ذلك شبيه بعلم الهندسة مثلًا، كل نظرية فيه يستحيل فهمُها إلا منسوبةً إلى بقية النظريات؛ لأنها متَّحِدة معها في بناءٍ نظري واحد، فترى النظرية الواحدة من نظرياته هي نتيجة لما يسبقها في البناء وهي مقدمة لما يتلوها.

إن مشكلة اندماج الكثرة الظاهرة في كونٍ واحد، بحيث تكون الروابط بينها ضروريةً محتومة، هي مشكلةٌ قديمة قِدَم الفلسفة؛ فالنظرة العاجلة إلى ما حولنا من أشياء قد تُوهِمنا بأن تلك الأشياء متفرِّقٌ بعضها عن بعض، وأن لا ضرورة هناك تحتم أن تكون كلها أجزاءً من كائنٍ واحد؛ فلئن اتصل الشيء الواحد — كهذا القلم الذي في يدي — بمجموعةٍ قليلة من الأشياء الأخرى، كأن تكون ثَمة صلة بينه وبيني، وبينه وبين المِنضَدة التي أضعه عليها، والدواة التي تُمدُّه بمِداده وهكذا، فماذا تكون العلاقة بينه وبين سمَّاك يطرح الشبكة عند شاطئ البحر في الصين أو بينه وبين طائر يُحلِّق في سماء البرازيل؟ لكن النظرة الفاحصة قد تُبيِّن حقيقةً غير هذا الظاهر؛ فارتباط القلم بشخصي يربطه بعالم الفكر، وعالمُ فِكري يضمُّ صورة السمَّاك في الصين وصورة الطائر في البرازيل؛ فالحق أنك إذا ما تعقَّبتَ أي شيء في علاقاته بما يُجاوره، وما يُجاوره بما يُجاوره، وهكذا، استحال عليك أن تعلم أين عساك أن تقف حتى يتمَّ لك بناء الكون كله. وهكذا تستطيع أن تبدأ بأي كائن تشاء، وستجد أن علمك به يتوقف على علمك بسواه، وعلمك بهذا يتوقف على علمك بغيره، وهكذا حتى يتمَّ لك العلم بالكون كله إذا أردت لنفسك علمًا كاملًا، وإلا فقُصاراك أن تعلم عن ذلك الكائن لا الحق كله، بل أن تعلم عنه بمقدار ما تستطيع أن تری روابطه بغيره من سائر الأشياء.

فلم يسَع الفلاسفةَ إزاء هذه الكثرة الظاهرة من ناحية، وارتباطها بعضها مع بعض من ناحيةٍ أخرى، إلا أن يجعلوا من الأمر مسألةً تستحقُّ البحث والنظر، بل يجعلونه المسألة الكبرى التي تُواجه العقل وتتحدَّاه؛ فهل نعدُّ كل شيء مُفرَد حقيقةً قائمة بذاتها؛ وبذلك نَبتُره عن سائر الأشياء، أم إن كل شيء مُفرَد لا يمكن معرفته وهو على حِدة؛ وبالتالي فلا مناص من وصلِه بغيره، ووصلِ غيره بغيره حتى تنقلب الكثرة الظاهرة وحدةً في الحقيقة؟ ولو كان الأمر كذلك لكان عِلمنا بأي شيء على حِدة علمًا ناقصًا، ولكان الحق الكامل مُستحيلًا إلا لمن استطاع أن يضمَّ كل شيء في الوجود في نسقٍ واحد. بعبارةٍ أخرى فالسؤال هو: هل الموجود الحقيقي واحدٌ رغم كثرته البادية، أم تكون هذه الكثرة البادية هي نفسها الحق؟

وفي محاولة الإجابة عن هذا السؤال، لم يكن الفلاسفة كلهم على مذهبٍ سواء، بل انقسموا مذاهب: (۱) ففريق منهم يجعل الموجود الحقيقي واحدًا؛ فإن بدا لحواسِّنا تعدُّد فيه كان هذا وهمًا لا حقيقة. (۲) وفريقٌ آخر يری حقيقة الكون في كثرته البادية، حتى إذا ما جاء الإنسان وحاوَل أن يلتمس بينها رباطًا بفكره يجعل منها كونًا واحدًا كان هذا الرباط الموحِّد من وهمه هو، ووليد فكره هو، ولا شأن للحقيقة الخارجية به. (۳) ولا بأس هنا من ذِكر فريق ثالث يُحاول — كما حاوَل ليبنتز مثلًا — أن يُوفِّق بين المذهبين السالفين في مذهبٍ واحد، وهو أن يجعل قوام الكون كائنات مستقلةً بعضها عن بعض استقلالًا يجعل كل كائن منها مُكتفيًا بذاته، يستمدُّ العلم من جوفه، حتى لو لم يكن في العالم إلا إياه لظلَّ قائمًا كما هو قائم، لكن هذه الكائنات المستقلة تنصبُّ معًا في بناءٍ نسقي واحد؛ لا لأن طبيعتها الداخلية تقتضي أن يكون بينها هذا الائتلاف في بناءٍ واحد، بل لأن الوحدة قد خُلعت عليها من خارجها، خلَعها عليها الله فوصَلها بعضها ببعض من حيث لا تحتم طبائعها هذا الاتصال؛ وبهذا يكون الوجود الحقيقي هو كثرة من كائنات مستقلة، لكنه في الوقت نفسه مساق في وحدةٍ تربطه في نسقٍ واحد.

ولكلٍّ من المذهبَين الرئيسيين الأولين، مذهب الوحدة ومذهب التعدد، أقسامٌ فرعية قد تختلف فيما بينها اختلافًا بعيدًا على الرغم من انضوائها تحت مذهب رئیسي واحد.

فالمذهب الواحدي الذي يجعل الحقيقة الكونية كائنًا واحدًا مرتبط الأجزاء ارتباطًا يجعل منها حقيقةً واحدة، قد يذهب به أصحابه إلى واحديةٍ مادية — كما فعل بارمنيدس من فلاسفة اليونان الأقدمين — بمعنى أن يكون العالم في حقيقته كتلةً مادية مُتجانِسة، أو قد يذهب به أصحابه إلى واحديةٍ مثالية تُترجِم الكون كله إلى بناءٍ عقلي فِكري بين أجزائه ما بين المقدمات ونتائجها من روابط.

وكذلك مذهب الكثرة قد يذهب به أصحابه إلى تعدُّد في ذرَّات مادية يجعلونها وحداته الأولية — كما فعل ديمقريطس مثلًا من فلاسفة اليونان — أو هم قد يذهبون به إلى تعدُّد في ذرَّات روحانية أو نفسية تكون هي وحداته المستقل بعضها عن بعض، كما هي الحال مع ليبنتز. وهكذا ترى أنصار الكثرة كأنصار الوحدة ينقسمون فريقَين؛ أحدهما يجعل الوجود الحقيقي مادة، والآخر يجعله عقلًا أو روحًا. وبين هذين الفريقين ينشأ فريقٌ ثالث يعترف بالجانبَين معًا؛ العقل والمادة، وهؤلاء هم الذين يشطرون الحقيقة الكونية شطرَين مختلفين؛ فلو كانت تلك الحقيقة الكونية كائنًا واحدًا، كان هذا الكائن الواحد عقلًا من جهة وطبيعةً من جهةٍ أخرى؛ ولو كانت تلك الحقيقة الكونية كثرة من كائنات، كانت هذه الكثرة كذلك عقلًا من جهة ومادَّةً من جهةٍ أخرى.

فعندما سأل الفلاسفة أنفسهم عن الحقيقة الكونية كم تكون، أجاب فریق منهم بأنها واحدة، ثم انقسم هؤلاء شُعبتَين؛ فشعبة تجعل تلك الحقيقة الواحدة مادية، وأخرى تجعلها عقلية، وأجاب فریق ثانٍ بأنها كثرة، ثم انقسم هؤلاء أيضًا شعبتَين؛ فشعبة تجعل تلك الكثرة ذرَّات مادية، وأخرى تجعلها ذرَّات روحانيةً أو نفوسًا. ويمكننا النظر إلى الموضوع من زاويةٍ أخرى، فنقول إنه لو سئل الفلاسفة عن الحقيقة الكونية ماذا تكون، أجاب فريق منهم بأنها مادة، وما يُسمَّى فيها بالعقل يمكن ترجمته إلى ظواهر مادية، ثم انقسم هؤلاء جماعتَين؛ فجماعة منهما تقول إن تلك الحقيقة المادية ذات كِیان واحد، وجماعة أخرى تقول بل هی كِیانات كثيرة. وأجاب فریق ثانٍ بأنها عقل، وما يُسمَّى فيها بمادة يمكن ترجمته إلى مُدرَكات عقلية، ثم انقسم هؤلاء أيضًا جماعتَين؛ فجماعة منهما تقول إن تلك الحقيقة العقلية ذات كِیان واحد، وجماعة أخرى تقول بل هي عِدَّة من عقول. وثَمة — إلى جانب هذين الفريقين — فريقٌ ثالث يجعل الحقيقة الكونية مادةً وعقلًا معًا، ثم يعود هذا الفريق أيضًا فينقسم جماعتَين؛ إحداهما تجعل كلًّا من العقل والمادة مستقلًّا عن الآخر استقلالًا لا سبيل معه إلى التقاء أحد الجانبَين بالآخر، والأخرى تجعل العقل والمادة جانبَين يؤثِّر أحدهما في الآخر كما نُلاحظ في الإنسان عقلًا وجسمًا كيف يكون لكلٍّ من هذين الجانبين أثرُه على الآخر.

