نظرة عامة في النقد

عرضنا فيما تقدم لعناصر النقد في الموضوعات المختلفة، والآن نعرض للنقد لنذكر شيئًا عن قيمته واختلاف الباحثين فيه.

ولنبدأ بالبحث فيما هو النقد؟

كلمة (النقد) critism تعني في مفهومها الدقيق (الحكم) judgment وهو مفهوم نلحظه في كل استعمالات الكلمة حتى في أشدها عمومًا، فالناقد الأدبي إذن يعتبر مبدئيًا كخبير يستعمل قدرة خاصة ومرانة خاصة في قطعة من الفن الأدبي هي عمل لمؤلف ما فيفحص مزاياها وعيوبها ويصدر عليها حكمًا، ولكننا حين نتكلم عن أدب النقد أو الأدب النقدي، أي الأدب الذي يتكون من النقد the literature of criticism فإننا نضمن تحت العبارة معنى أكثر من الأدب الذي يصدر الحكم. بل إننا نفهم منها كل الكتلة من الأدب الذي كتب عن الأدب، سواء أكان الموضوع تحليلًا أم تفسيرًا أم تقديرًا أم كل هذه مجتمعة. فالشعر والدراما والرواية تتناول الحياة مباشرة، وأما النقد فيتناول الشعر والدراما والرواية بل يتناول النقد نفسه. فإذا عرف الأدب الإنشائي بأنه تفسير للحياة في صور مختلفة من الفن الأدبي، فإن الأدب النقدي يعرف بأنه تفسير لهذا التفسير ولصور الفن التي يوضع فيها.

الحملة المعهودة ضد النقد

كثيرًا ما توجه حملة على النقد خلاصتها أننا نريد أن نفهم عمل المؤلف فما فائدة كل هذه الوساطات الكثيرة؟ لماذا ننفق الوقت في قراءة ما قاله واحد غيرنا عن دانتي أو شكسبير، ومن المؤكد أنه يكون أنفع لو أنفقنا هذا الوقت في قراءة دانتي وشكسبير نفسيهما؟ إن لدينا كثيرًا من الكتب التي عن الكتب إلى حد أن مكتباتنا تكتظ بها وانتباهنا يتشتت فيها. ثم ليس هذا هو أدهى ما في الأمر، فقد نما في العصر الحديث أدب طفيلي من الشرح والتعليق، ونما إلى حد ضخم أنتج بالتالي نتاجات طفيلية ثانوية شديدة التعقد من النقاد الذين يكتبون عن النقاد، والذين يأخذون على عاتقهم أن يفسروا تفسيرهم لتفسير الحياة الذي في الأدب الحقيقي! وهكذا يتضخم لدينا العدد، ليس فقط عدد الكتب التي عن الكتب، بل عدد الكتب التي عن الكتب التي عن الكتب! لدينا تواريخ النقد، ولدينا الدراسات التحليلية لطرق هذا الناقد وغيره، ولدينا مقالات المجلات التي تلخص فيها هذه الدراسات وتناقش وهكذا نتعرض لأن نحصل على معرفتنا بكثير من أجود الأدب العالمي بطريق ثانوي أو حتى بطريق ثالثي؛ شيرر يدرس (الفردوس المفقود). ثم ماتيو أرنولد يدرس دراسة شيرر للفردوس المفقود. قد يكون لنا لذة في أن نعرف ماذا يعتقد شيرر عن ملتن، وماذا يعتقد أرنولد في اعتقاد شيرر عن ملتن، وماذا يعتقد ثالث في اعتقاد أرنولد عن اعتقاد شيرر عن ملتن، ولكن مع ذلك يوجد خطر بليغ إذا وجهنا كل اهتمامنا إلى شيرر وأرنولد. إننا لا نقرأ عمل ملتن نفسه. وإذن أفليس الناقد مجرد جالب للتعقيد في الأدب؟ إن دراسة النقد لا يمكنها أن تكون بديلًا عن دراسة الأدب المنقود، بل إنها قد تقف في طريق مثل هذه الدراسة بأن تجذبنا إلى أن نكتفي بهذا النوع السطحي من المعرفة عن الكتب ومؤلفيها، وهو شيء مخالف مخالفة حيوية للمعرفة الشخصية عن الكتب والمؤلفين أنفسهم.

هذه الاعتراضات معقولة تمامًا، وهي يجب أن تعطي حقها من العناية والتقدير في عصر قد أصبح فيه الأدب الإنشائي في خطر من أن تغطيه الكتلة النامية من العرض والشرح، وهكذا يمكن أن يوجه اعتراض حق عادل ضد ضرر النقد الذي أصبح ميزة بارزة في الحياة الفكرية لعصرنا. ولكننا لا يمكننا أن ننكر فائدة النقد لهذا السبب، فإن للنقد مكانه المشروع ومهمته المشروعة.

النقد كأدب

ولنلح في توضيح نقطة كثيرًا ما تهمل. إن الفرق بين الأدب الذي يتناول الحياة مباشرة وبين الأدب الذي يتناول الأدب مهما يظهر أنه فرق أساسي فهو فرق صناعي متكلف. فإن الأدب ينتج من أي شيء يهمنا في الحياة، ولكن الشخصية هي واحدة من أهم الحقائق الرئيسية في الحياة، ومن أكثرها تشويقًا وأعظمها شأنًا، هكذا ينتج أن الناقد الذي يقوم بتفسير شخصية أديب كبير كما تتضح في عمله وتفسير هذا العمل في كل جوانبه المختلفة كتعبير عن الرجل نفسه، هذا الناقد يتناول الحياة تناولًا حقًّا مثل الشاعر أو المؤلف الذي يقوم هو بدراسة آثاره سواء بسواء.

والكتاب النبيل هو شيء حيوي مثل الفعل النبيل، وماهيات الفن حيوية تمامًا مثل الماهيات التي يتضمنها جانب آخر من نشاط الحياة المتعددة الجوانب. وقد عبر المستر وليم واطسن عن هذا الرأي تعبيرًا رائعًا في شعره حين اعترض عليه بأنه كثيرًا ما يبحث في عمل الشعراء الآخرين، فأجاب بأنه قد اتخذ الشعراء العظام موضوعه، وقال: «قد اعتبرت هؤلاء كجزء من عظمة الطبيعة»، وهكذا نرفض هذا الاعتراض الذي يوجه إلى النقد ما دام قائمًا على اعتبار أنه مختلف في النوع من الأدب الإنشائي الذي يستمد موضوعه ووحيه من الحياة مباشرة. فإن النقد الحق يستمد أيضًا موضوعه ووحيه من الحياة، وهو أدب إنشائي أيضًا في طريقته الخاصة.

ومن الهام أن نميز بين ضرر النقد وبين فائدته، وهي مشكلة ليست صعبة كثيرًا، فإننا نستطيع من تجاربنا الخاصة أن نعرف متى يصير النقد خدعة ومتى يكون عونًا لنا.

