الفصل الخامس

انتعاش التعليم والحركة الفكرية١

تعلم: فليس المرء يولد عالمًا
وليس أخو علم كمن هو جاهل
فإن كبير القوم لا علم عنده
صغير إذا التفت عليه المحافل
عمر بن عبد العزيز

لما دخل الفرنساويون مصر سنة ١٧٩٨، لم يكن في القطر كله إلا مدرسة الأزهر ومكتبتها الحاوية لكتب علوم الدين وكتب لغة وآداب، ومع أن الأساتذة المدرسين في تلك الكلية كانوا عديدين فإن عدد الطلبة كان قليلًا بالنسبة لما هو الآن، ومع أنه كان يوجد سبعة أروقة للعلوم، فإنه لم يكن التعليم يتجاوز تجويد القرآن، ومعرفة الحديث؛ وتعدد الأروقة إنما كان لسبب تعدد أنواع الطلبة وجنسياتهم، كما هي الحال الآن؛ غير أنه كان في القاهرة عينها عدد يعتد به من الكتاتيب المخصص لها أوقاف خيرية لتعليم الأولاد مبادئ القراءة والكتابة، والقرآن الكريم.

فلما بدأ حكم (محمد علي) يستقر في القطر، نجم — عن القليل من النظام والأمن اللذين أدخلهما على الحياة القومية، وعن إعفاء طلاب العلم من الخدمة العسكرية — رقي محسوس لعدد المتعلمين في الأزهر والبيئات العلمية الأخرى، ولكنه لم ينجم عنها رقي في طرق التعليم إلا بعدما عنَّ لمحمد علي باشا فتح ميدان جديد للعلم وإدخال الأمة فيه قسرًا.

وتفضيل ذلك أن هذا الأمير، بعد أن قتل المماليك في مجزرة القلعة الشهيرة، امتلك الصبيان والشبان من مماليكهم، فأدخل هؤلاء في حرسه، وجميع الآخرين في مدرسة بالقلعة ليتعلموا فيها القرآن، والكتابة، واللغة التركية، وضروب العسكرية العملية، وفن الفروسية بفروعه: مقتديًّا في ذلك بالسلاطين المماليك البرچيين وبعض كبار الأمراء المماليك أنفسهم الذين استأصل شأفتهم من الأرض المصرية.

ولما فكر في سنة ١٨١٦ في تشكيل جيش على النظام الغربي، ولم يفلح في بادئ الأمر بسبب الثورة التي قام بها الجنود غير النظاميين حوله، أرسل أكبر الشبان من مماليكه القائمين بالقلعة إلى مصر العليا، ليكون منهم مدرسة عسكرية تحت إدارة معلمين غربيين، ثم لكي يملأ الفراغ الذي قد يحدثه في هذه المدرسة، إنشاء الأورط، أسس بمصر، في القصر العيني، مدرسة أخرى تحضيرية للدخول في المدرسة الأولى؛ وذلك حوالي سنة ١٨٢٥ ووضع فيها ٥٠٠ ولد من الشراكسة، والكرج، والأتراك، والأكراد، والأرناؤط، والأرمن، واليونان — ليس فيهم مصري واحد — ليتعلموا القرآن، والكتابة، والقواعد اللغوية، والآداب التركية، والفارسية، ومبادئ اللغة العربية، والحساب والهندسة، والجبر، والرسم، واللغة التليانية — لأنها كانت لغة معظم معلمي العسكرية الناشئة — وجعل اللغة التركية أساس التعليم كله.

ولكنه، لإدراكه أن تعليم أولئك الشبان لم يتم بالسرعة والمتانة اللتين يريدهما، ولرغبته في سرعة تكوين هيئة أركان حرب مصرية، أرسل، منذ سنة ١٨٢٦، إلى ليڨرنو، وميلانو، وفلورنسا، وروما، بعض المماليك الشبان، ليتعلموا صناعة بناء السفن، والفنون الحربية، والطباعة، والهندسة العسكرية والمدنية، وهلم جرًّا، ثم أرسل، بعد سنتين، طلبة آخرين إلى إنجلترا، ليتعلموا الهندسة المدنية، وهندسة الآلات المائية، والميكانيكا، وفن الملاحة.

ولما كان الباعث له على كل هذا الاهتمام الفرعي اهتمامه الأصلي بتكوين جيش، فكر في إنشاء مدرسة للطب، وفي الواقع أنشأها منذ سنة ١٨٢٥، ولكن الذي يستوقف الانتباه هنا هو أنه عدل، في اختيار الطلبة لها، عن طريقته في اختيار الطلبة لمدرستيه الحربيتين التحضيرية والعسكرية؛ وجعل كل تلامذتها من المصريين، لا سيما من شبان الطلبة الأزهريين.

وفي سنة ١٨٢٦ أرسل إلى فرنسا أول بعثة تلميذية أرسلت إليها؛ وكانت مؤلفة من ٤٠ شابًّا، معظمهم من تلامذة القصر العيني، وبعضهم من طلبة مدرسة الطب وأمرهم بتعلم الفنون العسكرية، والقوانين الإدارية، والهندسة المدنية والحربية، وعلى الإجمال جميع العلوم التي كان الباشا مضطرًّا، من أجلها، إلى استخدام الغربيين، لعدم وجود مصريين خبيرين فيها.

فنجحت تلك البعثة نجاحًا حمل الباشا العظيم في سنة ١٨٣٤، تقريبًا، على إيجاد نيف ومائة طالب في باريس، وعلى إبطال البعثات إلى إيطاليا، وإنجلترا، والبلاد الأخرى.

ولم يقتصر غرض (محمد علي)، من هذه البعثات المتوالية ومن المدارس الأولى التي أنشأها، على محض تعليم بعض الأفراد من المصريين وساكني مصر فقط؛ بل إنه رمى إلى تكوين أساتذة منهم، يتمكن بواسطتهم، بعد نبوغهم، من نشر ظل العلوم الوارف على القطر كله؛ والنهوض به من هاوية الجهل السحيق التي طرحته فيها من حالق حكومة الأتراك العثمانيين والأمراء المماليك.

ولا أدل على ذلك من أنه في سنة ١٨٣٤، لما عاد طلبة البعثة الأولى الأربعون إلى مصر، قابلهم الأمير بنفسه، وسلم إلى كل منهم كتابًا فرنساويًّا في العلم الذي تعلمه، وكلفه بترجمته إلى التركية.

وأمر بهم، بعد خروجهم من حضرته، فأغلقت عليهم أبواب القلعة ثلاثة أشهر بأكملها ليترجموا تلك الكتب؛ ولم يفرج عنهم إلا عند فراغهم من ترجمتها، وبعد أن طبعت تلك الترجمات بالمطبعة الأهلية التي أسسها الباشا ببولاق، وزعت على أساتذة وطلبة المدارس التي كانت الأصول الفرنساوية قد أحضرت لأجلها.

ثم أنشأ حوالي سنة ١٨٣٦ مجلسًا أعلى للمعارف، مؤلفًا من نخبة من أولئك الطلبة وبعض علماء الفرنساويين؛ ووضع على رأس إدارته وزيرًا اسمه مصطفى بك مختار، كان أول وزير معارف عين في مصر على ممر سني تاريخها، وجعل أهم أغراض ذلك المجلس تقديم العدد الكافي من الضباط الأكفاء لجيشه النامي على ممر السنين، والذي لم يعد يمكن ملء الفراغات التي يحدثها الموت في صفوفه بشبيبة جديدة من المماليك الشراكسة، لصعوبة جلبهم من بلادهم؛ ولا بأولاد خدام (محمد علي) الأمناء من الأسيويين والأتراك، لظهور نسل هؤلاء الموظفين في مظاهر أجسام ضعيفة يعوزها الذكاء والصحة، فضلًا عن قلة عدده.

وبما أن كل أعضاء ذلك المجلس الأعلى كانوا قد تربوا بفرنسا تربيتهم كلها، سواء في ذلك الفرنساويون منهم وغير الفرنساويين، فإن نزعاتهم كانت فرنساوية محضة، ولا غرابة في كونهم أدخلوا على القطر طرق التعليم الفرنساوية، وأنهم حاولوا تطبيقها على احتياجاته بقدر ما استطاعوا.

على أن تربيتهم الفرنساوية كانت قد غذتهم بلبان آمال لمستقبل البلاد، لم يكن لهم بد من السعي إلى تحقيقها، ومنها أمل إنشاء دولة عربية جديدة تجاه الدولة التركية المتداعية، المشتبكة مصر في حرب معها، لتحل من العالم الإسلامي محلها.

ولا شك في أن هذا الأمل كان يدور، في ذلك الحين المضطرب، في مخيلة الكثيرين من أبناء البلاد، بل الكثيرين من الأتراك المتمصرين أنفسهم، ولم يكن (محمد علي) يرى مصلحة في اجتثاث جذوره، بالرغم من أن ميوله كانت كلها تركية؛ لأنه كان، هو نفسه، يحلم بدولة عربية تكون أسرته مالكة لها، كما كانت الأسرة العباسية العربية مالكة لدولة أركانها فارسية.

فاستصدر المجلس الأعلى، لذلك إذنًا منه بإدخال العنصر المصري في المدارس بكثرة، بعد أن كان إدخاله فيها قاصرًا، حتى ذلك الحين، على عدد معلوم قليل جدًّا، وفتح، لنيل الغرض المقصود، عدة مدارس ابتدائية وثانوية في القطر عامة، يعلم فيها، في مدة ثماني سنوات، على نسق الليسيهات الفرنساوية، العلوم الآتية وهي: القرآن؛ الكتابة؛ اللغة العربية؛ اللغة التركية؛ اللغة الفرنساوية؛ مبادئ الرياضيات؛ مبادئ التاريخ؛ مبادئ الجغرافيا؛ الرسم.

