الأدب والنقد عند الإنجليز في القرن العشرين

الأدب مرآة الحياة. تلك كلمة صادقة تنطبق على تاريخ الأدب كله، وهي أشد صدقًا في العصر الحديث الذي يمزج مزجًا شديدًا بين شئون الحياة المختلفة، فلا يدع شيئًا منها بمعزل عن بقية الأشياء.

وصدق تعبير الأدب عن الحياة أمر طبيعي، مادام يعبر عن النفس البشرية والنفس البشرية تتأثر بالحياة الخارجية تأثرًا لا تملك الهروب منه ولا الوقوف بمعزل عنه، وإنما تختلف الاستجابات باختلاف الطبائع، وطريقة كل شخص في تلقي المؤثرات والتفاعل معها، كما تختلف كذلك طرق التعبير عن التفاعلات الفردية، ولكنها كلها في آخر الأمر صدى للحياة الخارجية وصور منها مختلفة الألوان والاتجاهات.

وقد كانت الحياة الأوروبية في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل العشرين مسرحًا لحركات فكرية عنيفة، تتجه كلها لحل المشكلات الاجتماعية التي تأزمت في تلك الفترة من تاريخ البشرية، بسبب ما أحدثه التقدم الصناعي من رد فعل في الاقتصاد والاجتماع.

وكان طبيعيًّا أن يدخل الأدب المعركة، ويكون سلاحًا من أسلحتها الفعالة لأن الأدباء لم يكونوا يملكون أن ينعزلوا في أبراجهم العاجية، بعيدين عن معترك الطبقات المتصارعة والأوضاع السريعة التحول، ولو فعلوا ذلك لانصرف قراؤهم عنهم، بحثًا عمن يحدثهم عن آلامهم، ويشاركهم التفكير في مشكلاتهم.

لذلك نجد معظم الإنتاج الأدبي في هذه الآونة — على اختلاف ألوانه من مسرحيات وروايات وشعر ومقالات — يتخذ المشكلات الاجتماعية موضوعًا له، ويحاول بطريقته الخاصة أن يشير إلى وسائل العلاج، ولعل أبرز الأمثلة لهذا الاتجاه برناردشو، وهـ. ج. ولز اللذين وقفا إنتاجهما على مثل هذه الموضوعات.

وإن كان هناك غيرهما من النقاد، ولكنا نكتفي بهما لدلالتهما على غيرهما.

هـ. ج. ويلز

يعتبر ويلز من أكثر الكتاب المحدثين إنتاجًا، وأوفرهم نشاطًا، وقد عمر إلى ما فوق التسعين، فلم توهن السن نشاطه ولا مقدرته العقلية الفائقة، وظل ينتج إلى أخريات أيامه، ولم يكد يمر عليه عام واحد لا يخرج فيه كتابًا، وربما كتابين أو ثلاثة.

كان ويلز يؤمن بالعلم، وبالتقدم الآلي الصناعي في المستقبل ولعله متأثر في ذلك بدراسته الصيدلة في صدر شبابه، ولكنه كان في الوقت ذاته يرى أنه لا بد من تنظيم اجتماعي عادل، ليمكن الإفادة من التقدم العلمي في إسعاد البشرية، وإلا نتج عنه الدمار والخراب.

وكانت كتاباته — القصصية خاصة — تهدف إلى عرض هذين الموضوعين أو هذا الموضوع ذي الشعبتين، فهو يشرح النظريات العلمية الحديثة، وما ينتظر لها من نجاح عملي واسع في المستقبل، في عرض قصصي شائق يجعل قراءه يلمون بتلك الموضوعات العلمية الصعبة دون شعور بصعوبتها، ولا ملل الدراسة العلمية الجافة.

وفي الوقت ذاته كان يدعو في هذه القصص إلى حياة اجتماعية عادلة، تستغل فيها نتائج التقدم الصناعي لخير الجميع، لا لخير طائفة بمفردها، تستغل غيرها من الطوائف، وتوردها موارد الهلاك لمجرد أن تزداد هي غنى ومتعة وشعورًا بالسلطان.