ضرر النقد

يصير النقد خدعة حينما نظل قانعين بما قاله غيرنا عن مؤلف عظيم بدل أن نذهب مباشرة إلى ذلك الأديب، ونحاول أن نتملك أدبه لأنفسنا، وقد كثرت الآن هذه الخلاصات الموجزة من المعرفة في الأدب وفي غيره من أنواع الدراسة. ونحن في حياة السرعة وفي معترك المقالب المتعارضة قد تميل إلى الاعتماد على هذه الخلاصات في الحصول على معرفة كثير من الأدباء الذين يتحدث عنهم العالم بكثرة، والذين نرغب أن نتحدث عنهم نحن أيضًا، ولكن ليس لدينا الوقت أو ليس لدينا الصبر لكي نتعرف بهم معرفة شخصية. فالكثيرون منا يتراجعون أمام قراءة الأدوسة بحجة أنها طويلة جدًّا، وأنه يوجد كثير جدًّا من الأشياء التي يهمنا أن نقرأها هي الأخرى. وهكذا يبدو أنه يوافق حاجتنا تمامًا مثل هذه الخلاصة الموجزة الصغيرة لمحتويات هذه القصيدة القديمة الرائعة، هذه الخلاصة الموجودة في Ancient Classics for English Readers. والآن يجب ألا يرمي هذا الاعتماد على أدب العرض والتلخيص باللوم والتعنيف كما يفعل كثير من الذين يكتبون عن هذا الموضوع. فإن الموضوع يجب أن يعالج علاجًا عمليًّا، وإنه لمن التعجيز لأكثرنا أن نحاول أن نقرأ بأنفسنا كل كتاب في الأدب العالمي يستحق القراءة، فلو وضع السؤال هكذا، هل الأفضل أن نظل جاهلين بالأدوسة تمامًا أو أن نحصل على فكرة ما عن قصتها وأشخاصها من طريق ثانوي لما ترددت في الإجابة بأنه من الأفضل جدًّا أن نعرف شيئًا عن القصيدة من أشد مختصراتها إيجازًا عن ألا نعرف شيئًا عنها مطلقًا.
الحياة قصيرة، ودائرة فراغنا محدودة عادة، ويزيدها ضيقًا الاتجاه الخاص لميولنا الذاتية حقًّا قد يكون صغيرًا جدًّا ذلك الجزء الذي نستطيع أن نأمل في معرفته معرفة شخصية، وإن تشوقنا إلى قراءة الأدباء المشهورين ومعرفة شيء عن شخصياتهم لتشوُّقٌ مشروع طبيعي، ومن السخف أن يقال: إننا يجب ألا نلجأ بحرية إلى ما كتبه الآخرون عنهم ونتخذه بديلًا عن قراءتنا الخاصة لأعمالهم أو مرشدًا في دراستنا لها إلى أهم ما يستحق العناية منها. فكل واحد يسلم بأن فولتير واحد من أعاظم الرجال في أدب القرن الثامن عشر وقراءته إذن هامة ومشوقة. وجوانب دراسته متعددة، ولكن مؤلفات فولتير المستقلة عددها أكثر من مائتين وستين، فقد كتب أشعارًا اجتماعية وقصائد قصصية وقصصًا تمثيلية ونقدًا تمثيليًّا وتاريخيًّا وسيرًا وحكمًا فلسفية ودراسات فلسفية. وهذا العمل الضخم المتنوع لا بد أن يظل مجهولًا من القارئ الإنجليزي العادي، ولكنه سيجد في الكتاب الرائع الذي ألفه lord morely في ٤٠٠ صفحة دراسة جيدة ورائعة عن الرجل ووسطه وعمله. فإذا قرأه قراءة جيدة فإنه سيحصل على فكرة عن عبقرية فولتير وقوته ومزاياه وعيوبه أحسن بكثير من تلك التي يستطيع أن يحصل عليها من محاولات سريعة غير منظمة، لأنه يقرأ عمل فولتير بنفسه.

ثم يوجد كثيرًا جدًّا من الأدباء غير العظماء الذين يستحقون بدورهم الدراسة والذين لهم عبقرية خاصة تستحق الفحص والدراسة. ولكن ليس لدينا الوقت الذي يسمح لنا بقراءة هؤلاء جميعًا، وإذن فمن المستحسن جدًّا أن نحصل على معرفة موجزة عنهم عن طريق ما كتبه عنهم الآخرون.

وهكذا يكون من المبالغة الشنيعة أن يقال: إننا يجب ألا نعتمد قط على أناس آخرين في معرفتنا بالمؤلفين والكتب، ولكن مع ذلك يجب ألا نهمل أهمية المبدأ القائل بأن اهتمامنا الأساسي هو بالأدب مباشرة، وليس بالتفسير النقدي للأدب، فإنه إذا كان الغرض الأول للدراسة الأدبية هو تنمية العلاقات الوثيقة الشخصية بين الدارس وبين الأديب فإننا إذا اكتفينا بالكتب التي عن الكتب شعرنا بأننا لا نحقق هذا الغرض تحقيقًا كافيًا، فالميزة الجوهرية لكتاب عظيم وقوته الذاتية الحيوية لا يمكن أن يشعر بهما على أتم وجه إلا في التناول المباشر فقط، ولا يمكن أن ينقلا خلال أي واسطة أو مساعدة إلا إلى حد صغير جدًّا، أخبرني أستاذ أمريكي مشهور بأنه جاءه تلميذ له يسأل: ما هو أحسن كتاب أقرؤه عن Timon of Athens لأنني أكتب عنه بحثًا؟ فكانت إجابة صديقي: أحسن كتاب تستطيع أن تقرأه عن Timon of Athens هو: Timo of Athens. فكان هذا جانبًا لم يكن قد التفت إليه المستفهم، فانصرف أكثر حكمه. وهو جانب يهمله الكثيرون منا كثيرًا، فلن يكون أي تحليل أو نقد لكتاب بديلًا صالحًا عن امتلاكنا الشخصي لهذا الكتاب بنفسه، فإن الجهد الذي ننفقه في محاولة الحصول على هذا الامتلاك هو أكبر قيمة من أي معرفة عن الكتاب نحصل عليها من الخارج.

وهذا يذكّر بخطر آخر يشتمل عليه اعتمادنا المستمر على أدب العرض والتعليق، فإننا نصبح مستعدين لأن نقبل تفسير شخص آخر عن كتاب وحكمه عليه. وهو خطر بليغ جدًّا؛ لأنه يزداد بازدياد قوة الناقد نفسه. فإنه إذا كان ناقدًا كبيرًا حقًّا أو كان رجلًا ذا علم ممتاز، وشخصية قوية ممتازة فإنه يفرض نفسه علينا، فإن ملاحظتنا لقوته وضعفنا تجعلنا نسلم أنفسنا له، إذ يستولي على فكرتنا إلى حد أننا نأخذ حكمه كحكم نهائي، وهكذا ننظر إلى الكتاب لا من خلال عيوننا الخاصة بل من خلال عينيه، فنجد فيه ما قد وجد هو فيه ولا نجد أكثر من ذلك، فما أخطأه هو نخطئه نحن، وتجري قراءتنا على الخطوط التي قد رسمها، وهكذا يقف هو بيننا وبين موضوعه لا كمفسر، ولكن كعقبة. فبدل أن يقودنا يسد أمامنا السبيل، فتتوقف علاقاتنا الشخصية بالمؤلف ويتعطل عملنا الذهني الخاص على الكتاب.

فائدة النقد

ولكن مهما تكن النتائج التي تنتج من ضرر النقد بليغة فإن فائدته الحقة لدراسة الأدب لا يتردد فيها لحظة واحدة، فإن إنكار فائدة النقد هو إما بأنه لا يمكن أن يكون أحد آخر أعقل منا، وإما بأننا لا نستطيع قط أن نستفيد بما لفرد آخر من تجربة أعمق وعقل أعظم، ومهمة النقد الأساسية هي أن يوحي وأن يشجع وينير السبيل. فإذا كان شاعر كبير يجعلنا مشاركين له في فهمه الأعظم لمعنى الحياة، فإن ناقدًا كبيرًا قد يجعلنا مشاركين له في فهمه الأعظم لمعنى الأدب، والناقد الحق هو الذي يزاول عمله بمعرفة عن موضوعه، هي في عمقها وصحتها أعظم بكثير من معرفتنا نحن، والذي قد وهب مواهب خاصة من عمق النظرة والتغلغل والتفهم. وحقًّا إنه يكون غاية الوقاحة الادعاء بأن مثل هذا الرجل لن يرى قدرًا أكثر مما نستطيع أن نراه في آية ما من آيات الأدب. ويكون حمقًا مطلقًا أن نتخيل أننا بمساعدته لا يمكن أن نستكشف فيها صفات من القوة والجمال وثروة من اللذة وعمقًا من الأهمية لا نستطيع بدون هذه المساعدة إلا أن نظل عنها عميًا، فالناقد كثيرًا ما يعطينا وجهة نظر جديدة تمامًا، وكثيرًا ما يؤدي مساعدة خاصة بأن يترجم إلى تعبير محدد إحساسات لنا كنا نحس بها إحساسًا مبهمًا غامضًا ليس له قيمة عملية، فهو أحيانًا مستكشف يستكشف أرضًا جديدة، وهو أحيانًا رفيق صديق يدلنا على جوانب غير منظورة من الأشياء التي نمر بها في طريقنا حتى من تلك التي نعرفها معرفة جيدة، وهكذا يعلمنا أن نقرأ ثانية لأنفسنا بذكاء أعظم وبتقدير أعمق، ثم ليس هذا كل شيء، فإنه كثيرًا ما يؤدي لنا أعظم المساعدة حين يتحدى أحكامنا الخاصة ويعارض آراءنا التي سبق أن كوناها ولا يقتصر على التعليم بل الإثارة والاستفزاز، فإذا قرأناه كما يجب أن نقرأ الأدب الذي يتناوله بعقل حاضر منتبه فطن فإنه لن يكون أمرًا هامًّا. هل نحن نوافق ما يقوله لنا أم نرفضه، ففي كل حالة سوف نكتسب من تناوله في عمق النظرة وفي القوة.

