كلمة تصدير

هذه أول رسالة من مجموعة رسائل عزمت على نشرها في تاريخ مصر؛ تعريفًا لأبناء النِّيلِ بشيء مما عانت بلادنا خلال العصور القديمة من أحداث الزمن، وتكاليف الحكم الذي تعاقبت عليها صوره بعد سقوط دولة الفراعنة، ودخول مصر في دور الاستعمار الأوروبي؛ وقد ظل مخيمًا على ضفاف النيل زهاء ألف سنة قبل الفتح العربي.

ولعل باحثًا يتساءل عن السبب الذي حداني إلى اختيار هذا العصر، ليكون فاتحة رسائل أنشرها في تاريخ مصر؟ ولعل لمن يتساءل عذرًا في تساؤله، إذا لم أُبِنْ عن السبب في اختياري هذا.

أما السبب فينحصر في أن دخول مصر في حوزة القيصرية المقدونية التي أسَّسها الإسكندر المقدوني الأكبر، كان فاتحة عصر جديد، يفصل بين عصر الفراعنة، وعصر الاستعمار الأوروبي، وهو عصر أخذت فيه البلاد شكلًا جديدًا غير الشكل الذي لابسها خلال عصر الفراعنة بطوله. هذا إلى أن كل غزو أجنبي، قبل غزو الإسكندر، لم يكن غزوًا ذا آثار ثابتة، طبَعَ البلاد بطابَعٍ خاص: «فقد استطاع المصريون، عُقَيْب كل غزو دهمتهم به أمة أجنبية «كالهكسوس» وغيرهم أن يستردوا حريتهم المرَّة بعد المرَّة، وأن يقيموا على عرش بلادهم أسرًا من الفراعنة، تحيي تقاليد الحكم والثقافة واللغة؛ تلك التقاليد التي نشأت وربت في مدى عصور لا تعيها الذكريات. ولكن هذه الغزوة، كانت آخِر عهد ملوك الفراعنة، الذين تجري في عروقهم الدماء الوطنية بالحكم على ضفاف النيل، وإلى آخر الدهور؛ فمنذ فتح الإسكندر، خضعت مصر ألف سنة لحكَّام هِلِّينيِّي الحضارة من مقدونيين ورومان، وفي نهايتها صارت مصر جزءًا من جسم الإسلام، فَبُدِّلت تبديلًا، وأصبحت لها لغة أخرى، ونظام اجتماعي لا عهد لها به، ودين جديد، ونُبِذَ الآلهة الذين عُبِدوا في مصر على أنهم آلهتها الخواص الآلافَ من السنين نبذًا أبديًّا، ثم دُفِنوا في ثراها.»١

ولا شك في أن تغييرًا كبير الأثر كهذا التغيير، إذا انتاب أمة من الأمم، طَبَعَهَا بطَابَع جديد، ووجَّه سياستها الاجتماعية والدولية وجهة جديدة، وأخرجها من حال التجانس التي أَلِفَتْها في عهودها الأولى، بحيث يجعل لتاريخها في عصرها الجديد، من الجِدَّة، ما يصح أن يُتَّخَذ درسًا تسترشد به الأجيال. وكان هذا سببًا في أن أبدأ رسائلي التاريخية بهذا العهد، دون ما سبقه من العهود.

ولسوف أعقِّب على هذه الرسالة برسائل أخرى: الأولى في «بَطْلَمْيُوس الأوَّل: سُوطَر»، والثانية في «بَطْلَمْيُوس الثاني: فِيلَادِلُفُوس»، ثم برسالة في «نظام الحكم والإدارة في عصر البطالمة». ثم أتناول بعد ذلك «أواسط عصر البطالمة»، وأختم البحث برسالة في «نهاية عصر البطالمة»، وربما أفردت «كليوبطرا» بكتاب خاص، فإذا فرغت من ذلك بدأت بتاريخ مصر في عهد الرومان؛ وهو عصر لا أعرف أن كتابًا عربيًا قد عُنِيَ به من قبلُ.

ولعلي بذلك أكون قد مهَّدت طريق الدرس، لمَن يريد الوقوف على طرف من تاريخ مصر الخالدة.

إسماعيل مظهر

هوامش

(١) من متن الكتاب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١