الفصل الأول

إصلاح الإدارة١

مصر بلد، إذا حسنت الإدارة فيه، أكل العامر الصحراء.

وإذا ساءت الإدارة فيه، أكلت الصحراء الأرض العامرة!

نابليون الأول

كانت مصر، في مدة المماليك الأخيرة، تنقسم إلى خمسة عشر إقليمًا: تسعة منها في الوجه البحري وهي: البحيرة، ورشيد، والغربية، ومنوف، ودمياط، والمنصورة، والشرقية، وقليوب، والجيزة، وثلاثة في مصر الوسطى وهي: إطفيح، والفيوم، وبني سويف، وثلاثة في مصر العليا وهي: أسيوط، وجرجا، وقوص (طيبة).

وكان على رأس كل إقليم أمير مملوك يقال له: الكاشف، ومرجع الكل إلى الأمير المملوك المدعو «شيخ البلد» المقيم في القاهرة، والذي كان حاكم القطر الحقيقي، بالرغم من وجود والٍ عثماني بالقلعة، يرسل من لدن القسطنطينية كلما عنَّ لرجال الحكم هناك أن يعزلوا سلفه، أو كلما أرسل «شيخ البلد» إليه رسوله، المعروف عند أهل مصر بلقب «أبي طبق» لينذره بعزله بأن يقول له: «انزل يا باشا».

وقد حافظ بونابرت على هذا التقسيم.

فلما استتب الأمر لمحمد علي عدله، وروى كلوت بك أن القطر المصري كان في سنة ١٨٤٠ منقسمًا إلى سبع مديريات فقط؛ منها أربع في الوجه البحري وهي: البحيرة، والمنوفية، والدقهلية، والشرقية، علاوة على محافظتي الإسكندرية ومصر، وواحدة في مصر الوسطى وهي: بني سويف والفيوم معًا؛ واثنتان في الصعيد وهما: المنيا، وإسنا.

وقسم (محمد علي) كل مديرية إلى عدة مراكز، وكل مركز إلى عدة أقسام، وكل قسم إلى عدة نواح، فبلغ عدد المراكز في تلك السنة أربعة وستين، وعدد الأقسام ثلاثمائة ونيفا، وعدد النواحي ثلاثة آلاف وخمسمائة.

وأغرب ما في التقسيم، الذي قال عنه كلوت بك أن الجيزة كانت جزءًا من البحيرة؛ والغربية جزءًا من المنوفية؛ وأن العريش كان تابعًا للدقهلية؛ والقليوبية تابعة لمصر.

و(محمد علي) أول من سمى رئيس المديرية «مديرًا»، ورئيس المركز «مأمورًا» ورئيس القسم «ناظرًا»، وأما رئيس الناحية فما فتئ اسمه «شيخ بلد» منذ القدم.

وأوجد في كل ناحية، بجانب شيخها، مستخدمًا سماه «الخولي» وظيفته مراقبة الزراعة ومسح الطين؛ وآخر يقال له: «صراف» لجمع الأموال وتوريدها للمأمور؛ وثالثًا يقال له: «الشاهد» وهو المأذون من قبل القاضي للحكم في قضايا الأحوال الشخصية، وتحرير عقود الزوجية وغيرها.

وكان مرجع شيخ البلد إلى الناظر؛ ومرجع الناظر إلى المأمور؛ ومرجع المأمور إلى المدير؛ ومرجع المدير إلى ديوان الداخلية. على أن كل مأمور كان مكلفًا ككل مدير برفع تقرير أسبوعي عن أعماله وإجراءاته إلى ذلك الديوان عينه ليقف هذا على مجريات الأمور.

أما المديرون فكانوا كلهم أتراكًا أو مماليك من مماليك الباشا العظيم، وأما المأمورون فقد اجتهد (محمد علي) في جعل معظمهم من أبناء مصر دون أن يبالي بكونهم مسلمين أو أقباطًا، وكذلك نظار الأقسام.

لكن التجربة لم تفلح، لسببين:

الأول: هو أن المصريين، في تلك الأيام، بالنسبة لوجود معايب الشعوب المستعبدة زمنًا طويلًا، ونقائصها فيهم، لم تكن لهم ذاتية، ولم يكونوا أكفاء للإمرة، فكان المقلد منهم سلطة يستبد بمن كانوا إخوانه بالأمس استبدادًا فاحشًا، مع خنوعه أمام رؤسائه خنوعًا شائنًا.