مهمتا النقد

للنقد مهمتان مختلفتان: مهمة التفسير interpretation ومهمة الحكم judgment. وحقًّا إنه عمليًّا قد اجتمعت هاتان الوظيفتان عادة حتى يومنا الحاضر، إذ إن معظم النقاد مع اعتبارهم أن الحكم هو الغاية الحقة لكل النقد قد استعملوا التفسير كوسيلة إلى تلك الغاية، ولكن في السنين الأخيرة قد اتجه دارسون مختلفون للأدب على تجسيم الفرق، إذ وضعوا المهمتين متعارضتين ثم أعلنوا أن الواجب الرئيسي للناقد هو العرض exposition حتى في الحالات التي يتجاوز فيها العرض إلى مسائل الذوق والتقدير.

الناقد كمفسر

إذا قبلنا مؤقتًا هذه الوجهة من النظر التي تحد من مهمة النقد وتحصرها، فإننا نتساءل: ماذا يجب على الناقد أن يعمله باعتباره مفسرًا؟ وبالإجابة سنرى أنه حتى لو كانت مهمته في هذا الحصر والتحديد فإنها مهمة كبيرة شاقة معًا. فإن غرضه سيكون التغلغل خلال قلب الكتاب الذي أمامه، وأن يحل صفاته الأساسية من الجمال والقوة، وأن يميز بين ما هو وقتي فيه وما هو دائم ثابت مستمر، وأن يحلل معناه ويحدده، وأن يوضح بالاختبار المباشر المبادئ الفنية والخلقية التي قد أثارت المؤلف وتحكمت فيه سواء أكان المؤلف نفسه شاعرًا به أو غير متفطن إليها، وأن يجعل ما هو مجرد معنى متخيل شيئًا واضح التعبير، وأن يبين العلاقات المتبادلة بين أجزاء الكتاب وعلاقة كل جزء بالمجموع الذي يتكون منها، وأن يجمع عناصره المتفرقة ويلخصها ويشرح ميزاتها بإرجاعها إلى مصادرها. وهكذا بشرحه وعرضه وإيضاحه سوف يرينا ما هو الكتاب في الحقيقة، محتوياته، وروحه، وفنه. فإذا عمل ذلك فإنه سيتركه لنا لنحكم عليه ونقدره. قال Walter Pater: «الشعور بميزة الشاعر أو الرسام، وحلها، وعرضها، هذه هي المراحل الثلاث لواجب الناقد».

والناقد في تأدية واجبه سوف يتبع اتجاهه الخاص في العرض، فقد يحبس نفسه تمامًا على الكتاب الذي في يده، ويحصر انتباهه كله فيما يجده فيه، وقد يوضحه بالرجوع المنظم إلى أعمال أخرى لنفس المؤلف، وقد يلقي عليه ضوءًا من الخارج باتباع طريقة المقارنة، وقد يتقدم عن ذلك في ميدان النقد فيبحث عن سره في مبادئ التفسير التاريخي، ولكن مهما يكن منهجه فإن غرضه الوحيد هو أن يعرف الكتاب في حد ذاته، وأن يعاوننا على أن نعرفه في حد ذاته، فلن يصدر حكمًا قاطعًا عليه من وجهة نظر ذوقه الخاص أو من وجهة نظر أي مجموعة منظمة من الآراء النقدية.

النقد الاستدلالي والنقد الحكمي

النقد الاستدلالي criticism moulton

للأستاذ مولتون inductive دراسة عن «شكسبير كفنان درامي» جعل مقدمتها دعوة إلى نوع علمي تمامًا من النقد الأدبي. فبعد أن ذكر رأيًا لماكولي في أن أحكام النقد تستمد من مجرد الذوق، عارض هذا الرأي ونادى بما يسميه (النقد الاستدلالي inductive) ووضع مبادئ هذا النوع من النقد، والاسم نفسه يدل على مقدار تأثر منشأ هذا النوع بالتأثير القويّ للعلم الحديث. والأستاذ مولتون يقول بنفسه إن غرضه هو «أن يجلب إلى دائرة العلوم الاستدلالية دراسة الأدب». فهذا النقد يقول: إنه يجب أن يعد لا فرعًا من الأدب ولكن فرعًا من العلم. وهكذا يسعى هذا النقد وراء الدقة العلمية والحياد العلمي، ويقول: «إن الدراسة التي نريدها هي دراسة لا تعتمد على المدح أو الذم، ولا شأن لها بالجودة النسبية أو المطلقة». فالناقد الاستدلالي مثل الباحث في أي ميدان آخر من ميادين البحث العلمي «ينظر إلى ظواهر الأدب كما تقف هي في الحقيقة، باحثًا عن القوانين والمبادئ التي قد كونت منها، والتي تنتج آثارها، ومحاولًا تنظيم هذه القوانين والمبادئ». وهكذا — كما يقول مولتون — تتضح ثلاث نقط هامة للتعارض بين النقد الاستدلالي للقديم وبين النقد الحكمي١ القديم. فأولًا: النقد الحكمي يهتم إلى حد كبير بمسألة الجودة في الأعمال الأدبية. وهذه المسألة خارجة عن العلم، «فالجيولوجي لا يمدح الحجر الرملي الأحمر القديم كنموذج للتكوين الصخري، أو يلقي تعليقات تهكمية عن العصر الثلجي!» فالناقد الاستدلالي كرجل من رجال العلم لا يعرف شيئًا عن الاختلافات في القيمة، وإنما هو يعرف فقط الاختلافات في النوع. والطرق الأدبية المتعارضة مثل طريقة شكسبير وطريقة عن جنسون في القصة التمثيلية ليست تعتبر عنده من وجهة أيها الأسمى وأيها الأحط، وإنما فقط تعتبر متميزة من «نفس الناحية التي يتميز بها النبات ذو الزهرة عن النبات العديم الأزهار». ومثل هذا التميز «لا يدع مجالًا للتفضيل فليس هناك وجه اشتراك تقوم عليه المقارنة» وهكذا يجب أن الخلافات التي بين مؤلف ومؤلف تميز وتحدد، ولكن يجب ألا يقوم بأية محاولة لتقدير قيمتها الاعتيادية.

وثانيًا: أن النقد الحكمي يعتقد أن الأشياء التي يدعوها قوانين الأدب هي مثل قوانين الأخلاق أو قوانين الدولة، أي مفروضة من قوة خارجية ومحتمة على الفنان، مثل تحتيم قوانين الأخلاق والدولة على الإنسان، وأما من ناحية النقد الاستدلالي فلا وجود لمثل هذه القوانين، فإنه يعد قوانين الأدب بالضبط مثلما يعد العالم الطبيعي قوانين الطبيعة، ليست شروطًا مفروضة من جهة عليا خارجة، ولكن حقائق في نفس الطبيعة قد حددت. فقوانين الطبيعة هي مجرد سرد منظم للنظام الذي يلاحظ فضلًا بين الظواهر، وقوانين الأدب يجب أن تفهم مثل هذا الفهم تمامًا، فإنها تدل على ما هو كائن، ليس على ما يجب أن يكون.