ونجم عن تغلب العنصر المصري على عدد طلبة هذه المدارس، وعن الرغبة في تحقيق أمنية إنشاء دولة عربية، أن اللغة العربية أصبحت لغة التعليم العام، وأن اللغة التركية لم يعد يُعتنى بها، إلا من حيث هي لغة إضافية فقط، منزلتها من الأهمية تكاد تكون أقل من منزلة اللغة الفرنساوية.

أما المدارس الابتدائية التي أسست، في ذلك العهد، فهي:
  • في الغربية، مدارس: أبيار، والمحلة الكبرى، وزفتى، وشربين، وفوّه، وميت غمر، والجعفرية، ونبروه.

  • وفي المنوفية، مدارس: أشمون جريس، وشبين الكوم، ومنوف.

  • وفي الدقهلية، مدارس: المنصورة، والمنزلة، وصهرجت، وفارسكور، ومحلة دمنة، والعزيزية.

  • وفي الشرقية، مدارس: الزقازيق، وبلبيس، وكفور نجم، وميت العز.

  • وفي القليوبية، مدارس: الخانقاه، وأبي زعبل، وبنها، وقامولا، وقليوب.

  • وفي الجيزة، مدرستا: الجيزة، وحلوان.

  • وفي الفيوم، مدرسة الفيوم.

  • وفي بني سويف، مدرستا: بني سويف، وبوش.

  • وفي المنيا، مدارس: الفشن، والمنيا، وبني مزار.

  • وفي أسيوط، مدارس: أسيوط، وأبي تيج، والساحل، وساقية موسى، وسنبو، ومنفلوط.

  • وفي جرجا، مدارس: جرجا، وسوهاج، وطهطا.

  • وفي قنا، مدرستا: فرشوط، وقنا.

  • وفي إسنا، مدرسة إسنا.

وأنشئت كلها في فبراير سنة ١٨٣٧، ما عدا مدرسة أبي زعبل، فإنها أنشئت في أكتوبر سنة ١٨٣٦، ومدرسة ساقية موسى، فإنها أنشئت في نوفمبر سنة ١٨٣٨.

وكان قد أسس في الصعيد، في شهر مايو سنة ١٨٣٣، مدارس في: أسيوط، وملوي، ومنفلوط، وأبي تيج، والساحل، وإخميم، وجرجا، وسوهاج، وطهطا؛ ولكنها أقفلت كلها في أبريل سنة ١٨٣٥.

وأما المدارس الثانوية والعالية والخصوصية التي أسست في عهد (محمد علي) فهي: مدرسة الخانقاه العليا في سنة ١٨٣٦؛ مدرسة أبي زعبل الإعدادية في أكتوبر سنة ١٨٣٦؛ مدرسة القصر العيني العسكرية في سنة ١٨٢٥؛ مدرسة البيادة بالخانقاه في سبتمبر سنة ١٨٣٢؛ مدرسة البيادة بدمياط في يونيو سنة ١٨٣٤؛ مدرسة البيادة بأبي زعبل في فبراير سنة ١٨٤١؛ مدرسة البيادة بأباض في يوليو سنة ١٨٣٢؛ مدرسة اللغات بالأزبكية في يونيو سنة ١٨٣٦؛ المدرسة البوليتكنيكية ببولاق في مايو سنة ١٨٣٤؛ مدرسة المصانع العسكرية بمصر في يوليو سنة ١٨٣٣؛ المدرسة المعدنية بمصر العتيقة في مايو سنة ١٨٣٤؛ مدرسة المدفعية بطره في يونيو سنة ١٨٣١؛ مدرسة الخيالة بالجيزة في أبريل سنة ١٨٣١؛ مدرسة الصيدلية بالقلعة في نوفمبر سنة ١٨٢٩؛ مدرسة الطب البيطري بأبي زعبل في يونيو سنة ١٨٣١؛ مدرسة الحسابات بالسيدة زينب في فبراير سنة ١٨٣٧؛ مدرسة الطب والتوليد بمصر في فبراير سنة ١٨٣٧؛ مدرسة العمليات (الصنائع والفنون) بمصر في مارس سنة ١٨٣٩؛ مدرسة البحرية بمصر في سبتمبر سنة ١٨٣١؛ مدرسة الموسيقى في الخانقاه بمصر في أغسطس سنة ١٨٢٧؛ مدرسة الطبول والأصوات بمصر في سنة ١٨٢٤؛ مدرسة الطبول بمصر في أغسطس سنة ١٨٢٤؛ مدرسة العزف بالنخيلة في أبريل سنة ١٨٢٩؛ مدرسة الآلاتية بمصر في نوفمبر سنة ١٨٣٤.

غير أن معظم هذه المدارس سواء أكانت ابتدائية أم ثانوية أم عالية لم تعمر طويلًا، وأقفل معظمها، بعد أن وضعت الحرب بين مصر وتركيا أوزارها، فاضطر (محمد علي) إلى القعود عن الفتح والتوسع، وإلى تخفيض عدد جيشه من مائة وخمسين ألف مقاتل إلى ثمانية عشر ألفًا.

والباقي أقفل، إما قبل ذلك العهد، وإما بعده، فمدارس: الرحمانية، والنجيلة، وشبراخيت، وإبيار، والمحلة الكبرى، وزفتى، وطنطا، وفوّه، والجعفرية، ونبروه، وأشمون جريس، وشبين الكوم، والمنصورة، والمنزلة، والعزيزية، وبلبيس، وكفور نجم، وميت العز، وقموله، وقليوب، وبوش، والمنيا، وأسيوط، وأبي تيج، والساحل، وساقية موسى، ومنفلوط، وجرجا، وسوهاج، وطهطا، وقنا، وإسنا، ومدرسة البيادة بدمياط، أقفلت في سنة ١٨٤١؛ ومدارس: دمنهور، ومنوف، وصهرجت، ومحلة دمنة، وبني مزار، أقفلت في سنة ١٨٣٧ عينها؛ ومدارس: شربين، وبنها، والفيوم، والفشن، في سنة ١٨٣٨؛ ومدرسة ميت غمر في سنة ١٨٤٦؛ ومدرسة الخانقاه الابتدائية في سنة ١٨٣٩؛ وكذلك مدارس: سنبو، وإخميم، وفرشوط، وفي هذه السنة أقفلت أيضًا مدرسة الزراعة، وكانت قد تأسست بشبرا في سنة ١٨٣٦؛ وأبطلت في سنة ١٨٣٧، مدرسة القصر العيني العسكرية المؤسسة في سنة ١٨٢٥؛ وفي سنة ١٨٣٤، مدرسة البيادة بالخانقاه المؤسسة في سنة ١٨٣٢؛ وفي سنة ١٨٤٩، مدرسة البيادة بأبي زعبل المؤسسة سنة ١٨٤١؛ وفي سنة ١٨٣٦، المدرسة المعدنية بمصر العتيقة المؤسسة في سنة ١٨٣٤؛ وفي سنة ١٨٣٨، مدرسة الحسابات بالسيدة زينب؛ وفي سنة ١٨٤٩، مدرسة البحرية.

ولما أصبحت اللغة العربية أساس التعليم كله، دعت الحال إلى الاستعانة بالعلماء الأزهريين، ليقوموا بشئون تعليمها في جميع هذه المدارس؛ فجعل معظم الابتدائية منها تحت إدارة نخبة منهم كالشيخ خليل الخوانكي، ناظر مدرسة الرحمانية؛ والشيخ غنيم سالم، ناظر مدرسة شبراخيت؛ والحاج أحمد عصافير، ناظر مدرسة دمنهور؛ والشيخ يوسف البرادعي؛ والشيخ محمد حسن، ناظري مدرسة أبيار؛ والشيخ مصطفى النبراوي؛ والشيخ حسن الطويل؛ والشيخ محمد أبو النجا؛ والشيخ رضوان بالي، نظار مدرسة المحلة الكبرى؛ والشيخ وهبة مصطفى، ناظر مدرسة بندر زفتى؛ والشيخ محمد كفافي، ناظر مدرسة شربين؛ والشيخ سليمان الخطيب، ناظر مدرسة فوه؛ والشيخ عبد الرحمن الغمري، ناظر مدرسة ميت غمر؛ والشيخ أحمد الشيخ، ناظر مدرسة فارسكور؛ والشيخ علي القهتيم؛ والشيخ جوده مصطفى، ناظري مدرسة العزيزية؛ والشيخ محمد عبد الرحمن، ناظر مدرسة الزقازيق؛ وهلم جرًّا.

ومن البديهي أنه لم يكن بد للتعليم الملقن على أيدي مثل هؤلاء الأساتذة من التأثر بقلة معارفهم، وعدم سعة عقولهم، ووقوف حركة التطور في عقلياتهم؛ لأن الأزهر، في ذلك العصر، كان قد بلغ من الاقتصار على العلوم اللغوية والدينية، ما لم يكن معه مندوحة عن الانحطاط في ميادين العلوم العقلية الاجتماعية، وفي ذات القوة المتعقلة، ولو اقتصر التعليم على أولئك الأساتذة، لما استفاد طلاب تلك المدارس، أكثر مما كان يستفيد الطلاب الأزهريون، في سني مجاورتهم الأولى.

ولكنه كان قد وجد في القطر، لحسن طالعه، عنصر آخر لم تغفل وزارة المعارف العمومية الحديثة استخدامه، ذلك العنصر كان مكونًا من الأشخاص الذين تخرجوا من المدارس المؤسسة منذ سنة ١٨١٦، والتي كانت تعلم فيها العلوم الدنيوية، كالتاريخ والرياضيات والجغرافيا والهندسة والرسم إلخ.