والثاني: هو أن هيبة الأتراك، بالرغم من أن الجيش المصري كسر أولئك العتاة الذين استعبدوا المصريين أجيالًا وقرونًا، كانت لا تزال متأصلة في نفوسهم تأصلًا عظيمًا: فكان مأمور المركز، أو ناظر القسم المصري يقف محتشمًا أمام قوّاصه التركي ذاته احتشامًا فائقًا؛ فما بالك في حضرة ملتزم من الملتزمين الأتراك، أو حضرة ذي حيثية من رجال ذلك العنصر القاهر؟

وكان (محمد علي) عينه، بالرغم من كل مجهوداته لرفع درجة العنصر الفلاح المصري إلى مستوى درجة العنصر التركي، لا يستطيع — لأن تربيته الأصلية تركية وشعوره تركي محض — أن يحمل نفسه على تقدير فلاحي مصر أكثر من الأتراك، والركون إليهم في المهمات أكثر من ركونه إلى أبناء جنسه، ولا أدل على استمرار الشعور التركي حيًّا فيه حياة قوية، بالرغم من تعشقه مصر وامتلاء قلبه بحبها، وبالرغم من اشتباكه مع تركيا في حرب كان يلعب فيها بعرشه، بل بذات حياته وحياة أولاده، من الجواب الذي أجاب به ذات يوم وجيهًا من الغربيين أقبل يهنئه بالانتصارات التي أحرزها جيشه المصري على الجيوش التركية، ويكيل الثناء جزافًا لأبناء مصر البواسل، المقاتلين بفوز مستمر، فوق ربوع الشام وبطاح الأناضول، فإن (محمد علي) قطع عليه كلامه قائلًا: «لا تنس، يا صديقي. أن الذين يفوزون في المعارك إنما هم الضباط لا الجنود، وأن ضباط الجيش المصري كلهم أتراك».٢

وأما مشايخ البلاد فكانوا من الفلاحين، طبعًا، وكذلك الخوليون، والصيارفة — وهؤلاء كانوا كلهم أقباطًا — والشهاد.

وكان الكل مأجورين تتناسب مرتباتهم مع أهمية وظائفهم، ويرتدون ملابس عليها شارات تلك الوظائف، فشيوخ البلاد كانوا يتقلدون وسامًا من فضة، ونظار الأقسام وسامًا ذهبيًّا، والمأمورون وسامًا من ماس، وأما المديرون فكانوا بكوات أو باشاوات من أصحاب الرتب العسكرية السامية يتقلد كل منهم كسوة رتبته.

وجعل (محمد علي)، على رأس الإدارة، عدة دواوين للنظر في شئونها المختلفة، كديوان الداخلية وديوان الحربية، وديوان البحرية، وديوان الخارجية، وديوان التجارة، وديوان المعارف العمومية، وديوان الزراعة، وديوان الصحة، وهلم جرًّا، وجعل فوقها كلها المجلس الخاص، الذي كان هو نفسه يرأسه، تعرض عليه كل الأمور، صغيرها وكبيرها، ليطلع عليها ويبدي رأيه فيها، وكان يدعى «ديوان المعونة» للدلالة على ماهيته.

وكان، إذا أراد الإقدام على أعمال كبرى في الزراعة، أو على أشغال ذات منفعة عمومية هامة، يجمع المديرين في أحد تلك الدواوين ويعرض المشروع عليهم ويأخذ رأيهم فيه، فإذا وافقت أغلبيتهم عليه نفذه؛ وإلا انتدب مخصصين يعيدون بحثه، ويستصفون خلاصته.

فلما آلت الأحكام إلى عباس باشا، أغمض عينيه عن سير الإدارة في الطريق الذي اختطه (محمد علي) لها؛ ورأى، مع تجرده عن الرغبة في فحص الأمور بنفسه، أن يحل هواه محل نظر الدواوين: ففتح أمام الجاسوسية مجالًا تطرق منه الخلل إلى العمل؛ وأدى، بعد زمن قليل، إلى تعطيله، واستتباب استبداد الحكام، لا سيما كبارهم، بالرعية استبدادًا فاحشًا.