وهكذا لا تكون قوانين الدراما الشكسبيرية قوانين قد فرضتها سلطة خارجة على شكسبير وهو ملزم بطاعتها مسئول عن الخضوع لها، ولكنها قوانين الممارسة الدرامية المستمدة من تحليل أعماله نفسها. وإذن فنحن إنما نستعمل لغة المجاز حين نقول: إن شكسبير (يخضع) لكذا وكذا من (قوانين) القصة التمثيلية، مثلما نكون مستعملين لغة المجاز حين نقول: إن النجوم (تخضع) لقانون الجاذبية، وإذن فليست مهمة الناقد أن يفحص عمل شكسبير من وجهة مطابقته أو عدم مطابقته لبعض آراء مجردة عن القصة التمثيلية أو لقواعد قد وضعت وضعًا مستقلًّا، ولكن مهمته فقط أن يستكشف بالاختيار المباشر لرواياته المبادئ التي قد كتبت هذه الروايات طبقها، ثم أن يوجز نتائج هذا الاختبار في قول عام. وهذا يقود إلى النقطة الثالثة من الاختلاف بين نقد الحكم والنقد الاستدلالي. فالنقد الحكمي يفترض أن هناك مثلًا عليا محددة يمارس الأدب تطبيقها ويحكم عليه بها، وقد اختلفت هذه المثل اختلافًا كبيرًا باختلاف النقاد وباختلاف العصور، وهذه الحقيقة تمدنا بسبب لما نجده من أن النقد كثيرًا ما سقط إلى هذه الهوة، ولكن وجود مثل هذه المثل قد كان معتقدًا رغم ذلك، وأما النقد الاستدلالي فلا يعترف بأي مثل مقررة، بل ينكر إمكان وجود مثل هذه المثل، فالأدب هو نتاج للنشوء والتطور مثل أي ظاهرة تدرسها العلوم، وتاريخ الأدب هو تاريخ المتبدلات التي لا تنقطع، وهكذا يفشل فشلًا ذريعًا كل جهد يبذل لإيجاد مبادئ نقدية مقررة نهائية، لأنه يفرض وجود نهاية حيث يستحيل تبعًا لطبائع الأشياء أن توجد نهاية.

وهكذا تكون الخلاصة «أن النقد الاستدلالي يعتبر الأدب في روح الاختبار الخالص، باحثًا عن قوانين الفن في أعمال الفنانين، ومتناولًا كباقي الطبيعة باعتباره شيئًا ذا تطور مستمر يمكن أن تدخله اختلافات باختلاف كل أديب وكل مدرسة تختلف في النوع عن بعضها البعض، ولا يمكن معرفة إحدى هذه الاختلافات إلا بأن يمتحنها ذهن مستعد لتفهم التغيرات بنفسه دون تدخل شيء آخر خارج عنه».

وبناء على هذه النظرة إلى مهمة النقد لا يكون للنقد أي شأن مطلقًا بقيمة القطعة من الفن الأدبي أو بإحساساتنا الشخصية المتعلقة بها، فالناقد يهمل كل اعتبارات الذوق الفردي وكل مسائل الجودة المطلقة أو النسبية، ويقف نفسه كلها كالعالم على عملية الاختبار. فالناقد كما قال تين مرة: هو نوع من العالم بالنبات ولكن مهمته ليست ظواهر حيات النبات وإنما ظواهر الأدب.

ولدينا نظرية أخرى عن النقد الاستدلالي وهي: أن قانون عمل كل مؤلف يجب أن يبحث عنه في ذلك العمل الأدبي نفسه. ومعنى هذا أن هذا القانون لا يمكن أن يطبق على عمل أي مؤلف آخر، وإذن لا يمكن أن يستخدم كمثال للحكم أو حتى كمرشد، وهذه النتيجة تثير مشكلة سنعرض لها بعد برهة، وفي نفس الوقت يجب ألا نغفل أنه من الممكن أن نفهم النقد فهمًا ينكر جمود الطريقة الحكمية القديمة، وفي نفس الوقت لا ينكر حق الناقد في التقدير والحكم، والمفتاح لهذا الفهم يقدمه إلينا مبدأ نسبية الأدب والطريقة التاريخية في التفسير. ويمكننا أن نوجز القول في هذا بالرجوع إلى الناقد الفرنسي Edmand Scherer فحين قام شيرر بدراسة قصيدة «الفردوس المفقود» دهش إذا وجد رأيين عنها متعارضين تمامًا، رأى فولتير ورأي ماكولي: فأحدهما توغل في احتقار لا حدّ له، والثاني أمعن في تقريظ لا حدّ له. فتساءل: هل الاحتقار أو التقريظ يمكن أن يؤخذ أحدهما كحكم حقيقي على القصيدة؟ هل يعطينا أحدهما أي وصف حقيقي لعظمتها ولمواطن ضعفها ولمكانها بين آيات الأدب؟ بكل تأكيد لا، فهذان ليسا حكمين مستندين على أساس مطلقًا، وإنما هما مجرد تعبير عن ميول شخصية للناقدين. وهما ينقصهما تمامًا الصفة التي يجب قبل كل شيء أن توجد في كل من يتعرض للقيام بمهمة الحكم على الأدب، ألا وهي صفة الحياد والنزاهة. فهما يخبراننا بما اعتقده في عمل ملتن فرنسيّ ذكيّ في القرن الثامن عشر، وإنجليزي ماهر في القرن التاسع عشر، ولكنهما لا يعيناننا على أن نكون لأنفسنا حكمًا خاصًّا عليه. وهما يلغي أحدهما الآخر بكل بساطة. قد تجعلنا ميولنا الخاصة نميل إلى جانب رأي فولتير، أو إلى ناحية رأي ماكولي، ولكنهما في حد ذاتهما يغادراننا غير مقتنعين وغير فاهمين وإذن فكيف نستطيع أن نأمل في أن نكوّن وجهة نظر بعيدة عن العواطف الشخصية — وجهة نظر منها نرى «قصيدة الفردوس المفقود» كما هي في الحقيقة بصرف النظر عن مسألة ما إذا كانت تمتعنا أو لا تمتعنا؟ يقول شيرر: نستطيع ذلك باتباع الطريقة التاريخية الحديثة، فهذه الطريقة أقرب إلى القطع والجزم وإلى العدل والإنصاف من طريقة المدارس القديمة، لأنها تحبس نفسها على أن تفهم الأشياء لا على أن تصنفها، وأن تشرحها لا أن تحكم عليها، فغرضها أن تصف العمل من جهة عبقرية مؤلفة، ومن القالب الذي اتخذت هذه العبقرية بتأثير الظروف المحيطة بها. فأول مهمة لنا في تناول «الفردوس المفقود» إذن تكون أن نُبعد على أقصى ما نستطيع كل ميل شخصي ناتج إما عن النفسية الفردية والاستحسان الشخصي، أو عن العادات والأذواق الأدبية لزمننا ووسطنا، ونشرحها كما هي في كل ميزاتها المختلفة من الموضوع والأسلوب، بتحليل دقيق لعبقرية ملتن وبيئته، للرجل نفسه وخلاصة المؤثرات الفكرية والفنية والسياسية التي أثرت فيه سواء أعددناها مؤثرات طبية أم رديئة، حتى هذه النقطة لا يزال الناقد يعتبر فيها كمختبر، برغم أن عناصر الشخصية والوسط — وهي أشياء لا تدخل في نظرية الأستاذ مولتون — تؤكد تأكيدًا خاصًّا (أي في نظرية شيرر) ولكن هنا يفترق شيرر عن مولتون ويرفض أن يتقدم من التفسير إلى الحكم. فيقول: «إنه من هذين الشيئين: من تحليل نفسية الأديب، ومن دراسة عصره ينتج بالضرورة الفهم الصحيح لعمله» والفهم الصحيح بدوره يعطينا مبادئ نقدية نقدر بها مكانته وقيمته، فبدلًا من تقدير نرسله وحيًا للصدفة والظروف، يكون لدينا حكم على العمل مستمد منه نفسه ومحدد للمرتبة التي ينتمي إليها بين منتجات العقل الإنساني.

وبما أنه ليس من غرضنا الحالي أن نناقش النظريات الحديثة عن أغراض النقد وطرقه، فإن هذين الكاتبين يكفيان لتوضيح الميل البارز في عصرنا إلى اعتبار التفسير هو الغاية الرئيسية إن لم يكن الغاية الوحيدة لعمل الناقد، وبينما يرفض مولتون النقد الحكمي إطلاقًا يحاول شيرر أن يجد أسسًا لنقد أعمق وأثبت من أي نقد يمليه الذوق الشخصي، لكن الناقدين الإنجليزي والفرنسي كلاهما يحاول الخلاص مما للمدارس القديمة من طرق ضيقة غير ثابتة تمليها الصدفة، وكلاهما يحاول أن يجلب إلى دراسة الأدب ما للعلم من طرق أعظم وأكبر ثباتًا وأكبر تنظيمًا.

