تمهيد

كانت مصر حتى سنة ١٧٩٨م تحت حكم الأمراء المماليك الفعلي وحكم الدولة العثمانية الأسمي، فأتت في سنة ١٧٩٨ حملة فرنساوية تحت قيادة الجنرال بونابرت فقضت على حكم المماليك، واحتلت القطر، فعز ذلك على إنجلترا، فما زالت بالدولة العثمانية حتى حملتها على إشهار الحرب على فرنسا وإرسال جيش زاخر إلى مصر لإخراج الجيش الفرنساوي منها، ولكن الجنرال بونابرت قضى على ذلك الجيش قضاءً مبرمًا في واقعة أبي قير في ٢٥ يولية سنة ١٧٩٩.

غير أن أحوال فرنسا الداخلية والخارجية ما لبثت أن اضطرت الجنرال بونابرت إلى مغادرة القطر، فخابر خلفه الجنرال كليبر الإنجليز والأتراك في أمر انسحابه بجيشه من مصر والعود إلى فرنسا على مراكب إنجليزية، وأبرم معهم لهذا الغرض معاهدة العريش في أوائل سنة ١٨٠٠ وسلم الصدر الأعظم يوسف باشا معظم البلاد.

ولكن الحكومة الإنجليزية لاعتقادها الوهن التام في الجيش الفرنساوي المعقود لواءه لكليبر أبت التصديق على معاهدة العريش، وأبت إلا أن يسلم الجيش الفرنساوي سلاحه فتنقله المراكب الإنجليزية أسيرًا إلى إنجلترا.

فهاج هذا الأمر ثورة الغضب والحمية في صدر الجنرال كليبر، فأرسل إلى الصدر الأعظم يوسف باشا يأمره بإعادة البلاد إلى الفرنساويين والارتداد إلى سوريا — وكان يوسف باشا قد بلغ بجيشه العثماني المطرية وعسكر فيها — فأبى يوسف باشا إلا استمرار الزحف إلى القاهرة.

فخرج الجنرال كليبر إليه بعشرة آلاف فرنساوي وهزمه هزيمة مخجلة في عين شمس، وعاد واسترد القطر كله.

ولكن سليمان الحلبي ما لبث أن قتله في ١٤ يونية سنة ١٨٠٠؛ فآلت القيادة إلى الجنرال منيو — وكان قد اعتنق الإسلام وتسمى عبد الله، ولم يكن من الدراية بأمور الحرب على شيء.

فاغتنمتها إنجلترا فرصة وأرسلت حملة إنجليزية تحت قيادة الجنرال آبر كرمبي لإخراج الفرنساويين من مصر، فتحارب الجيشان الغربيان في ضواحي الإسكندرية — ما بين سيدي جابر والمعمورة — وانجلت المعركة عن فوز الإنجليز وقتل قائدهم، فارتد الفرنساويون إلى الإسكندرية وتحصنوا فيها، وخلف الجنرال هتشنسن القائد المقتول، فغمر الأرض حول الإسكندرية بالمياه بكسره سد أبي قير، وزحف بمعظم جيشه إلى العاصمة، وبعد مناوشات ووقائع صغيرة وحصارات لا داعي إلى ذكرها في هذه النبذة، انتهى الأمر بانجلاء الجيش الفرنساوي عن مصر على قاعدة معاهدة العريش.

فأراد الأمراء المماليك — على ما أوجدته في طائفتهم من ضعف عظيم حروبهم مع الفرنساويين — العود إلى الاستقلال بأحكام البلاد، وأرادت الدولة العثمانية استئصال شأفتهم ليستقيم لها عود الحكم في مصر أسوة بباقي المماليك الشاهانية.

فقام إذًا نزاع عنيف وقتال مخيف بين الولاة المعينين على مصر من لدن الدولة العثمانية والأمراء المماليك، ودارت الحرب بينهم سجالًا.

وكان قد حضر إلى مصر الجيش العثماني المكلف بمهمة إخراج الفرنساويين منها رجل مكدوني من أهل قولة يقال له: (محمد علي)؛ فاغتنم فرصة ذلك النزاع وأخذ يتقدم على أكتاف الولاة تارة وطورًا على أكتاف المماليك، حتى أصبح من كبار زعماء الجنود، فشرع حينذاك يعمل في الخفاء على إسقاط الولاة ويقاتل المماليك جهارًا حتى آل به الأمر إلى تهشيم مراكز الفريقين وفل كلمتهم، فأجمع العلماء وشعب القاهرة على اختياره أميرًا على مصر في ١٤ مايو سنة ١٨٠٥؛ وعضدهم في ذلك الجنرال سيبستياني السفير الفرنساوي في الأستانة عملًا بتوصية القنصل الفرنساوي بمصر المدعو ماتييه دي لسبس، والد فردينان دي لسبس صاحب قناة السويس.