وهو لا يفصل بين هذين الهدفين في كتابته، ولا تحسن أنت في الوقت ذاته أنه معلم قد وقف في المعمل يشرح نظرية علمية، أو محاضر وقف يلقي موعظة اجتماعية على جمهور من المستمعين، بل هو يضمن ذلك كله قصة إنسانية عاطفية، تشعر بالتعاطف مع شخصياتها فتحبها أو تكرهها، وتتمنى لها التوفيق، أو تنتظر أن تحيق بها نتيجة ما تبثه من شرور، فهو من هذه الوجهة يختلف عن برناردشو، الذي يجعل مسرحياته ستارًا رقيقًا لدعوة الإصلاح الاجتماعي التي يدعو إليها، فلا يهتم برسم الشخصيات والخلجات النفسية الدقيقة اهتمامه بأن يضع في فم شخصيته آراءه في المشكلات وفي طريقة العلاج، وإن كان يشبهه في الاهتمام بالمباحث الاجتماعية، والاشتراك في عضوية جماعة الفابيين، وتوجيه النقد اللاذع للأحزاب القائمة وبرامجها، والنظام البرلماني الفاسد.

ولكن ولز مع براعته القصصية، وموهبته في رسم الشخصيات وتصوير العواطف البشرية لم يكن يلقي باله كثيرًا إلى تنميق العبارات وتحلية الأسلوب. ولذلك تحس أحيانًا بشيء من الجفاف في أسلوبه، وإنما يعوض هذا الجفاف براعته في رسم الجو القصصي وتشويق القارئ إلى تتبع أحداث القصة.

وليست القصة هي الإنتاج الوحيد لهذا الكاتب الفذ، وإن كانت قد استغرقت جزءًا كبيرًا من نشاطه الأدبي، فهو قد كتب مئات من المقالات في الصحف السيارة، وكان لها أثرها في توجيه الاهتمام إلى المشكلات الاجتماعية والاقتصادية في العصر الحديث، ولكن أهم إنتاج له بجانب المقالات والقصص هو كتابه في تاريخ العالم، وترجع أهميته إلى النظرة الجديدة التي نظر بها ولز إلى تاريخ البشرية، فهو لم ينظر إليه باعتباره أحداثًا فردية، ولا تاريخ دول تتناحر، أو أفذاذًا يسطرون بأعمالهم سطور التاريخ، وإنما نظر إلى الإنسانية كلها كوحدة متصلة يؤثر بعضها في بعض، ولا ينقطع هذا التأثير على مدار الأجيال، وإنما هو كالأمواج المتلاحقة لا تستطيع أن تمسك بموجة واحدة فتقول: إنها مستقلة عما قبلها أو ما بعدها، أو أن لها وجودًا منفصلًا متميزًا، وكل تقدم أصابته البشرية كان تقدمًا لها جميعًا، لا للدولة ولا للشخص الذي تم على يديه التقدم، وكل كارثة تصيب البشرية هي كذلك كارثة الجميع دون فواصل ولا حدود.

وقد كانت هذه النظرة جديدة حقًّا بالنسبة للتاريخ الذي اعتاد الكتاب أن يقسموه أقسامًا واضحة حاسمة، كما اعتادوا أن يرجعوا أحداثه إلى أفراده البارزين، وهي تلتقي مع الاتجاه الاجتماعي والفكري الذي كان قائمًا في تلك الفترة في أوروبا خاصة، فقد كانت كتابات علماء الاقتصاد والاجتماع تتجه إلى إبراز دور الشعور في التقدم البشري، وتعد الطبقات الكادحة، وهي الأغلبية العظمى من البشرية، صاحبة الحق في السيادة، وفي البروز إلى مسرح الأحداث، وعدم الاكتفاء بدورها المغمور وراء الكواليس.

ومما يتمشى مع هذا الاتجاه عند ولز محاربته لفكرة الوطنية الصغيرة، والقومية الضيقة، ورغبته القوية في أن تستبدل بها الشعوب نظرة إنسانية واسعة لا تقف عند حدود إقليم ضيق، ولا تقيم الحواجز الجمركية أو الثقافية بين شعوب الأرض، لتتاح لها فرصة التفاهم والتعاون، بدل الحرب والخصام، ولعله في ذلك متأثر بفكرة الحكومة العالمية كما بشر بها دعاة الاقتصاد الحديث في نهاية القرن التاسع عشر، ولكنه دون شك قد يتأثر كذلك بطبيعته الخاصة كفنان تؤثر فيه آلام البشرية، ويرجو لها الخلاص من العذاب.