الطرق القديمة للنقد الحكمي

إن هذه الاتجاهات الجديدة التي ذكرناها لعلى أعظم قدر من الأهمية، فإننا نتبعها معتقدين تمامًا أنها تضمن نتائج فعلية من معرفة حقة حية عن الأشياء التي تهمنا في أي عمل أو أديب نتخذه موضوعًا لدراستنا. وقد أصاب اللورد مورلي في قوله: إنه لشيء مخجل تمامًا للذكاء الإنساني أن العلماء جيلًا بعد جيل يظلون يتجادلون حول معنى عقيدة أرسطو المشهورة عن المأساة tragidy، بدل أن يذهبوا مباشرة إلى ظواهر المأساة فيفحصوا أهميتها بأنفسهم، وبهذه الوسيلة قد ضيق على النقد الأدبي الخناق وأخمد من أنفاسه تحت ثقل النظريات السابق اعتناقها والخضوع لسلطة النقاد القدماء، والطريقة الوحيدة الممكنة للخلاص من تقلبات الأذواق الفردية كأن يظن أنها توجد في الرجوع إلى مجموعة قوانين محددة فكان كل أديب ينقد طبقًا لمبادئ تنطبق على عمله من الخارج، بينما كان كل اتجاه جديد في الأدب يقدر بالرجوع إلى النماذج، إلى ما تم عمله من الأدباء الآخرين في العصور الأخرى، والتقديس للكلاسيكيات الذي بدأ من عصر النهضة، والذي لا يزال يوجد في الأوساط المدرسية حتى اليوم قد أدى إلى اعتقاد عام في قيمة الأدباء اليونان والرومان كمثل عليا ثابتة للبراعة، وحتى حين تهدمت هذه النظرية فقد ظل عمل الناقد أن يرجع إلى أديب ما أو مدرسة ما من الأدباء يعتقد أنهم قد مثلوا القوانين الصادقة للأدب تمثيلًا نهائيًّا.
وهكذا كثيرًا ما كان النقد ينحصر في مناقشات صارمة عن مسائل على حظ ضئيل من الأهمية الحقة، ومحاولات عقيمة لحفظ المنتجات في حدود معينة موصوفة هكذا صار النقد اصطلاحيًّا conventional صارمًا متعنتًا dogritic مستبدًّا arbitary ينكر كل انحراف عن الخطوط المرسومة والسنن الموضوعة كما في حالة شكسبير الذي ظل إلى زمن طويل في فرنسا وبواسطة عدد كبير من النقاد حتى في إنجلترا يعتقد أنه متبربر وخال من الفن لأن عمله لم يخضع لقوانين القصة التمثيلية الكلاسيكية التي قد اعتبرت كنموذج مثالي. فمثل هذا النقد كان دائمًا يبحث عن مرشد له في الماضي، ولذلك كان يرفض فعليًّا مبدأ التطور وحق الروح الجديدة في الأدب في أن تنبعث في اتجاهات جديدة لنفسها. وكان يتجاهل الحقيقة العظيمة التي أكدها وردسورث والتي تتضح مرارًا في التاريخ الأدبي: «إن كل أديب — إلى الحد الذي تبلغ إليه عظمته وابتكاره — قد خلق الذوق الذي يجب أن يتخذ حتى يستمتع به» ويمكننا أن نضيف، وقد وضع المبادئ التي يجب أن تطبق في الحكم على عمله.
وتمثل لهذا النوع من النقد القديم٢ بمثالين من أشهر أساتذته وهما أديسون وجونسون.
فأما Addison فيحاول نقدًا منظمًا للفردوس المفقود، فيفحصها بواسطة قوانين الشعر القصصي، ويرى أهي تطابق الإلياذة والإينيد Aenid المحاسن التي هي ضرورية في هذا النوع من الشعر. وكيف تستكشف هذه القوانين للشعر القصصي؟ وكيف نعرف المحاسن التي هي ضرورية لهذا النوع من الشعر بالدراسة الدقيقة لهومير وفرجيل وأرسطو. فبمقدار مطابقة الشاعر الإنجليزي لهؤلاء يكون نجاحه أو سقوطه، وهكذا أخطأ ملتن حين جعل واقعة قصته محزنة. بينما أرسطو قد قرر كقاعدة عامة أن القصيدة القصصية يجب أن تنتهي انتهاء سارًّا، وأخطأ ملتن إذ كان يتبع روح سپنسر وآريوستو أكثر مما كان يتبع روح هومير وفرجيل، ولكن من الغريب أن نجد أديسون قد لاحظ مبدأ التطور في الأدب واستحالة الأخذ بأرسطو نفسه كعقيدة نهائية فيقول: «قوانين أرسطو للشعر القصصي التي وضعها من تفكيراته في هومير لا يمكن الادعاء بأنها تنطبق بالضبط على القصائد القصصية التي قد ألفت منذ عصره؛ إذ إنه من الواضح لكل قاض نزيه أن قوانينه كانت تكون أكثر كمالًا لو أنه درس الإينيد التي ألفت بعد موته ببضع مئات من السنين». ونحن بالضرورة لا نملك أنفسنا من أن نتساءل: أو لم تكن قوانين أرسطو تكون أكثر كمالًا لو أنه درس الإينيد بل أيضًا الفردوس المفقود؟ وهكذا يتضح عبث وضع مبدأ نهائي في الأدب.
وأما جونسون Johnson فكان نقده أيضًا على هذا المنوال، فهو كما قال ماكولي: «قد أيقن أن نوع الشعر الذي ازدهر في عصره٣ والذي كان هو يسمع الثناء عليه من طفولته كان أحسن نوع من الشعر». وهكذا كان حين يحاول في نقده أن يضع مبادئ نقدية يحكم بمقتضاها، فإنه كان يلتمس هذه المبادئ في هذا الشعر، فكان دائمًا يرجع إليه، وكانت النتيجة أنه لم يستطع أن يرى إلا خطًّا ضئيلًا من المعنى والجودة في أي شعر آخر، وهكذا أخفق في أن يرتفع إلى عظمة شكسبير وملتن، وكان ظالمًا كل الظلم تجاه جراي، وكان دائمًا يعارض ويسخر من كل حركة في الأدب يرى فيها علامات ثورة ضد ما كان يرى أنه القصيدة الأدبية الصحيحة.

تأثير الروح الجديدة في النقد

والآن إذا انتقلنا من أديسون وجونسون اللذين يعدان كممثلين للنقد الذي سيطر في إنجلترا حتى الأزمنة الحديثة نسبيًّا، إذا انتقلنا منهما إلى كتابات أي ناقد في العصر الفكتوري٤ نشعر توًّا بتغيير عظيم فالرأي القديم في غايات النقد قد تحسن وإن لم يهجر نهائيًّا، والطرق القديمة قد أهملت عمليًّا، ويجب بالطبع ألا نظن أن نقادنا قد انقطعوا عن اعتبار أنفسهم وعن أن يعتبرهم الآخرون مشرعين وقضاة في آن واحد، أو أنهم لم يعودوا يغيرون عن استحسانات شخصية يؤيدونها بالإشارة إلى مبادئ ونماذج، فإننا لا نجد إلا في مواطن متفرقة النظرة العلمية قد اعتنقت بشدة إلى حد الأغراض التشريعية والحكمية قد أهملت تمامًا. ولكن النقد يظل يُقدّر، وفي تقديره يستعمل حريته في استخدام المبادئ الجمالية ونماذج المقارنة، وهكذا، حتى ماتيو أرنولد مع تخوفه من الآراء المجردة ومن وضع النظم كان مع ذلك يعتنق عقائد معينة عن «الأسلوب العظيم» grandstyle وعن غيره من الأشياء. ولكن برغم ذلك فإن التغير العام ملحوظ، فالناقد الحديث — وأرنولد نفسه يمكن أن يتخذ نموذجًا — يشغل أكثر نفسه الاهتمام العظيم بأن يفهم وأن يفسر أكثر من أن يوزع التقاريظ والانتقادات، بينما مبدأ الـ eclecticism وهذا المذهب يعني أن المفكر يكون حرًّا في اعتناق مختلف الآراء من مختلف المذاهب وألا يكون ملزمًا بمذهب واحد لا يغيره ولا يعتنق إلا آراءه، بل هو يستمد بحرية من مختلف المصادر ما يوافقه في الرأي والذوق، وهذا المذهب وهو أحد المميزات البارزة لعصرنا، والطرق النشوئية الارتقائية التي تغزو بسرعة كل ميدان فكري، قد اجتمعا لكي يعطيا الناقد الحديث سعة في النظرة ومرونة في الفهم وتسامحًا في العطف وإدراكًا لما يصيب الشخصية والعلاقات التاريخية من التغير والنمو، وكل هذه كانت معدومة تمامًا من النقد في المدارس القديمة.