هؤلاء الأشخاص، إما لعدم تمكنهم من الدخول في الجيش والإدارات، وإما لإحالتهم على المعاش، أو لأية أسباب أخرى، كانوا قد كونوا هيئة تعليمية في القطر فيها الكفاية لسد احتياجات ذلك الوقت؛ ولو أنهم كانوا بعيدين عن درجة الكفاءة التامة بمراحل.

غير أن طلبة البعثات العلمية إلى الديار الأوروبية أخذوا، مع تمادي الأيام، يعودون إلى القطر وينضمون إلى تلك الهيئة المعلمة، ويساعدون، إما بترجماتهم، وإما بمؤلفاتهم على رفع مستواها وتحسين قيمتها.

والتلامذة لغاية سنة ١٨٣٦، كانوا جميعًا من المماليك القفقاسيين، أو من أولاد موظفي الوالي وضباطه الأجانب، فكانوا يعتبرون كأنهم ملكه الخاص، أو بالحري ملك حكومته، فيربون على نفقته؛ ولما عدل نظام انتقاء الطلبة، وحل أولاد المصريين، في المدارس، محل أولئك الشبان، الأجانب، ربوا، هم أيضًا، على نفقة الحكومة، وبالكيفية والشروط، التي كان أولئك يربون بها.

ولم يكن خلاف ذلك ممكنًا: لأن الكره الذي أبداه الفلاحون المصريون، في أول أمرهم، للتعلم ودخول المدارس، بالرغم من المزايا العديدة المرتبطة بالأمرين والناجمة عنهما، كان كالكره الذي أبدوه للخدمة العسكرية، فاضطر (محمد علي) إلى استعمال الوسائل القهرية معهم لتعليمهم وتربيتهم، كما استعمل الوسائل القهرية لتكوين جيش منهم، فكان أعوانه يهاجمون القرى مهاجمة، وينتزعون الأولاد من أحضان أهاليهم قسرًا، ويوزعونهم على المدارس بحسب سنهم وبنيتهم وقامتهم فعندما تظهر الأيام ميولهم، كانوا ينقلونهم إلى المدارس التي يمكن فيها لتلك الميول أن تسير بهم إلى ذروة النبوغ، وأما من أثبتت الخبرة تجرده من كل ذكاء، كان يعاد إلى فلاحة آبائه.

تلك كانت حال التعليم في أيام (محمد علي)؛ ولم يدخل على نظامها تعديل، إلا ما أشارت به الخبرة، أو جاد به هوى المنوط بهم الأمر، أو أوجبته احتياجات الحكومة.

فلما استلم (إبراهيم باشا) زمام الأحكام، عنَّ له إدخال إصلاحات شتى على تلك الحال؛ ولكن قصر مدة ملكه لم يمكنه من نفاذ شيء مما رغب، وأهم ما وقع في خلده في هذا الموضوع تعديل كيفية تشكيل البعثات العلمية إلى أوروبا، وتغيير شكل إقامتها هناك.

فالمندوبية المشكلة في سنة ١٩٣٦ رأت أن الحكومة عاجزة عن تعليم الناشئة العلوم الوضعية والفنية العليا، لسببين: (الأول) قلة الأساتذة الأكفاء، للقيام بتدريسها؛ و(الثاني) عجز اللغة العربية واللغات الشرقية على العموم، عجزًا مطلقًا عن التعبير عن مضموناتها، لعدم وجود الكلمات الدالة عليها فيها.

فرأت، والحالة هذه، وجوب الاستمرار على إرسال البعثات المدرسية، لكي يستتم التلامذة العلوم، التي لم يكن في استطاعتهم تعلم بعضها، بكيفية كافية، ولا التقرب من غيرها، ما داموا بمصر، وما دام تعلمهم باللغة العربية.

وقد قال المسيو چومار — وهو أول من حبب إلى (محمد علي) البعثات المدرسية إلى الخارج، وأحد الأعاظم الذين ساعدوا على النمو العقلي والعلمي في القطر المصري — «هل يكفي إنشاء مداس فخمة عظيمة على الطراز الأوروبي، برجال يؤتى بهم من ميلانو وباريس ولندره بمصاريف جمة، ثم لا يلبثون أن يعودوا إلى بلادهم حالما يبلغون الغرض الذي رضوا بالمجيء لأجله؟ كلا ثم كلا، وبما أن عدد الذين يختارون الإقامة إلى الأبد في وطن غير وطنهم قليل جدًّا، ولا يزيد على واحد في عشرين ألفًا، فالواجب، إذًا، تعليم الأهالي أنفسهم في أوروبا، بإحدى اللغات الأوروبية، علوم الأوروبيين وفنونهم، فيدخلون بذلك في صميمها، ويتمكنون من أسرارها، وتتجانس عقليتهم بعقلية متعلميها من الغربيين؛ ولو أمكن لمحمد علي أن يرسل إلى أوروبا منذ سنة ١٨١٥ مائة أو مائتين من الطلبة المصريين، لتقدم رقي البلاد وتمدنها عما هو عليه الآن».

ولكن تلك المندوبية رأت أن تعدل الطريقة المتبعة، حتى ذلك الحين، بأن تؤهل، أولًا، في المدارس المصرية، الطلبة الذين تقرر إرسالهم إلى المدارس الأوروبية، كيلا يضيعوا من وقتهم هناك، في تلقن العلوم الممهدة لهم سبيل تلقي العلوم الخاصة، المقصودة بالذات من إرسالهم إلى تلك المدارس.

فلم تعد تبعث إلى أوروبا إلا المتخرّجين من المدارس المصرية الخاصة، بعد تتميمهم علومهم فيها، وتمكنهم من لغة البلد الأجنبي المعدين للذهاب إليه.

ولنيل هذا الغرض، أنشئت مدرسة مصرية بباريس، جعلت إدارتها تحت رئاسة مصري، يقال له: استفان بك، وأسندت وكالتها إلى نائب، اسمه خليل أفندي تشيراكيان؛ وكلف ضباط معينون من لدن وزارة الحربية الفرنساوية بمراقبة سير الدروس فيها؛ وأرسل إليها، في بادئ الأمر، أربعون تلميذًا؛ منهم حليم وحسين ولدا (محمد علي) وأحمد وإسماعيل ولدا (إبراهيم) — وقد سبق لنا ذكر هذا جميعه.

فلما زار (إبراهيم باشا) هذه المدرسة أثناء إحدى سياحاته في أوروبا استوقف انتباهه عدم الضبط المدرسي، وقلة نجاح الطلبة، وفداحة المصاريف التي تستدعيها مدرسة، أصبح كل واحد من تلامذتها (سلطانًا صغيرًا) حسبما قال هو نفسه.

ووجه نوبار باشا — وكان يومئذ كاتب أسراره (سكرتيره) — فكره إلى المضار وفقدان المزايا، الناجمة عن الطريقة المتبعة، سواء أكان من جهة التربية، على الأخص، أم من جهة التعليم على العموم، وقال له: «إن جمع أربعين طالبًا مصريًّا في مدرسة واحدة ليعيشوا دائمًا طبقًا لعاداتهم وطبائعهم وبدون اختلاط، أو باختلاط قليل، مع خلافهم، من غير جنسهم ودينهم؛ أو إبقاءهم في بلادهم وبيئاتهم الأصلية، سيان، فإما الامتناع عن إرسال طلبة بهذا الشكل؛ وإما الاقتصار على إرسال أحداث ما بين الثامنة والتاسعة من عمرهم، وتوزيعهم على المدارس والمآهل (بنسيون) الغربية، بحيث لا يكون أكثر من اثنين في مدرسة واحدة أو مأهل واحد: فيستفيدون في تعلمهم؛ ويستفيدون، على الأخص، في تربيتهم».

فوافق (إبراهيم باشا) على رأي سريره (سكرتيره) وعزم على اتباعه، ولكن الموت حال دون تمكنه من ذلك: فاستمرت الطريقة العقيمة التي ندد بها نوبار متبعة، حتى أقفلت ثورة سنة ١٨٤٨ الباريسية تلك المدرسة المصرية؛ وما فتئت، بعد ذلك، متغلبة على أفكار القائمين بشئون التعليم في هذا القطر، حتى في عهد الاحتلال الإنجليزي، بالرغم من جدب محصولها.

ولم يقطن إلى المزايا الجمة الناجمة عن العمل برأي (إبراهيم باشا) إلا حفيده الكريم عظمة السلطان فؤاد الأول٢ فإنه — حفظه الله — أيام أن كان رئيسًا للجامعة المصرية، أدخل، بجانب نظام بعثاتها العلمية، نظام بعثات أحداث، ناعمي الأظفار، إلى بلاد أوروبية مختلفة، ليعيشوا في بيئات تغاير تمام المغايرة بيئاتهم المصرية: فيكونون نشأة جديدة، وإنسانية مصرية عصرية، متشربتين ومتشبعتين بغير المبادئ، والعادات، العقلية، المدينة مصر لمجموعها بذلها القرني.

ووقع في خلد (إبراهيم باشا)، علاوة على ما ذكر، إلزام جميع الموظفين والضباط المصريين بإرسال أولادهم الصغار إلى المدارس والمآهل الأوروبية، على نفقاتهم الخصوصية، بدلًا من إرسالهم إليها على نفقة الحكومة؛ وذلك لاعتقاده أن الأهالي إنما يهتمون بتربية أولادهم وتعليمهم على نسبة التضحية المادية والأدبية التي يحملون أنفسهم أعباءها في هذا السبيل؛ وأن الاهتمام الذي تكون التضحية العائلية أسه، لا يلبث أن ينتشر بين جميع طبقات الأمة، ويشترك فيه كل أفراد الهيئة الاجتماعية.