٢

هكذا يتحدَّث الفلاسفة عن الكون كله باعتباره موضوعًا يصلح للحديث، كما يصلح الفرد الجزئي الواحد موضوعًا للحديث سواءً بسواء؛ فعندهم أن لا فرق من حيث التكوين المنطقي بين أن أقول «الكون كائنٌ واحد» وبين أن أقول «هذا القلم أسود»، وأول نقلة نُحدِثها — نحن الوضعيين المنطقيين — في مجال الحديث، هي أن نجعل المذاهب التي أسلفنا ذِكرها عن الحقيقة الكونية منصبَّة على «القضايا» التي يقولها الإنسان عن الكون لا عن الكون نفسه؛ وبهذا يصبح الاختلاف بين المذاهب السالفة اختلافًا على القضايا؛ فإذا سئل الفيلسوف المثالي الذي يوحِّد الكون في حقيقةٍ عقليةٍ واحدة: كم قضيةً نستطيع بها أن نُعبِّر عن حقيقة الكون؟ أجاب: قضية واحدة، أتَّخذ منها مبدأً أولًا، ومن هذا المبدأ الأول أستولد النتائج واحدةً بعد أخرى، حتى يتكوَّن لي نسقٌ واحد من قضايا، كل قضية فيه متَّصلة بكل قضية أخرى اتصال المقدمة بنتيجتها أو النتيجة بمقدمتها. ومعنى هذا أن الإنسان يستطيع أن يُرتِّب في عقله هرمًا من أفكاره، بحيث تزداد الفكرة اتساعًا كلما صعدنا من قاعدة الهرم إلى قمته؛ فقِمَّة الهرم في هذه الحالة هي بمثابة المبدأ الأول الذي يراه الفيلسوف المثالي رؤية الحدس المباشر، ثم تأتي الطبقات بعد ذلك متسلسلةً حتى ينتهي البناء الفكري كله، فتكون هذه الخبرة العقلية الموحَّدة هي نفسها الحقيقة الكونية في واقعها الوجودي. ولو كان الأمر كذلك لاستطاع صاحب هذه الخبرة العقلية الموحَّدة أن يبدأ معرفته للحقيقة الكونية من أي فكرة شاء، يأخذها أينما شاء من البناء، ثم ينزل منها إلى نتائجها ويصعد منها إلى مقدماتها، فإذا هذه الفكرة الواحدة كفيلةٌ أن تُطلِعه على الحقيقة كلها؛ فالخبرة العقلية المنسَّقة التي نُكوِّنها عن الحقيقة الشاملة، يبلغ بها الاتِّساق حدًّا يجعل كل جزء من أجزائها ضروريًّا للبناء كله، وتغيير أي جزء أو حذفه من شأنه بالضرورة أن يُغيِّر من البناء كله أو يهدمه. والأمر في ذلك شبيه بالبناء في علم الهندسة، لا بد فيه أن تتَّخذ النظريات أوضاعها بالنسبة بعضها إلى بعض، فلا تغيير ولا حذف.

ولو أخذت قضيةً واحدة تتحدث عن جزئيٍّ واحد أو عن نوعٍ معيَّن من الأفراد — هكذا يجري منطق المذهب المثالي الموحِّد للكون في حقيقةٍ عقلية واحدة — لو أخذت تلك القضية التي تتحدث عن جزء من الكون على حِدة، لَتحتَّم ألا تكون مُعبِّرة عن حقيقةٍ كاملة؛ لأنها انتُزعت في الفراغ بعد أن كانت جزءًا من بناء، وبعد أن كانت حقيقتها متوقِّفة على وضعها من ذلك البناء لا على كِيانها المستقل بذاته. ومن هنا عدَّ المثاليون حديثنا عن جزء من الكون حديث أوهام؛ لأنه حديث عن حقائق ناقصة؛ وهل يكون الخيط الواحد تَستلُّه من الثوب ثوبًا، وهل يكون الحجر الواحد تستخرجه من الجدار جدارًا؟ ولو عدَدتَ القضية التي تتحدث عن جزءٍ واحد من الكون تعبيرًا كاملًا عن حقيقةٍ مستقلة كاملة، وقعتَ — من وجهة نظر المثاليين — في تناقض كالذي أسلفنا لك مثلًا منه من الأمثلة الكثيرة التي ساقها برادلي في كتابه «المظهر والحقيقة» (راجع الفقرة الأولى من هذا الفصل)؛ فلو قلت — مثلًا — إن الإسكندرية واقعة على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، وظننت أنك تقول حقيقةً كاملة، كنت عند المثاليين واهمًا؛ لأنك تنتزع خليةً من جسمها الكبير وتحسبها كائنًا مستقلًّا قائمًا بذاته؛ فأين هو البحر الأبيض المتوسط من الكرة الأرضية، وأين الكرة الأرضية من المجموعة الشمسية، وأين المجموعة الشمسية من سائر الأفلاك؟ ولعلك تُدرك الآن كيف يعدُّ المثاليون حديث العلوم الطبيعية حديثًا ناقصًا، فليس هنالك القانون العلمي الواحد الذي تستطيع أن تقول عنه وهو على حِدة إنه حقٌّ حقيقةً كاملة. وكيف يكون كذلك وهو يختصُّ بجزءٍ واحد من الطبيعة؟ وما لم ندرك علاقته مع سائر القوانين كان إدراكنا ناقصًا.

ولئن كان محالًا على إنسان أن يُلمَّ بمجموعة الخبرات العقلية كلها التي يَكمُل بها البناء النسقي الذي يُصوِّر الحقيقة الكونية كلها، وأن يدرك ذلك البناء النسقي في وحدته بنظرةٍ حدسية واحدة؛ فإن الإنسان لَيقترب من هذا الكمال كلما زاد من علمه؛ إذ كلما ازداد الإنسان علمًا ازداد بالتالي قدرةً على إدراك العلاقات التي تربط الأفكار بعضها ببعض في النسق الفكري الكامل؛ فمن القليل الذي أعرفه أستطيع أن أُلمَّ بالحقيقة بدرجة تتناسب مع ذلك القليل المعروف.

ولكن ما كل فكرة واحدة أو مجموعة قليلة من أفكارٍ تكشف لنا عن الحقيقة الكاملة ككل فكرة أخرى؛ فالأفكار في ذلك ليست على درجةٍ سواء، بل إن منها ما هو أقدر من سواه على الكشف عن حقيقة الكون الكبرى. خذ مثلًا فِكراتك عن هذه المجموعات الآتية: كومة من أحجار، آلة، كائن عضوي، مجموعة النظريات في علم الهندسة. هذه كلها مجموعات، لكنها تتفاوت في تصويرها لِما تكون عليه مجموعة الكون؛ فكومة الأحجار أقل من الآلة اتِّساقًا؛ لأن الحجر من أحجارها قد زال دون أن تتأثَّر الكومة في فكرتنا عنها، على حين أن الآلة إذا نقصت جزءًا من أجزائها أصابها الخلل. والآلة بدورها أقل اتِّساقًا من الكائن العضوي لجسم حیوان مثلًا؛ لأن أجزاء الآلة لا تنمو معًا في اتحاد كما تنمو أجزاء الكائن العضوي. والكائن العضوي بدوره أقل اتِّساقًا من أجزاء التفكير الهندسي المنظَّم؛ لأن تغيير عضو من الكائن العضوي لا يستلزم تناقضًا؛ فقد أتصوَّره ذا عينٍ واحدة أو ذا عينَين، أما تغيير النظرية داخل النسق الهندسي الواحد فأمرٌ يستلزم تناقضًا؛ لأن النظرية نتيجةٌ محتومة لمقدماتها المفروضة.

وإذَن فهنالك من الحقائق العقلية ما هو «أصدق» من سِواه على تصوير الحق. وما أشبهَ الأمرَ في ذلك بسلوك الفرد من الإنسان في مناسبات حياته المختلفة! ففي كل موقف سلوكي على حِدة تظهر طبيعة شخصيته، لكن المواقف السلوكية مع ذلك تختلف في درجة تصويرها لتلك الشخصية، فهنالك السلوك الذي يكشف عن سرِّها أكثر جدًّا مما يكشف عنه سلوكٌ آخر. وهكذا تتفاوت الكائنات تعبيرًا عن الحقيقة؛ فمنها ما يكون أوفى وأشمل وأصدق تعبيرًا عنها من غيره؛ فالعقل الإنساني من غير شكٍّ أوفى وأصدق تعبيرًا من قطعة الحجر عن حقيقة الكون الكبرى؛ أي إنه أعلى من قطعة الحجر في درجة نصيبه من الحقيقة.

ومِعيارنا الذي نقيس به أنصبة الأشياء الفردية من درجات الحقيقة هو مقدار ما فيها من فردية واكتفاءٍ ذاتي؛ فكلما ازداد الشيء فرديةً واكتفاءً بذاته كان أقرب في تصويره للحقيقة الكونية؛ وبالتالي فنصيبه من الوجود الحقيقي يزداد غزارةً وعُمقًا، وإنما تُقاس فردية الفرد في درجاتها المتفاوتة، أولًا بمقدار ما في الفرد الواحد من تفصیلات، وثانيًا ما يكون بين تلك التفصيلات من اتِّساق يجعل منها كائنًا واحدًا؛ فالفرد الكثير التفصيلات في مضمونه أعلى في درجات الحق من الفرد الفقير في تفصيلاته، ثم يكون الفرد المتَّسِق الأجزاء أعلى وجودًا وحقيقةً من مجموعة العناصر التي لا تأتلف ولا تكون فردًا. وبعبارةٍ أخرى، كلما ازداد الشيء اعتمادًا على غيره في فهمنا إياه كان أدنى درجةً في سُلَّم الوجود، وكلما قلَّ اعتماده على غيره كان أعلى درجةً في ذلك السُّلَّم. وهكذا تصعد في سُلَّم الكائنات حتى تبلغ القمة إذا بلغتَ معرفةً كاملة بالكون كله؛ فعندئذٍ تراه فردًا واحدًا كثير التفصيلات، لكنها تفصیلات اتَّسقَت في خبراتنا بها اتِّساقًا يجعل من الكل كائنًا واحدًا، يُفسِّر نفسه بنفسه، وكل شيء فيه إنما يستمدُّ تفسيره من وضعه في ذلك الفرد الواحد الكبير.

