الفصل الخامس

ليكن مزيد من الظلام

للكون الذي نعرفه الآن جانب مضيء وآخر مظلم. يضم الجانب المضيء كل الأجرام السماوية المألوفة؛ كالنجوم، التي تتجمع بالمليارات في مجرات، إضافة إلى الكواكب وغيرها من الحطام الكوني الأصغر الذي قد لا ينتج ضوءًا مرئيًّا، لكنه يطلق أنواعًا من الإشعاع الكهرومغناطيسي، كالأشعة تحت الحمراء أو موجات الراديو.

وقد اكتشفنا أن الجانب المظلم من الكون يضم المادة المظلمة المحيرة، التي لا يمكن اكتشافها إلا من واقع تأثير الجاذبية الذي تمارسه على المادة العادية، وخلاف ذلك يظل شكلها وتكوينها أمرًا مجهولًا بالكامل. قد يكون قدر يسير من هذه المادة مجرد مادة عادية تظل غير مرئية لأنها لا تنتج أي إشعاع يمكن اكتشافه. لكن كما أوضحنا في الفصل السابق، أغلب المادة المظلمة يتألف بالتأكيد من مادة أخرى مختلفة عن المادة العادية لا تزال طبيعتها تستعصي على الفهم، باستثناء قوة الجاذبية التي تمارسها على المادة العادية.

خلاف كل القضايا المتعلقة بالمادة المظلمة، للجانب المظلم من الكون وجه آخر مختلف تمامًا. وجه ليس له علاقة بالمادة من أي نوع، بل يرتبط بالفضاء نفسه. ونحن ندين بفضل معرفة هذا المفهوم، إضافة إلى النتائج المذهلة التي ينطوي عليها، إلى مؤسس علم الكونيات الحديث، أينشتاين ذاته.

منذ تسعين عامًا، بينما كانت المدافع الآلية المطورة حديثًا تحصد أرواح آلاف الجنود في الحرب العالمية الأولى على بعد بضع مئات من الأميال إلى الغرب، كان أينشتاين يجلس في مكتبه في برلين، يتدبر حال الكون. مع بداية الحرب مرر أينشتاين وزميل له عريضة مناهضة للحرب بين أقرانهما، ونجحا في الظفر بتوقيعين إضافيين إلى جانب توقيعيهما. تسبب ذلك العمل في نبذه من جانب زملائه العلماء — الذين وقع أغلبهم على التماس يدعو لمؤازرة جهود ألمانيا في الحرب — كما تسبب في تدمير الحياة المهنية لمن وافقوه. لكن شخصية أينشتاين الجذابة وشهرته العلمية مكنته من الاحتفاظ بتقدير أقرانه. وقد واصل جهوده من أجل اكتشاف المعادلات التي تصف الكون بدقة.

وقبل نهاية الحرب حقق أينشتاين النجاح؛ أعظم نجاحاته على الأرجح. ففي نوفمبر من عام ١٩١٥ أخرج لنا نظرية النسبية العامة، التي تصف كيفية تفاعل الفضاء مع المادة؛ إذ تحدد المادة للفضاء كيف يتقوس، بينما يحدد الفضاء للمادة كيف تتحرك. لقد نظر أينشتاين للجاذبية بوصفها تقوسًا موضعيًّا في نسيج الفضاء، وبهذا غير فكرة إسحاق نيوتن الغامضة عن «القوة عن بعد». فالشمس، على سبيل المثال، تخلق ما يشبه النقرة، متسببة في تقوس الفضاء بشكل ملحوظ على المسافات القريبة منها. ويبدو أن الكواكب تتدحرج في اتجاه هذه النقرة، لكن قصورها الذاتي يمنعها من السقوط فيها. وبدلًا من ذلك تتحرك الكواكب حول الشمس في مدارات تجعلها تحافظ على المسافة بينها وبين تلك النقرة في الفضاء. وفي غضون أسابيع قليلة على نشر أينشتاين لنظريته تلك استخدم الفيزيائي كارل شفارتزشيلد — بعد أن نأى بنفسه عن أهوال الحياة في الجيش الألماني، التي تسببت في إصابته بمرض قاتل أودى بحياته بعد وقت قليل — مفهوم أينشتاين ليبين أن الجسم ذا الجاذبية القوية بما يكفي سيخلق «نقطة تفرد» في الفضاء. في نقطة التفرد هذه يتقوس الفضاء بالكامل حول الجسم ويمنع أي شيء، بما في ذلك الضوء، من الهرب من محيطه المباشر. ونحن نطلق على هذه الأجسام الآن الثقوب السوداء.

توصل أينشتاين من خلال نظرية النسبية العامة إلى المعادلة التي كان يسعى إليها، تلك التي تربط بين محتويات الفضاء وسلوكه العام. لقد شارف أينشتاين، من خلال دراسة هذه المعادلة في مكتبه وإنتاج نماذج للكون في عقله، على الوصول إلى حقيقة تمدد الكون، قبل أكثر من عشر سنوات على تأكيد مشاهدات إدوين هابل لهذه الحقيقة.

تتنبأ معادلة أينشتاين الأساسية بأنه في الكون الذي تتوزع فيه المادة بشكل متساوٍ تقريبًا، لا يمكن أن يكون الفضاء «ساكنًا». فالكون لا يمكن أن «يستقر في سكون»، كما يؤكد حدسنا، وكما تؤكد كافة المشاهدات الفلكية حتى ذلك الوقت. بدلًا من ذلك، لا بد أن الفضاء إجمالًا إما يتمدد أو ينكمش باستمرار؛ فالفضاء لا بد أن يكون أشبه بسطح البالون الذي يمتلئ بالهواء أو يفرغ منه، لكن من المحال أن يكون أشبه بسطح بالون ذي حجم ثابت.

أقلق هذا أينشتاين. فمن ناحية شعر هذا المنظِّر الجريء، الذي لم يكن يثق بالسلطة ولم يتردد قط في معارضة أفكار الفيزياء التقليدية، بأنه تمادى في استنتاجاته هذه المرة. فلم تكن هناك أي مشاهدات فلكية توحي بأن الكون يتمدد؛ لأن علماء الفلك لم يوثقوا إلا حركة النجوم القريبة ولم يحددوا المسافات البعيدة التي تفصلنا عما نسميها الآن بالمجرات. وبدلًا من أن يعلن أينشتاين على العالم أن الكون إما يتمدد أو ينكمش، عاد إلى معادلاته، باحثًا عن سبيل لتثبيت الكون.