فهال الأمر محمد سعيد باشا، بعد توليته بقليل؛ وكبر عليه شقاء الأهلين! ولكنه لم ير إصلاحًا يقدم عليه، خيرًا من إلغاء وظائف المديرين — لأنهم كانوا، في نظره، جرثومة ذلك الاستبداد وقرومته — وجعل ديوان الداخلية يشرف رأسًا على أعمال المأمورين ونظار الأقسام: فزاد الطين بذلك بلة، وأضر، بالرغم من حسن نياته، من حيث أراد أن يفيد.

فلما استلم (إسماعيل) زمام الأمور، وتجلى أمام ذكائه الاختلال الشائن الذي أوجدته في نظام الإدارة روح عباس الظنانة شرًّا وروح سعيد المتطلبة خيرًا من غير تبصر، رأى أنه لا بد له من إصلاح عام يدخله على ذلك النظام سريعًا، ليكون قاعدة لكل إصلاح تالٍ.

فقسم القطر إلى ثلاثة أقسام كبرى: البحري، والمتوسط، والصعيد، وقسم هذه الأقسام الثلاثة إلى أربع عشرة مديرية وثمان محافظات.٣

فمن المديريات سبع في الوجه البحري وهي: الجيزة، والبحيرة، والقليوبية، والشرقية، والمنوفية، والغربية، والدقهلية، وثلاث في الإقليم المتوسط وهي: بني سويف، والفيوم، والمنيا، وخمس في الصعيد وهي: أسيوط، وجرجا، وقنا، والقصير، وإسنا.

أما المحافظات الثمان فهي: العاصمة، والإسكندرية، ودمياط، ورشيد، والعريش، وبورسعيد، والسويس، وسواكن.

وحافظ على تقسيم المديريات إلى مراكز، والمراكز إلى أقسام، والأقسام إلى نواحٍ، وقسم محافظتي العاصمة والإسكندرية إلى أقسام، جعل كل قسم منها يضاهي مركزًا في المديريات، وأنشأ وظائف مفتشين ورؤساء مفتشين للأقاليم، كان، فيما بعد، أعظمهم شهرة وأكبرهم شأنًا إسماعيل باشا الذي عرف «بالصغير» و«المفتش»، وسلطان باشا، وعمر باشا لطفي.

وعهد برياسة النواحي إلى عمد بدلًا منها إلى مشايخ، وجعل هؤلاء مساعدين لأولئك في أعمالهم، وفوض إلى أهالي كل ناحية أمر انتخاب عمدتها ومشايخها، وأبقى الصيارفة والمأذونين، ولكنه ألغى وظائف الخوليين: لأنه لم يعد من سبب لوجودها، بعد أن منح محمد سعيد باشا حق امتلاك أترية الأطيان، وحق زراعتها كما يشاءون، وأبقى مرجع الإدارة كلها إلى وزارة الداخلية.

وكان محمد سعيد باشا قد حول بعض دواوين أبيه كالداخلية والمالية والحربية إلى وزارات؛ وعهد في الأولى إلى الأمير أحمد باشا رأفت؛ وفي الثانية إلى مصطفى باشا فاضل؛ وفي الثالثة إلى الأمير حليم باشا، فحول (إسماعيل) باقي الدواوين الكبرى — كالبحرية، والخارجية، والأشغال، والمعارف — إلى وزارات كذلك، وأنشأ في أوائل سنة ١٨٦٥ وزارة جديدة دعاها «وزارة الزراعة» ضمها إلى وزارة الأشغال، وعهد فيهما، معًا، إلى نوبار باشا، مكافأة له على فوزه في مسألة قناة السويس التي سيأتي الكلام عنها.

غير أن أعظم تحسين أدخله على الإدارة إنشاؤه هيئات نيابية في المراكز والمديريات قصد منها أن يعلم الأمة، بإشراك وجوهها ونوابغها مع حكامها في أعمالهم الإدارية، كيفية الوصول إلى حكم نفسها بنفسها.