وكلما اتسع عِلمنا بكائنات الوجود، ازددنا إدراكًا لما بين تلك الكائنات من اتِّساق وتكامل؛ ففي أول عهدنا بدراسة العلوم المختلفة — مثلًا — قد يُخيَّل إلينا أن لا علاقة بين علم منها وآخر، وأن لكلٍّ منها قوانينه التي لا شأن لها بقوانين سواه، ثم نرقى في معارفنا العلمية، فيتَّسع أُفقنا الإدراكي بحيث نرى هذه المجموعات المُتفرقة من القوانين آخذةً في الانضواء بعضها تحت بعض؛ فقانونٌ أقل شمولًا يندرج تحت آخر أوسع نطاقًا، وهكذا، بل إن الإنسان في مراحله العلمية الأولى قد يتوهَّم أن في بعض قوانين العلوم — منسوبًا بعضها إلى بعض — شيئًا من التناقض. خذ — مثلًا — الأعداد اللامقيسة في الرياضة، فالنسبة بين ضلع المربع ووتره لا يمكن ضبطها في عددٍ معلوم الحدود؛ ولذلك سُمِّيت تلك النسبة وأشباهها أعدادًا لا مقيسة؛ أي إن قياسها مستحيل. وكان الظن في أولى مراحل التطور في علم الهندسة أن هذه الأعداد اللامقيسة نشازٌ في بناء العلم لا يتَّسق مع بقية أجزائه، حتى تقدَّمَ العلم الرياضي وتغيَّرت نظرية العدد من أساسها، فأمكنَ تفسير الأعداد اللامقيسة تفسيرًا يُزيل ما كان بينها وبين سائر أجزاء العلم من تنافر.

وخلاصة القول إن هنالك حقيقةً واحدةً كبرى تشمل الكون كله، داخلها حقائق فرعيةٌ جزئية، يكون تفسيرها وفهمها معتمِدًا على موضعها من البناء المتَّسِق المتكامل. أو قُل إن هنالك قضيةً أُولى منها تنبع كل قضية أخرى، بحيث يكون صِدق هذه متوقِّفًا على صدق تلك.

قارن هذا بوجهة النظر الأخرى التي تُعدِّد أجزاء الكون ولا تُوحِّدها؛ فالمعرفة الإنسانية في هذه الحالة تكون مجموعةً من قضايا لا يتوقف صِدق الواحدة منها على صدق الأخرى، بل يتوقف صدقها على مطابقتها للواقعة الجزئية التي جاءت القضية لتُصوِّرها؛ فبهذا يكون الكون هو حاصل جمع ظواهره ووقائعه، وليس هو بالكائن الواحد الذي يجعل من تلك الظواهر والوقائع أعضاءً من كلٍّ متكامل؛ وبالتالي تكون المعرفة الإنسانية قائمة من قضايا لا يُشترط لها أن تتساند كلها في نسقٍ واحد يجعلها جميعًا نتائج لمقدمةٍ أُولى واحدة.

وقائع العالم الخارجي مستقلٌّ بعضها عن بعض ولا يُستدلُّ بعضها من بعض، وإنما الاستدلال يكون لقضية من قضية أخرى أعم منها وتشملها، كأن أقول — مثلًا — إنه إذا لمع البرق قرقعَ الرعد، وقد لمع البرق، فهنا أستدل أن قرقعة الرعد وشيكة الوقوع. ويلاحَظ هنا أنه لو كانت القضايا التي بين أيدينا جزئية بمعنى أن كلًّا منها يُصوِّر واقعةً جزئيةً واحدة، لما أمكن أن نستدلَّ إحداها من الأخرى، ﻓ «هذا القلم أسود» و«تلك البرتقالة مستديرة» قضيتان جزئيتان فرديتان تتحدث كلٌّ منهما عن واقعةٍ بسيطة واحدة؛ وبالتالي فلا يمكن استدلال إحداهما من الأخرى.

فإذا نظرنا إذَن إلى الاختلاف بين مذهب الواحدية ومذهب الكثرة من زاوية المعرفة الإنسانية، أي من حيث مجموعة القضايا التي يُمكن للإنسان أن يقضيَ بها في أمور العالم، كان الاختلاف بينهما هو أن مذهب الواحدية يضمُّ قائمة القضايا كلها في نسقٍ استنباطي واحد، على حين أن مذهب الكثرة يَفرط حبَّاتها ليتمَّ تحقيق كلٍّ منها على حِدة مستقلَّةً عن الأخرى.

٣

ها نحن أولاء قد عرضنا أمامك رأيًا في الكون شاع بين الفلاسفة وإن يكن قد اتخذ لديهم صورًا مختلفة هنا أو هناك، ولكنها تجتمع على قاعدةٍ مشتركة، وهي محاولة الفيلسوف أن يقول قضيةً يقضي فيها عن الكون كله بحكم من الأحكام، بحيث تأتي سائر القضايا الفرعية بعد ذلك كالنتائج المحتومة التي تلزم عن مقدماتها؛ فماذا صار من أمر هذا التقليد الفلسفي على ضوء التحليلات الحديثة؟ لقد أظهرت هذه التحليلات أن كل قضية نحكم بها على مجموعة بأسرها من أعضاء، هي بغير معنًى، بل هي ليست بالقضية إطلاقًا، إنما هي ما يقولون عنه الآن «دالة قضية»؛ أي إنها عبارةٌ غير مكتملة الأجزاء، فيها ثغراتٌ شاغرة، إذا لم تُملأ بأسماءٍ جزئية لبِثَت القضية جوفاء فارغة، ودَع عنك قضيةً كبرى يقولها الفيلسوف لا ليحكم بها على هذه المجموعة الفرعية أو تلك من مجموعات الكائنات، بل يقولها ليحكم بها على الكون كله بما فيه ومن فيه.

ليس موقفنا إزاء فيلسوف يقضي في شأن الكون كله بحكمٍ واحد هو أن نُصحِّح له هذا الحكم بحكمٍ سواه؛ فمثلًا يقول عنه إنه عقل، فنقول له بل هو مادَّة، بل موقفنا هو أن كل حكم من هذا القبيل الشامل هو قول بغير مضمون، أو عبارة بغير معنًى؛ ذلك لأن تحقيقها كما هي قائمة في شمولها وعموها ضربٌ من المُحال، لا لأنها فوق مُستطاع البشر، وأنه لو رُزِق البشر إدراكًا أوسع وأعلى وأشدَّ نفاذًا، لاستطاعوا عندئذٍ أن يتحقَّقوا من صِدق مثل هذه العبارة الشاملة بحكمها لأجزاء الكون كله، بل إن مصدر الاستحالة هنا منطقيٌّ صِرف، فما دام هذا الحكم العام ينصبُّ — كما يزعم صاحبه — على الحقيقة الخارجية كما هي قائمة في الوجود الفعلي، فلا بد من الرجوع إلى تلك الحقيقة، ولكن هذه الحقيقة كما تقع في خبراتنا مجموعةٌ كبيرة من أجزاء؛ وإذَن فهذا الرجوع إليها مُحال إلا إذا اكتفينا في كل خطوة بالرجوع إلى جزءٍ واحد فقط من المجموعة الكبرى؛ ومعنى ذلك أنه لكي يكون الحكم ممكن التحقيق يجب أن ينصرف الحديث فيه إلى جزئيةٍ واحدة من جزئيات الكون؛ فإذا فرضنا بعد ذلك أننا قد أتمَمنا قائمةً طويلة بكافة الأحكام الجزئية التي تُقال صدقًا عن الوقائع الجزئية، كانت هذه القائمة شاملةً لعلمنا بالكون، ولو لخَّصناها في قضيةٍ واحدة عامة، كانت هذه القضية الواحدة في ذاتها بغير معنًى؛ لأن معناها لا يكون إلا إذا عُدنا ففضَضْناها حبَّةً حبَّة وجزءًا جزءًا.

إنك تستطيع أن تضم مجموعةً كبيرة من الكتب بعضها إلى بعض، ثم تحكم عليها حكمًا واحدًا فتقول: هذه الكتب كلها مسرحياتٌ عربية. ولكن حكمك هذا في حقيقة أمره إن هو إلا تلخيص لقائمة من الأحكام الجزئية التي ينصبُّ كل حكم منها على كتابٍ واحد، فنقول: هذا الكتاب مسرحيةٌ عربية، وهذا، وذلك إلى آخر المجموعة. فالقضية الحقيقية هنا، القضية التي يمكن التحقق من صدقها بالرجوع إلى واقعتها الخارجية، هي القضية الجزئية التي من هذا القبيل، أما تلخيص عدد من القضايا الجزئية في عبارةٍ واحدة، فإن أفادَ في اختصار الحديث وسرعة التفاهم إلا أنه لا يشير بذاته إلى شيء معيَّن من أشياء العالم، وإذَن فهو — كما هو في تعميمه — بغير معنًى، ولا يكتسب معنًى إلا إذا حوَّلناه مرةً أخرى إلى مفرداته.

لكننا نخطئ إذا نحن جمعنا المفردات في حزمةٍ واحدة، ثم حكمنا على هذه الحزمة الواحدة بما لا يصلح الحكم به إلا على كل عضو على حِدة من أعضاء المجموعة، كأن أجمع زيدًا إلى عمرو إلى خالد، ثم أُطلق على مجموعة الأعضاء اسمًا واحدًا هو «إنسان»، ثم أقول عن هذا «الإنسان» إنه «مفكِّر» أو إنه «فانٍ» مع أن التفكير أو الفناء صفةٌ يُوصَف بها زيدٌ وحده أو عمرٌو وحده أو خالدٌ وحده. وليس «الإنسان» فردًا واحدًا بحيث يقال عنه إنه يفكِّر أو إنه يفنى. إن كلمة «الإنسان» رمزٌ ناقص كما بيَّنَّا لك فيما مضى من حديث (انظر الفقرة الثالثة من الفصل الرابع)؛ أي إنه رمز لا يرمز وحده إلى أحد؛ وبالتالي لا يجوز أن يُنسَب له ما يُنسَب للآحاد. كلمة «إنسان» دالة على فئة بأسرها من الأفراد، ولا يجوز معاملتها كما لو كانت اسمًا دالًّا على عضو من أعضاء نفسها، فما بالك بكلمة «الكون» التي نشير بها إلى أكبر مجموعة ممكنة من الأشياء المفردة، فلو جعلناها موضوعًا نَصِفه بما نَصِف به أي فرد من أفراد هذه المجموعة، كأن نقول عنه إنه مادي مثلًا، كنا بمثابة من يجعله عضوًا من أعضاء نفسه، وفي ذلك من التناقض، بل في ذلك من فراغ القول من أي معنًى، ما يجعل هذا القول عند المنطق قولًا غير مشروع.