وسرعان ما وجد مبتغاه. كانت معادلة أينشتاين الأساسية تسمح بإضافة قيمة ثابتة، لكن مجهولة، تمثل مقدار الطاقة التي يحتوي عليها كل سنتيمتر مكعب من الفضاء الخاوي. ولأن شيئًا لم يُوحِ بأن هذا المعامل الثابت يجب أن يحمل قيمة ما، وضع أينشتاين له في البداية قيمة قدرها صفر. نشر أينشتاين بعد ذلك مقالًا علميًّا ليبين أنه لو كان هذا المعامل الثابت، الذي أسماه علماء الكونيات لاحقًا باسم «الثابت الكوني»، يحمل قيمة معينة، من الممكن أن يكون الفضاء ساكنًا. عندئذٍ لن تتعارض النظرية مع المشاهدات المأخوذة للكون، ويصير بمقدور أينشتاين أن يعتبر معادلته صحيحة.

واجه حل أينشتاين صعوبات كبيرة. ففي عام ١٩٢٢ أثبت عالم الرياضيات الروسي ألكساندر فريدمان، أن كون أينشتاين الساكن غير مستقر، كالقلم الواقف على سنِّه، وأن أي اهتزاز أو اضطراب من شأنه التسبب في جعل الفضاء إما يتمدد أو ينكمش. في البداية أعلن أينشتاين أن فريدمان مخطئ، لكن بعد ذلك، في بادرة كريمة ليست بالغريبة عليه، نشر مقالًا تراجع فيه عن موقفه هذا وأعلن فيه أن فريدمان هو المصيب. مع نهاية العقد الثالث من القرن العشرين سُر أينشتاين لسماعه عن اكتشاف هابل لتمدد الكون. وحسب ما جاء في مذكرات جورج جاموف، فقد أقر أينشتاين بأن الثابت الكوني كان «أكبر زلاته». وباستثناء قلة من علماء الكونيات الذين استمروا في تعيين قيمة غير صفرية للثابت الكوني (بقيمة مغايرة لتلك التي استخدمها أينشتاين) لتفسير بعض المشاهدات المربكة التي ثبت في وقت لاحق خطأ أغلبها، تنهد العلماء في شتى أنحاء العالم في ارتياح لإثبات أن الفضاء لم يعد بحاجة لهذا الثابت.

لكنهم كانوا مخطئين. فالقصة الكونية العظيمة التي ظهرت في نهاية القرن العشرين؛ المفاجأة التي قلبت علم الكونيات رأسًا على عقب، تمثلت في ذلك الاكتشاف المذهل، الذي أعلن عنه لأول مرة عام ١٩٩٨، بأن الكون له بالفعل ثابت كوني يحمل قيمة غير صفرية. إن الفضاء الخاوي يحتوي بالفعل على طاقة، تسمى «الطاقة المظلمة»، تملك سمات غير عادية بالمرة من شأنها أن تحدد مستقبل الكون بأسره.

•••

لفهم هذه التوكيدات المثيرة، وربما حتى تصديقها، علينا تتبع الأفكار الأساسية في فكر علماء الكونيات خلال السبعين عامًا التي أعقبت اكتشاف هابل لتمدد الكون. تسمح معادلة أينشتاين الأساسية بإمكانية تقوس الفضاء، وهو التقوس المحدد رياضيًّا على أنه إما تقوس موجب أو صفري أو سالب. التقوس الصفري يصف «فضاءً مسطحًا»، وهي الصورة التي تصر أذهاننا على أنها الصورة الوحيدة الممكنة، والتي فيها يمتد الفضاء في جميع الاتجاهات إلى ما لا نهاية، كسطح سبورة سوداء لا نهاية لها. وعلى النقيض من ذلك، فالفضاء ذو التقوس الموجب يشبه سطح الكرة، سطح ثنائي الأبعاد لا يمكن رؤية تقوسه إلا باستخدام البعد الثالث. لاحظ أن مركز الكرة، النقطة التي تبدو ثابتة بينما يتمدد السطح ثنائي الأبعاد أو ينكمش، يقع في هذا البعد الثالث ولا يظهر قط على السطح الذي يمثل الفضاء كله.

وكما أن لكل الأسطح ذات التقوس الموجب مساحة محدودة، فللفضاء ذي التقوس الموجب مساحة محدودة. فمن سمات الكون ذي التقوس الموجب أنك لو تحركت من كوكب الأرض في أي اتجاه لوقت كافٍ، فسينتهي بك الحال بالعودة للنقطة التي انطلقت منها، تمامًا مثل ماجلان الذي دار بسفينته حول كوكب الأرض. أما الفضاء ذو التقوس السالب — على العكس من الفضاء ذي التقوس الموجب — فيمتد بلا نهاية، مع أنه ليس مسطحًا. فالسطح ثنائي الأبعاد ذو التقوس السالب يشبه سطح سرج فرس كبير لا نهاية لها، وهو يتقوس «لأعلى» في أحد الاتجاهين (من الأمام للخلف) و«لأسفل» في الآخر (من الجانب للجانب).

•••

إذا كان الثابت الكوني يساوي صفرًا، يمكننا وصف السمات الكلية للكون من خلال رقمين فحسب. أحد هذين الرقمين، والمسمى بثابت هابل، يقيس المعدل الذي يتمدد الكون به الآن. أما الرقم الثاني فيقيس مدى تقوس الفضاء. خلال النصف الثاني من القرن العشرين آمن كل علماء الكونيات تقريبًا بأن الثابت الكوني يساوي صفرًا، وجعلوا من قياس معدل التمدد الكوني وتقوس الفضاء هدفهم البحثي الرئيسي.

يمكن التوصل لهذين الرقمين من القياس الدقيق للسرعات التي تبتعد بها الأجسام التي تقع على مسافات متباينة عنا. فالنزعة الإجمالية لعلاقة المسافة بالسرعة — المعدل الذي تتزايد به سرعة ابتعاد المجرات عنا مع زيادة بعدها عنا — تعطينا ثابت هابل، بينما الانحرافات الصغيرة عن هذه النزعة، التي تظهر فقط حين نرصد الأجسام على مسافات بعيدة للغاية عنا، تكشف عن تقوس الفضاء. فكلما نظر علماء الفلك إلى أجرام تبعد عن مجرة درب التبانة بمليارات عديدة من السنوات الضوئية، نظروا في الواقع إلى الماضي، بحيث يرون الكون ليس على ما هو عليه الآن، بل كما كان عليه بعد انقضاء وقت أقل بكثير على الانفجار العظيم. إن رصد المجرات التي تقع على بعد خمسة مليارات سنة ضوئية أو أكثر من مجرة درب التبانة يمكن علماء الكونيات من إعادة بناء جزء كبير من تاريخ الكون المتمدد. وعلى وجه الخصوص بإمكانهم رؤية كيف تغير معدل التمدد مع مرور الوقت، وهو مفتاح تعيين مقدار تقوس الفضاء. ينجح هذا الأسلوب، على الأقل من حيث المبدأ؛ لأن مقدار تقوس الفضاء يُحدث بعض الفروق البسيطة في المعدل الذي تغير به التمدد الكوني على مدار مليارات الأعوام الماضية.