ولا يختلف اثنان عاقلان في سداد آراء (إبراهيم باشا) هذه؛ فلا يسع أحدًا إلا التأسف تأسفًا عميقًا على قطع المنون شجرة حياته الكثيرة الثمار قبل نضوج هذه الثمرة عليها أيضًا.

ويزيد لدي التفكير بأن خليفته (عباس باشا الأول) لم يكتف بعدم مجاراته في أفكاره ونياته فحسب؛ بل إنه قلب نظام التعليم والمدارس رأسًا على عقب، بعد امتحان أجراه بأبي زعبل للأساتذة والطلبة معًا، وكانت نتيجته سيئة للغاية؛ لأن الأساتذة — وكان معظمهم من الأزهريين الذين سبق لنا ذكرهم — ظهروا فيه بمظهر الجهلاء النوكى الحمقى فأمر بإقفال عموم المدارس وطرد الطلبة والأساتذة منها؛ ما عدا مدرسة واحدة، أبقاها ودعاها بالمفروزة، للدلالة على أنها المختارة من بين الكل؛ وأعدها لتخريج ضباط للبرية والبحرية ومهندسين عسكريين ومدنيين.

غير أنه عاد إلى فتح مدرسة الطب وتنظيمها على أسس جديدة تؤهلها لتخريج أطباء للجيش، ولما كان شديد الكراهة للعناصر الأجنبية، ولا سيما الغربية منها، وكان لا يرى متى تأتي الساعة التي يمكنه فيها الاستغناء عن غربي متقلد وظيفة في القطر؛ وكان، من جهة أخرى، يكره من صميم فؤاده أن يتخلى الشرق عن عقليته وعاداته وأخلاقه، حتى السقيمة منها، فإنه ارتآى أن يرسل إلى أوروبا، بدلًا من الصبيان، الناعمي الأظفار، والأحداث، الذين رغب عمه (إبراهيم) في إرسالهم إليها، شبانًا في الخامسة والعشرين من عمرهم، على الأقل، أتموا كل دروسهم بمصر؛ وأن يفضل على هؤلاء أيضًا، الشبان الذين يكون قد سبق لهم تدريس في المدارس العليا الملغاة، لكي يتقنوا في ردح يسير العلوم التي يرسلهم لتلقيها، ويعودوا فيحلون محل الغربيين في دوائر التعليم والإدارة عامة.

وكان (سعيد باشا) خليفته، بالرغم من ميله الكثير إلى الغربيين وعقليتهم، قليل الرغبة في تعليم الفتيان من رعيته؛ حتى إنه قال ذات يوم لكونج بك، مربيه السويسري الذي أصبح سريره الخاص، بعدما تولى العرش، وكان يحضه على إعادة فتح المدارس التي أقفلها عباس، سلفه:٣«لِمَ نعلم الشعب؟ لكي يصبح الحكم عليه والتصرف فيه أعسر مما هما عليه؟ دعهم في جهلهم! فالأمة الجاهلة أسلس قيادًا في يدي حاكمها.» فألغى إذًا وزارة المعارف العمومية، كما ألغى معظم الوزارات، وألحق إدارة التعليم بدائرته الخاصة، أو بوزارة الحربية.

ولكنه عاد فأظهر اهتمامًا عظيمًا بمدرسة الطب دون غيرها: فوضع لها نظامًا جديدًا، واحتفل بافتتاحها، على هذا النظام، احتفالًا شائقًا تحت رياسة أدهم باشا وزير الداخلية، وبحضور شيخ الإسلام وعلماء الدين والهيئات الرسمية الغربية في ١٠ سبتمبر سنة ١٨٥٦.

وأظهر أيضًا اهتمامًا يعتد به بالمدارس الأجنبية المؤسسة في البلاد بمعرفة الإرساليات المذهبية، ومما يؤثر عنه أن راهبات الراعي الصالح — وكن قائمات، في مدرستيهما بمصر والإسكندرية، بتربية ستين يتيمة من بنات البلاد، على اختلاف أديانهن، زيادة عن البنات الأخرى، الدافعات قيمة زهيدة، أجرة تعليمهن وتربيتهن — وجدن العبء ثقيلًا عليهن؛ فالتجأن إليه، ورفعن إلى مكارمه عرضًا، طلبن به منحهن إردب بر، سنويًّا، عن كل واحدة من تلك اليتيمات؛ فأجاب طلبهن في الحال، وجاد عليهن بما التمسن، وأن راهبات المحبة بالإسكندرية — وكن قد فتحن صيدلية لتوزيع الأدوية مجانًا على المرضى، على اختلاف مذاهبهم وأديانهم، شأنهن اليوم — وجدن أنهن في احتياج إلى مبلغ خمسة آلاف فرنك، سنويًّا، ليتمكن من الاستمرار على عملهن البار؛ فالتمسنه من مكارم (سعيد)؛ ففاضت عليهن به، ولو التمسن خمسمائة ألف فرنك، لما تأخر عنهن.

ووهب (سعيد) أيضًا بناية بمصر للإرسالية الأميركية في سنة ١٨٥٥ — وهي سنة قدومها إلى الديار المصرية؛ ثم ساعد على توطيد أقدامها في القطر ونشر لواء معارفها فيه، وجاد، كذلك، على أول مدرسة إيطالية حكومية تأسست في القطر، في عهده، بمبلغ ألفين وأربعمائة جنيه، ووهبها ثمانية آلاف ذراع في نقطة من أحسن جهات الإسكندرية.

وبما أنه كان مغرمًا بالجيش والفنون الحربية، لم يكن يسعه أن يهمل التعليم العسكري في جملة ما أهمله من أنواع التعليم المصري. لذلك رتب ونظم بكيفية نهائية مدرسة القلعة الإعدادية في أغسطس سنة ١٨٥٦؛ ووضع، على رأسها، الشيخ العالم الفاضل رفاعه بك رافع، الذي لا يختلف في جدارته وسعة معارفه اثنان؛ واعتمد برنامج سيرها ودروسها المشتمل على ١٧ مادة، أهمها:
  • (١)

    أن عدد الطلبة مائتان.

  • (٢)

    أنهم يقبلون فيها من سن ١٢ إلى سن ١٨، مشترطًا أن يحسنوا القراءة والكتابة، لكي يتمكنوا من اتباع سير الدروس منذ السنة الأولى، ويكون لهم الخيار، فيما بعد بانتخاب المضمار الذي يريدون أن يجروا شوط حياتهم فيه — ولو أن تربيتهم عسكرية محضة — فيدرسون العلوم التي تؤهلهم لأن يكونوا مهندسين أو أطباء أو ضباطًا إلخ.

  • (٣)

    أنهم يتعلمون كلهم العربية بأفرعها بلا استثناء؛ ويتعلم التركية والفارسية من يرغب منهم؛ ويتعلم كلهم لغة، على اختيار كل منهم، من اللغات الأجنبية الآتية، وهي: الإنجليزية، والألمانية، والفرنساوية؛ كما أنهم يتعلمون الخط، والحساب، والهندسة، والجبر لغاية معادلة الدرجة الثانية، وحساب المثلثات المستقيمة الخطوط، والرسم الخطي، والتصميمات العسكرية، والجغرافيا العامة، والتاريخ، والتمارين، والحركات الحربية، وفن التحصين — كل ذلك في ظرف خمس سنوات أو أربع، حسبما يرى الأساتذة المدرسون

  • (٤)

    أن يُعطى كل طالب مائة قرش صاغ شهريًّا، زيادة على غذائه وملبسه وسكناه وتعليمه والأدوات التي تلزمه.

وفيما عدا ذلك؛ فإن حالة التعليم، على العموم، ساءت في أيام (سعيد) عما كانت عليه في أيام (عباس)، وآلت إلى البوار، فبينما كان عدد الطلبة، المتعلمين على نفقة الحكومة في أيام (محمد علي) الزاهرة، نيفا وعشرين ألفًا، ونزل عند موت الباشا العظيم إلى أحد عشر ألفًا، فإنه استمر يتناقص ويقل، حتى لم يعد في أواخر حكم (سعيد)، إلا بضع مئات؛ وتضاءلت ميزانية التعليم حتى انحطت في سنة ١٨٦٢ إلى ستة آلاف جنيه فقط سنويًّا!

فحق والحالة هذه ليعقوب أرتين باشا أن يقول: «إنه يمكن اعتبار المدة ما بين سنة ١٨٤٨ وسنة ١٨٦٣، فيما يختص بالتعليم العام والمعارف العمومية، كأنها معدومة.»٤ وحق لماك كون أن يقول: «إن ميدان العمل في هذه الوجهة، كان مفتوحًا وخاليًا على سعته، أمام (إسماعيل باشا) عندما تبوأ عرش أبيه وجده».٥

فدأب يعمل فيه، ويعمل، لا لمجرد إنشاء جيش قوي يركن إليه في الملمات، بل لمصلحة الأهالي وترقية مستوى البلاد العقلي، حتى حركت همته الشماء الهمم، وحق للتاريخ أن يدعو عهده «عهد إحياء العلوم والمعارف بمصر»، فبينما الليل مخيم دامس، إذا بنور سطع وبدد غياهب الجهل.

وتنقسم حركة التعليم في عهده إلى خمسة أقسام:
  • الأول: ما كان منها في المدارس التي أنشأتها الحكومة، وقامت بالإنفاق عليها.
  • الثاني: ما كان منها في مدارس المساجد والأوقاف والكتاتيب القديمة.
  • الثالث: ما كان منها في مدارس أفراد من الهيئة الاجتماعية الإسلامية.
  • الرابع: ما كان منها في مدارس الطوائف الشرقية غير المسلمة.
  • الخامس: ما كان منها في مدارس الجاليات الأجنبية.

على أن عناية المليك، الساهر على الرقي العام، أشرفت عليها من عل وأظلتها كلها بظل وارف.