ضرورة النقد الحكمي والبرهنة على أحقيته

إن أغلب ما يقوله مولتون بشدة عن سخف النقد القديم وعبثه وقلة فائدته يجب علينا نحن أبناء الجيل الحديث الذين نشأنا بين الطرق الجديدة في التفكير أن نوافق عليه، وفي نفس الوقت يستحيل في اعتقادي أن نوافقه على حد استنتاجاته الرئيسية، لست الآن أناقش المسألة العامة عما إذا كان من الممكن جعل النقد الأدبي علمًا كما جعل علم النبات الجيولوجيا علمين، وإنما نقطة الخلاف عندي هي إنكاره التام للنقد الحكمي. فمهما تكن النتائج التي يحصل عليها بالنقد الاستدلالي فإنها نتائج لا يستطيع دارس الأدب أن يقنع بها، فبينما يمكن أن يرحب بهذه الطريقة كأداة هامة جدًّا في النقد فإنه لا يمكن قبولها كبديل كامل عن كل الطرق الأخرى.

الناقد العلمي للأدب هو كما يقول مولتون: «ليس له أي شأن بالجودة النسبية أو المطلقة». فهو يعرف الاختلافات في النوع، ولكنه لا يعرف الاختلافات في القدر والقيمة، وهو يبحث عن القوانين والمبادئ لمجموعة ما من الأدب مثل الدراما الشكسبيرية، ويبحث عنها في العمل نفسه، فإذا وجدها حددها، ولكن ليس لديه فكرة يقولها عنها. فمسألة ما إذا كان نقد الحياة الذي تحتوي عليه الدراما الشكسبيرية صائبًا أم غير صائب، وما إذا كانت المبادئ الفنية لصنعها حسنة أم رديئة هي مسائل تقع خارج ميدانه كباحث علمي عن الظواهر كما هي في الواقع.

ولكن هذه الأسئلة وجميع الأسئلة التي من نفس النوع العام هي أسئلة لا مناص منها وهي طبيعية ومشروعة، فهي تجبرنا على أن ننتبه إليها ونحن لا نستطيع أن نتجنبها، ونحن لنا الحق أن نطلب الإجابة عليها حتى ولو لغير سبب إلا مجرد إرشادنا في قراءتنا. وهنا تنعدم كل المشابهة بين الأدب وبين العلم الطبيعي كالجيولوجيا. فالجيولوجيا تتناول ظواهر ليس فيها عناصر للشخصية، وللصدق والكذب، وللقوة العاطفية، وللنتائج الفنية. ومثل هذه العناصر هي من جوهر الأدب الذي إنما يوجد ليفسر الحياة في صور من الفن والذي لذلك يجب أن يقدر بكل من صفتي التفسير والفن، وفي الجيولوجيا لا نتساءل إلا ما هو هذا الشيء وكيف صار إلى ما هو عليه. فنشرح ذلك، وبالشرح تنتهي مطالبنا، وأما في دراسة الأدب فهذه الأسئلة تقود مباشرة إلى المسألة التالية عن أهمية الشيء الذي نشرحه بالنسبة لنا وللناس الآخرين، أي مسألة ميزاته وعيوبه الإنسانية والفنية ومن العبث أن يقال: إنه حتى أمام الذي يتناول موضوع الأدب كما يتناول موضوع الجيولوجيا في روح من الاختبار الخالص لا يكون وجود للمزايا والعيوب. فإن المزايا والعيوب يؤمن بها العلمي نفسه، كما يؤمن بها الأستاذ مولتون لأنه إذا خصص مجلدًا ضخمًا عظيمًا عن العرض الاستدلالي لفن شكسبير، فإنه من الواضح أنه يرى أنه يستحق ذلك، لأنه مثلنا قد قاده إلى البدء بذلك بعض ميول الذوق فاعتقد بتفوق شكسبير كفنان تمثيلي. وهكذا اعتقد أن طرقه الفنية هامة ليس فقط كطرق لشكسبير بل أيضًا كطرق يمكن أن تعتبرها بارعة في نوعها، وإلا فإذا كان كالجيولوجي تمامًا غير مهتم بقيمة الصخور التي يدرسها فإنه يمكنه سواء بسواء أن يكتب بتفصيل عن الفن التمثيلي لشريدان أو حتى عن مؤلف كتاب Box and cox (من الواضح بالطبع أن هذه أمور تافهة ومؤلفات عديمة الأهمية).
وليس هذا إلا ما كان منتظرًا، فمهما تكلمنا كثيرًا عن علم النقد، فإن الحكم في الأدب شيء ضروري، فالتلميذ الصغير يحكم بطريقته البسيطة الخاصة حيث يقول عن كتاب إنه «حلو» أو «رديء». وأخته تحكم حين تقول عن حكاية: إنها «حلوة» أو «مرة». فلا يستطيع أحد أن يقرأ بتفهم دون أن يكون رأيًا ما عن قيمة ما يقرؤه. وإن أول سؤال توجهه إلى صديق لك يأتيك بكتاب جديد لتقرأه هو ماذا يظن عنه. وحين نتعمق أبعد في دراسة الأدب فإن مسألة التقدير بالضرورة تتعقد وتزداد صعوبة، فنجد أنفسنا مرغمين على اعتناق حكم مخالف لما كنا نعتقده أولًا من رأي متزمت، وعلى التفكير ثانية فيما كنا أصدرنا فيه من حكم نهائي. إذ فشل النقاد أنفسهم في أن يتفقوا على مسائل تبدو أساسية كثيرًا ما يدعو إلى الشك وأحيانًا يدعو إلى السخط، ولكن ليست هذه بالأسباب التي تدعونا إلى إهمال المسألة، أو إلى اتباع ما للباحث العلمي من موقف تام المحايدة عديم الميل. إننا دائمًا نقبل شاكرين ما يعطينا إياه الناقد الاستدلالي، ولكننا رغم ذلك سنتحول إلى الناقد الحكمي على أمل أن يتمم عمل الاستدلال بمساعدتنا على أساس النتائج التي حصلنا عليها في أن نميز بين ما هو رائع في الأسلوب، وما هو ليس برائع. فالاختلافات في القيمة لها وجود، يجب ألا تهمل وألا يغفل عنها. وإن المسألة العظيمة عن القيم الأدبية ستظل خالدة باقية، هذا إلا إذا اتخذنا موقف الجيولوجي الذي يستوي أمامه في الأهمية كل أنواع التكوين الصخري فاستوى أمامنا في الأهمية كل أنواع الأدب، وفي هذه الحالة يستوي عندنا أن نقضي حياتنا في دراسة الروائع أو في دراسة الغناء. فإذا كان هذا هكذا فإن النقد الحكمي الذي يحاول حل مسألة القيم الأدبية literary values، مهما تكن أخطاؤه القديمة كثيرة، ومهما يكن من المؤكد أنه سيلاقي في المستقبل أسبابًا كثيرة للفشل والإخفاق أمام الصعوبات اللانهائية التي تعترض طريقه، فإنه برغم ذلك كله ستظل له منزلته التي يجب أن يحتلها وواجبه الذي يجب أن يقوم به.

دراسة النقد كأدب

قد تناولنا حتى الآن أدب العرض والحكم من ناحية علاقته بالأدب الذي تناوله كموضوع له، والآن نعرض لجانب آخر من موضوعنا.