من الناحية العملية، ظل الفيزيائيون الفلكيون عاجزين عن تنفيذ هذا البرنامج، وذلك لعدم امتلاكهم تقديرات يُعتمد عليها بما يكفي للمسافات بيننا وبين العناقيد المجرية التي تبعد عن كوكبنا مليارات السنوات الضوئية. لكن كان لديهم سهم آخر في جعبتهم. فإذا استطاعوا قياس متوسط كثافة كل المادة الموجودة في الكون — بمعنى متوسط عدد جرامات المادة في كل سنتيمتر مكعب من الفضاء — فسيستطيعون مقارنة هذا الرقم ﺑ «الكثافة الحرجة»، وهي القيمة التي تتنبأ بها معادلات أينشتاين التي تصف الكون المتمدد. تحدد الكثافة الحرجة مقدار الكثافة الدقيق الذي ينبغي أن يكون عليه الكون إذا كان الفضاء صفري التقوس. إذا كانت الكثافة الفعلية أعلى من هذه القيمة، يكون للكون تقوس موجب. في هذه الحالة، بافتراض أن الثابت الكوني يساوي صفرًا، سيتوقف الكون عن التمدد في نهاية المطاف ويبدأ في الانكماش. أما لو كانت الكثافة الفعلية تساوي الكثافة الحرجة، أو كانت أقل منها، فهذا يعني أن الكون سيتمدد إلى الأبد. إن التساوي التام بين القيمتين الفعلية والحرجة للكثافة يحدث في الكون ذي التقوس الصفري، بينما في الكون ذي التقوس السالب تكون الكثافة الفعلية أقل من الكثافة الحرجة.

بحلول منتصف التسعينيات عرف علماء الكونيات أنه حتى بعد إدراج كل مقدار المادة المظلمة التي اكتشفوها (من خلال تأثير الجاذبية على المادة المرئية)، فسيصل إجمالي الكثافة الكلية للمادة في الكون إلى حوالي ربع الكثافة الحرجة. لا تبدو هذه النتيجة صادمة، مع أنها تعني أن الكون لن يتوقف قط عن التمدد، وأن الفضاء الذي نعيش فيه كلنا سالب التقوس. بيد أن هذا سبب الكثير من الألم لعلماء الكونيات الميالون للجانب النظري؛ لأنهم كانوا مؤمنين بأن الفضاء صفري التقوس.

•••

استند هذا الإيمان إلى «نموذج التضخم» للكون، الذي حصل على هذه التسمية (على نحو لا يدعو للدهشة) في وقت ارتفعت فيه نفقات المعيشة بشكل حاد. ففي عام ١٩٧٩، افترض آلان جوث، الفيزيائي العامل في مركز ستانفورد للتسارع الخطِّي بكاليفورنيا، أنه خلال اللحظات المبكرة من عمر الكون تمدد الكون بمعدل سريع لا يمكن تصوره؛ سريع حتى إن الأجزاء المختلفة من المادة ابتعدت بسرعة شديدة بعضها عن بعض، بحيث وصلت إلى سرعات تفوق سرعة الضوء بمراحل. لكن ألا تجعل نظرية النسبية الخاصة لأينشتاين من سرعة الضوء حد السرعة الكوني الأقصى لكل الأجسام المتحركة؟ ليس تمامًا. إن حد أينشتاين لا ينطبق إلا على الأجسام التي تتحرك داخل الفضاء، وليس على تمدد الفضاء نفسه. وخلال «فترة التضخم»، التي استمرت فقط من حوالي ١٠−٣٧ ثانية إلى ١٠−٣٤ ثانية بعد الانفجار العظيم، تمدد الكون بمعدل وصل إلى ١٠٥٠.

ما الذي سبب هذا التمدد الكوني المهول؟ خمن جوث أن الفضاء بأكمله خضع لما يسمى ﺑ «التحول الطوري»، وهو أمر شبيه بما يحدث حين يتجمد الماء سريعًا إلى ثلج. وبعد بعض التنقيح الجوهري على يد زملائه في الاتحاد السوفييتي والمملكة المتحدة والولايات المتحدة، صارت فكرة جوث جذابة حتى إنها هيمنت على مدار عقدين من الزمان على النماذج النظرية الخاصة بالكون المبكر للغاية.

ما الذي يجعل نظرية التضخم تتمتع بمثل هذه الجاذبية الكبيرة؟ تفسر لنا فترة التضخم لماذا يبدو الكون، في خصائصه العامة، متماثلًا في أي اتجاه ننظر نحوه: فكل شيء يمكننا رؤيته (وأكثر منه بكثير) تضخم من منطقة وحيدة للفضاء، وتحولت سماته الخاصة إلى سمات كونية. كما توجد مميزات أخرى، لا داعي لأن نشغل أنفسنا بالحديث عنها هنا، تعزز موقف النظرية، على الأقل في أوساط من يصنعون نماذج كونية في عقولهم. لكن هناك سمة محددة تستحق التأكيد عليها هنا، وهي التنبؤ القابل للاختبار؛ فالفضاء في الكون ينبغي أن يكون مسطحًا، وليس مقوسًا، لا بالإيجاب ولا بالسلب، بل مسطح كما ينبئنا حدسنا.

وفق هذه النظرية فإن تسطح الفضاء ينبع من عملية التمدد المهولة التي حدثت أثناء فترة التضخم. تخيل نفسك، مثلًا، واقفًا على سطح بالون، ثم دع هذا البالون يتمدد بنسبة مهولة لدرجة تعجز معها عن تحديدها. بعد انتهاء فترة التمدد هذه سيكون جزء البالون الذي تستطيع رؤيته مسطحًا كالفطيرة. ينطبق الأمر عينه على كل الفضاء الذي يمكن أن نأمل يومًا في قياسه؛ هذا لو كان نموذج التضخم يصف الكون الحقيقي فعلًا.

لكن الكثافة الكلية للمادة تصل فقط إلى حوالي ربع المقدار المطلوب لجعل الفضاء مسطحًا. خلال الثمانينيات والتسعينيات آمن العديد من علماء الكونيات الميالين للتنظير بأنه نظرًا لأن نموذج التضخم من المؤكد صحته، فسوف تظهر بيانات جديدة من شأنها أن تغلق «فجوة الكتلة» الكونية هذه؛ أي الفارق بين إجمالي كثافة المادة، التي تشير لوجود كون ذي تقوس سالب، والكثافة الحرجة، التي نحتاج إليها للوصول إلى كون ذي فضاء مسطح. شد هذا الإيمان من أزرهم لفترة من الوقت، حتى حين سخر علماء الكونيات الميالين للاعتماد على المشاهدات التجريبية من اعتمادهم المبالغ فيه على التحليلات النظرية. ثم توقفت السخرية.

