الفصل الثامن عشر

وفي الغد تمثَّل الجنرال شرميلوف بين أيدي القيصر بول الأول، فأبلغه قصة فاننكا كما روتها له الفتاة؛ لأنها لم تستطع أن تكتم ما بها طويلًا؛ فأعلمت أباها في الليلة التي تلت حادثة الكنيسة بأمرها جميعه، ولم تُخفِ عنه شيئًا.

ولبث القيصر برهةً مفكِّرًا فيما أُلقِيَ على مسامعه من الحوادث، ثم هبَّ عن مقعده وقصد مكتبةً فتناول قرطاسًا كُتِب فيه القرار الآتي:

لقد هتك البوب حرمةً ما كانت لتُهتَك، حيث خان سر الاعتراف، فيُنفَى إلى سيبريا وتلحقه امرأته؛ لأنها شاركته في الجريمة، حيث لم تحترم سرًّا من أسرار وظيفته فاضطرته إلى إفشائه، وتلحق بهما ابنتهما الصغيرة.

وتُنفى أنوشكا الوصيفة إلى سيبريا أيضًا، حيث لم تُخطِر سيدها بسيرة ابنته.

وإني حافظٌ كلَّ اعتباري للجنرال، بل أتأسف وأشاطره الحزن على ما أصابه.

أما فاننكا فلا أدري عقوبة أقضي بها عليها، ولا أراها إلا ابنة قائد شهم كرَّس حياته في خدمة وطنه، هذا وإن الظروف الغريبة التي اكتُشفَت فيها الجناية تجعل المتهمة بعيدةً عن طائلة غضبي، فأَكِل إليها عقاب نفسها بنفسها، فإن أصاب ظني فيما توسمته في طباعها وبقي لديها من الإحساس ما تدرك به خطارة حالها؛ فسيدلها قلبها وضميرها على الطريق الواجب عليها اتباعه.

ولما أتمَّ القيصر كتابة القرار، قدَّم القرطاس مفتوحًا للجنرال شرميلوف، وكلَّفه أن يحمله إلى الكونت بهلن حاكم المدينة.

وفي الغد نُفِّذت أوامر القيصر، أمَّا فاننكا فقصدت ديرًا انزوت فيها، ولم يمضِ العام حتى قضت حزنًا وأسفًا.

وحصلت بعد ذلك واقعة أوسترلتز الشهيرة فقضى الجنرال شرميلوف في ساحة القتال، سبحان مَن لا يزول، وإليه المرجع والمآل.

(تمت)

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