وذلك ما وضَّحه برتراند رسل وبيَّنه بتحليله الذي أطلق عليه اسم «نظرية الأنماط المنطقية»؛٣ وقد بدأ تفكيره في هذا الموضوع حين أخذ يُفكِّر في طائفة من المتناقضات التي كان يؤدِّي إليها المنطق الصوري، والتي لاحظ اليونان بعضها ولكنهم لم يأخذوها مأخذ الجِد، ثم تبيَّن أخيرًا أنها تشمل الرياضة نفسها، ومن هنا استثارت اهتمام فلاسفة التحليل الحديث.

فكلنا يذكر هذه المفارقة التي هبطت إلينا من اليونان الأقدمين على سبيل المزاح المنطقي — إن صح لنا هذا التعبير — وهي مفارقة إبمنديز الإقريطي الذي قال عن قومه أهل إقريطش إنهم جميعًا كذَّابون، فقيل إنه إذا كان هذا الرجل صادقًا في حكمه الشامل على قومه جميعًا — وهو أحدهم — كان هذا الحكم مُنصبًّا عليه كذلك؛ أي إنه كان هو الآخر كاذبًا في كل ما يقول، ومن بينه هذه العبارة التي يقول فيها عن قومه إنهم كذَّابون؛ وإذَن فالعبارة نفسها كاذبة؛ وبهذا يكون نقيضها صوابًا، ونقيضها هو: هنالك على الأقل شخصٌ واحد من أهل إقريطش ليس كاذبًا.

كانت هذه المفارقة تُقال على سبيل المزاح أكثر مما تقال على سبيل الجد الذي يحفز التفكير لیكشف عمَّا فيها من مصادر الخطأ، ولم يتحفَّز لها المفكِّرون إلا حديثًا، حين رأوا المفارقة نفسها قائمة في مجال التفكير الرياضي نفسه.

وابدأ بهذه المشكلة من مشكلات الرياضة؛ هل هناك عددٌ ممكن أن يقال عنه إنه أكبر عدد ممكن بين الأعداد الأصلية؟ إن مجموعات الأشياء في هذا العالم يتفاوت عددها؛ فالمصريون عددهم ثلاثة وعشرون مليونًا، وسكان الصين أربعمائة مليون، وسكان العالم كله هو كذا مليونًا. ولو عدَدت أفراد الحيوان كلها وجدتها كذا، ولو عدَدت أعواد النبات ألفيتها كيت … هذه كلها أعداد تعدُّ مجموعات، فهل إذا تصوَّرنا أننا قد عدَدنا أشياء العالم كلها من كائناتٍ جوامد إلى أفراد الأحياء نباتًا كان أو حيوانًا وإنسانًا، أقول هل إذا تصوَّرنا أنفُسنا وقد عدَدنا هذه الأشياء جميعًا، فهل نبلغ بذلك أكبر عدد ممكن من الأعداد التي نعدُّ بها المجموعات المختلفة؟ إن الجواب السريع الذي يطوف بالبال هو بالإيجاب؛ إذ لا نتصوَّر للوهلة الأولى أن هنالك مجموعةً من أشياء هي أكبر عددًا من مجموعة الأشياء كلها التي في الكون كله، ولكنك إذا أخذت تكوِّن من هذه الأشياء نفسها صُنوفًا من التباديل، تبيَّن لك أنك ستنتهي إلى مجموعاتٍ عددها أكبر من العدد الذي نعدُّ به الأشياء كلها. ولبيان ذلك افرض أن في العالم كله ثلاثة أشياء فقط، وارمز لها بالرموز أ، ب، ﺟ؛ فها هنا يكون العدد ثلاثة هو عدد أشياء العالم كلها، لكنك من هذه الأشياء الثلاثة تستطيع أن تُكوِّن فئات؛ فئة ليس فيها أفراد، وفئة قوامها أ وحدها، وأخرى قوامها ب وحدها، ورابعة قوامها ﺟ وحدها، وخامسة قوامها أ ب، وسادسة قوامها أ ﺟ، وسابعة قوامها ب ﺟ، وثامنة قوامها أ ب ﺟ معًا؛ أي إن مجموع الفئات التي كوَّنتها ثمانية، مع أن عدد الأشياء كلها ثلاثة، وتلك الثمانية تُساوي ٢٣، وستجد أنه مهما يكن عدد الأشياء كلها، ولنرمز له بالرمز ن، فسيكون عدد الفئات التي يمكنك تكوينها منها هو ٢ن، ومن الممكن رياضيًّا أن نُبرهِن على أن ۲ن هي دائمًا أكبر من ن، سواء كانت هذه عددًا مُتناهيًا أو غير مُتناهٍ؛ ومن هنا تعلم أن عدد الأشياء كلها في الكون هو دائمًا أصغر من عدد الفئات أو المجموعات التي يمكن تأليفها من تلك الأشياء.
وفي قولنا إن عدد الأشياء كلها التي في الكون ليس هو بأكبر عدد نعدُّ به الأشياء في الكون، مفارقة ظاهرة كالمفارقة التي رأيناها في قول إبمنديز الإقریطي حين قال عن قومه من أهل إقريطش إنهم جميعًا كذَّابون، فانتهى بنا القول نفسه إلى أن بعضهم — على الأقل — صادق؛ فكذلك قولك عن الأشياء كلها في الكون إن عددها ن ينتهي بك إلى أنها إذَن تكون أكثر من ن؛ إذ تكون ٢ن كما بيَّنَّا. وهي مفارقةٌ لا تزول إلا إذا فرَّقنا بين الأشياء الجزئية من جهة والفئات التي تتألَّف الجزئية من جهةٍ أخرى، بحيث لا نجعل هذه على قَدمِ المساواة مع تلك، بل نجعلهما من تلك الأشياء من نمطَين مختلفين.

يبدأ الخلط إذا ما عدَدتَ الأفراد الجزئية، ثم أضفت إليها في حزمةٍ واحدة وعلى الأساس نفسه عدد الفئات التي تُكوِّنها من تلك الأفراد؛ فلو كان أمامك فردان يُكوِّنان مجموعةً ما، يُكونان — مثلًا — زوجًا من الدجاج أو زوجًا من الأحذية، فإما أن تنظر إليها من زاوية الأفراد فيكون العدد اثنين، وإما أن تنظر إليها من زاوية المجموعة فيكون العدد واحدًا، دون أن تجمع بين وجهتَي النظر معًا في عددٍ واحد فتقول إن هناك ثلاثة أشياء؛ هذا الفرد وهذا الفرد والزوج الذي يتكوَّن منهما، وإلا كنت كفیلسوفٍ صيني قديم قال عن بقرة وحِصان إنهما ثلاثة أشياء؛ البقرة على حِدة، والحصان على حِدة، ومجموعة البقرة والحصان معًا؛ أو كنت كأفلاطون حين يقول في محاورة بارمنيدس ما مُلخَّصه أنه إذا كان هنالك العدد ۱، إذن فالعدد ۱ له وجود، ولكن العدد ١ وصِفة الوجود ليسا مُتطابقين تطابقًا ذاتيًّا يجعلهما شيئًا واحدًا بذاته، وإذَن فهما اثنان؛ وإذَن فهناك العدد ۲، وإذا ضمَمْنا العدد ۲ إلى العدد ۱ وإلى صفة الوجود كان لنا بذلك مجموعةٌ عددها ٣، وهكذا؛ كلا، إنه لا يجوز أن نحكم بالوجود على الأفراد الجزئية بنفس المعنى الذي نصرفه إلى الفئات، فإذا وصفنا الأفراد الجزئية بالوجود، كانت الفئات غير ذات وجود بنفس المعنى؛ فالمعنى الذي نقصد إليه إذا ما قلنا عن الفئات إنها «موجودة» غير المعنى الذي نقصد إليه إذا ما قلنا عن المفردات إنها «موجودة»، ولو كان المعنيان متطابقين في معنًى واحد، لكان العالم الذي فيه ثلاثة أشياء، نُكوِّن منها ثماني فئات، عالمًا يحتوي على أحد عشر كائنًا.

وننتقل بحديثنا الآن عن نقيضة الفئات التي ليست أعضاءً في نفسها؛ فكما أسلفنا لك القول، لا تكون مجموعة الأفراد فردًا من هؤلاء الأفراد، فمجموعة المقاعد ليست مقعدًا، ومجموعة أفراد الناس ليست فردًا من الناس، وهكذا، وباختصار ليست المجموعات أو الفئات التي نُصنِّف بها الأشياء، هي نفسها أشياء، وهذا بالطبع يَصدُق أيضًا على مجموعة الأشياء كلها التي في الكون، لا تكون شيئًا من أشياء الكون نتحدث عنه كما نتحدث عن أي واحد منها، لكن ماذا تقول في مجموعةٍ كبرى نضم فيها — لا أفراد فئة واحدة — بل نضم فيها سائر المجموعات التي في العالم من أشجار وأنهار وجبال وكتب وناس … إلخ؛ فها هنا نری أنفسنا إزاء فئة من فئات؛ أي إزاء مجموعة تضم مجموعات، فالأعضاء نفسها مجموعات كالمجموعة نفسها التي تضمُّها، فهل نقول عندئذٍ إن الفئة الكبرى التي أعضاؤها فئاتٌ صغری، تكون — كأعضائها — فئة كأي فئة أخرى وإن اختلفَت عنها حجمًا؟ لو كان هذا هكذا، كنا إزاء حالة أمكنَ فيها لفئةٍ ما أن تكون عضوًا من أعضاء نفسها كما قد يبدو للنظرة الأولى.