•••

في عام ١٩٩٨ أعلن فريقان متنافسان من علماء الفلك عن مشاهدات جديدة تشير إلى وجود ثابت كوني غير صفري؛ ليس (بالطبع) بالقيمة نفسها التي وضعها أينشتاين كي يبقى الكون ثابتًا، بل بقيمة مختلفة بدرجة كبيرة؛ قيمة تعني أن الكون سيتمدد إلى الأبد وبمعدل دائم الزيادة.

لو كان المنظرون هم من اقترحوا هذا كنموذج كوني آخر، لم يكن العالم ليلحظ جهودهم أو يذكرها لوقت طويل. لكن ما حدث هنا هو أن خبراء لهم ثقلهم في مجال رصد الكون الحقيقي ارتاب بعضهم في بعض، وراجع كل منهم الأنشطة التي قام بها منافسوه، ثم اكتشفوا في النهاية أنهم متفقون على البيانات التي توصلوا إليها وعلى تفسيرها. ونتائج هذه المشاهدات لم تعنِ أنه يوجد ثابت كوني غير صفري وحسب، بل عينت لهذا الثابت قيمة تجعل الفضاء مسطحًا.

ماذا تقول؟ الثابت الكوني يجعل الفضاء مسطحًا؟ ألا يعني هذا أننا، مثل ملكة القلوب الحمراء في رواية أليس في بلاد العجائب، نؤمن بستة أمور مستحيلة قبل الإفطار؟ لكن التدبر الأكثر نضجًا قد يقنعك بأنه لو كان الفضاء الخاوي في ظاهره يحوي بالفعل طاقة، فإن هذه الطاقة ستسهم في إضافة الكتلة إلى الكون، وهو ما تشير إليه معادلة أينشتاين الشهيرة ط = ك × س٢. فإذا امتلكت بعض الطاقة «ط»، يمكنك تصورها على هيئة مقدار مكافئ من الكتلة «ك»، مساوٍ لمقدار الطاقة مقسومًا على مربع سرعة الضوء «س٢». وعلى هذا يجب أن تساوي الكثافة الكلية الكثافة التي تسهم بها المادة، مضافة إليها الكثافة التي تسهم بها الطاقة.

إن الكثافة الإجمالية الجديدة هي ما يجب علينا مقارنته بالكثافة الحرجة. وإذا تساوت الكفتان يكون الفضاء مسطحًا. من شأن هذا أن يتوافق مع التنبؤ الذي قدمه نموذج التضخم الخاص بالفضاء المسطح؛ إذ إنه لا يكترث بما إذا كانت الكثافة الكلية للفضاء آتية من كثافة المادة، أم من المادة المكافئة التي تقدمها الطاقة الموجودة في الفضاء الخاوي، أم من مزيج منهما.

•••

جاء الدليل الحاسم على وجود ثابت كوني غير صفري، ومن ثم على وجود الطاقة المظلمة، من مشاهدات الفلكيين لنوع معين من النجوم المتفجرة المسماة بالسوبرنوفا أو المستعرات العظمى، وهي النجوم التي تموت ميتة درامية في انفجارات مهولة. هذه المستعرات العظمى، المسماة بالنوع Ia أو SN Ia تختلف عن الأنواع الأخرى، التي تحدث حين تنهار قلوب النجوم الهائلة على نفسها بعد استنفاد كل محاولات إنتاج المزيد من الطاقة من خلال الاندماج النووي. على النقيض من ذلك يعود أصل المستعرات من النوع Ia إلى نجوم الأقزام البيضاء الموجودة في الأنظمة النجمية الثنائية. فأي نجمين يتصادف مولدهما متقاربين سيمضيان حياتيهما وهما يدوران حول مركز كتلتيهما المشترك. وإذا امتلك أحد النجمين كتلة أكبر من الآخر فسيمر عبر مراحل حياته بشكل أسرع، وفي أغلب الأحيان سيفقد طبقاته الخارجية من الغاز، كاشفًا عن قلبه للكون على صورة «قزم أبيض» منكمش متحلل، وهو جرم لا يزيد في الحجم عن كوكب الأرض، لكن له كتلة تساوي كتلة الشمس. يصف الفيزيائيون مادة القزم الأبيض ﺑ «المتحللة»؛ لأن لها كثافة عالية للغاية — أعلى من كثافة الحديد أو الذهب بأكثر من مائة ألف ضعف — حتى إن تأثيرات ميكانيكا الكم تبدأ في العمل على المادة المتجمعة، مانعة إياها من الانهيار بفعل قوى الجذب الذاتية المهولة لها.
يجتذب القزم الأبيض الذي يدور في مدار مشترك مع نجم عجوز المادة الغازية التي تهرب من ذلك النجم. هذه المادة، الغنية بالهيدروجين، تتراكم على سطح القزم الأبيض، الذي يزداد بثبات من حيث الحرارة والكثافة. وفي النهاية، حين تزيد الحرارة عن ١٠ ملايين درجة، يشتعل النجم كله في تفاعل اندماج نووي. يمزق الانفجار الناتج، المشابه في المفهوم للقنبلة الهيدروجينية وإن كان أعنف بتريليونات المرات، أوصال القزم الأبيض ويَنتج نجم مستعر من النوع Ia.
صارت المستعرات العظمى من النوع Ia مفيدة للغاية للفلكيين، وذلك لامتلاكها خاصيتين منفصلتين؛ الأولى هي أنها تنتج أكثر انفجارات المستعرات العظمى سطوعًا في الكون، التي يمكن رؤيتها على بعد مليارات السنوات الضوئية. الثانية: هي أن الطبيعة تضع حدًّا للكتلة القصوى التي يمكن لأي قزم أبيض الوصول إليها، وهي تساوي نحو ١٫٤ مرة قدر كتلة الشمس. تتراكم المادة على سطح القزم الأبيض إلى أن تصل كتلته إلى هذه القيمة المقيِّدة. وفي تلك اللحظة ينطلق تفاعل الاندماج النووي ممزقًا أوصال القزم الأبيض، ويقع هذا الانفجار في الأجرام التي لها الكتلة نفسها والتركيبة نفسها، والمنثورة في أرجاء الكون. ونتيجة لذلك تنتج جميع انفجارات المستعرات العظمى الآتية من الأقزام البيضاء كمية الطاقة القصوى عينها، وجميعها تخبو بالمعدل نفسه تقريبًا، بعد أن تصل لأعلى سطوع لها.
هاتان السمتان المزدوجتان تمكنان المستعرات العظمى من النوع Ia من تزويد الفلكيين ﺑ «شموع معيارية» سهلة التمييز، ويقصد بها أجرام معروف عنها أنها تنتج مقدار الطاقة القصوى عينه أينما ظهرت. بطبيعة الحال تؤثر المسافة بيننا وبين المستعرات العظمى على درجة السطوع التي نرصدها بها. فأي نجمين من المستعرات العظمى من النوع Ia، مرصودين في مجرتين بعيدتين، سيكون لهما القدر الأقصى من السطوع نفسه، فقط لو كانا يبعدان المسافة عينها عنا. وإذا كان أحدهما يبعد عنا ضعف المسافة، فهذا يعني أنه سيكون له ربع السطوع الظاهري للنجم الثاني؛ لأن السطوع الذي يبدو عليه الجسم لنا يقل بالتناسب مع مربع المسافة التي تفصله عنا.
فور أن عرف الفلكيون كيف يميزون المستعرات العظمى من النوع Ia، استنادًا على الدراسة التفصيلية لطيف الضوء القادم من كل واحد من هذه الأجرام، صاروا يملكون حلًّا سحريًّا لمعضلة حساب المسافات بدقة. فبعد قياس المسافة التي تفصلنا عن أقرب مستعر أعظم من النوع Ia (من خلال وسائل أخرى)، يمكنهم تقدير المسافات الأبعد التي تفصلنا عن المستعرات العظمى الأخرى من النوع نفسه، وذلك بمقارنة درجة سطوع الأجرام الأقرب بتلك الأبعد.
خلال عقد التسعينيات، نَقَّحَ فريقان من متخصصي المستعرات العظمى، أحدهما في هارفارد والآخر في جامعة كاليفورنيا ببيركلي، هذا الأسلوب من خلال العثور على طريقة لتعويض الاختلافات الطفيفة، والحقيقية في الوقت نفسه، بين درجات سطوع المستعرات العظمى من النوع Ia، التي تكشف عنها هذه النجوم من خلال تفاصيل أطياف الضوء الخاصة بها. لكن من أجل استخدام هذه الوسيلة المكتسبة حديثًا لكشف النقاب عن المسافات التي تفصلنا عن المستعرات العظمى البعيدة للغاية، احتاج الباحثون تلسكوبًا قادرًا على رصد المجرات البعيدة بدقة شديدة، ووجدوا ضالتهم في تلسكوب هابل الفضائي، الذي جُدد في عام ١٩٩٣ وصُححت مرآته الأساسية التي كانت قد نُحتت في البداية بشكل خاطئ. استخدم خبراء المستعرات العظمى تلسكوبات أرضية لاكتشاف عشرات المستعرات العظمى من النوع Ia في مجرات تبعد عن مجرة درب التبانة بمليارات السنوات الضوئية. بعد ذلك استعانوا بالتلسكوب هابل، الذي لا يسعهم إلا الحصول على مقدار متواضع من وقت الرصد الخاص به، من أجل دراسة هذه المستعرات العظمى المكتشفة حديثًا بالتفصيل.