ففي المرة الأولى نرجع إلى قطعة من النقد لاهتمامنا بالكتاب، أو بالمؤلف الذي يتناوله هذا النقد، ولكن بعد ذلك سوف نستكشف في هذا النقد شيئًا آخر يستدعي اهتمامنا، فمثلًا كتاب أرنولد Essays in criticism قد تهتم بقراءته أولًا لكي تحصل على تقدير أتم لوردسورت أو لبيرون أو لشلي أو لكيتس، ولكن بصرف النظر عن المساعدة التي يقدمها إلينا الكتاب في هذا السبيل، وبصرف النظر عن أهميته الثانوية كوسيلة إلى غاية، فإن له قيمته الذاتية كتعبير عن الناقد نفسه، عن شخصيته وفكره وطرقه وأغراضه. وحتى لو وجدنا أقوال أرنولد عن هذا الشاعر أو غيره غير مرضية، وحتى لو لم تجد في هذه الأقوال فائدة ما أو وجدنا فائدة قليلة فيها كوسيلة إلى غاية. فإنها تظل ذات أهمية ولذة باعتبارها أقواله هو، وما يصدق عن أرنولد يصدق بالطبع عن كل النقاد الكبار. ومعنى هذا أن النقد، برغم أنه قد يعتبر مبدئيًّا كأداة في دراسة الأدب فإنه يجب ألا يعتبر أداة فقط، فإنه في نفسه صورة من الأدب، وعلى هذا الاعتبار يستحق أن يدرس لقيمته الخاصة.

وفي دراستنا لأدب النقد سوف نتبع بالطبع النظام الذي اتبعناه في دراسة الأدب عمومًا.

النواحي الشخصية

لما كانت الشخصية هي الحقيقة المبدئية في كل الأدب فإننا نبدأ بالناقد نفسه. فتكون مهمتنا الرئيسية أن نرى ملاءمته لمهنة المفسر والقاضي. ومن الواضح أن كلامه عن كتاب أو مؤلف لا يكون له أي أهمية لنا إلا إذا كان لدينا اعتقاد بأنه يتكلم كأديب له حق خاص في أن يسمع كلامه عن هذا الموضوع. ولذا سندرس أسئلة متعددة عن مؤهلاته، ولن نتكلم هنا إلا عن أهم هذه المؤهلات.

بعض المؤهلات للناقد الحق

فأولًا: إلى أي حد يقترب في تكوينه الفكري وفي نفسيته مما نسميه النموذج المثالي للناقد؟ ثم — لما لم يكن في طوق الإنسان أن يبلغ المثل الأعلى وليس له إلا أن يتقرب منه فقط — إلى أي حد وفي أي النقط يجب أن نغفر له نقائصه؟ الناقد الحق يجب أن يكون ذهنه منتبهًا ومرنًا، حاد النظرة، سريع الاستجابة لكل التأثيرات، قوي الفهم للأساسيات، وفوق ذلك يجب أن يكون كما قال ماتيو أرنولد قادرًا على أن يرى الشيء كما هو في الحقيقة، وألا يزيغ في ضباب من ميوله الخاصة وأفكاره السابقة. ومعنى ذلك أنه يجب أن يكون خاليًا تمامًا ومتجردًا عن كل ميل من أي نوع، ميل الأذواق الفردية، وميل الثقافة، وميل العقيدة والطائفة والحزب والطبقة والأمة. والآن لما كان أعظم النقاد، حتى ناقد مثل لسنج، يخففون في أن يمتلكوها جميعًا، فإنه يكون من اللازم علينا أن نتبين بدقة وعناية كل علامة على شيء يعوق ذهن الناقد على أن يعمل عملًا حرًّا نزيهًا في موضوعه، وأن نتتبع هذه العلامات حتى نرجعها إلى أصولها إذا استطعنا، وأن نشرحها ونعللها، وأن نقدر دائرة تأثيرها واحتمالات نتائجها وموقف الناقد بإزاء المنقود، كموقف أرنولد مثلا بإزاء وردسورث وشيلي، سوف يقودنا إلى أن نتساءل هل هذا الموقف لا يمكن تفسيره بعلة خاصة في الناقد نفسه. وسوف نجد في كثير من الحالات أن النقد الذي يتميز في حدود معينة بقوة الفهم وصحة الإدراك يشوهه، بل ويجعله أحيانًا كاذبًا عادة ذهنية خاصة أو فكرة سابقة لا أساس لها. وأروح مثال لذلك جونسون، الذي كان ناقدًا بارعًا للأدب حين يكون متعاطفًا مع أغراض المؤلف ومبادئه. وكان على العكس تمامًا حين كان يتناول الأدباء الذين لا يعطف عليهم لسبب ما. وهكذا نجد أحسن عمله في نقده ليوب وأديسون اللذين كانا داعيين للمثل الأدبية التي كان يقدرها، ونجد أسوأ عمله في نقده لملتن وجراي. فقد أفسد حكمه على الثاني مخالفته له في الميول الشخصية والأدبية، وأفسد حكمه على الأول مخالفته له في المذهب السياسي. وكولردج الذي يعد من طبقة أعاظم النقاد الإنجليز في قوته على عمق النظرة وعلى البديهة الشاعرية كانت قوته على رؤية الأشياء كما هي في الواقع كثيرًا ما تنهدم بأفكار سابقة ميتافيزيقية وبتقديس لبعض أدباء متعينين يشبه في سخفه وقيامه على غير أساس تقديس كتاب القرنين السابع عشر والثامن عشر لليونان والرومان. وقد مدح كولردج مدحًا كثيرًا على نقده لشكسبير، ولكن هذا النقد على ما فيه من إلهام وإيحاء فإنه يتميز بأشد أنواع الشذوذ فإن كولردج هو الذي يجب أن نعده في إنجلترا مسئولًا عن هذا النوع من دراسة شكسبير دراسة شخصية فقط وغير تاريخية، وعن هذا الهراء والسخف الذي يقولونه عن استقلال شكسبير التام عن كل ظروف الزمان والمكان. يقول Arthur Symons: «حين يكتب كولردج نقدًا عن شكسبير فإنه يعطينا أعمق فلسفته (أي فلسفة كولردج)، هذا حق، ولكن يجب لا ننسي أنها فلسفته هو وليست فلسفة شكسبير هي التي يعطيناها. ففي اتباعنا لتغيراته يجب أن نميز دائمًا بدقة بين ما يقرؤه من شكسبير وما يقرؤه من نفسه هو عن شكسبير. وهكذا كثيرًا ما سنجد من اللازم أن نضرب بأعمق فلسفة كولردج عرض الحائط لكي نرى عمل شكسبير المؤلف التمثيلي الإليزابثي كما هو في الواقع وكما هو نتاج لعبقريته وعصره. ومثال ثالث هو أرنولد نفسه، الذي كان يعتقد أن رسالته أن يعلم الناس التجرد عن الهوى والميل، والذي قد بذل أقصى جهده في هذه الرسالة، ولكنه برغم ذلك نجد فيه علامات بارزة لميل خاص، ناشئ عن دراسته المبكرة في أكسفورد وعن ثقافته الأكاديمية الشديدة الضيق. وقد قاده هذا إلى أن يبالغ في قمة الأساتذة اليونان، وأن يبالغ في قيمة الدراسات الكلاسيكية كمدرسة للذوق، بل وقاده هذا في بعض الأحيان إلى أن يرجع إلى الآراء القديمة عن المبادئ النقدية المحدودة وعن النهاية في الأدب.

وليس من اللازم أن نضيف أمثلة أخرى لما يعتور الحكم من فساد بسبب الأنواع المختلفة للميل والهوى التي تتعارض أحيانًا مع صحة نظرة الناقد ومع نزاهة آرائه وحيادها، وقد تكلمنا بما فيه الكافية لتأكيد المبدأ الذي قررناه، وهو أنه في دراستنا لكتابات ناقد ما من الهام أن نتبين أفكاره السابقة. وأن نتعرف تأثيرها على فكره وأن نقدرها التقدير العادل في تقديرنا لقيمة عمله.

ومثل ذلك نقول عن نقاد المتنبي فكثير منهم عابوه وغالوا في إظهار عيوبه من غير حق حتى أتى عبد العزيز الجرجاني فأنصفه وأنصف خصومه.

