النقد الأدبي في العصر الأموي

والذي نلاحظه أن هذا النقد نما وأزهر في ثلاث بيئات: في الحجاز، والعراق، والشام، أما ما عداها، كفارس، ومصر، والمغرب، فلم يزهر فيها في هذا العصر أدب ولا نقد، فكأن الشعر في عهده الأول لم يشأ أن ينمو ويزهر إلا في أرضه ومنبته، فإذا خرج الشاعر من أرضه اعتقل لسانه أو كاد، فنما في جزيرة العرب لأنها مهده، ونما في العراق والشام، لأنهما على هامش أرضه، ومن قديم كانت صحراء الشام والعراق مبعثًا لشعره، فلم يجد فيها جديد، ولكن إذا سكن العربي مدينة تخالف طبيعة أرضه كمصر، والمغرب، وخراسان لم يتغن بشعره إلا قليلًا، وهي ظاهرة غريبة حقًّا تحتاج إلى درس وإمعان نظر.

على كل حال كانت بيئات الأدب والنقد: الحجاز، والعراق، والشام. وكان لكل أدب ونقد في هذه البيئات لون خاص متأثر بالحالة الاجتماعية والبيئة الطبيعية.

•••

الحجاز: لقد كانت الحجاز في العصر الأموي وخاصة المدينة، ومكة زاخرة بالحياة، غنية بأنواع الترف مملوءة بأعيان العرب ورجالاتهم نحوا عن السياسة منذ أن احتكرها الأمويون، وكانت الأموال تصب فيها صبًّا، من البلاد المفتوحة ومن اشتراك رجالها في الفتح واشتراكهم في الغنائم، وكثرت فيها الموالي من عبيد وجوار من كل أمة: من الرومان، والفرس، وغيرهم، فكان السيد يملك منهم ومنهن العدد الكثير.

كان الحجاز أكبر مركز لظاهرتين متناقضتين أو كالمتناقضتين، فهو أكبر مركز للحركة الدينية من درس للقرآن الكريم والحديث والفقه، يهرع إليه الناس من جميع الأقطار يأخذون عن رجاله علمهم بالكتاب والسنة واستنباطهم الأحكام الشرعية، وفي الوقت عينه، هو أكبر مركز لحياة اللهو والعبث، ففيها أعظم المغنين والمغنيات.

ففي مكة ابن سريج شيخ المغنين، والذي قال فيه جرير: «لله دركم يا أهل مكة ماذا أعطيتم! والله لو أن نازعًا نزع إليكم ليقيم بين أظهركم فيسمع هذا صباح مساء، لكان أعظم الناس حظًّا ونصيبًا؛ فكيف ومع هذا بيت الله الحرام، ووجوهكم الحسان، ورقة ألبستكم، وحسن شارتكم وكثرة فوائدكم».

وكان في مكة منافس لابن سريج وهو الغريض الذي قال فيه الحارث بن خالد المخزومي: «يا غريض، لو لم يكن لي في ولايتي مكة حظ إلا أنت لكان حظًّا وافيًا كافيًا، يا غريض إنما الدنيا زينة، فأزين الزينة ما فرح النفس، ولقد فهم قدر الدنيا من فهم قدر الغناء».

وكان في المدينة من المغنين المشهورين والمغنيات أمثال: سائب خائر، ونشيط، وعزة الميلاء، وجميلة، وطويس، ومعبد، وبرد الفؤاد ونومة الضحى، ولقد سئل عبد الله بن جعفر عن الغناء فقال: إنه لا يصلح إلا بالمدينة.

وانتشر بالحجاز في هذا العصر دور القيان وأماكن الغناء واللهو.

وكما اشتهر الحجاز بهذا كله اشتهر بالظرف، والأقوال المأثورة في هذا كثيرة جدًّا.

ومن مظاهر هذا الظرف المأثورة تسامح رجال الدين وسعة نظرهم ولطف نظرهم إلى الحياة خصوصًا إذا قورنوا برجال الدين في العراق إذ ذاك.

ففقهاء الحجاز كما روى ابن عبد ربه يجيزون الغناء، وفقهاء المدينة يستحسونه ويستسيغونه، بل منهم من كان يسمع ويغشى أماكن الغناء ويضرب فيها بسهم كابن أبي عتيق وعبد الله بن جعفر؛ وكان عبد الله بن جعفر بن أبي طالب هذا يشتري الجواري الحسان ويأتيهن بمعلمهن يدربونهن على الغناء.

في هذه البيئة التي وصفنا نشأ أدب رقيق يتفق وروح العصر، فيه دعابة وفيه وصف للنساء صريح، وفيه قصص لأحداث الشعراء مع النساء وفيه فجر أحيانًا، وكان يحمل لواءه عمر بن أبي ربيعة أولًا والأحوص ونصيب ثانيًا. كما كان هنالك محافظون يسيرون على النمط القديم في المعاني ولا يجددون إلا بمقدار ما يضطر إليه الزمان ككثير عزة، فإنه بطبيعة بدواته كان محافظًا.

هذا الأدب الجديد في هذه البيئة الظريفة اللاهية استتبع كذلك رقيًّا في النقد يدل على رقي في الذوق.

وكان الاحتكاك بين الأحرار والمحافظين مثارًا لنقد ظريف حقًّا، كالذي روى لنا بين عمر بن أبي ربيعة وكثير.