قرب نهاية التسعينيات اشتد التنافس بين فريقي رصد المستعرات العظمى لإنتاج «مخطط هابل» الجديد والموسع، وهو الرسم البياني الرئيسي في علم الكونيات الذي يعين المسافات بيننا وبين المجرات، بالإضافة إلى السرعات التي تبتعد بها هذه المجرات عنا. يحسب الفيزيائيون الفلكيون هذه السرعات من خلال معرفتهم بتأثير دوبلر (المشروح في الفصل الثالث عشر)، الذي يغير ألوان الضوء الصادر عن المجرات بتأثير يعتمد على السرعات التي تبتعد بها هذه المجرات عنا.

إن المسافة بيننا وبين كل مجرة وسرعة ابتعادها عنا تحدد نقطة على مخطط هابل. بالنسبة للمجرات القريبة منا، تتراص هذه النقاط بانتظام بعضها وراء بعض؛ لأن كل مجرة تبعد عنا ضعف المسافة التي تبعدها مجرة أخرى تتحرك مبتعدة عنا بضعف السرعة التي تبتعد بها المجرة الثانية. يتم التعبير عن النسبة المباشرة بين المسافة إلى المجرات وسرعة ابتعادها بصورة جبرية من خلال قانون هابل، وهو معادلة بسيطة تصف السلوك الأساسي للكون نصها هو: . هنا يرمز الحرف إلى سرعة ابتعاد المجرة، بينما إلى المسافة بيننا وبينها، أما فهو رقم ثابت، يسمى ثابت هابل، وينطبق على الكون كله في أي وقت معين. إن أي مراقبين من كواكب أخرى في شتى أرجاء الكون يدرسون الكون بعد مرور ١٤ مليار عام على الانفجار العظيم سيجدون أن المجرات تتباعد بسرعة تتفق مع قانون هابل، وكلهم سيعينون القيمة نفسها لثابت هابل، مع أنهم على الأرجح سيسمونه باسم مختلف. إن افتراض الديمقراطية الكونية هذا هو ما يقوم عليه علم الكونيات الحديث كله. لا يمكننا إثبات أن الكون بأسره يسير وفق هذا المبدأ الديمقراطي؛ فربما في مكان ما، وراء أبعد آفاق رؤيتنا، يتصرف الكون على نحو مختلف عما نراه. لكن علماء الكونيات يرفضون هذه المقاربة، على الأقل فيما يخص الكون القابل للرصد. وفي هذه الحالة يعد القانون قانونًا كونيًّا.
لكن مع مرور الوقت يمكن أن تتغير قيمة ثابت هابل، وقد حدث هذا بالفعل. ومن شأن مخطط هابل الجديد المحسن — الموسع بحيث يشمل المجرات التي تبعد عنا بمليارات السنوات الضوئية — أن يكشف ليس فقط عن قيمة ثابت هابل اليوم (والمجسد من خلال الخط المائل الذي يمر عبر النقاط التي تمثل المسافات إلى المجرات وسرعة ابتعادها عنا) بل أيضًا عن الكيفية التي تتباين بها نسبة التمدد الحالية للكون عن قيمتها منذ مليارات الأعوام. وستُكشف هذه الأخيرة من خلال تفاصيل المساحات العليا من المخطط، التي تصف النقاط بها أبعد مجرات جرى رصدها على الإطلاق. وبهذا سيكشف مخطط هابل الممتد على مسافة مليارات السنوات الضوئية عن تاريخ تمدد الكون، المبين من خلال التغير في معدل التمدد.

أثناء السعي لتحقيق هذا الهدف كان من حسن حظ مجتمع الفيزيائيين الفلكيين وجود فريقين متنافسين من راصدي المستعرات العظمى. وقد كان تأثير نتائج دراسة المستعرات العظمى — التي أعلنت لأول مرة في فبراير من عام ١٩٩٨ — عظيمًا حتى إنه لم يكن ليكتب لإحدى المجموعتين النجاة بمفردها من التشكك المتوقع الذي قابل به علماء الكونيات الإطاحة الكاملة بنماذج الكون المقبولة على نطاق واسع بينهم. فلأن فريقي الرصد كانا يوجهان شكوكهما في الأساس بعضهما لبعض، عكف كل فريق منهما على البحث ببراعة عن أي خطأ في بيانات الفريق الآخر أو تفسيراته. وحين أعلن كل فريق منهما أنه مقتنع بمدى حرص وكفاءة منافسه، بالرغم من تحيزاتهم وأهوائهم البشرية، لم يكن أمام مجتمع علماء الكونيات خيار آخر سوى القبول، وإن كان مشوبًا بقدر من المقاومة، بتلك الأخبار القادمة من تخوم الفضاء.