نُعيد هذا الذي قلناه في عبارة أخرى زيادةً في توضيحه؛ فقد قلنا إن فئات الأشياء المفرَدة كما نألفها في حياتنا اليومية لا تكون — بالبداهة — أعضاء بين أعضاء نفسها؛ أي إننا — مثلًا — لو حزمنا الأقلام كلها في مجموعةٍ واحدة، لما كانت هذه المجموعة قلمًا من الأقلام؛ وبهذا لا يجوز لنا أن نَصفها بما نَصف به كل قلم على حدة. ولما كانت الكلمات الكلية مثل «إنسان» و«شجرة» و«قلم» إن هي إلا أسماء تدلُّ على مجموعات من أفراد، بحيث لا تكون أية مجموعة منها فردًا من أفرادها، كان من غير الجائز أن نتحدَّث عن اسم المجموعة على نفس الأساس الذي نتحدث به عن كل فرد من الأفراد على حِدة. وسؤالنا الآن هو هذا: أيستحيل إطلاقًا على أية مجموعة كائنةً ما كانت أن تكون عضوًا في نفسها؟ ومصدر سؤالنا هذا هو ما قد يطوف بعقولنا من ظن بأننا نكون إزاء حالة كهذه لو أننا جمعنا لا أفرادًا بل فئات في فئةٍ كبرى تضمُّها بحيث تكون تلك الفئات الصغرى أعضاءً في الفئة الكبرى؛ فهنا قد نظن أن الفئة الكبرى فئة كما أن كل فئة من أعضائها هي فئة كذلك؛ وإذَن فالفئة الكبرى يكون شأنها شأن فئاتها الصغرى في كونها مجموعة كأي فئة من أعضائها؛ أي إن الفئة الكبرى في هذه الحالة تكون عضوًا من أعضاء نفسها، يجوز أن نتحدث عنها بمثل ما نتحدث به عن أي عضو من أعضائها. ولو صحَّ ذلك لكان للأمر نتيجته الهامَّة في الفلسفة، وهي أن يستطيع الفيلسوف التحدث عن الكون كله دفعةً واحدة باعتباره مجموعةً كبری، ما دام في مُستطاعه أن يتحدث عن أية فئة أخرى من فئات الأشياء. ونُكرِّر السؤال بالصورة التي يستخدمها برتراند رسل حين يتحدث عن هذا الموضوع، فنقول: إذا جمعنا الفئات التي لا تَصلُح الواحدة منها أن تكون عضوًا في نفسها، إذا جمعناها في فئةٍ واحدة، بحيث أصبحت هذه فئة للفئات التي ليست أعضاءً في نفسها، فهل تكون هذه الفئة عضوًا في نفسها أو لا تكون؟

هنا نضع إصبعنا على النقيضة المشهورة التي لاحظها رسل لأول مرة، وأرسل إلى فريجه يُخبره بها، وكان فريجه قد فرغ من طبع كتابه في أصول الحساب، فألفى نفسه إزاء نقيضة عسيرٌ حلُّها، فأضاف حاشية لكتابه يقول فيها: «وا أسفاه! إن عِلم الحساب يترنَّح على أساسٍ مُنهار.» وذلك لأنك إزاء السؤال السالف الذِّكر، لو قلت إن فئة الفئات التي لا تَصلُح كل واحدة منها أن تكون عضوًا في نفسها، لو قلت إن فئة الفئات هذه هي نفسها تكون عضوًا في نفسها، لترتَّب على ذلك أنها لا تكون، ولو قلت إنها لا تكون عضوًا في نفسها، لترتَّب على ذلك أنها تكون.

ولِشرح ذلك نقول: تصوَّر أننا حزمنا الأقلام كلها في مجموعةٍ واحدة، فهذه تكون فئة ليست عضوًا في نفسها؛ أي إنها ليست قلمًا أُضيفَ إلى سائر الأقلام؛ وتصوَّر كذلك أننا حزمنا الملاعق كلها في مجموعةٍ واحدة، فهذه أيضًا لا تكون عضوًا في نفسها؛ أي إنها لا تكون ملعقة تُضاف إلى بقية الملاعق، وهكذا؛ ثم اجمع هذه المجموعات التي لا تكون كلٌّ منها عضوًا في نفسها، اجمعها في مجموعةٍ كبری واحدة؛ فلو قلت عن هذه المجموعة إنها شبيهة بأعضائها في أنها ليست عضوًا في نفسها، كنت في الوقت نفسه بمثابة من يقول إنها إذَن — ما دامت شبيهةً بأعضائها — لا تكون عضوًا في نفسها (كتلك الأعضاء الداخلة فيها)، ولو قلت عن هذه المجموعة الكبرى إنها ليست شبيهة بأعضائها، أي إنها — على خلاف تلك الأعضاء — تكون عضوًا في نفسها، لَزِم أن تكون كأي عضو من أعضائها، والعضو من أعضائها — كما رأيت — فئة لا تكون عضوًا في نفسها. وهكذا تری نفسك إزاء التناقض الذي أشرنا إليه، والذي نُلخِّصه في قولنا: إن الفئة الكبرى التي تضمُّ فئات، إذا كانت عضوًا في نفسها لم تكن عضوًا في نفسها، وإذا لم تكن عضوًا في نفسها كانت عضوًا في نفسها.

فما مصدر هذا التناقض؟ مصدره نظرتنا — خطأً — إلى الفئات على نفس الأساس الذي ننظر عليه إلى الأفراد الجزئية، وفي هذا كل الخطأ؛ لأنه بينما الاسم المشير إلى فردٍ جزئي إنما يشير إلى شيء له وجود فِعلي، يكون الاسم الدال على فئةٍ غير مشير إلى شيءٍ ذي وجود فِعلي. بعبارةٍ أخرى، بينما الاسم الجزئي رمزٌ كامل يكون الاسم الكلي رمزًا ناقصًا؛ أي إن كل عبارة ورد فيها اسمٌ كلي يمكن ترجمتها إلى عبارةٍ أخرى تُساويها معنًى، وتتخلص من ذلك الاسم الكلي برمزٍ آخر يُشير إلى مجموعة أفراده. ولما كان لفظ «الكون» لفظًا يُراد به مجموعة من نمطٍ أعلى، بحيث تأتي تحتها مجموعات من نمطٍ أدنى، ثم تأتي تحت هذه المجموعات أفرادٌ جزئية، كان من غير الجائز أن نتحدث عن المجموعة الكبرى بما نتحدث به عن مجموعاتها الصغرى، كما أنه لا يجوز أن نتحدث عن أية مجموعة صغرى بما نتحدث به عن أفرادها.

القاعدة العامة — إذَن — هي أنه إذا كانت هنالك فئةٌ مهما يكن نوع مفرداتها، ثم أطلقتَ على هذه الفئة اسمًا، فلا يجوز أن تتحدث عن هذا الاسم بما تتحدث به عن مفرداتها؛ وعلى هذا الأساس تزول مفارقة إبمنديز الإقریطي الذي قال عن قومه جميعًا إنهم كذَّابون، فهل نطبِّق عليه هو نفسه هذا الحكم فيكون كاذبًا كسائر أفراد قومه؛ وبذلك يكون قوله ذاك كاذبًا؛ وبالتالي يكون بعض أهل إقريطش صادقين؟ أقول إن هذه المفارقة إنما نشأت لأننا نظرنا إلى عنوان القائمة نظرَتَنا إلى مفرداتها؛ فلو كنَّا قد جمعنا أقوال أهل إقريطش كلها في قائمةٍ واحدة، ثم قلنا عنها جميعًا إنها أقوال كاذبة، لما كان هذا القول الأخير واحدًا من تلك الأقوال الكاذبة؛ لأنه من نمطٍ أعلى من نمطها، وما نتحدث به عن نمطٍ أدنى لا يجوز أن نتحدث به هو نفسه عن نمطٍ أعلى؛ فقول إبمنديز الإقريطي قولٌ عامٌّ لا یكون عضوًا من أعضاء نفسه؛ أي إنه لا يكون هو نفسه أحد الأقوال التي ينطبق عليها حكمه ذاك.

وقُل هذا عن مجموعات القضايا؛ فافرض جدلًا أنك ستُعدُّ قائمةً طويلةً قوامها قضايا جزئية كلٌّ منها تتحدث عن واقعة من وقائع العالم، ثم افرض أنك حكمت على هذه القائمة من القضايا الجزئية حكمًا ما، كأن تقول مثلًا: «إنها جميعًا إما أن تكون صادقةً في تصويرها للواقع أو كاذبة.» فلا يجوز أن تعود فتقول عن هذه العبارة العامة نفسها إنها كذلك — كالقضايا المشمولة بحكمها — إما صادقة في تصوير الواقع أو كاذبة، ولو فعلت وقعت في نفس الخطأ الذي أشرنا إليه، وهو حكمك على الفئة في مجموعها بما تحكم به على أفرادها، مع أن الفئة لا تكون عضوًا في نفسها.

إن وقائع العالم تتركَّب على درجاتٍ تتفاوت تعقدًا كلما ارتفعنا معها صعودًا؛ فهنالك في الدرجة السفلى جزئيات هي البسائط التي يتركَّب منها العالم — كائنةً ما كانت — وافرض أنها أ، ب، ﺟ؛ ومن هذه البسائط تتركَّب وقائع بأن يشترك عنصران أو أكثر بعلاقةٍ ما، وتكون هذه الوقائع بسيطةً لأنها تنحلُّ إلى بسائط، كأن تكون «أ على يمين ب»، ثم من هذه الوقائع البسيطة تتركَّب وقائع مركَّبة، والواقعة المركَّبة قوامها واقعتان بسيطتان أو أكثر، كأن تكون مثلًا «أ» على يمين «ب»، و«ب» على يمين «ﺟ»، وكلها في خطٍّ مستقيم واحد، فتكون «أ» على يمين «ﺟ». هكذا تزداد الوقائع في درجة تركيبها، ويُقابِل ذلك في لغتنا التي نُصوِّر بها العالم درجات متفاوتة كذلك؛ فهنالك في الدرجة الدنيا أسماءٌ نُسمِّي بها البسائط الجزئية في عالم الواقع، ثم هنالك قضایا بسيطةٌ نُصوِّر بها الوقائع البسيطة، وقضايا مركَّبة نُصوِّر بها الوقائع المركَّبة وهكذا. ونريد الآن أن نقول إن القول الذي يَصلُح لدرجة من هذه الدرجات لا يصلح لدرجةٍ أعلى منها، فما تقوله عن أفرادٍ جزئية لا يصحُّ أن تقوله عن قضايا بسيطة، وما تقوله عن قضايا بسيطة لا يصحُّ أن تقوله عن قضايا مركَّبة، والعكس صحيح أيضًا.