فكثير يسمع عمر بن أبي ربيعة يقول:

قالت: تصدي له ليعرفنا
ثم اغمزيه يا أخت في خفر
قالت لها: قد غمزته فأبى
ثم اسبطرت تشتد في أثري

فيقول كثير: «أتراك لو وصفت بهذا حرة أهلك ألم تكن قبحت وأسأت وقلت الهُجْر، وإنما وصفت الحرة بالحياء والتواء والخجل والامتناع».

ويسمع عمر بن أبي ربيعة كثيرًا يقول:

ألا ليتنا يا عز كنا لذي غنى
بعيرين نرعى في الخلاء ونعزب
كلانا به عُرّ فمن يرنا يقل
على حسنها جرباء تعدي وأجرب
إذا ما وردنا منهلا صاح أهله
علينا فما ننفك نرمي ونضرب
وددت وبيت الله أنك بكرة
هجان وأني مصعب ثم نهرب
نكون بعيري ذي غنى فيضيعنا
فلا هو يرعانا ولا نحن نطلب

فيقول له عمر: «تمنيت لها ولنفسك الرق والجرب والرمي والطرد والمسخ، فأي مكروه لم تتمن لها ولنفسك، لقد أصابها منك قول القائل: «معاداة عاقل خير من مودة أحمق».

وهكذا كان النقد بين الأحرار والمحافظين.

أما النقاد أنفسهم غير الشعراء فخير من يمثلهم في الحجاز في ذلك العصر ابن أبي عتيق والسيدة سكينة، وكلاهما يمثل نزعة أهل الحجاز وظرفهم، فكلاهما له منزلة دينية عالية، ومع هذا يعنى بالأدب ونقده.

•••

فابن أبي عتيق من أعلى الناس حسبًا، فهو عبد الله بن محمد بن عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق، ويقول عنه المبرد: إنه من نُسّاك قريش وظرفائهم وقد غلبت عليه الدعابة وشهر بها، وكان من الرواة الموثوق بهم في الرواية يذكره المحدثون فيوثقونه وهو مع هذا كله يقول عن نفسه: «أنا بالحسن عالم نظّار» كما وصفه عمر بن أبي ربيعة بذلك فقال:

ودعاني ما قال فيها عتيق
وهو بالحسن عالم نظار

وقد ملأ الحجاز في عصره نقدًا ظريفًا لكثير من الشعراء فتعقب عمر في شعره وكان يفضله على معاصريه ويقول: «لشعر عمر نوطة بالقلب وعلوق بالنفس ودرك للحاجة ليست لشعر غيره، وما عُصي الله — عز وجل — بشعر أكثر مما عصي بشعر ابن أبي ربيعة؛ فخذ عني ما أصف لك، أشعر قريش من دق معناه، ولطف مدخله، وسهل مخرجه، ومتن حشوه، وتعطفت حواشيه، وأنارت معانيه، وأعرب عن حاجته».

وكتاب الأغاني مملوء بنقد ابن أبي عتيق لشعر عمر.

وأنشده نصيب الأسود مرة:

وكدت — ولم أخلق من الطير — أن بدا
لها بارق نحو الحجاز أطير

فقال له: يا ابن أم، قل غاق فإنك تطير، يعني أنه غراب أسود. وسمع كُثيرًا يقول:

ولست براض من خليل بنائل
قليل ولا أرضى له بقليل

فقال له: هذا كلام مكافئ ليس بكلام عاشق، وعمر أصدق منك وأقنع إذ يقول:

ليت حظي كلحظة العين منها
وكثير منها القليل المهنا

ومر به ابن قيس الرقيات فسلم عليه، فقال: عليك السلام يا فارس العمياء. فقال له: ما هذا الاسم الحادث. قال ابن أبي عتيق: أنت سميت نفسك حيث تقول: «سواء عليها ليلها ونهارها». فما يستوي الليل والنهار إلا على عمياء. قال: إنما عنيت التعب. قال: فبيتك هذا يحتاج إلى ترجمان.

ولابن عتيق في هذا الباب كثير نكتفي منه بهذا القدر.

•••

والناقد الثاني السيدة سكينة بنت الحسين بن علي، كانت من أجمل نساء عصرها وأظرفهن، تزوجها مصعب بن الزبير فمات عنها. وقال فيها صاحب الأغاني: «إنها كانت عفيفة برزة تجالس الأجلة من قريش ويجتمع إليها الشعراء، وكانت ظريفة مزاحة».

روت عنها الكتب الأدبية كثيرًا من نقدها الظريف، تسمع نصيبًا يقول:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت
فوا حزنا من ذا يهيم بها بعدي

فتعيبه بأنه صرف رأيه ووهمه إلى من يعشقها بعده، وتفضل أن يقول:

أهيم بدعد ما حييت فإن أمت
فلا صَلَحت دعد لذي خلة بعدي

وتسمع الأحوص يقول:

من عاشقين تراسلا وتواعدا
ليلًا إذا نجم الثريا حلقا
باتا بأنعم ليلة وألذِّها
حتى إذا وضح الصباح تفرقا

فتقول: «كان الأولى أن يقول تعانقا بدل تفرقا» إلى آخره.

وعلى الجملة فقد ساير النقد الأدب؛ تجدد الأدب فتجدد النقد، ورقي الذوق فرقي النقد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١