ماذا كانت تلك الأخبار؟ فقط أن أبعد المستعرات العظمى عنا كان أخفت بقليل عن المتوقع. يعني هذا أن هذه المستعرات العظمى أبعد في المسافة عما يفترض بها، وهو ما يكشف بدوره أن شيئًا ما تسبب في جعل الكون يتمدد أسرع بقليل مما ينبغي. ما الذي حث على هذا التمدد الإضافي؟ المتهم الوحيد الذي تنطبق عليه الحقائق هو «الطاقة المظلمة» التي تكمن في الفضاء الخاوي، تلك الطاقة التي يتوافق وجودها مع القيمة غير الصفرية للثابت الكوني. ومن خلال قياس الدرجة التي ظهرت بها المستعرات العظمى أخفت من المتوقع حدد فريقا الفلكيين شكل الكون ومصيره.

•••

حين تحقق الاتفاق بين الفريقين الدارسين للمستعرات العظمى، اتضح أن الكون مسطح. لفهم هذا علينا استخدام بعض الرموز اليونانية. يحتاج الكون ذو الثابت الكوني غير الصفري إلى رقم إضافي لوصفه؛ لذا يتعين علينا أن نضيف إلى ثابت هابل — الذي نرمز له بالرمز كي نحدد قيمته في الوقت الحالي — والكثافة الكلية للمادة — التي تحدد وحدها تقوس الفضاء إذا كان الثابت الكوني يساوي صفرًا — معادل الكثافة التي توفرها لنا الطاقة المظلمة، والتي — بموجب معادلة أينشتاين ط = ك × س٢ — لا بد أن تحمل قدرًا من الكتلة (ك) لأنها تحمل طاقة (ط). يعبر علماء الكونيات عن كثافتي المادة والطاقة المظلمة بالرمزين ΩΜ وΩΛ، حيث يمثل الرمز Ω (الحرف أوميجا باليونانية) نسبة الكثافة الكونية إلى الكثافة الحرجة. يمثل الرمز ΩΜ نسبة متوسط كثافة كل المادة الموجودة في الكون إلى الكثافة الحرجة، بينما يرمز ΩΛ إلى نسبة الكثافة المكافئة التي توفرها الطاقة المظلمة إلى الكثافة الحرجة. هنا يمثل الرمز Λ (الحرف لامبدا باليونانية) الثابت الكوني. في الكون المسطح ذي التقوس الصفري، يساوي مجموع ΩΜ وΩΛ واحدًا صحيحًا؛ لأن إجمالي الكثافة (للمادة الفعلية إضافة إلى المادة المكافئة التي توفرها الطاقة المظلمة) يساوي بالضبط الكثافة الحرجة.
تقيس مشاهدات المستعرات العظمى من النوع Ia الفارق بين ΩΜ وΩΛ. تميل المادة إلى إعاقة تمدد الكون؛ لأن الجاذبية تسحب كل أجزاء المادة بعضها نحو بعض. وكلما زادت كثافة المادة قلَّ التمدد بفعل هذه الجاذبية. على الجانب الآخر تقوم الطاقة المظلمة بشيء مغاير تمامًا. فعلى العكس من أجزاء المادة، التي تبطئ قوى الجذب المتبادلة بينها من التمدد الكوني، تتسم الطاقة المظلمة بخاصية عجيبة، وهي أنها تميل إلى جعل الكون يتمدد، ومن ثم تسرع من عملية التمدد. ومع تمدد الكون يظهر المزيد من الطاقة المظلمة إلى الوجود، وبهذا يمثل الكون الهدية المجانية المطلقة. تميل الطاقة المظلمة الجديدة إلى جعل الكون يتمدد أسرع، وبهذا تصير الهدية المجانية أكبر وأكبر مع مرور الوقت. إن قيمة ΩΛ تحدد حجم الثابت الكوني، كما تعرفنا بعظم طرق التمدد التي تفرضها الطاقة المظلمة. وحين قاس الفلكيون العلاقة بين المسافات إلى المجرات وسرعات الابتعاد، عرفوا نتيجة المنافسة بين الجاذبية التي تسحب الأشياء نحوها والطاقة المظلمة التي تدفعها بعيدًا. أشارت القياسات إلى أن ΩΛΩΜ = ٠٫٤٦، بزيادة أو نقصان قدره ٠٫٠٣. وبما أن الفلكيين كانوا قد حددوا بالفعل أن قيمة ΩΜ تساوي ٠٫٢٥ تقريبًا، فهذا معناه أن ΩΛ تساوي حوالي ٠٫٧١. وبهذا يرتفع مجموع ΩΜ وΩΛ إلى ٠٫٩٦، وهو رقم قريب من الإجمالي الذي يتنبأ به نموذج التضخم. نقحت دراسات حديثة جديدة هذه النتائج أكثر جاعلة هذا الرقم أقرب إلى الواحد الصحيح.
بالرغم من الاتفاق بين المجموعتين المتنافستين من خبراء المستعرات العظمى، ظل بعض علماء الكونيات على حذرهم. فليس من اليسير أبدًا أن يتخلى أحد العلماء عن قناعة حملها لوقت طويل، على غرار الاقتناع بأن الثابت الكوني يفترض أن يكون صفرًا، ويستعيض عنها بقناعة جديدة تمامًا، مثل النتيجة القائلة إن الطاقة المظلمة تملأ كل سنتيمتر مكعب من الفضاء الخاوي. إن جميع المتشككين تقريبًا — الذين تابعوا كافة تفاصيل الاحتمالات الكونية الممكنة — أقروا في نهاية المطاف باقتناعهم، بعد أن استوعبوا المشاهدات الجديدة الآتية من القمر الصناعي المصمم بغرض كشف إشعاع الخلفية الكوني بدقة غير مسبوقة. هذا القمر الصناعي، المسبار WMAP بالغ الأهمية الموصوف في الفصل الثالث، بدأ في رصد مشاهدات مفيدة في عام ٢٠٠٢، وفي بدايات عام ٢٠٠٣ كان قد راكم كمية كافية من البيانات مكنت علماء الكونيات من رسم خريطة للسماء كلها، كما تبدو بالأشعة الميكرونية التي تحمل أغلب إشعاع الخلفية الكوني. ومع أن المشاهدات السابقة كشفت عن النتائج الأساسية التي يمكن استقاؤها من هذه الخريطة، فإنها رصدت فقط مناطق صغيرة من السماء أو أظهرت قدرًا أقل بكثير من التفاصيل. شكلت خريطة المسبار WMAP للسماء بأكملها حجر الزاوية لهذه الجهود، كما حددت، بشكل قاطع ونهائي، أهم السمات لإشعاع الخلفية الكوني.
إن أبرز ملامح هذه الخريطة وأكثرها لفتًا للنظر، التي ظهرت أيضًا من خلال المشاهدات التي استُخدمت فيها المناطيد وسلف المسبار WMAP — القمر الصناعي المسمى بمستكشف الخلفية الكونية COBE — هو أنها خالية تقريبًا من الملامح المميزة. فلا يوجد تفاوت قابل للقياس في شدة إشعاع الخلفية الكوني القادم من مختلف الاتجاهات إلى أن نصل لمستوى دقة يبلغ حوالي الجزء في الألف في قياساتنا. وحتى عندئذٍ فالفوارق الوحيدة الممكن تمييزها تبدو كتركيزات أعلى قليلًا في الشدة، مركزة في اتجاه بعينه، تقابلها تركيزات مكافئة أقل شدة في الجانب المعاكس. هذه الاختلافات تنبع من حركة مجرة درب التبانة بين جاراتها من المجرات. إن تأثير دوبلر يجعلنا نتلقى قدرًا أقوى بقليل من الإشعاع من الاتجاه الذي نتحرك نحوه، لا لأن الإشعاع أقوى في حقيقته، بل لأن حركتنا في اتجاه إشعاع الخلفية الكوني تزيد من الطاقات المكتشفة بقدر يسير.
وفور أن نعوض تأثير دوبلر يبدو إشعاع الخلفية الكوني متجانسًا بالكامل، إلى أن نحصل على دقة أعلى تقدر بحوالي جزء في المائة ألف. وعلى ذلك المستوى تبدأ الانحرافات الدقيقة عن التجانس العام في الظهور. وهي تحدد المواضع التي يصل منها إشعاع الخلفية بشدة أكبر قليلًا أو أقل قليلًا. وكما أوضحنا من قبل، فالاختلافات في الشدة تميز الاتجاهات التي تكون فيها المادة إما أكثر حرارة وكثافة بقليل أو أبرد وأقل كثافة بقليل عن القيمة المتوسطة التي سادت الكون بعد ٣٨٠ ألف عام على الانفجار العظيم. كان القمر الصناعي مستكشف الخلفية الكونية هو أول ما رصد هذه الاختلافات، ثم عززت الأدوات المحمولة على مناطيد والمشاهدات التي أجريت من القطب الجنوبي من قياساتنا، بعد ذلك قدم لنا المسبار WMAP دقة أعلى في رصد السماء بأكملها، وهذا مكن علماء الكونيات من بناء خريطة مفصلة لشدة إشعاع الخلفية الكوني كما هو مرصود بدقة زاويَّة غير مسبوقة قدرها حوالي درجة واحدة.
حظيت الانحرافات الطفيفة عن مستوى التجانس العام، التي كشف عنها كل من مستكشف الخلفية الكونية والمسبار WMAP، باهتمام كبير من جانب علماء الكونيات. فبادئ ذي بدء، تبين هذه الانحرافات بذور البُنى الكونية في الوقت الذي توقف فيه إشعاع الخلفية الكوني عن التفاعل مع المادة. فالمناطق التي كانت أكثر كثافة من المتوسط في ذلك الوقت حظيت بأسبقية اجتذاب المادة إليها، وربحت مسابقة اكتساب القدر الأعظم من المادة بفضل جاذبيتها. وبهذا تؤكد النتائج الأولية الآتية من الخريطة الجديدة لشدة إشعاع الخلفية الكوني في شتى الاتجاهات على نظريات علماء الكونيات، التي تقول إن التفاوت المهول في الكثافة من مكان لآخر عبر الكون يعود أصله إلى الاختلافات الطفيفة في الكثافة بعد بضع مئات الآلاف من السنوات في أعقاب الانفجار العظيم.