فأقام، لهذا الغرض، في كل مركز، مجلسًا إداريًّا يستشير المأمور أعضاءه في إنجاز الأعمال المركزية؛ وأقام، حول كل مدير، مجلسًا محليًّا ينتخب الأهلون أعضاءه ليكونوا أعين المدير ومستشاريه، وليضربوا على تجاوزات مشايخ البلاد وعمدها.٤

وكان قد اضطر، في بادئ الأمر، إلى اتخاذ المديرين كلهم من العنصر التركي، لعدم وجود أكفاء من أولاد العرب للقيام بمهام تلك الوظائف الخطيرة، ولكنه — مع تقادم أيام ملكه، وإخراج المدارس المصرية وسلوك الإدارة رجالًا يعتمد عليهم من أبناء البلاد، وبما أن الحوادث التي تلت أظهرت عدم كفاءة الأتراك للإدارة، بالرغم من كفاءتهم غير المنكورة للإمرة والحكم — أخذ يستبدل المديرين الأتراك بمديرين من المصريين الصميمين، رويدًا رويدًا، حتى أصبحت معظم مديريات القطر مرءوسة في سنة ١٨٧٧ بمديرين من أبناء البلاد، بالرغم من أن هيبة الأتراك، من جهة، كانت لا تزال كبيرة في نفوسهم؛ وأنه كان يخشى أن تحملهم هذه الهيبة في معاملاتهم الإدارية مع كبار رجال العنصر التركي الخاضع لحكمهم، على خور في العزائم، قد تنجم عنه مضار للمصلحة العامة؛ وبالرغم من أن هيبة الحاكم المصري، من جهة أخرى، لم يكن لها أصل في نفوس إخوانه المصريين، لا سيما أهله وذويه وبلدييه؛ وكان يخشى أن تحمله ألفتهم على تهاون في واجباته، يخل إخلالًا بالغًا في تلك المصلحة العامة عينها.

ويُروى، للدلالة على هذين الأمرين معًا، أن وجيهًا من وجهاء الصعيد عين مديرًا للمديرية التي فيها بلده؛ فوجد من ملازمة أهله ومعارفه له وجلوسهم معه، بدون أقل تكلف، في حجرته الرسمية الخاصة به، وتضييعهم وقته عليه في محادثات لا طائل تحتها، أو لا تهم سواهم من الناس، ما رأى، معه، مهابته مفقودة في أعين مرءوسيه والأهالي معًا، وما غصت به روحه، ولكنه لم يجد من نفسه القوة الأدبية الكافية لإيقافهم عند حدهم، فأوعز إلى قوّاصه التركي — وكان ألبانيًّا، عالي القامة ضخم الجثة، ذا شاربين كشاربي عنترة وأبي زيد في صورتيهما المتداولتين بين أيدي الناس — أن يدخل يومًا، فجأة، على أولئك الأهل والمعارف، عندما يراهم جالسين في حجرته الخاصة؛ ويزجرهم ويطردهم من حضرته، عساهم يرتدعون.

فامتثل القواص للأمر من الغد؛ ودخل على جمع بلديي المدير الملازمين له في غرفته، وقد فتل شاربيه الكثيفين حتى مس طرفاهما أذنيه؛ وحملق عينيه حملقة مروعة، وهجم عليهم صارخًا بصوت مخيف: «يلا! سكتر! كرتا! فلاح أدپسيز!» فذعر الجمع وارتعدت فرائصهم، وما هي إلا لحظة وقد أخلوا المكان مهرولين يتسابقون ويتدافعون إلى الباب؛ ولكن المدير كان أولهم هروبًا، لشدة ما وقع في نفسه من هيبة قواصه وهول منظره وصورته.٥
وتوج (إسماعيل) إصلاحه الإداري بإقدامه على إشراك الأمة المصرية معه في الحكم وتحقيقه، في إنشاء مجلس نيابي، الفكرة التي دارت في خلد جده، الباشا العظيم، ولم تمكنه الأيام من إخراجها إلى حيز العمل.٦

فبسط في أواخر سنة ١٨٦٤، رغبته في استدعاء أكابر التجار والأعيان والمزارعين إلى جمعية عمومية، تطلع على حال البلد المالية، ويناط بها أمر المناقشة في الضرائب وتحديدها وتقريرها ثم توزيعها توزيعًا عادلًا.