(١) المدارس التي أنشأتها الحكومة

لما تبوأ (إسماعيل) سدته لم يكن في القطر من مدارس سوى مدرسة ابتدائية، ومدرسة تجهيزية، والمدرسة الحربية في القلعة، ومدرسة الطب والصيدلة والولادة التي أنشأها كلوت بك — وكلها بالعاصمة — ومدرسة بحرية بالإسكندرية؛ وكانت جميعها في حالة سيئة من حيث كيانها ونظامها والتعليم والتربية فيها.

فعهد (إسماعيل) بأمر إصلاحها إلى أدهم باشا — وهو ثاني من تولى وزارة المعارف بالقطر المصري في عهد (محمد علي) الكبير، واستمر على دفتها، بعد وفاة مصطفى بك مختار، أول وزير لها، عشر سنوات؛ أي: من سنة ١٨٣٩ إلى سنة ١٨٤٩ — وأقبل ينشئ خلافها بهمته العالية، فتأسست في سنة ١٨٦٤ مدرسة رأس التين، بجوار السراي الخديوية بالإسكندرية؛ ومدرسة الناصرية بمصر، في الشارع الموصل من عابدين إلى مسجد السيدة زينب، مكان القصرين اللذين كانا للأميرين المملوكين حسن كاشف وقاسم بك، في أيام الحملة الفرنساوية، وخصصا بالجمعية العلمية المعروفة باسم «الانستتنيوت» حيث كان يجتمع بونابرت وكليبر وفوربي ومونج والتسعون عالمًا الآخرون، الذين رافقوا تلك الحملة، وأنشأوا مجموعة الكتب العلمية الخصيصة بمصر، التي كانت من أكبر أسباب إعادة الحياة إليها.

وظهرت المدرستان المذكورتان بمظهر جديد لم يعهده معهد علمي مطلقًا من المعاهد السابقة وتجلتا — الأولى تحت إدارة ناظرها أحمد بك فتحي، والثانية تحت إدارة ناظرها برعي أفندي — عنوان النظافة التامة والنظام الكامل، وعلمت فيهما العربية، والفرنساوية، والإنجليزية، والألمانية، والجغرافيا، والرسم الخطي، والحساب العادي، والحساب العالي، والقرآن لغاية الفرقة الرابعة، والتركية بدله من الفرقة الرابعة فما فوق.

وانتظم الطلبة في سلكيهما، قسمين: داخلية وخارجية. على أنهم كانوا يتغدون جميعًا في غرفتي طعام عظيمتين، عدا أبناء البيكوات والباشاوات في مدرسة الناصرية فإنهم كانوا يأكلون على حدة.

وفي سنة ١٨٦٥ تأسست ببنها، في سراي (عباس الأول)، مدرسة عظيمة حوت ثلاثمائة طالب يعلمهم أحد عشر أستاذًا؛ ومدرسة أخرى ببني سويف؛ وغيرها بالمنيا، وسادسة بأسيوط، وحوت كلها نيفًا وستمائة وواحد وثلاثين طالبًا، منهم ٥٠٢ داخلية.

وبسبب الاتساع الرائع، الذي اتخذته الصناعة المصرية على أثر ارتفاع الأسعار القطنية الناجم عن الحرب الأهلية الأمريكية، قرر (إسماعيل) في سنة ١٨٦٥ عينها إنشاء مدرسة للفنون والصنائع، فوضع نوبار باشا نظامها بمساعدة فني فرنساوي، يقال له: المسيو مونييه: ولكن الكوليرا أوقف نموّها وحال دون انتظامها، ثم شغلت الأفكار عنها بالمشاغل السياسية التي أفعمت بها سنة ١٨٦٦ بيد أنه ما وافت السنة التالية إلا وعاد شريف باشا — وكان ناظرًا للمعارف — إلى موضوعها، ووفاه حقه.

ففتحت المدرسة أبوابها في سنة ١٨٦٧ تحت إدارة فرنساوي خبير يقال له: المسيو إلواجي جون؛ ودرس فيها أحد عشر أستاذًا وعريفًا؛ وجعلت مدة التعليم فيها ثلاث سنوات، أولًا، ثم خمسًا، وشمل البرنامج: الرياضة، والكيمياء، والرسم، والتوپوغرافيا، والفرنساوي، والإنجليزي، والهندسة، وكل صنعة وحرفة.

ولما كانت الألفاظ الفرنجية الإصلاحية، الخاصة بالفنون والصنائع، غير متداولة على الألسن إلا قليلًا، ولا يعرف إلا القليلون جدًّا مقابلاتها العربية، ألف المدير، الواجي جون المذكور، قاموسًا فرنساويًّا إنجليزيًّا عربيًّا لها، يجدر بمكتبة كل ذي فن وصناعة الازديان به.

وفي سنة ١٨٧٦ أنشئت ثلاث مدارس صناعية غيرها، ليحول إليها التلامذة البلداء في المدارس الابتدائية، بدلًا من تحويلهم إلى المدارس الحربية، فيتعلمون فيها، مدة خمس سنوات، صنائع يتعيشون منها في مستقبل حياتهم، وكانت تباع المصنوعات، التي يصنعونها في مدة دراستهم، ويحفظ ثمنها على ذمتهم، ثم يُشترى بها أدوات صناعية، وآلات لكل منهم تصرف إليه حين مغادرته المدرسة، ليدخل ميدان الحياة وهو متسلح بها.

وأنشئت في هذه المدة عينها، في العباسية، مدرسة أولية، ومدرسة إعدادية، خلاف جملة مدارس عسكرية وحربية سيأتي الكلام عليها في غير هذا المكان، وتلا ذلك إنشاء مدرسة هندسية ملكية كبرى، عرفت باسم «المدرسة البوليتكنيك» وأحضرت إليها الأساتذة من فرنسا ومن ضمنهم المسيو چليون دانجلار، صاحب الرسالات الممتعة عن مصر ما بين سنة ١٨٦٥ وسنة ١٨٧٥ وعهد بمساعدتهم إلى أساتذة مصريين، من الذين تعلموا بفرنسا على نفقة الحكومة.

وكانت المجانية أساس التعليم، في هذه المدارس كافة، وتشمل الكسوة والطعام أيضًا.

غير أن هذا جميعه لم يكن سوى باكورة العمل، فسرعان ما أدرك الخديوي أن إنشاء بضع مدارس، مستقلة الواحدة عن الأخرى، قليلًا أو كثيرًا، ومشتغلة كل منها على حدة، بدون ارتباط بغيرها، وببرنامج خصيص بها، لا يؤدِّي إلى ما يرمي إليه من تعميم التعليم ونشره بين أفراد أمته، فكلف لجنة تحت إدارة علي باشا مبارك ناظر المعارف والأشغال العمومية، منذ ١٥ أبريل سنة ١٨٦٨ بوضع قانون أساسي للتعليم العام، تكون المدارس، بموجبه، كلًّا منظمًا ذا أجزاء مندمج بعضها في بعض.

فاشتغلت تلك اللجنة بهمة وعزيمة صادقة، وأخرجت، إلى حيز الوجود، اللائحة المعروفة باسم «لائحة ١٠ رجب سنة ١٢٨٤» وهي لائحة ذات أربعين بندًا مبنية على مبدأين أساسيين، هما: تضامن جميع المدارس في نظامها وتعليمها؛ ومساواة المعاهد التي من درجة واحدة مساواة تامة في جميع الأمور.

فقسمت المدارس إلى ثلاثة أقسام: ابتدائية — وهي الكتاتيب ومدارس المديريات — وثانوية، وعالية؛ خلاف المدارس الخاصة.

أما الكتاتيب — وقد كانت نيفًا وخمسة آلاف، وبقيت لسنة ١٨٧٤ مستقلة عن الحكومة، بطلابها الزائد عددهم على المائة والعشرين ألفًا، وفقهائها الذين كان معظمهم من العميان — فإن اللائحة لم تدخل، على المنتشرة منها في القرى، تعديلات محسوسة، غير إلزامها بتعليم الحساب، ولكنها شدَّدت على ذات المركز المهم منها، برفع مستوى التلامذة العقلي، لكي تؤهلهم للدخول في مدارس أعلى منها درجة؛ كما أنها شدَّدت عليها بالصيرورة إلى مدارس ابتدائية حقيقية؛ وذلك بما وضعت من تعليمات وإرشادات للفقهاء فيها، وبما قرَّرته لها من كتب، وأدوات مدرسية، وإدخال تعليم لغة أجنبية ومبادئ الجغرافيا والتاريخ على برنامجها.

وأما مدارس المديريات — وهي مدارس ابتدائية حقة — فإن اللائحة المذكورة قرَّرت تعميم إنشائها في بنادر المديريات كافة، على نظام مثيلاتها في أوروبا؛ وجعلت برنامج التعليم فيها كالآتي؛ القرآن، العربي، الفرنساوي أو الإنجليزي، الحساب، التاريخ، الهندسة، الرسم؛ وجعلت الأصل فيه المجانية المطلقة، سواء في ذلك الطلبة الداخلية والطلبة الخارجية.

وأما المدارس الثانوية، فتقرر أن تكون سبعًا: ثلاثًا في مديريات الوجه البحري، وأربعًا في مديريات الوجه القبلي؛ وأن تكون المجانية المطلقة الأصل في التعليم فيها أيضًا.

وأما المدارس العالية، فجعلت تسعًا: ثمان منها في مصر، وواحدة بالإسكندرية، وكانت أهمها كلها مدرسة الپوليتكنيك ومدرسة الطب.