لكن بإمكان علماء الكونيات استخدام المشاهدات الجديدة لإشعاع الخلفية الكوني للتوصل إلى حقيقة أخرى جوهرية من حقائق الكون. فتفاصيل خريطة كثافة إشعاع الخلفية الكوني من مكان لآخر تكشف عن تقوس الفضاء نفسه. هذه النتيجة المذهلة ترتكن على حقيقة أن تقوس الفضاء يؤثر على الكيفية التي يتحرك بها الإشعاع خلاله. فمثلًا لو أن للفضاء تقوسًا موجبًا، حينها عندما نرصد إشعاع الخلفية الكوني سنكون في نفس موقف الراصد الموجود عند القطب الشمالي، وينظر على امتداد سطح الأرض لدراسة الإشعاع الصادر بالقرب من خط الاستواء. ولأن خطوط الطول تميل للتجمع عند القطبين يبدو مصدر الإشعاع منحرفًا بزاوية أصغر عما لو كان عليه الحال مع السطح المستوي.

لتفهم كيف يؤثر تقوس الفضاء على الحجم الزاوي للملامح الموجودة في إشعاع الخلفية الكوني، تخيل الوقت الذي توقف فيه الإشعاع عن التفاعل مع المادة. في ذلك الوقت كانت أكبر انحرافات يمكن أن توجد عن مستوى التجانس العام في الكون لها حجم يستطيع علماء الكونيات قياسه: عمر الكون في ذلك الوقت، مضروبًا في سرعة الضوء، حوالي ٣٨٠ ألف سنة ضوئية عرضًا. هذا يمثل أكبر مسافة كان يمكن فيها للجسيمات أن يؤثر بعضها على بعض لإنتاج أي مواطن شذوذ. وعلى مسافات أبعد من ذلك لم تكن «الأخبار» من الجسيمات الأخرى قد وصلت بعد؛ لذا لا يمكن تحميلها مسئولية أي انحرافات عن مستوى التجانس العام.