فإن جاز لنا أن نَصف القضية البسيطة بأنها صادقة أو كاذبة حسب تصويرها أو عدم تصويرها للواقعة التي جاءت تُصوِّرها، فلا يصحُّ أن نقول هذا القول نفسه على الأسماء الداخلة في تكوين القضايا، فلا يجوز أن نقول عن اسم ﮐ «العقاد» مثلًا إنه صادق أو كاذب؛ فذلك يكون عندئذٍ كلامًا بغير معنًى.

وكذلك الحال في أي مجموعة نُكوِّنها من درجات تتفاوت علوًّا؛ فما يَصلح من القول في درجةٍ دنيا لا يَصلح هو نفسه للدرجة التي هي أعلى منها في سُلَّم التفاوت؛ فتستطيع أن تتصوَّر تجميعنا لفئات الأشياء التي في العالم يتمُّ على نحوٍ يجعل فئةً أعمَّ من فئة، فاجمع أفراد الناس في فئة «إنسان»، وأفراد الجِياد في فئة «حصان»، ثم اجمع هذه الفئات نفسها في فئةٍ أعلى هي فئة «حيوان»، وهكذا دوالَيك صعدًا؛ تصبح هذه الدرجات المتفاوتة في درجة التعميم «أنماطًا»، وما يَصلُح من القول لنمطٍ أدنى لا يَصلُح لنمطٍ أعلى؛ أعني أن ما يَصلح في مجال القول للأفراد الجزئية لا يَصلح هو نفسه لنمط الفئات التي تتكوَّن من تلك الأفراد مباشرة، ثم ما يَصلح في مجال القول لهذه الفئات التي من النمط الأول لا يَصلح لفئاتٍ أعلى منها وأعم، والتي نقول عنها إنها فئات من النمط الثاني، وهكذا.

افرض أن في العالم ثلاثة أشياء، هي أ، ب، ﺟ؛ فمن هذه الأشياء الثلاثة يمكن تكوين ثماني فئات من أفراد؛ أي ٢٣ كما أسلفنا، ومن هذه الفئات الثمانية يمكن تكوين ۲٨ فئات من فئات الأفراد (٢٥٦)، ومن هذه المجموعة من فئات الفئات يمكن تكون ۲٢٥٦ من فئات لفئات فئات الأفراد، وهكذا إلى غير نهاية؛ فإذا سألنا أنفسنا السؤال الذي سبق لنا إلقاؤه وهو: هل هنالك عدد هو أقصى عدد يمكن أن نعدَّ به ما في الكون؟ كان الجواب هو أن ذلك ممكن لو حصَرْنا أنفسنا في كل درجة من تلك الدرجات على حِدة، فيمكن — منطقيًّا — أن أتصوَّر عددًا أقصى لما هنالك من أفرادٍ جزئية، وعددًا أقصى لما هنالك من فئات تتألَّف من تلك الأفراد، وعددًا أقصى لما هنالك من فئات تتألَّف من فئات الأفراد، وهكذا، لكنه مستحيل إذا أردنا عددًا أقصى يعد كل ضروب الأفراد والفئات على اختلاف درجاتها؛ لأن هذه الدرجات تعلو إلى غير نهاية. ولمَّا كان «الكون» في مجموعه الكلي المُطلَق هو هذه الدرجات اللانهائية كلها، كان حصرُ القضايا التي تحكم على عناصره كلها مُحالًا؛ وبالتالي كان مُحالًا أن نُلخِّص الحكم عليه في قضيةٍ عامة واحدة، أو في مبدأ أوَّل واحد.

٤

ها نحن أولاء قد رأينا أن كل حديث عن الكون هو حديثٌ فارغ لا يعني شيئًا، وسننتقل الآن بحديثنا خطوةً أخرى لنقول إن كل قول يقوله قائل عن شيءٍ ما، لا يعني به ظواهر ذلك الشيء، هو أيضًا قولٌ فارغ لا يعني شيئًا.

فمنذ القِدم القديم وإلى يومنا هذا والناس تخدعهم لغاتهم التي خلقوها لأنفسهم بأنفسهم، بحيث إذا رأوا في التركيب اللغوي مبتدأً وخبرًا ظنوا أن المبتدأ شيءٌ غير الخبر المقول عنه، كأنما الانفصال المحتوم في أجزاء الجملة يقابله بالضرورة انفصالٌ محتوم أيضًا في أشياء العالم كما تقع؛ فإذا قُلت هذه البرتقالة صفراء أو هذه البرتقالة مستديرة، سبَق إلى وهمي أن البرتقالة شيءٌ غير لونها الأصفر وغير استدارتها. أو بعبارةٍ عامة، فإنني أتوهَّم أن وراء هذه الصفات كلها «برتقالة» هي التي تُوصَف بتلك الصفات، أو هي التي تحمل تلك الصفات، حتى لقد أطلقوا في الاصطلاح المنطقي اسم «المحمول» على أمثال هذه الصفات التي نفرض فيها أنها محمولة على شيءٍ ما، ثم يمضي بي الوهم إلى افتراض وجود هذا «الجوهر» الخفي الذي يحمل على ظهره مجموعة الصفات، حتى لَيُخيَّل إليَّ أنني إذا ما جرَّدت هذه الصفات عن حاملها واحدةً بعد واحدة، بقيَ الحامل خالصًا من صفاته أو جوهرًا صافيًا. قل هذا في كل شيء؛ قُلْه في الفرد من الإنسان إذ تراه يحمل مجموعة صفاته الظاهرة، لكنك تُضيف من عندك حاملًا خفيًّا هو الذي يحمل تلك الصفات، وقد تَفنى الصفات وتزول ويبقى الحامل أو الجوهر، وهو ما نُسمِّيه في هذه الحالة «روحًا» أو «نفسًا». وقد ترى هذا الفرد من الإنسان «يفكِّر» في مسائل عدة؛ يفكِّر تارةً في علم، وتارةً في قضاء شئونه العملية؛ فتقول لنفسك — جريًا على سُنَّتك — ما الذي يفكِّر هذه الأفكار كلها؟ هل يبقى شيء هناك إذا ما جرَّدنا هذا الإنسان عن مواقفه الجزئية التي يُفكِّر فيها هذه الفكرة أو تلك؟ إن جوابك سيكون: إن عقلًا خالصًا سيبقى، وسيكون هو «الجوهر» الذي ما كانت تلك الأفكار الجزئية إلا حالاته الظاهرة.

ويقول القائلون بهذا «الجوهر» يفترضونه في كل شيء كامنًا وراء الظواهر، والكثرة الغالبة من الفلاسفة هم من القائلين به، يقول هؤلاء إنه بغير افتراض هذا «الجوهر» الذي تجيء شتَّى الصفات فتصفه، وتجيء شتَّى العلاقات فتصله بغيره، إنه بغير افتراض هذا «الجوهر» مجرَّدًا عن صفاته وعلاقاته، فلا يمكن تصوُّر طريقة أخرى يتوحَّد بها الشيء الواحد؛ فما الذي جعل هذه البرتقالة «واحدة» رغم كثرة صفاتها وكثرة علاقاتها بغيرها من الأشياء؟ وما الذي جعل هذا الفرد من الإنسان «واحدًا» رغم كثرة حالاته المتآنية والمتعاقبة؟ والسؤال نفسه تسأله عن «الكون» كله، ما الذي يجعله كونًا «واحدًا» رغم كثرة ما فيه من أشياء وما لها من صفات وما بينها من علاقات؟ هل يمكن أن يتوحَّد كل واحد من هذه الآحاد إلا إذا فرضنا فيه مِشجبًا خفيًّا تتعلَّق به هذه الصفات الكثيرة فتصير على كثرتها شيئًا واحدًا؟ ولكن ماذا عسى أن يكون هذا «الجوهر» الذي نفترضه في الشيء لنُفسِّر وحدته؟

لعل أقرب إجابة إلى القبول هي تلك التي أجاب بها رُوَّاد الفلسفة الحديثة ديكارت ولُكْ وغيرهما، وهي الإجابة التي تجعل «جوهر» الشيء طائفة من صفاته، هي التي أطلقوا عليها اسم «الصفات الأولية»؛ فعلى هذه الصفات الأولية تنبني صفات الشيء الأخرى، التي أسمَوها ﺑ «الصفات الثانوية»؛ فاستدارة الشيء المستدير صفةٌ أوَّلية فيه، وكل جانب من جوانب الشيء يمكن قياسه قياسًا كَميًّا رياضيًّا هو كذلك من صفاته الأولية، لكن هذه الصفات الأولية إذا ما تأثَّرت بها الحواس، تولَّدت عنها صفاتٌ أخرى كاللون والطعم، هي صفات الشيء الثانوية؛ فلئن كان للشيء جانبٌ موضوعي يمكن أن يكون هو مدار التفكير العلمي الثابت الذي لا يختلف عند شخص عنه عند شخص آخر فذلك هو صفاته الأولية كشكله وحجمه، وهو هو نفسه ما يجوز لنا أن نُسمِّيه «جوهر» الشيء. وأما الصفات التي يتم تكوينها داخل الذات المدرِكة بناءً على تلك الصفات الأولية، فهي من الشيء جانبه الذي لا يصلح أن يكون موضوعًا لتفكيرٍ علمي، وهو هو الذي نُسمِّيه «أعراضًا» تطرأ على «الجوهر».