أما الپوليتكنيك — وكان يقال لها أيضًا مدرسة المهندسخانة — فقد أنشئت أولًا في العباسية، ثم نقلت إلى درب الجماميز، في سراي الأمير مصطفى فاضل، أخي الخديو، حيث كان مقر وزارة المعارف؛ وكان تلامذتها الستون كلهم داخلية، ويتعلمون، في ست سنوات: الرياضة العليا، والكيميا، والطبيعة، والچيولوجيا، والميكانيكية، والعربي، والفرنساوي أو الإنجليزي، والجغرافيا، والتاريخ، والرسم، وكان النابغون في الرسم كثيرين، ولا غرابة: فمصري اليوم إنما هو حفيد مصري العهد الفرعوني.

ولما كانت تلك السراي واسعة جدًّا، فقد نقلت إليها مدرسة الإدارة، وعدد طلبتها خمسون، ومدرسة المحاسبة والمساحة، ومدرسة اللغات، والمدرسة التجهيزية وطلبتها خمسمائة وخمسون، معظمهم خارجية.

ووجد، مع ذلك، متسع لمسرح فسيح، كانت تقام فيه الامتحانات العامة السنوية العلنية؛ ولمكتبة نفيسة، أنشأها في سنة ١٨٧١ علي باشا مبارك، ورتبها في ست حجر؛ وكانت فيها طائفة من كتب مكتوبة بخط اليد في لغات متعددة لا سيما العربية؛ وأهمها نسخ قرآنية وجدت على قبور مؤسسي المساجد من سلاطين مصر السالفين، وكانت ذات أهمية تاريخية عظيمة؛ لأن الواحدة منها كتبت ووضعت على قبر مؤسس المسجد في بحر السنة التالية لموته؛ فكانت تدل على تطور الخط العربي، على ممر الأيام؛ وتساعد على تحقيق عصر بناء تلك المساجد، والتثبت من مواقيت التاريخ العربي.

وأنشئ، في تلك السراي، أيضًا في ١٢ يوليو سنة ١٨٧١ معمل طبيعيات، تام الأدوات، يضاهي أكبر المعامل الأوروبية التي من نوعه.

وإنما ذكرنا المعمل والمكتبة والمسرح، عند كلامنا على مدرسة الپوليتكنيك، لاقترانها بها في فكر عموم مصريي ذلك العهد، بسبب وجودها معًا في محل واحد.

وأما مدرسة الطب — وقد قلنا كيف تأسست وألغيت ثم أعيدت إلى الوجود — فلم يكن لها من مثيلة في الشرق كله؛ وكانت تنقسم إلى قسمين: قسم الطب والجراحة، وقسم الصيدلة، ومدة التدريس في كل منهما خمس سنوات: منها سنتان لإعادة العلوم الأدبية، المعلمة في المدارس الثانوية وإتمامها؛ والثلاث السنوات الباقية، للطب والصيدلة، وكان عدد طلبتها، في سنة ١٨٧٦ مائة وخمسون وتسعين طالبًا، كلهم داخلية ما عدا عشرين، وبما أن تعليم التلامذة الداخلية، وطعامهم، ولبسهم، ومقامهم، كتعليم الخارجية، كان مجانًا، فإن تخريج الطبيب الواحد كان يكلف الحكومة ثلاثة عشر ألف فرنك، وتخريج الصيدلي الواحد أربعة عشر ألف وخمسمائة فرنك؛ ولذا فإن الداخلية كانوا يلزمون بالاستخدام في الحكومة، بعد نيلهم دبلوم الطب أو الصيدلة، وأما الخارجية فكانوا أحرارًا.

وكان معظم الأساتذة، في القسمين، من المصريين الذين تعلموا بأوروبا؛ فلم تكن مرتباتهم، والحالة هذه، ضخمة كما لو كانوا يحضرون خصيصًا، من أوروبا.

وكان، في المدرسة، مستشفى مدني وعسكري على أحسن شكل؛ ومعمل كيماوي خاص بقسم الصيدلة تحت إدارة جستنيل بك، ليس له مثيل؛ وبستان نباتي؛ ومكتبة شاملة؛ ومجموعات تجهيزات تشريحية؛ ومجموعات تاريخ طبيعي؛ وكلها مختارة اختيارًا حكيمًا.

ثم استدعى (إسماعيل) من سويسرا أستاذًا خصيصًا في التعليم وحركته، يقال له: المسيو دور؛ وبعد أن أنعم عليه برتبة البكوية، عينه مفتشًا عامًّا للمعارف، وكلفه بتنظيمها، وتوسيع نطاقها على النمط الفرنجي؛ ورتب مجلسًا أعلى للإشراف على شئون المدارس؛ وخص وزارة المعارف بميزانية سنوية، تراوحت بين سبعين وثمانين ألف جنيه، ولما اضطره، فيما بعد، انفاقه على المنافع العمومية الأخرى، والشئون السياسية المختلفة، إلى الاقتصاد من ذلك المبلغ قليلًا، وهب تلك الميزانية إيراد تفتيش الوادي — بعد أن استرده من شركة قنال السويس، مقابل مبلغ عشرة ملايين من الفرنكات — وكان مجموع ذلك الإيراد ستمائة ألف فرنك سنويًّا. على أن مصروفات إدارة التفتيش كانت تستغرق جزءًا كبيرًا من هذا المبلغ؛ فأخذها (إسماعيل) على عاتقه الشخصي، وقرر ستمائة ألف فرنك سنويًّا للمعارف بكيفية ثابتة.

فقام دور بك بمهمته، بعزم صادق وهمة عالية؛ وبعد أن درس موضوعها درسًا عميقًا، وأجرى بعض تعديلات في المدارس الموجودة — كتحويله مدرسة الإدارة إلى مدرسة حقوق، (شرع ناظرها المسيو ڨيدال يعلم القانون الروماني والقانون الفرنساوي فيها؛ ويقارن بينهما وبين باقي الشرائع، توطئة وتمهيدًا لتخريج رجال حقوقيين تكون فيهم الكفاءة للجلوس على منصات القضاء المختلط الذي كانت المخابرات دائرة في أمر إنشائه مع الدول صاحبات الامتيازات)؛ وكجعله مدرسة اللغات معهدًا لتخريج مترجمين ومنشئين، يشتغلون في الإدارات، أو في إخراج ما يلزم من الكتب للمعاهد العلمية؛ وكإضافة قسم طب بيطري إلى مدرسة الطب انتظم في سلكه خمسون طالبًا؛ وإنشاء قسم فلكي في سراي الأمير مصطفى فاضل السابق ذكرها — ووضع، للمدارس عامة، المناهج الوافية، الكافلة بلوغ الأماني ونيل المنى، فيما لو نفذت برمتها.

ولكن تنفيذها التام كان متعسرًا؛ وجل مجهودات الخديو ووزراء معارف أمته ومساعديه كان ضائعًا في مجموعه لسببين: (الأول) قلة المال، بالرغم من تعاقب النفحات الخديوية؛ و(الثاني) قلة الرجال، بالرغم من استحضار الأساتذة من أوروبا، وحف إرسالية الطلبة المصريين فيها بكل صنوف العناية.

أما قلة المال، فلأن الحركة التمدينية التي قام بها (إسماعيل)، تناولت كل مظاهر الحياة القومية، والحياة الاجتماعية، ومكنوناتهما؛ واستنفدت معظم إيرادات البلاد وإيراداته الشخصية، وما لم تستنفده تلك الحركة، ابتلعته المساعي إلى الاستقلال وإلى إحلال الدولة المصرية من مصاف الدول العظمى في المحل اللائق بماضيها الفرعوني وحاضرها العلوي، كما سنرى في البابين التاليين: فلم يعد في حيز الإمكان الإنفاق على التعليم، أكثر مما كان ينفق عليه، بالرغم من شدة الرغبة في توسيع دائرة الإنفاق.

على أنه لا يجب أن يستنتج من ذلك فكرة تحط من قدر المجهود المبذول في هذا السبيل: فإنه بينما كانت ميزانية التعليم بمصر تتراوح بين السبعين والثمانين ألف جنيه سنويًّا، ولا تقل عن الستين ألفًا حتى في أسوأ سني العسر المالي — وذلك غير المنفق على المدارس الحربية والبحرية التابعة لميزانيتي وزارتي الحربية والبحرية، وغير ما كانت تنفقه إدارة الأوقاف على عموم مدارس المساجد والكتاتيب — لم تكن ميزانيته في تركيا تزيد أبدًا على الخمسين ألفًا حتى في أجود سني الرخاء — وذلك بالرغم من أن سكان تركيا كانوا سبعة أضعاف سكان مصر؛ وبالرغم من أنه لم تقم في تركيا حركة تمدينية البتة كالحركة التي أثارها (إسماعيل) بمصر؛ ولا ألزمها مركزها السياسي بنفقات في غير أبواب الإدارة الداخلية، كما ألزم مركز مصر السياسي الحكومة المصرية بها.

على أن مبدأ المجانية المطلقة في المدارس المصرية — وقد كان مبدأ معدومًا كلية في تركيا — هو الذي كان يجعل المبلغ المخصص لميزانية التعليم غير وافٍ بالمراد ولا مساعدًا على القيام بالمقصود، وذلك لأن مصاريف طعام التلامذة وكسوتهم ومسكنهم، ناهيك بما كان يتقاضاه بعضهم من المرتبات الشهرية، على زهادتها، كانت تبتلع ثلاثة أرباع الميزانية، ولم تكن مرتبات المعلمين تستنفد أكثر من الربع الباقي؛ وكانت، لهذا السبب، زهيدة حتمًا، وغير مشجعة على العمل، فمرتبات معلمي المدارس الثانوية، مثلًا، كانت تتراوح بين مائتي قرش وسبعمائة وخمسين قرشًا شهريًّا!