ما حجم الزاوية التي ستتوزع بها هذه الانحرافات على السماء الآن؟ يعتمد هذا على تقوس الفضاء، الذي يمكننا تحديده من خلال إيجاد مجموع ΩΜ وΩΛ. فكلما اقترب المجموع من ١ صار تقوس الفضاء أقرب إلى الصفر، وعظم الحجم الزاوي الذي نرصده للانحرافات القصوى عن تجانس إشعاع الخلفية الكوني. يعتمد تقوس الفضاء هذا على مجموع الرقمين السالفين فقط؛ لأن كلا نوعي الكثافة يجعلان الفضاء يتقوس على النحو ذاته. وبهذا تقدم مشاهدات إشعاع الخلفية الكوني وسيلة قياس مباشرة لمجموع ΩΜ + ΩΛ، على العكس من مشاهدات المستعرات العظمى التي تقيس الاختلاف بين ΩΜ وΩΛ.
إن البيانات الآتية من المسبار WMAP تبين أن أكبر الانحرافات عن مستوى تجانس إشعاع الخلفية الكوني تغطي زاوية قدرها حوالي درجة واحدة، وهو ما يعني أن ΩΜ + ΩΛ له قيمة قدرها ١٫٠٢، بزيادة أو نقصان ٠٫٠٢. وعلى هذا، ضمن حدود الدقة التجريبية، يمكننا أن نستنتج أن ΩΜ + ΩΛ = ١، وأن الفضاء مسطح. يمكن التعبير عن نتائج مشاهدات المستعرات العظمى البعيدة من النوع Ia على صورة ΩΛΩΜ = ٠٫٤٦. إذا دمجنا هذه النتيجة مع النتيجة التي تقول إن ΩM + ΩΛ = ١، سنجد أن ΩΜ = ٠٫٢٧، وأن ΩΛ = ٠٫٧٣، بمعدل شك قدره نسبة مئوية بسيطة في كل رقم. وكما ذكرنا من قبل، هذه هي أفضل التقديرات الحالية للفيزيائيين الفلكيين لقيمة هذين العاملين الكونيين المحوريين، وهو ما يخبرنا بأن المادة — العادية والمظلمة — توفر ٢٧ بالمائة من إجمالي كثافة الطاقة في الكون، وأن الطاقة المظلمة توفر حوالي ٧٣ بالمائة. (وإذا فضلنا التفكير في مقدار الكتلة المكافئ للطاقة، ط/س٢، يمكن اعتبار أن الطاقة المظلمة تمثل ٧٣ بالمائة من كتلة الكون الإجمالية.)
عرف علماء الكونيات منذ وقت طويل أنه لو كان للكون ثابت كوني غير صفري، من الحتمي أن يتغير التأثير النسبي للمادة والطاقة المظلمة بقدر كبير مع مرور الوقت. من ناحية أخرى سيظل الكون المسطح مسطحًا إلى الأبد، منذ بدايته في الانفجار العظيم إلى المستقبل غير المحدود الذي ينتظرنا. ففي الكون المسطح يكون مجموع ΩΜ وΩΛ هو ١ على الدوام، لهذا إذا تغير أحد الرقمين فلا بد أن يتغير الآخر لتعويض الفارق.
خلال الفترة الكونية التي أعقبت الانفجار العظيم مباشرة، لم يكن للطاقة المظلمة أي تأثير يذكر على الكون. كان الفضاء الموجود صغيرًا للغاية، مقارنة بالفترات التالية على ذلك، حتى إن قيمة ΩΛ كانت تزيد عن الصفر بقليل، بينما كانت ΩΜ أقل من ١ بقليل. في تلك الأيام الغابرة كان الكون يتصرف كما لو أنه لا يوجد ثابت كوني. لكن مع مرور الوقت انخفضت ΩΜ بشكل ثابت، بينما ارتفعت ΩΛ بشكل ثابت، محافظتين على مجموع قدره ١. وفي النهاية، بعد مئات المليارات من الأعوام من اليوم، ستنخفض ΩΜ وصولًا إلى ما يناهز الصفر، بينما سترتفع ΩΛ لتسود بشكل شبه تام. وبهذا يتضمن تاريخ الكون المسطح ذي الثابت الكوني غير الصفري تحولًا من السنوات الأولى، حين لم تكن الطاقة المظلمة شيئًا يذكر، مرورًا بالفترة «الحالية»، التي تحمل ΩΜ وΩΛ قيمتين متقاربتين، ووصولًا إلى مستقبل بعيد غير محدود، تتوزع فيه المادة بندرة في أرجاء الفضاء حتى إن ΩΜ ستنهار قيمتها إلى ما يقارب الصفر، مع أن مجموع القيمتين سيظل يساوي ١.
إن الاستنتاج القائم على المشاهدات بشأن مقدار الكتلة الموجود في العناقيد المجرية اليوم يعطي ΩΜ قيمة قدرها ٠٫٢٥، بينما مشاهدات إشعاع الخلفية الكوني والمستعرات العظمى البعيدة تشير إلى قيمة أقرب إلى ٠٫٢٧. وفي حدود الدقة التجريبية تتوافق هاتان النسبتان. وإذا كان الكون الذي نعيش فيه له ثابت كوني غير صفري، وإذا كان هذا الثابت هو المسئول (بالإضافة إلى المادة) عن إنتاج الكون المسطح الذي يتنبأ به نموذج التضخم، فلا بد إذن أن يكون للثابت الكوني قيمة تجعل ΩΛ تزيد قليلًا عن ٠٫٧؛ أي مرتين ونصف قدر قيمة ΩΜ. بعبارة أخرى، يقع على عاتق ΩΛ القيام بأغلب العمل كي تجعل (ΩΜ + ΩΛ) تساوي ١. هذا يعني أننا مررنا بالفعل بالفترة الكونية التي كانت فيها المادة والثابت الكوني يسهمان بالقدر نفسه (بحيث يساوي كل منهما ٠٫٥) في سبيل الحفاظ على تسطح الفضاء.
في غضون أقل من العقد غيرت الهزة المزدوجة القادمة من المستعرات العظمى من النوع Ia وإشعاع الخلفية الكوني وضعية الطاقة المظلمة من مجرد فكرة جامحة تلهى بها أينشتاين ذات مرة إلى حقيقة كونية من حقائق الحياة. وما لم يثبت أن مجموعة المشاهدات إما أُسيء تفسيرها أو أنها غير دقيقة أو خاطئة بالكامل، علينا القَبول بالنتيجة القائلة إن الكون لن ينكمش أو يعيد دورة حياته ثانية. بدلًا من ذلك يبدو المستقبل كئيبًا؛ فبعد مئات المليارات من الأعوام من اليوم، حين تكون النجوم قد احترقت، سيختفي كل شيء عدا أقرب المجرات إلينا، وراء أفق رؤيتنا.

بحلول ذلك الوقت ستكون مجرة درب التبانة قد التحمت مع أقرب جاراتها، لتكونا مجرة واحدة عملاقة موجودة وسط العدم. ستحوي سماؤنا بالليل النجوم الدائرة (الميتة والحية) ولا شيء آخر، تاركة لفلكيي المستقبل كونًا قاسيًا. فدون وجود مجرات تمكنهم من تتبع تمدد الكون سيستنتجون مخطئين أننا نعيش في كون ثابت، كما فعل أينشتاين. وسيكون الثابت الكوني وطاقته المظلمة قد أوصلا الكون إلى نقطة يستحيل فيها من الأساس قياسهما أو حتى الحلم بهما.

لنستمتع بالكون بينما نستطيع ذلك إذن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٢