وفي أوائل سنة ١٨٦٦ نفذ تلك الرغبة، ومنح القطر هيئة نيابية، وضع لها قانون انتخاب في منتهى الحكمة والسماحة؛ حتى لقد قال فيه بعض كتاب الفرنج «إنه يصلح لأن يكون نموذجًا وقدوة لعموم الأقطار بلا استثناء؛ وإنه لخليق بأن يحسد العالم المتمدين مصر عليه»، وجعل اختصاصات تلك الهيئة واسعة؛ ومداولاتها نافذة في الأمور المالية والإدارية؛ واستشارية، خليقة بالعمل بها، متى كانت صائبة، في الأمور التشريعية.

وفي ٢٥ نوفمبر من السنة عينها افتتح أول جلساتها بحفلة شائقة، تلا فيها بنفسه خطابًا وجيزًا فصيحًا، أظهر فيه للنواب الغرض من اجتماعهم؛ وطلب إليهم مساعدة حكومته على تنفيذ الأشغال العمومية المفيدة الجارية في البلاد؛ وتحديد مواعيد سنوية لجباية الأموال؛ وأحاطهم علمًا بما تم، في ذلك العام، من تعديل نظام إرث العرش المصري، والموجبات التي ألزمته، والنفقات والتعهدات التي استلزمها وسيأتي بيان كل ذلك في حينه.

فكان — مع أنه شرقي — أول عاهل، بعد كارلو البرتو دي ساڨويا، ملك سردينيا، روى التاريخ عنه، أنه تنازل، عن طيبة خاطر وبمجرد إرادته، عن جزء من سلطته المطلقة، ومن ميزات تاجه الملكي؛ وأول عاهل أعاد إلى أمته جانبًا من السلطة التشريعية المستمدة، في الحقيقة، منها، فسبق، في هذا المضمار، موتسو هيتو، ميكادو اليابان المجيد الطائر الصيت؛ ومظفر الدين خان، شاه العجم الممدوح الذكر!

وإنَّا، إذا وعينا تمامًا أن إنجلترا نفسها، العريقة في الأحكام الدستورية، لم تنل مزية هذه الأحكام إلا بعد أن قاتلت عليها، مدة ملكها (يوحنا العديم الأرض)، أخا ريكاردوس قلب الأسد؛ وأنها أضرمت، لاستعادتها والمحافظة عليها، نيران ثورتين؛ وثلث عرشين، أغرقت قوائم أولهما في دم تشارلز الأول الستيورتي الجالس عليه؛ وأنه ما من أمة في أوروبا، إلا وكابدت في سبيل الحصول على تلك المزية أجسم المشاق، وأهرقت أزكى دماء نبلاء الشعور والأفهام من أولادها؛ وأن الصحافة العالمية استنفدت كل كلمات الشكر والثناء، في تحبيذ عمل ميكادو اليابان وشاه العجم المذكورين حينما تم، أدركنا مقدار ما يستحق عمل (إسماعيل) من إعجاب؛ وما هو خليق به من مدح جزيل!

ولا يضيره ما أخذه عليه بعض الكُتَّاب من أن الهيئة النيابية التي جاد بها على بلاده لم تكن — لجهل معظم أعضائها المطبق، ولثقل ظلم ستين قرنًا على عواتقهم — تستطيع تقدير المنحة المجود بها حق قدرها، ولا استخدام الآلة الموضوعة بين يديها استخدامًا حسنًا؛ وأنها اعتقدت من واجباتها أن ترى أنها ملتئمة للتصديق، فقط، على رغائب «ولي النعم».