فأقرت الأستانة محمدًا عليًّا واليًا على القطر في ٩ يولية سنة ١٨٠٥، فما تواني لحظة في تثبيت مركزه ضد دسائس تركيا، ومساعي الإنجليز وعدائهم، وتمرّدات الجنود وبأس المماليك، والاحتياج إلى المال حتى انتهى به الكفاح، بعد عناء شديد، إلى الفوز التام، فوطد قدميه نهائيًّا على السدة المصرية؛ وقهر الإنجليز وأجلى عن البلاد حملة أرسلوها إليها في سنة ١٨٠٧؛ وأفنى الجنود غير النظامية في حروب أرسلها إليها في البلاد العربية لمقاتلة الوهابيين، وفي السودان للبحث عن مناجم ذهب وجلب السود؛ وفرغ من أمر المماليك بالمكيدة الهائلة التي دبرها لهم وجزرهم فيها بالقلعة يوم أوّل مارس سنة ١٨١١؛ وعالج مسألة المال معالجة قطعية بأن استولى شيئًا فشيئًا على جميع موارد الرزق في البلاد وعلى أطيان القطر برمتها.

حينذاك أقبل ينشئ من مصر دولة حديثة وأمة شابة جديدة، ولكنه أدرك بأن ذلك لن يتسنى له إلا إذا جمع على ولائه عواطف العالم الإسلامي، وإلا إذا نقل البلاد — ولو بعنف — من البيئة التي بنت القرون المنصرمة جدرانها حولها، إلى بيئة جديدة تكون مصطبغة القاعدة والجدران بصبغة المدنية الغربية، اصطباغًا متفقًا مع روح الإسلام.

فلجمع عواطف الإسلام على ولائه هب يقضي على الوهابيين قضاء مبرمًا — والعالم الإسلامي كان يعتبرهم خوارج ومنشقين — وهبّ ينجد الدولة العثمانية المسلمة على إخماد ثورة اليونان المسيحيين، فأفلح في الأمرين.

ولنقل مصر إلى البيئة الجديدة المرغوب فيها عمل ما يأتي:

  • أولًا: نظم البلاد إداريًّا على النمط الغربي.
  • ثانيًا: أنشأ من أبناء البلاد جيشًا زاهرًا وبحرية عامرة مدربين على الطريقة الغربية، بالرغم من صعاب كانت الواحدة منها كافية لفل الحديد ودك الجبل.
  • ثالثًا: جدد بجدة المعارف، بتغييره برنامج التعليم وطريقته وفتح ميدانًا جديدًا للعلم أدخل الأمة فيه قسرًا، فأنشأ المدارس المختلفة تترى: ابتدائية وثانوية وعالية متنوعة، وأدخل فيها التلامذة والطلبة رغم أنوفهم وأنوف أهلهم، وعلمهم فيها العلوم الوضعية الغربية على يد أساتذة أكفاء أتى بهم من بلاد الغرب، وأرسل البعثات تلو البعثات إلى المعاهد العلمية في أوروبا لا لكي تقتبس علوم الأمم الغربية وفنونها فحسب، بل ليتخرج منها أساتذة يعلمون تلك العلوم لمواطنيهم بعد عودتهم إلى بلادهم.

    ثم أضاف إلى تجديد بجدة المعارف إقامة المعامل والمصانع في طول البلاد وعرضها ليتمكن القطر من ترويج المصنوعات على الطراز الغربي في داخليته — لاعتقاد (محمد علي) أن تغيير معالم المادية يساعد كثيرًا على تغيير معالمها المعنوية — ومن الاستغناء عن الواردات الأجنبية.