وربما حدث بعض التبدل في اتجاهاته الإنسانية بين الحين والحين، حين يرى أن وطنه الخاص — إنجلترا — في خطر فيعود يبشر بالقومية والوطنية والحواجز الجمركية! ولكنه بصرف النظر عن تلك الملابسات الخاصة ينحو في قصصه ومقالاته إلى الفكرة العالمية الواسعة.

وقد تفقد بعض قصصه سحرها وتشويقها حين تتحقق بالفعل تنبؤاته العلمية البارعة التي كانت في نهاية القرن الماضي وأوائل القرن الحاضر أحلامًا أقرب إلى الخيال، فصارت اليوم أقرب إلى الحقيقة الواقعة، أو ربما زاد الواقع الذي وصل إليه العلم عن خيال الحالين منذ خمسين عامًا، ولكن ولز رغم ذلك لن يفقد مكانته الأدبية ومكانه من التاريخ.

جورج برناردشو

من ألمع الكتاب الذين ظفر بهم القرن التاسع عشر والقرن العشرون، ومن أقوى الشخصيات التي أثرت في محيط الأدب، وكان لها القدرة على التوجيه والتغيير.

وإن أشد ما يتميز به برنارد شو هو سخريته اللاذعة التي لا يعفي منها أحدًا حتى نفسه! ولكن هذه السخرية جديرة بأن نقف لديها لحظة لنعرف طبيعتها، وما هو الطريق الذي اتخذته. إن السخرية عنوان واسع يشتمل على أبواب كثيرة وألوان متعددة، كل منها يدل على مزاج خاص وطبيعة متفردة فهذا شخص يسخر بالناس والحياة والأشياء لأنه ساخط عليها حاقد على موقفها منه، إنه يتخذ السخرية متنفسًا لما يعتمل في نفسه من غل وضغينة، وهذا شخص آخر يسخر لأنه مطبوع على رؤية ما في الأشياء من تناقض، موهوب في الكشف عن هذه المتناقضات، فهو لا يحمل لأحد ضغينة، ولا تمتلئ نفسه بالأحقاد، ولكنه «تسلى» بإبراز ما في الكون من شذوذ وتنافر، ولا هدف له بعد ذلك إلا الترويح عن نفسه ونفوس الآخرين، وذلك شخص ثالث يسخر، لا ضغينة شخصية لأحد، ولا حبًّا للتسلية والترويح عن النفس، ولكن لأن له من وراء سخريته هدفًا اجتماعيًّا أو فكريًّا، يريد أن يصل إليه، فيتخذ من السخرية وسيلة لهدم العوائق التي تقف في سبيل هذا الهدف، أو تشويهها وتسخيفها في نظر الناس حتى يكونوا أكثر ميلًا إلى الإيمان بالمذهب الذي يدعوهم إليه.

ومن هذا النوع الأخير كان برناردشو.

ولكي نتعرف طبيعة السخرية في نفسه، نوازن بينه وبين سومرست موم ملا، وكلاهما كاتب ساخر لاذع لا يكاد يترك من أوضاع الحياة شيئًا إلا سخر به، إنك تلمس في كتابات موم أنه يسخر، لأنه يجد لذة عميقة في كشف مخازي الناس، وفي إزالة القناع البراق الذي يخفون به مساوئهم الحقيقية فقط، أو هذا على الأقل هو أكبر أهدافه! إنه لا يؤمن بالإنسانية الرفيعة المثالية، ولا يؤمن بالمشاعر البيضاء، ولذلك نذر نفسه لكشف الدنايا النفسية أمام أولئك المخدوعين الذين يؤمنون بالمثل والأحلام، ولكن برناردشو شيء آخر، إنه يسخر وينتقد لأن هناك أوضاعًا فكرية واجتماعية لا تروقه، إنه لا يوافق على استغلال بشر لبشر آخر لأن ذلك يتنافى مع الحرية الإنسانية ومع الكرامة الإنسانية. إنه إذن يؤمن بالإنسانية يؤمن بالحياة إيمانًا عميقًا، ومن ثم يؤمن بكل حي، حتى الحيوانات يعطف عليها ويأبى أن يأكل لحومها، ويعد ذلك وحشية واستغلالًا لا يجوز!