فإنه إذا صدقت الرواية الزاعمة أن النواب — حينما أفهمهم شريف باشا وزير الداخلية في تلك السنة، أن المجالس النيابية الأوروبية منقسمة دائمًا إلى حزبين: حزب يعضد الحكومة، وحزب يعارضها ويقاومها؛ وأنه يجدر بهم، والحالة هذه، أن ينقسموا أيضًا إلى حزبين: حزب مع الحكومة، وحزب عليها، فيجلس رجال حزب الحكومة على مقاعد اليمين، ورجال حزب المعارضين لها على مقاعد اليسار — تسابقوا جميعهم إلى مقاعد اليمين، هاتفين: «إنَّا كلنا عبيد أفندينا، فكيف نكون مقاومين لحكومته؟»٧
وإذا صح ما تزعمه الليدي (دف جوردون) في مراسلاتها من أن أحد المنتخبين قال لها: «إنَّا، معشر النواب، إنما نحن ذاهبون إلى مصر، وقلوبنا في جزمنا؛ لأنه، إذا كان أحدنا لا يستطيع أن يجاوب المدير، على أيِّ أمر يصدره إليه، مهما كان جائرًا، سوى بعبارة «حاضر! على عيني ورأسي!» أفتريدين أن نجسر على مقاومة إرادة أفندينا، الذي يملك أعناقنا؛ وحق التصرف في أعمارنا؛ ويستطيع في أي وقت يشاء أن يخسف الأرض تحت أقدامنا، ويقطع خبرنا في أقاصي الفازوغلي؟»٨
وإذا صح أن خوف الأهلين من المديرين ومن معاداتهم جعلهم يفرون من الانتخابات؛ وأن هذه — بالرغم من القانون الجميل الموضوع لها — لم تجر إلا بالقوة القاهرة، وطبقًا لرغائب أولئك الحكام؛ وإذا صح أخيرًا أن النواب كانوا، في أول جلوسهم على كراسيهم، متهيبين لا يدرون ماهي واجباتهم؛ فإنه يجب أن لا يغيب عن الأذهان ثلاثة أمور:
  • الأول: أن (إسماعيل) كان يعلم حق العلم أن هناك أقلامًا أوقفها أعداؤه على تسوئة سمعته وتسويد صحيفة أعماله؛ وإظهار كل الإصلاحات التي يقدم عليها كأنها مجراة لا لرغبة حقيقية فيها، وابتغاء للفائدة التي تعود منها على البلاد؛ ولكن لذر الرماد في أعين الدول الغربية؛ وحمل العالم المتمدين، على الاغترار بالطلاء واعتباره مجرى تلك الإصلاحات من أعاظم رجال القرون و«أكبر حاكم وجد على رأس مصر الإسلامية منذ الفتح العربي»؛ كما كان يقول محبوه والمغمورون بأفضاله من أصحاب الجرائد الفرنساوية والإنجليزية والإيطالية الكبرى في بلادهم، وكان يعلم أن الواقفين على نوع عقلية الأمة المصرية وماهيتها، في تلك الأيام، قد يسخرون بمنحته، ويستنكرونها، حتى فيما لو اعتبروها صادرة عن إخلاص حقيقي في حب البلاد، ورغبة صادقة في رقيها؛ وأنه، مع ذلك، لم يخف طعن الطاعنين المتحاملين؛ ولم يخش استهزاء المستهزئين، في سبيل السير بأمته في معارج المدنية الحديثة، والنهوض بها إلى مستواها بأية وسيلة يراها مجدية نفعًا.
  • الثاني: أن أي عمل إنساني كان يراه الوقت الحاضر سخيفًا هزأة، قد لا يلبث، مع مرور الأيام عليه وهو قائم، أن يكسبه الزمان حلة من الكمال، ويحوطه بهالة من الجلال، لا تجعلانه كبيرًا في العيون، فقط، بل مثمرًا ثمرًا شهيًّا، وأن خير معبر عن هذه الحقيقة، ما قاله ذلك النبيل الفرنساوي الذي منحه نابليون الثالث لقب شرف كان لأعرق الأسرات الفرنساوية قدمًا، واندثر باندثارها، وهو: «إنه ليخجلني، حقًّا، أن يلقبني عارفي بالدوق دي مونمورانسي: لأنهم يعلمون أني لست من هذه الأسرة، ولكني متأكد أنه لن تمضي خمسون سنة إلا ويكون الملأ قد نسي من منح بيتي هذا اللقب ومتى منحه؛ فيعتبرونه، في أحفادي، إرثًا عن أسرته القديمة؛ ويصبح مصدر فخار لهم: لأن الزمان يقدس كل شيء».٩