ونجم عن جعل المجانية أساسًا للتعليم ضرران عظيمان: (الأول) اضطرار الحكومة، مع تقدم الأيام وتغير عقلية الأمة فيما يختص بإرسال أولادها إلى المدارس، إلى حصر عدد التلاميذ، الممكن قبولهم في المدارس الأميرية، ضمن دائرة محددة؛ وحرمان الكثيرين من الراغبين في التعلم من ثمرات العلم الشهية؛ لأنه لما كانت نفقات التلميذ الواحد يكلف الحكومة ستة وعشرين جنيهًا سنويًّا، بين تعليم وأدوات تعليم ولبس وأكل ونوم، لم يعد في الاستطاعة إجابة طلبات جميع الراغبين في الالتحاق بالمدارس بل ولا جلها؛ وبات من المحتم الاقتصار على محلات معدودة في كل مدرسة بالرغم من أن الدفعة القوية التي صدرت عن (إسماعيل) للشئون العلمية، أدت، في ظرف عشر سنوات، إلى إنشاء المدارس الأولية على النظام الأوروبي في المديريات، وإلى تشجيع التعليم الابتدائي في الكتاتيب ومدارس المساجد وغيرها، مما سيأتي بيانه.

وإلى مثل هذه النتيجة، وهي الاقتصار على محلات معدودة في المدارس وحرمان الكثيرين من الراغبين في التعلم من ثمرة العلم الشهية، وصلت حكومتنا اليوم، بسبب مغالاتها في الإنفاق على تشييد معاهد التعليم، وإفراطها في المرتبات الضخمة الممنوحة للأساتذة الأجانب.

والضرر الثاني فقدان الطلبة حرية اختيار المدرسة الثانوية أو العليا، التي يميلون إليها ميلًا طبيعيًّا، بعد فراغهم من تلقي دورسهم الابتدائية؛ لأن الحكومة المتولية الإنفاق عليهم، كانت ترى نفسها أحق منهم بذلك الاختيار: فتتصرف فيهم كما تشاء، تصرفًا كثيرًا ما كان غير الحكمة رائده؛ لأن الصدف والظروف تجعله في يد وزير ربما تعوزه الحكمة.

مثال ذلك ما حدث حينما خلف قاسم باشا في ديسمبر سنة ١٨٧٢ شاهين باشا على دست وزارة الحربية، فإنه رأى في ١١ فبراير من السنة التالية أن يعزز هيئة الضباط، ويضاعف عدد تلامذة المدارس العسكرية؛ فطلب إلى بهجت باشا وزير المعارف أن يسمح له بأن يختار من مدارس الحكومة المدنية، الشبان الذين يحتاج إليهم؛ ولم يسع بهجت باشا إلا موافقته، لئلا يُرمى بأنه يريد إضعاف قوة مصر المدافعة عنها، فاختار قاسم باشا ١٤٤ طالبًا من التحضيرية، و٦٥ من التجهيزية، و٩٦ من المهندسخانة، بحيث لم يعد في الفرقة الأولى منها سوى تلميذين من الثلاثين الذين كانوا فيها.

ولولا تداخل بعض العقلاء، وإلفاتهم نظر الخديو إلى ذلك الخلل — فتلاقاه (إسماعيل) — لنفذ قاسم باشا مرامه وأحل الخراب بجملة بالمعاهد العلمية.٦

ومثال ذلك أيضًا، ما كان يتبع، عادة، في أمر الأذكياء والبلداء من طلبة المدارس الأولية: فإنهم كانوا يرسلون الأذكياء إلى المدارس المدنية العالية، ويرسلون البلداء إلى المدارس الحربية، فيتخرج الأذكياء من مدارسهم المدنية، وأعلى مرتب شهري يمكن أحدهم الطمع فيها، عشرة جنيهات مصرية، بينما البلداء يتخرجون من المدارس العسكرية، ضباطًا؛ أقل مرتب شهري، يربط للواحد منهم، أعلى من أقصى مرتب يطمع فيه الذكي الملكي؛ فتثبط بذلك همة كل ذكي، ويصبح مرتاحًا إلى التظاهر بالبلادة والغباوة، حرصًا على سعادته المستقبلة، وتمثلًا بقول ابن الراوندي:

رزق التيوس يجيئها بسهولة
وذوو الفصاحة رزقهم مسجون
إن كان حرماني لأجل فصاحتي
فامنن عليَّ من التيوس أكون

ومثال ذلك، أخيرًا، ما كان يعمل سنويًّا، في إلحاق الطلبة بهذه المدرسة العالية أو تلك؛ فإنهم كانوا يجمعون المتخرِّجين من المدارس التجهيزية ويقسمونهم إلى عدة مجاميع، يوزعونها بطريقة الاقتراع، على مدرسة الطب، والمدارس المجتمعة في سراي الأمير مصطفى فاضل؛ ثم يعودون فيدخلون مدرسة الطب، بطريق الاقتراع أيضًا، ثلاثة أرباع المجموع الذي يكون قد أصابها، ويدخلون الربع الباقي في مدرسة الصيدلة؛ ثم يعملون العملية عينها فيما يختص بمدرسة المهندسخانة، ومدرسة الحقوق، ومدرسة اللغات، وهلم جرًّا، بدون مبالاة بما ينجم عن ذلك من إجحاف بميول التلامذة، وقهر للكفاءات على الانتشار في ميادين غير التي خُلقت من أجلها.

ودام مبدأ الاقتراع هذا بمضاره معمولًا به حتى سنة ١٨٧٦؛ إذ ألغاه رياض باشا وزير المعارف في ذلك العام، وصاحب الأيادي البيضاء على التعليم الابتدائي، بما بذله من مجهودات في سبيل تحسين حال الكتاتيب، وترقية معلومات الفقهاء.

وهكذا كانت المجانية — التي كثيرًا ما حبذها في الأيام السالفة قصيرو النظر من الأميين وغيرهم، وما زال يحبذها بعض الكُتاب الاجتماعيين لغاية أيامنا هذه — أعظم مانع لانتشار المعارف والتعليم بمصر في ذلك العصر!

ونجم عنها زيادة على ما ذُكر، تغلب النظام العسكري على معظم المدارس، ولا نستطيع أن نجزم أكان تغلبه هذا خيرًا أم شرًّا عليها، لأسباب لا تخفى على القارئ اللبيب: فإن البلاد كانت في حاجة إلى روح الشدة في حفظ النظام، بقدر ما كانت في حاجة إلى انبثاث روح الحرية والاستقلال فيها، ففقدانها الروح الأول كان من شأنه أن يحرمها فائدة التعليم؛ وفقدانها الروح الثاني كان من شأنه أن يديم استكانتها إلى الذل الموروث عن القرون السالفة، وبما أنا لسنا من مذهب القائل بتفضيل الجهل، مع الاستقلال، على العلم، مع عدمه؛ لأننا على ثقة تامة من أن الجهل جار، حتمًا، في نهاية الأمر، إلى الاستعباد والذل، والعلم مفض، حتمًا، في نهاية الأمر أيضًا، إلى الاستقلال والعز، إلا إذا اعترض خور في الأخلاق سبيله؛ فإنا نتردد في إبداء حكم بات في الشأن الذي نحن في صدده.

وأما قلة الرجال فلسببين:
  • الأول: أن الفترة المشئومة ما بين سنة ١٨٤٨ وسنة ١٨٦٣ أنقصت كثيرًا عدد المصريين أولي الكفاءة لمباشرة شئون التعليم، وأضاعت ممن تبقوا، الثقة في أنفسهم والاعتماد عليها، فنجم عن ذلك أن وزارة المعارف كانت في اضطرار دائم إلى استدعاء نظار المدارس للتعاون بهم على الأعمال الإدارية والفنية فتعطلهم عن أشغالهم؛ وأن نظار المدارس باتوا يستشيرون الوزارة في جميع أمورهم حتى التافهة منها — فتتعرقل حركة إدارتهم — ونتيجة الأمرين اختلال النظام في طرق التعليم وفي نفاذها.
  • الثاني: هو أن ازدياد عدد الطلبة، لا سيما الداخلية، ازديادًا مطردًا في السنوات الأولى من حكم (إسماعيل) أدى حتمًا إلى ازدياد الشعور بالحاجة إلى معلمين، وإلى وجود عدم الكفاية منهم، فإن الأهالي، بعد أن كانوا في أيام (محمد علي) وخلفائه الأولين، يمانعون في تعليم أولادهم ممانعتهم في تجنيدهم — لارتباط الأمرين معًا في ذلك العهد — فيضطرون (محمد علي) إلى استعمال القوة والتعسف في أخذهم منهم وإرسالهم، قسرًا، إلى المدارس التي أنشأها، ما لبثوا أن رأوا الفوائد الجمة العائدة على المتعلمين من أبنائهم، ورأوا ولد هذا الفلاح الحقير، وابن ذلك الصانع الوضيع يبلغان، بفضل العلم الذي تلقياه، أعلى مراتب التوظف، ويتحليان برتبة البيكوية بل برتبة الباشوية الرفيعتين؛ ثم رأوا أن التعليم ليس مجانيًّا فقط، بل مكافأ عليه، ومحوطًا بجميع صنوف العناية والهناء، أقبلوا بكل انشراح، يتزاحمون على أبواب المدارس، كل يلتمس لابنه فيها محلًّا، ويرجو له نصيبًا في المستقبل، كنصيب الذين أسعدهم الحظ من أولاد أقرانه، بل من أولاد الأحط منه قدرًا.

فأخذت الحكومة منهم، في الأول، ما كان في استطاعتها أخذه؛ ولكنها ما لبثت أن رأت نفسها أمام المعضلتين، اللتين ذكرناهما: معضلة المال ومعضلة الرجال، إلا واضطرت إلى الوقوف عند حدٍّ معلوم، والبحث عن طرق لحلهما.