ذخيرة الناقد

ولكن مؤهلات الناقد لا تعتمد على مواهبه الطبيعية فحسب، وهكذا ينشأ سؤال ثان عن ذخيرته وبضاعته التي يتخذها لعمله. أغلبنا يعرف أناسًا على علم زهيد ولا دربة لهم بالصنعة، ولكن شعورهم الغريزي بما هو جيد في الأدب قد أعطاهم برغم ذلك قوة غريبة على الإدراك والتقدير والتمييز. فمن الواجب ألا نحتقر الحكم النزيه الذي يصدره الهاوي القدير على قطعة أدبية، فإن لهذا الحكم في الحقيقة قيمة كبيرة ولو لمجرد أنه جديد مستقل وخالص من التأثير المخادع لأعظم نوع من أنواع الميل وهو ميل الاحتراف والمهنة، وفي نفس الوقت فإن النقد المنظم والعلم المنظم والمران على الصنعة هي أشياء لازمة تمامًا. وقد قال كاتب من أبرع النقاد الفرنسيين المحدثين: «ليس للقارئ العادي الذي تسيره الصدفة الحق في أن يحكم على العمل والفن بدون تربية طويلة شاقة لذوقه. فإذا لم تكن توجد الموهبة الفطرية فلا أقل من الخبرة المكتسبة بالصنعة والاحتراف». قد يكون في هذا القول نوع من المبالغة: ولكن صدقه العام لا يمكن إنكاره. فمن اللازم أن يكون لناقد الأدب كما لناقد الفن تثقيف خاص. ونعني بالتثقيف تحصيل المعرفة وتهذيب العقل معًا، فالناقد يحتاج إلى المعرفة لتغطية سعة النظرة ولتكون أساسًا صالحًا لحكمه، وهو يحتاج إلى تهذيب العقل ليجعل هذه المعرفة قابلة لأن ينتفع بها وإن مقدار صلاحيته كمفسر وحاكم ليتناسب مع معرفته وتهذيبه، فإذا لم توجد المعرفة والتهذيب فإن آراءه مهما تكن لذيذة وموحية فإنها تكون تافهة القيمة.

وهكذا يكون من العبث أن يحاول أحد الحكم على «الفردوس المفقود» دون أن يكون عارفًا للإلياذة والإنيد والمعرفة التامة الدقيقة بأعظم منتجات العالم في القصة التمثيلية والرواية النثرية هي شيء لا بد منه لأي واحد يحاول أن يصدر حكمًا على رواية أو على دراما، ومن العسير ألا نوافق أرنولد في قوله إن أقل ما ينبغي أن يكون عليه استعداد ناقد هو معرفة أدب كبير بجانب أدبه، وكلما كان مختلفًا عن أدبه كان ذلك أفضل، وليس هناك مبالغة قط في قوله: «إن الاستعداد الكامل يجب أن يحتوي على معرفة أحسن الأشياء في كل الآداب الأوربية القديمة والحديثة، وحتى في الآداب الشرقية القديمة، وإن انحصار المعرفة في أي نوع من الأدب سينتج حتمًا ضيق الحكم وانحرافه».

ومن الضروري الإلحاح في بيان حاجة الناقد إلى المران والنظام، لأنه شيء له أهمية عملية، فمن أشد الصفات الغريبة السيئة في نقد الصحف والمجلات المعاصرة. على الأقل في إنجلترا وأمريكا، حاجتها إلى الاتزان والرزانة والتعقل. قد تظهر رواية جديدة لناشر، وقد يظهر كتاب ذو صفات خاصة تستحق كلمة من التقدير. فإذا قرأنا ما يكتب عنهما من ملاحظات في صحيفة ما، وجدنا ناقد الصحيفة وقد فقد نفسه في ثورة من الإعجاب والانفعال، فيعد العمل كآية فنية، ويعتبر مؤلفها للتو واللحظة فنانًا كاملًا إذا قيس بسكوت وديكنز. ثم تمر بضع سنوات، فيختفي الكتاب العظيم ومؤلفه أو يتراجعان إلى مرتبة الفناء؛ والناقد الصحفي الذي يبدو أنه غير قابل لأن تعلمه التجربة ينفجر بلا خجل في ثورة أخرى من الاحتقار وعدم التقدير لدى ظهور آية فنية أخرى من عبقري آخر من الطراز الأول. وهذه التصورات الباطلة للنقد الصحافي الدوري تدل بالطبع على تساهل في الذوق المعاصر، فالناقد الصحافي لا يشعر إلا قليلًا بمسئوليات مهنته، ولا يهتم إلا قليلًا بالمسائل الحقة في الأدب، إلى حد أنه لا يتوقف لكي يزن كلماته أو لكي يقدر الأهمية الحقيقية لآرائه، بينما الشعب الذي يطالع الأدب الدوري لكي يقرأه بأسرع ما يمكن وينساه بأسرع ما يمكن لا يفرض عليه بالطبع أي تقيد ولا يمكن الادعاء بأن هذا التساهل المؤسف يمكن علاجه بمجرد زيادة المعرفة والتهذيب في هؤلاء الذين يتقدمون كمرشدين للذوق العام في المسائل الأدبية، ولكن ازدياد المعرفة والتهذيب سوف يساعد بلا شك على أن يضمن بعضًا من هذا الاتزان والرزانة والتعقل التي يكون النقد بدونها أردأ من الرديء.

ما ينبغي دراسته من النقد من عمل الناقد

توجد نقط متعددة يجب أن توضع نصب العين في الدراسة المنظمة لعمل أي ناقد، فيجب أن تتعمق في صفاته ومؤهلاته الشخصية، وإلى أي حد تعينه هذه أو تعوقه في قيامه بعمل الحكم على كتاب معين أو مؤلف معين. ويجب أن نتنبه لكل علامة على الميل والهوى، وأن نتبين مصادرها وقيمتها، ويجب أن نختبر أسس أحكامه والمقياس الذي يشير إليه صراحة أو ضمنًا، ويجب ألا نهمل أيضًا مسألة هامة هي الروح العامة في عمله، فالناقد قد يكتب برغبة صادقة في فهم منقوده وفي تفسيره وفي إنصافه، أو قد يكتب لكي يعرض علمه الخاص ومهارته الخاصة على حساب المؤلف، وقد يكون متعاطفًا معتدلًا عفيفًا مهتمًّا فقط بأن يرى ما هو حسن، أو قد يكون لائمًا معنفًا كثير التأنيب ومصممًا على تصيد العيوب والاقتصار على النقائص.

ومهما يكن رأينا عن نقد أديسون سيئًا فإننا يجب أن نعترف بأن روحه العامة رائعة. فقد كان يعتبر من واجب الناقد الحق أن يبحث عن المحاسن لا عن العيوب، وكان يعد واجبه الأساسي أن يستكشف مواطن الجمال المختفية للأديب وأن يقدم إلى العالم هذه الأشياء التي تستحق الملاحظة.

وأما الروح العامة لنقد Lord Jeffray فهي على العكس من ذلك تمامًا، فإن عقيدته كانت كما يقول الأستاذ سانتسبري: «إن المؤلف قد جاء أمام الناقد بحيل على عنقه، وقد عفا عنه ولم يشنق تكرمًا وتفضلًا». وهي فكرة يقول عنها سانتسبري بحق إنها «فكرة متجبرة وسخيفة معًا»، ومع ذلك فإنها لم تنقرض بعد وقد سببت كثيرًا من الضرر للنقد. ولا ينكر أحد أن هناك مواطن تكون فيها قسوة النقد عادلة تمامًا، وأن التجبر إذا كان خاطئًا دائمًا فإن الرأفة الضعيفة العمياء لا يمكن أن تكون صائبة قط. والآن ليس علينا إلا أن نلح في أهمية أن نعتبر روح كتابات الناقد من مميزات عمله، وأن نتبين الطريقة التي بها تدخل هذه الروح إلى أحكامه وتكونها.
١  الحكمي judicial نسبة إلى حكم؛ أي الذي مهمته إصدار الأحكام.
٢  هو النقد الكلاسيكي الذي سيطر في القرنين ١٧، ١٨ وقد عرفنا عيوبه في تاريخ النقد.
٣  عصره هو الدور النهائي للأدب الكلاسيكي في إنجلترا وتلته الرومانتيكية.
٤  هو عصر تنيسون وماكولي وماتيو أرنولد وكارليل.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١