  • رابعًا: غطى وجه القطر بالأشغال والأعمال المفيدة وسخر فيها الأيدي تسخيرًا؛ ولولا ذلك ما اشتغلت ولا تمت تلك الأعمال، فأقام السدود وقوى الجسور وبنى ما رأى بناءه منها واجبًا؛ وعزز القناطر واحتفر الترع العديدة وأقام عليها القناطر الحاجزة المسهلة للري؛ وابتنى الترسانة والأحواض لتصليح السفن؛ وشيد القناطر الخيرية الكبرى — وهي معجزة أعماله — وأقام الحصون والقلاع؛ وأنشأ القصور والسرايات، واختط الشوارع؛ وهلم جرًّا، من الأعمال العظيمة التي غيرت وجه القطر تغييرًا محسوسًا.
  • خامسًا: هدم الحواجز التي كانت العصور السالفة قد أقامتها بين تعامل الغرب والشرق؛ ومكن العالمين من الاختلاط معًا، لا بالإتجار الواسع فقط، بل بالاحتكاك اليومي، وفي العادات والأخلاق والعقلية؛ ومنع كل تجاوز قد يجر ذلك الاحتكاك إليه.
  • سادسًا: سن قانونًا للبلد كل مواده متشربة بالرغبة في فتح عصر جديد للأمة، عصر تكون المساواة فيه بين الأفراد تامة؛ ويكون الفرد فيه آمنًا على حريته الشخصية من كل عبث، ما دام لا يرتكب جرمًا، ولا يأتي أمرًا تؤاخذه عليه الشرائع.
  • سابعًا: فتح أذهان المصريين إلى أمرين لم يكونوا ليفكروا فيهما البتة: (الأول) أن مصر والسودان قطران توءمان أبوهما النيل، فإما أن يدوما ملتصقين كما ولدا، وإما أن يكونا متحالفين أبدًا، وإلا فللقوي منهما أن يجبر الثاني على إحدى هاتين الخلتين، كما أجبرت ولايات الشمال الأمريكية ولايات الجنوب على البقاء متحدة معها، بحرب الانفصال بين سنة ١٨٦١ وسنة ١٨٦٥؛ و(الثاني) أن لمصر قومية شخصية منفصلة تامة الانفصال عن قوميات الشعوب الأخرى القاطنة في الأقاليم التي كانت تتكون منها القومية العثمانية في ذلك العصر، وإنما فتح أذهان المصريين إلى هذين الأمرين بالحربين اللتين قام بهما في مجاهل السودان وفي سوريا والأناضول؛ وأفضتا إلى استتباب السلطة المصرية على السودان نهائيًّا وعلى سوريا وإقليم اضاليا، بضع سنين.

ولكن إنجلترا أبت أن تقوم على ضفاف النيل دولة مصرية قوية تجعل طريقها إلى الهند غير آمنة، فألبت على (محمد علي) روسيا وبروسيا والنمسا؛ وأرسلت ضد قواه في سوريا حملة؛ وبذلت في سبيل إثارة الأهلين عليه في تلك البلاد نقودًا جمة، فاضطرته إلى الانسحاب من الأناضول والشام والاكتفاء بمصر، ثم استصدرت له من السلطان عبد المجيد، بالاتفاق مع الدول الأوروبية، فرماني ١٣ فبراير سنة ١٨٤١ اللذين بقيا دستور الحكومة المصرية، حتى أبطلت مساعي (إسماعيل الأول) معظم نصوصهما، وأوصلت القطر إلى استقلال تام لا يقيده سوى قيد الجزية السنوية.

فأقام (محمد علي)، بعد هذه الحوادث، أكثر من سبع سنوات على دست الأحكام يعمل بثبات على تنفيذ مراميه؛ ويحوط الدولة الحديثة التي أنشأها بعنايته اليقظة، حتى داهمه الخرف وهو في التاسعة والسبعين من عمره.

فخلفه ابنه الأكبر (إبراهيم باشا)، قائد الجيوش المصرية المنصورة في الملاحم والمعامع، وقاهر الوهابيين واليونان والأتراك، ولكن ولايته لم تدم إلا ثلاثة أشهر: لأن المنون اخترمته وهو في أجد سعيه إلى إسعاد البلاد، بينما أبوه لا يزال حيًّا.

فأعقبه (عباس الأول) ابن أخيه طوسن المتوفَّى سنة ١٨١٦ — وكان أرشد ذكور الأسرة — فملك حتى سنة ١٨٥٤ ملكًا حاول جهده، في السنين الست التي انتشر كابوسه فيها على الصدور، أن يتنكب بمصر عن الجادة الحديثة التي أدخلها فيها جده العظيم (محمد علي)، ليعود بها إلى دياجير العصور الوسطى المدلهمة.

ولكنه قتل، وهو في ريعان رجولته، وخلفه على العرش عمه (محمد سعيد باشا) ابن (محمد علي) العظيم، فملك تسع سنوات كانت كلها خيرًا على البلاد وسعادة، ولولا أنه أثقل كاهل الحكومة المصرية ببعض نصوص تجاوزية في الامتياز الذي منحه لفردينان دي لسبس لإنشاء قناة السويس، وبالضائقة المالية التي جرها إسرافه على موظفيه ومستخدميه، بالدَّيْنَيْنِ — السائر والمسجل — المركبين على عاتق البلاد والبالغين معًا ما يقرب من أحد عشر مليونًا ونصف مليون من الجنيهات، واللذين لم يكن لهما مقابل من أعمال عمومية نافعة، لعدت سنوات ملكه التسع العصر الذهبي في تاريخ مصر الحديث.

وكانت بنيته القوية لما ارتقى سدَّة الإمارة تبشر بعمر طويل؛ ولكن إسرافه في اللذات قتله، هو أيضًا، وهو في الأربعين من سنه، فخلفه (إسماعيل الأول) ابن أخيه (إبراهيم) العظيم، وهو الذي يسرد كتابنا هذا تاريخ مصر في عهده!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