وهذا الهدف الذي نصب نفسه مدافعًا عنه وهو الحرية الإنسانية والعدالة الاجتماعية لم يكن فكرة يتاجر بها، أو مذهبًا يدعو إليه لنيل الشهرة والبروز على طريقة المشتغلين بالسياسة، ولكنه كان شيئًا يؤمن به إيمانًا عميقًا، يملك عليه كل مشاعره، وقد تعرض لسخط الدولة، بل سخط الجماهير أنفسهم أكثر من مرة، ولكنه لم يكن يبالي سخط الناس أم رضوا، وإنما يعنيه أولا وقبل كل شيء أن يدفع رأيه إلى الناس في صراحة وجرأة وإصرار، وكان يعرف أن ما يسخط الناس اليوم لأنه سابق لتفكيرهم، سيرضيهم غدًا حين تنضج أفكارهم ويدركون الأمور على وضعها الصحيح.

هو إذن داعية اجتماعي، تلك حقيقته التي تظهر من خلال كتاباته جميعًا، من مسرحيات ونقد ومقالات؛ كما تظهر بوضوح في خطبه السياسية والاجتماعية التي ثابر عليها فترة طويلة من الوقت، وكذلك من انضمامه لجماعة الفابيين واشتراكه في إعداد برامجها وتحرير نشراتها.

بل إن فنه المسرحي لم يكن هو الغاية المقصودة لذاتها، إنه مجرد أداة للتعبير وهو لم يكن ينظر إليه إلا على هذا الأساس، فهو لا يؤمن بالمبدأ القديم الرومانتيكي الذي يقول الفن للفن، وإنما يؤمن بأن الهدف الاجتماعي هو الغاية التي ينبغي أن يكون الفن أداة مسخرة لها، وكان هذا طبيعيًّا مع نمو الحركات الاجتماعية في أوروبا في نهاية القرن التاسع عشر ومبادئ القرن العشرين، حتى غلبت على كل حركة فكرية أو سياسية، وأدخلت الفن كذلك في نطاقها، فقد بلغت الحالة الاقتصادية والاجتماعية من السوء مبلغًا جعل المفكرين يتجهون بكل نشاطهم لإصلاح ما فيها من سوء، وجرف التحمس لها كل المبادئ والنظريات المعارضة بما فيها من مثاليات، فأصبحت كلمة «الفن للفن» لا تثير أي صدى لا عند الجماهير الساخطة ولا عند المفكرين والنقاد، واتجه الجميع إلى ما سموه «الواقعية»، بمعنى دراسة الأحوال الواقعية واستخلاص الحلول العملية للمشكلات.

وكما كان كارل ماركس وفردرك إنجلز رائدي الحركة في الجانب الاقتصادي والاجتماعي، كان إبسن رائدها في المسرح، وقد تأثر به شو تأثرًا عميقًا وتتلمذ له ولطريقته، فكان مسرحه امتدادًا وبلورة لمسرح إبسن الواقعي الذي يدرس المشكلات الاجتماعية القائمة ويشير بطريقة علاجها.

لذلك كله لم يكن شو يهتم بمسرحه على أنه معرض للقدرة الفنية في ذاتها وللبراعة في الحوار وتصوير الخلجات النفسية كما كان يصنع شكسبير مثلًا، بل كان يعتبر المسرح معرضًا لأفكاره، وأبطال رواياته ممثلين لهذه الأفكار، فالمسرحية في نظره «مناظرة» بين وجهات نظر متباينة، يتبين في نهايتها أصوب الآراء وأولاها بالاتباع.

وقد عاب عليه نقاده هذا الأمر، وقالوا: إن رواياته مجرد دعاية لأفكار اجتماعية كان يمكن أن يقولها في خطبة أو محاضرة أو في كتاب علمي!

ولكن الواقع أنه — وإن كان لم يهتم بالمسرح إلا كأداة من أدوات التعبير عن آرائه — إلا أن ذلك لم يمنع موهبته المسرحية من الظهور في صورة فن خالص، يحتفظ بطابعه الفني الإنساني بصرف النظر عن الملابسات الاجتماعية القائمة، أو الدعوة للأفكار المؤقتة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١