كان نیوتن وجاليليو من علماء النهضة الأوروبية يأخذان بهذا التمييز بين الجانب الرياضي والجانب الذاتي من كل شيء على حِدَة، ومن العالَم بصفةٍ عامة، لِيَحصرا البحث العلمي في الجانب الرياضي وحده من الأشياء؛ أي في جانب صفاتها الأولية دون صفاتها الثانوية، لكن هذه التفرقة بين طائفة وأخرى من صفات الشيء الواحد، لنجعل إحداها «جوهرًا» والأخرى «عرَضًا»، لا تُزيل المشكلة كما تُوهِمنا بها اللغة وتراكیبها النحوية؛ لأننا نتحدث عن شيءٍ ما بصفاته الأولية وبصفاته الثانوية على السواء، كأنما الشيء الذي نتحدث عنه هو جانب مستقلٌّ عن كلتا الطائفتين من الصفات؛ فلا فرق بين قولي «هذه البرتقالة مستديرة» وقولي «هذه البرتقالة صفراء»، فكلا القولين يفرض موصوفًا في ناحية وصفةً في ناحيةٍ أخرى، سواء كانت تلك الصفة أوليةً كالاستدارة، أو ثانويةً كاللون الأصفر؛ وإذَن فلا يزال السؤال قائمًا: ما هو هذا الشيء الذي نصفه بهذه الصفة أو بتلك؟

هذا إلى أنَّ تفرقتنا بين الصفات الأولية من ناحية والصفات الثانوية من ناحيةٍ أخرى، لنجعل من الأولى جوهرًا تطرأ عليه الثانية أعراضًا، أقول إنَّ تفرقتنا هذه لو أقمناها على أساس أن الصفات الثانوية معتمِدة على إدراكنا الحسي، فلا لون بغير عين ولا صوت بغير أذن ولا طعم بغير لسان، فكذلك نجد الصفات الأولية مُحالًا عزلُها عن الحواس؛ لأنني لا أعرف عن الشيء استدارته إلا بالنظر واللمس. أضِف إلى ذلك أنه إذا كانت الصفات الثانوية لا تنشأ أبدًا إلا مرتكزةً على صفاتٍ أولية، فكذلك الصفات الأولية لا تكون أبدًا من غير صفات ثانوية، فنحن لا نرى في خبراتنا استدارةً مجرَّدة، بل نرى الاستدارة في أشياء مستديرة؛ أي نراها في شيء يَشغل حيِّزًا من مكان؛ وبالتالي يكون ذا لون يُمكِّننا من رؤيته.

فلا عَجب إزاء هذا كله أن نرى بين الفلاسفة أنفسهم الذين قالوا بقسمة الصفات طائفتين، أولية وثانوية، فيلسوفًا مثل «لُكْ» يلجأ إلى تفسير «الجوهر» الذي يُمسك بظواهر الشيء وصفاته بحيث يجعله شيئًا واحدًا، يلجأ إلى تفسير هذا الجوهر بنواةٍ مجهولة يفترض وجودها، لتكون «مَصطبة»٤ ترتكز عليها الصفات. وهذه النواة المجهولة هي التي تجعل معنًى لعباراتنا التي نقولها عن شيءٍ ما؛ لأننا عندئذٍ إذا قلنا هذه البرتقالة مستديرة أو هذه البرتقالة صفراء، كانت الاستدارة وكان اللون الأصفر على حدٍّ سواء صفتَین طرأتا على «جوهر» هو نواةٌ خافية لا بد من افتراضها عقلًا لنفهم معنى الكلام الذي نقوله.

ولكننا بهذا الرأي نَنساق إلى موقف من يقولون إننا نجهل حقائق الأشياء؛ فنحن — عند هؤلاء — لا نعرف عن الشيء — جمادًا كان أو حيًّا وعاقلًا — لا نعرف عنه إلا صفاته، أما جوهره الذي تتعلَّق به صفاته فلا سبيل أمامنا إلى العلم به.

ولسنا في الحقيقة ندري ماذا يصنع الإنسان بهذا «الجوهر» الذي يزعمه له الفلاسفة؟ هل يزيدنا علمًا بهذه الزهرة أو بهذا القلم أن نعلم أن له وراء ظواهره البادية جوهرًا؟ أليس قولنا إن صفات القلم التي هي أ، ب، ﺟ، د، ترتبط معًا في شيءٍ واحد بفضل «جوهر» يُوحِّد بينها، مُساويًا لقولنا إن هذه الصفات موحَّدة على نحو لا ندري من أمره شيئًا؟ إن جَهْلنا واحد في كلتا الحالتين، ولا يُزيل منه شيئًا أن نعلم أن توحيد الصفات في الشيء الواحد يتم بفضل «جوهر» خفي مجهول. ولو كان الجوهر أصلًا وصفاته فروعًا طرأت عليه وكان يمكن لها ألا تطرأ لأنها ليست جزءًا من طبيعته، لأمكن لنا أن نتصوَّر كيف يكون «الجوهر» بغير صفاته؛ فحاوِل إن استطعتَ أن تُزيل عن البرتقالة شكلها ولونها وطعمها وسائر صفاتها البادية للحواس، وقل لي بعد ذلك ماذا يبقى منها بين يدَيك؟ لا شيء، وهذا العدم هو الجوهر المزعوم.

إذَن فبماذا نُجيب السائل إذا سأل: ماذا يُوحِّد ظواهر الشيء المختلفة بحيث يجعل منها شيئًا واحدًا؟ نُجيبه بقولنا إنه لا وحدة هناك حتی نكدَّ في السعي بحثًا عنها، إنه لا وحدة هناك في شيء، وإن هو إلا وهمُنا الذي يُخيِّل إلينا أن ظواهر الشيء الواحد مرتبطةٌ بعضها ببعض، ومصدر هذا الوهم — كما يقول هیوم — هو اعتيادنا الربط بين شكل ولون وطعم … إلخ في لحظةٍ إدراكيةٍ واحدة، بحيث يَسهُل على خيالنا بعد ذلك أن ينزلق من صفة إلى أخرى انزلاقًا يجعلها تبدو جميعًا وكأنما هي وحدةٌ متماسِكة.

يقول هيوم في ذلك إن الذاتية التي نَخلعها على الشيء هي من خلقِ خيالنا وليست هي بذات وجود واقعي في الشيء نفسه؛ فحيث يَسهُل انتقال العقل من إحدى حالات الشيء إلى حالةٍ أخرى، نزعم أن بين الحالتين ذاتيةً تُوحِّد بينهما، وأما حيث يتعذَّر على العقل مثل هذا الانتقال السهل فها هنا ترانا نتشكَّك في أن تكون بين الحالات المختلفة ذاتيةٌ تُوحِّد بينها؛ فانظر مثلًا إلى كتلة من الصخر، ثم افرض أن زيادةً طفيفة أُضيفت إليها بحيث يتعذَّر عليك إدراك الفرق بين الحالتين، قبل الزيادة وبعدها، فعندئذٍ يَسهُل على العقل أن ينتقل من حالة الصخر الأولى إلى حالته الثانية؛ ولذلك نحكم بأن الصخرة التي نحن بصددها «واحدة» وذات وجود متَّصل، أما إذا أُضيفت إلى الصخرة إضافةٌ كبيرة ملحوظة، أو قُطعَت منها قطعةٌ كبيرة ملحوظة، بحيث لا يَسهُل الانتقال بين الحالتين انتقالًا فيه انزلاقٌ لا تعثُّر فيه، لِما بين الحالتين من اختلافٍ ظاهر؛ فعندئذٍ نقول عن الصخرة إنها لم تعد هي هي، وإنها فقدت ذاتيَّتها واستمرار وجودها.

والأمر في الجزء المضاف أو الجزء المحذوف، هل هو كبيرٌ ملحوظ، أم هو صغيرٌ غير ملحوظ، أمر نسبة؛ فقد تُضيف جبلًا بأسره إلى كوكب، ومع ذلك تقول إن الكوكب لم تتغيَّر ذاتيَّته ولم ينقطع وجوده المستمر على حالةٍ واحدة، بينما قد تُضيف جزءًا صغيرًا أو تحذف جزءًا صغيرًا من جِرمٍ صغير فيظهر التغير ظهورًا واضحًا يحملنا على القول بأن ذلك الجِرم لم يعد هو هو، بل أصبح شيئًا آخر؛ فالأمر كله موكول إلى سهولة انتقال الفكر بين الحالة قبل حدوث التغير والحالة بعده؛ فإن كان انتقالًا سهلًا حكَمنا بأن الشيء ما زال محتفظًا بذاتيَّته، وإن كان متعذِّرًا متعثِّرًا حكَمنا بزوال ذاتيَّته.

يؤيِّد هذا أن التغير الطارئ حتى إن كان تغيرًا جسيمًا في النهاية، لكنه حدثَ تدريجًا وفي بطء، فلم نتمكن معه أن نلحظ التغير إلا بعد أن تَبعُد الشُّقَّة بين الطرف الأول والطرف الأخير، فإننا خلال تغيُّر كهذا نظل نحكم بأن الشيء محتفظ بذاتيَّته وذو وجود متصل؛ ذلك لأن انتقال الفكر من حالة إلى الحالة التي تليها سهلٌ بحيث لا نتنبَّه عند كل مرحلة أنها مرحلةٌ جديدة تختلف عن سابقتها؛ هكذا نظل خلال التغيرات المتدرِّجة، حتى إذا ما بعُدَت الشُّقَّة بين الحلقة الأولى والحلقة الأخيرة، استيقظنا إلى ما قد حدثَ من اختلاف، وأخذنا في الارتياب والتشكك بأننا في الحقيقة قد أصبحنا إزاء شيء آخر مختلف عن الشيء الأول، وأنه لم تعُدْ بين الشيئين ذاتيةٌ تُمسكهما معًا في كائنٍ واحد.

وكذلك مما يميل بخيالنا إلى توهُّم الذاتية في أجزاء الشيء الكثيرة، أن يكون لهذه الكثرة من الأجزاء هدفٌ واحد؛ فافرض مثلًا أننا قد غيَّرنا بعض الأجزاء في سفينة، فإننا سنظل نقول عن السفينة إنها هي هي لم تتغيَّر؛ لأن أجزاءها — قديمها وجديدها — ما زالت مجتمعةً على هدفٍ واحد؛ ومن ثَم يَسهُل على الفكر أن ينتقل من حالة السفينة قبل إصلاحها إلى حالة السفينة بعد إصلاحها، فيحكم عليها بالتالي أن لها ذاتيةً واحدة لم تتغيَّر.