    ومن يعلم أن شريف باشا ذاته — الذي رأى النواب الأولين يتسابقون إلى مقاعد اليمين، لكيلا يعتبروا من حزب المعارضين للحكومة — أصبح، فيما بعد، من أشد الناس تمكسًا بالهيئة النيابية بمصر، ومن أكبر أنصار الحكم الدستوري، حتى إنه فضل اعتزال الأحكام في أوائل حكم توفيق على توليها، ولا هيئة نيابية فيها١٠ من يراجع، بعد ذلك، تاريخ الحركة الفكرية النيابية بالقطر المصري في نصف القرن الذي تلا افتتاح أول مجلس نيابي فيه، ويقف على مقدار تطور العقلية فيها، يدرك إدراكًا تامًّا مقدار الحكمة المستكنة في قول ذلك النبيل الفرنساوي؛ ويتمكن من الوقوف على التطور الاجتماعي الذي أوجبته، على ممر الأيام، منحة (إسماعيل): فيقدرها تقديرها الحق، ولا يبخل على صاحبها بالثناء والشكر اللذين يستحقهما.
  • الثالث: أنه لم يمض على تشكيل ذلك المجلس بضعة أعوام، إلا وأنجب نوابًا عن مصالح الأمة حقيقين بهذا الاسم؛ ولو أن عددهم لم يتجاوز أصابع اليد الواحدة؛ نوابًا لم يروا أن مهمتهم تنحصر كلها في التصديق على أعمال الحكومة وتحبيذها، لم يخافوا التصدي لمعارضتها ومناقشتها الحساب؛ بالرغم من علمهم أنها إنما تنطق بلسان الأمير وتعبر عن إرادته، ومع ذلك، فإن التاريخ لا يذكر أنهم أصيبوا بسوء بسبب حرية ضمائرهم وألسنتهم، ولو أن بعض ذوي الأمر امتعضوا منها، وهددوا أصحابها بضر إن لم يصمتوا.
١  أهم مصادر هذا الفصل هي: «مصر كما هي» لماك كون، و«لمحة عامة على مصر» لكلوت بك، و«مصر في عهد سعيد باشا» لمريو، و«مصر في عهد إسماعيل» لماك كون، و«تاريخ مصر الحديث» لجورج بك زيدان، و«مصر منذ الفتح العربي لغاية الحملة الفرنساوية» لمرسيل، و«وصف مصر» لعلماء الحملة الفرنساوية.
٢  بخلاف شعور إبراهيم ابنه، فإنه مع تمادي الأيام، بات مصريًّا أكثر منه تركيًّا، ولا أدل على ذلك مما قاله، مرة، للبرنس البروسياني پكلر مسكاو، وهو يصف حصار عكا له، وهو: «ليس في العالم جنود يفوقون أجنادي في حماستهم وشجاعتهم في القتال، مهما فاقوهم في النظام ومعرفة فنون الحرب والطعان، ولئن بدا من بعضهم، أحيانًا، تردد أو جبن، فإنما بدا ذلك من جانب الضباط الأتراك، ولست أذكر أن شيئًا من ذلك بدا من أولاد العرب.» انظر پكلر مسكاو: «سياحات وحوادث بمصر» ص٣٣٢ ج١.
٣  لهذا ولجميع التقسيم الذي يليه، انظر: ماك كون «مصر كما هي» ص١١٤ وما يليها.
٤  انظر: ماك كون «مصر كما هي» ص١٣٦.
٥  سمعت هذه الرواية من كثيرين ممن عاصروا الحادثة، وسمعتها أيضًا من صديق الشيخ مرسي محمود المحامي بالإسكندرية، نقلًا عن لسان بعض بلديي ذلك المدير، والأستاذ يرويها بكيفية نكتية في منتهى الظرف.
٦  انظر: ماك كون «مصر في عهد إسماعيل» ص٤٢ و٤٣ و٤٤ و٤٥ و٤٦ و٤٧ و٤٨ وانظر: «تاريخ المالية المصرية»، و«رسائل عن مصر المعاصرة» لچليون دنجلار، ص١٤٢ و١٤٤ على أن هذا الكاتب ينظر إلى الأمور من وراء نظارة سوداء، وما لورتي: «مصر» ص١١٧ وما يليها.
٧  انظر على الأخص: ماك كون «مصر كما هي» ص١١٨ (الحاشية)، و«مصر تحت حكم إسماعيل» ص٤٥ (الحاشية).
٨  انظر: «رسائل ليدي جوردن. دف» ج٢ ص٨٦، و«مصر» لمالورتي ص١٢١.
٩  انظر: مالورتي «مصر» ص١٢٢.
١٠  انظر: مالورتي «مصر» ص١٢٢.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