ولئن كان الشيء الجامد — كالسفينة في المثل السابق — ترتبط أجزاؤه في ذاتيةٍ واحدة بسبب اشتراك تلك الأجزاء في هدفٍ واحد، فإن الكائن الحي — نباتًا كان أو حيوانًا — لَيُضيف إلى هذا الاشتراك في الهدف عنصرًا آخر، وهو أن الأجزاء معتمِدٌ بعضها على بعض؛ وبهذا يزداد خيالنا إمعانًا في توهُّمه بأن أجزاء النبتة الواحدة أو الحيوان الواحد مصبوبةٌ كلها في ذاتيةٍ تُوحِّد بينها في كائنٍ واحد، حتى إن النبتة الواحدة أو الحيوان الواحد قد يُصيبه من التغير على مَرِّ الزمن ما يجعله جِدَّ مختلف عمَّا كان عليه في كثير من الوجوه، ومع ذلك يظل الإنسان يحكم عليه بأنه ما زال هو هو لم يتقطع مجرى وجوده، ولم تزُل عنه فرديته وذاتيته؛ فشجرة البلُّوط التي تنمو من نبتةٍ صغيرة حتى تصبح شجرةً سامقة، نقول عنها إنها ما زالت — رغم هذا الاختلاف البعيد بين الطرفين — هي هي شجرة البلوط الواحدة، مع أنه لم يعد من وجودها الأول ذرَّة واحدة على حالها، ولا احتفظَت بشيء من هيئتها الأولى. وقُل ذلك بعينه في الرضيع يصبح رجلًا، وفي الرجل تزيد بدانته أو يُصيبه الهُزال، فسنظل نقول عنه إنه هو هو بعينه ذلك الذي كان؛ إذ نزعم له ذاتيةً واحدة دائمة متصلة. ٥

مبدؤنا — إذَن — هو أن الذاتية التي نخلعها على أي شيء لنجعل منه كائنًا واحدًا، على الرغم من أنه في حقيقته مجموعةٌ كبيرة من حالاتٍ مختلفة، إنما تَنشأ حينما يكون انزلاق الخيال خلال هذه الحالات سهلًا يسيرًا، فتُوهِمنا سهولة الانتقال من حالة إلى الحالة التي بعدها فالتي بعدها وهكذا، بأن هذه الحالات في حقيقتها كائنٌ واحد ذو ذاتيةٍ واحدة، ولا نستيقظ إلى حقيقته المتكثِّرة إلا حين يَعسُر هذا الانتقال.

ولا يشذُّ الإنسان نفسه عن هذا المبدأ؛ فالفرد الواحد من الناس — أنا وأنت — لا وحدانية فيه إلا ما يخلقه الوهم، وأما حقيقته فهي سلسلة من حالاتٍ متعاقِبة منذ يُولَد حتى يموت؛ فهو في الحقيقة سيرة من حوادث، لا ذاتية واحدة متصلة الوجود على مرِّ أيام عمره — دع عنك أن يتصل وجودها بعد أيام عمره — ولمَّا كان انتقال الرائي من حالة إلى الحالة التي تليها فيمن يتعقَّب حالاته من أفراد البشر انتقالًا سهلًا، لأن الاختلاف بين الحالتين يكون جِدَّ ضئيل في معظم الأحيان، هان على ذلك الرائي أن يفرض في صاحب تلك الحالات وحدانية الذات، بحيث يجعله اليوم هو نفسه ما كان بالأمس. وهكذا أيضًا يقول الإنسان عن نفسه إنه فردٌ واحد متصل الوجود على الرغم مما يطرأ عليه من تغيُّر؛ ولذلك ترانا نختلق من عندنا كائنًا خفيًّا نتوهَّم وجوده داخل الإنسان، ونُسمِّيه نفسًا، لننسب إليها في وحدتها ودوام وجودها وحدةَ صاحبها ودوامَ وجوده.

ولكن هل تدرك «نفسًا» في باطنك إذا ما راقبت حالاتك الشعورية وهي تتعاقب واحدةً بعد أخرى، أم إن كل ما تدركه هي تلك الحالات ولا شيء سواها؟ يقول هيوم في هذا الصدد قوله المشهور: «أما عن نفسي، فإنني إذا ما توغَّلتُ في هذا الذي أُسمِّيه «نفسي» توغلًا أحاول به أن أكون على صلةٍ مباشرة بها، فلا أراني دائمًا إلا عاثرًا على هذا الإدراك الجزئي أو ذاك، كأن أقعَ على إدراك لحرارة أو لبرودة، أو نور أو ظل، أو حب أو كراهية، أو ألم أو لذة، ولم أستطِع قطُّ أن أُمسِك ﺑ «نفسي» في أية لحظة من اللحظات دون أن يكون هنالك حالةٌ إدراكية معيَّنة، ثم لم أستطِع أبدًا أن ألحظ من نفسي إلا تلك الحالة الإدراكية وحدها، فإذا ما زالت إدراكاتي لفترةٍ معيَّنة، كما يحدث مثلًا في حالة النوم العميق، فإني لا أكون عندئذٍ على وعي ﺑ «نفسي» حتى لَيُمكن حقًّا أن يُقال عني إني لست موجودًا.»٦

ذلك ما قاله هيوم — وما نقوله نحن أنصار التجريبية العلمية اليوم — فليس في الشيء مهما يكن إلا مجموعة ظواهره، وليس بنا حاجة أن نبحث في الغيب عن مبدأ يُوحِّد تلك الظواهر في «شيء»؛ لأنه ليس في شيء كائنًا ما كان وحدةٌ إلا ما يُوهمنا بها خيالنا؛ فلما قرأ ذلك «كانْت» أيقظه من سُباته وراح يُفكِّر في الأمر؛ إذ لم يتصور كيف يمكن لصفاتٍ نُدركها فُرادی متفرِّقات، فلونٌ هنا وطعمٌ هناك، أن ترتبط على نحوٍ آلي في أذهاننا بحيث تتكوَّن وحدةٌ للشيء المتَّصف بتلك الصفات؟ كلا — هكذا كان موقف «كانْت» — إن وحدة الشيء الواحد حقيقةٌ غير منكورة، وبقيَ علينا بیانُ مصدرها؛ ومصدرها عنده هو فاعلية العقل في انتباهه إلى الشيء ذي الصفات الكثيرة؛ فعندئذٍ تبدو هذه الصفات الكثيرة للعقل محمولةً على موضوعٍ واحد لأننا «نحن» الذين نُوجِّه انتباهنا إليها معًا في فعلٍ إدراكي واحد، أو إن شئت فقل في عمليةٍ انتباهية واحدة؛ وإذَن فوحدة الشيء الذي نراه واحدًا — وهي وحدةٌ لا يتردَّد فيها إدراكنا الفطري — مصدرها العقل المدرِك نفسه، وليست هي في الشيء الموحَّد ذاته؛ فهذا الشيء يُعطينا كثرةً من صفاتٍ متفرقة، ثم ننتبه نحن إلى مجموعة منها انتباهًا واحدًا، فنوحِّدها بفاعلية انتباهنا ذاك توحيدًا يضمُّها بعضها إلى بعض وكأنما هي متجمِّعةٌ كلها حول محورٍ واحد يكون موضوعًا لها وتكون محمولات له؛ وبذلك الضمِّ الذي يجمع الأشتات حول مَحاورَ تُثبِّتها وتُوحِّد بينها، نخلق بأنفسنا — في رأي «كانْت» — عالَمًا منظَّمًا من إحساساتٍ تأتينا من الخارج خليطًا وفوضى.

ومما يهمُّنا أن نُلاحظه هنا أن «كانْت» يتفق مع «هيوم» في نقطةٍ رئيسية، وهي أن ما يأتي من الخارج حالاتٌ متفرِّقات، وسواء بعد ذلك ارتبطت هذه المتفرقات في داخلنا بفعلٍ انتباهي واحدٍ كما يقول «كانت»، أو ارتبطت على أساس الترابط الآلي في مختلف صوره التي ذكرها «هیوم»، فربطُها في شيء «واحد» هو أمرٌ يتمُّ داخل الإنسان ولا يكون قائمًا في العالم الخارجي على كل حال؛٧ فليس يهمُّنا نحن في هذا السياق أن نسأل «كيف» يقوم الإنسان بتوحيد ما هو في حقيقته أشتاتٌ مُفرَّقة، إنما الذي يهمُّنا أن نعلم أن الشيء الخارجي — والعالم بصفةٍ عامة — هو هو ظواهره في تعدُّدها وتكثُّرها وتحوُّلها وتغيُّرها، والبحث عمَّا يكون وراء ذلك من وحدانية وثبات ودوام هو بحثٌ في غير موضوع.

إننا نُذكِّر القارئ بمذهبنا في مهمة الفلسفة، وهو مذهبٌ يجعل الفلسفة تحليلًا منطقيًّا لقضايا العلوم، ولا يُلقي على الفيلسوف تبعة الحديث عن العالم وأشيائه؛ فإن كنَّا نزعم هنا أن الشيء أو أن العالَم إن هو إلا مجموعة ظواهره ولا شيء وراء ذاك، فلسنا نريد بهذا أكثر من القول بأننا في أية عبارة لغوية ذات معنًى، نستطيع أن نستبدل بالأسماء الواردة فيها رموزًا أخرى تُشير إلى خبراتٍ حسية؛ فإن صادفَتْنا عبارةٌ تنطوي على كلمة أو كلمات مستحيل ترجمَتُها إلى مثل هذه الرموز الدالة على مُعطَيات الحس، كانت عبارةً بغير معنًی.

١  F. H. Baradley (١٨٤٦–١٩٢٤م).
٢  Appearance and Reality.
٣  راجع هذه النظرية في أحد هذه الكتب من مؤلفات رسل:
  • Principia Mathematica.
  • Introduction to Mathematical Philosophy.
  • Logic and Knowledge.
٤  Substratum باصطلاح لُك.
٥  Hume, Treatise of Human Nature (ed. Selby-Bigge)، ص٢٥٥–٢٥٧.
٦  المصدر السابق، ص٢٥٢.
٧  Taylor, A. E., Elements of Metaphysics، ص١٣٤.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