أما معضلة المال، فإن الوزير الحكيم علي مبارك باشا رأى أن خير حل لها هو السير على الخطة المتبعة، إذ ذاك، في المدارس الأوروبية؛ أي: إبطال مبدأ المجانية البحتة، وتكليف الأهالي بالإنفاق على تعليم أولادهم، ولو إنفاقًا يسيرًا في بادئ الأمر، فأنشأ مدرستي ماريستان قلاوون والقربية، وفرض فيهما دفع مصاريف شهرية على الراغبين من الأهالي في إلحاق أولادهم بهما، ولما كانت تلك المصاريف زهيدة جدًّا، على كفايتها للإنفاق على الأساتذة القائمين بشئون التدريس في كلتا المدرستين، أقبل التلامذة عليهما إقبالًا عظيمًا، وبلغ عددهم فيهما، في مدة قصيرة مائتين وخمسين طالبًا فباتتا مثالين لجميع المدارس الابتدائية التي أنشئت بعدهما.

وأما معضلة الرجال، فإن دور بك رأى أن حلها لا يكون إلا بإنشاء المعاهد لتخريج مدرِّسين للمدارس الابتدائية والمدارس الثانوية، فأنشأ مدرسة دار العلوم، ثم أنشئت بعدها المدرسة المدعوة بالنورمال: (الأولى) لتخريج أساتذة يقومون بتدريس كل ما كانت اللغة العربية أساسًا لتعليمه؛ و(الثانية) لتعلية مستوى التعليم في المدارس الابتدائية، وتخريج أساتذة يقومون، على الأخص، بتدريس اللغات الأجنبية، والرياضيات والعلوم الأخرى.

ولكنه، لما كان لا بد من الالتجاء إلى الأزهر، لأخذ الطلبة المتقدِّمين فيه إلى مدرسة دار العلوم، وتخريجهم فيها مدَّة سنتين، ليرسلوا بعدها إلى مدارس الريف، ليدرسوا فيها، كان على الأساتذة، المتخرجين من هذه المدرسة، شيء من المسحة الأزهرية، جعلهم لا يرون قاعدة للتعليم خيرًا من التي شبوا عليها في ذلك المعهد الديني العظيم.

ولم يدرك دور بك تمام الغرض الذي رمى إليه من إنشاء دار العلوم، وهو تخريج أساتذة متشبعين بمبادئ التدريس على النمط الأوروبي، وميالين إلى العمل بقواعد الپيداجوجيا الحديثة، ولكن البلاد نالت، من إنشائها، فائدة أعظم من التي رجاها ذلك الأستاذ السويسري؛ لأنها، لما رأت إقبال المتعممين على تلقن علوم كان سواد الأمة الأعظم يعتقدها من بدع الشيطان، لاعتقاده إياها من غرس عالم غير إسلامي، من غرس عالم ما فتئ العالم الإسلامي يظن السوء في نياته نحو الإسلام — وهو الاعتقاد الذي أدى بالأزهر إلى مقاومة (محمد علي) مقاومة شديدة، بالرغم من كونها خفية وصماء، حينما أقبل يأخذ أولاد الفلاحين المصريين، ويزجهم في مدارسه، أو يرسلهم إلى مدارس بلاد الكفار (الفرنج)، مع أنه لم يقاومه مطلقًا، لما كان مقتصرًا في بادئ أمره، على تعليم مماليكه وغيرهم من أولاد الشرقيين الأجانب عن مصر — ورأت أولئك المتعممين يحبذون ما يتلقونه من تلك العلوم، ويعظمون من شأنها، ويبالغون في فوائدها، أخذت تتحول عن اعتقادها أنها علوم من بدع الشيطان، وأخذت الرغبة في تحصيلها تنتشر في المجموع، رويدًا رويدًا، وتعم جميع الطبقات، ومن المعلوم أن رقي البلاد برمته، ماديًّا كان أو أدبيًّا، مربوط، في نهاية الأمر، بتشبع الأمة بمبادئ العلوم الوضعية؛ وعملها على اقتباسها؛ واقتباسها إياها، في الواقع.

ثم أنشئت معاهد، خلاف مدرستي دار العلوم والنورمال، لتثقيف أساتذة للمدارس الابتدائية، غير من ذكروا، ممن كانوا يرغبون في تحسين معارفهم، وترقية درجة معلوماتهم العامة، وجعل التعليم فيها ليس مجانيًّا، فقط، بل ربط جنيه لكل طالب حتى يتبين نجاحه، أو تظهر خيبته.

على أنه لا قلة المال ولا قلة الرجال حالتا دون قيام (إسماعيل) بعمل تعليمي لم يسبقه إليه أحد في الشرق، وكان من أنصع الأدلة على حسن نوايا ذلك الأمير، وبرها برعاياه ذلك العمل هو إنشاؤه في سنتي ١٨٧٥ و١٨٧٧ مدرستين للعميان على الطريقة الغربية المعروفة، وهما مدرستان كان القطر المصري ولا يزال في أشد الاحتياج إليهما وإلى مثيلاتهما، لكثرة عدد العميان فيه، وكثرة فتك الرمد الصديدي بعيون سكانه!

وليس أوقع في النفوس من الوصف الذي يصف به دور بك في كتابه المعنون «التعليم في مصر» الحجرة المخصصة في الأزهر الشريف لتعلم أولئك البؤساء، وقيام معلميهم بأمر تعليمهم بطول أناة وحسن صبر يستمطران المدامع من الأعين!٧

على أن التعليم فيها، إنما كان بتحميل الذاكرة أعباء الحفظ، لا بتعليم اليد القراءة والكتابة لمسًا؛ بخلاف المدرستين اللتين أنشأهما (إسماعيل)، فإنهما كانتا تستخدمان الكتب ذات الأحرف البارزة، الخصيصة بالعميان، لتعليمهم القراءة، والكتابة، والحساب، باللمس، فوق تعليمهم صناعة الحصر، والخراطة، والكراسي، وغيرها، وما لبثتا أن جمعتا عددًا عديدًا من أولئك البؤساء، الذين كانوا لا يفترون لحظة عن الابتهال إلى الله أن يحف من أحسن إليهم صنعًا بجميع صنوف عطاياه ونعمه، وإبقاء حياته وملكه.

وتناول الإصلاح المدرسي ذات المعاهد الدينية، لا سيما الكبرى منها، كالأزهر بمصر والجامع الأحمدي بطنطا، والدسوقي، وجامع إبراهيم باشا بالإسكندرية، فألزم الشيوخ المتخرجون فيها بتأدية امتحانات، لنيل إجازة التعليم، واعتراف الحكومة بهم أنهم معلمون.

وكان عدد المجاورين بالأزهر في سنة ١٨٧٦ أحد عشر ألف طالب وخمسة وتسعين؛ وعدد المجاورين في الجامع الأحمدي ثلاثة آلاف وثمانمائة وسبعة وعشرين؛ وعدد المجاورين في المسجد الدسوقي مثلهم تقريبًا، وأما عدد طالبي العلم في جامع الشيخ إبراهيم باشا، فلم يكن سوى أربعمائة وثلاثة عشر.

(٢) مدارس المساجد والأوقاف والكتاتيب القديمة التابعة للأوقاف

بما أن إدارة هذه المدارس والكتاتيب، طوال مدة حكم (إسماعيل)، تقريبًا، بقيت مسندة إلى أيدي وزراء المعارف، فإن حظ حركة التعليم في المعاهد التابعة لها، والمتولية هي الإنفاق عليها، كان كحظ مدارس الحكومة وكتاتيبها، وأدخلت عليها النظامات والتحسينات التي أدخلت على هذه فلا داعي لزيادة التكلم عنها.

(٣) المدارس التي أسسها أفراد من الهيئة الاجتماعية الإسلامية

إن أهمها ما تجلى في مدرسة راتب باشا بالإسكندرية؛ وفي مدرسة السيوفية للبنات بمصر؛ وفي مدرسة القبة للأولاد.

فراتب باشا، مؤسس رواق الحنفية في الأزهر، أنشأ بالثغر الإسكندري، مدرسته المجانية المشهورة، وحبس عليها أوقافًا، وأجرى أرزاقًا تكفل بقاءها إلى ما شاء الله، فأمها، حين نشأتها، نيف وستون طالبًا؛ ولكن عددهم ما فتئ يتزايد حتى جاوز المائة، وقد كانوا يتعلمون فيها، في مبدأ الأمر — أسوة بالمدرسة المؤسسة من الأوقاف في الثغر عينه، والحاوية مائة طالب — القرآن، والعربية، والتركية، والحساب، ثم تطورت الأيام، فأضيف إلى تعليم ذلك الفرنساوية؛ وما لبثت تقلبات الزمان أن ذهبت بالتركية أدراج الرياح؛ ثم ذهبت بالفرنساوية أيضًا، وأحلت الإنجليزية محلهما معًا.

أما مدرسة السيوفية للبنات، فقد كانت الأولى من نوعها في العالم الإسلامي. أنشأتها الأميرة تشسما آفت خانم أفندي زوجة (إسماعيل) الثالثة، بإيعاز وتشجيع فعلي من بعلها الجليل، على نفقتها الخاصة، وبشجاعة أدبية نادرة؛ لاعتبار العالم الإسلامي عملها هذا بدعة غير ممدوحة.

نعم إنه كان في البلاد مدارس للبنات، أسستها الأخويات والإرساليات المسيحية، والطوائف غير الإسلامية، والجاليات الغربية، كما سيأتي بيان ذلك، وكانت بعض بنات المسلمين تؤمها؛ ولكن الرأي العام الإسلامي لم يكن راضيًّا عنها؛ وكان وجوه القوم وكل من يظن في نفسه أنه ذو حيثية يأنف من إرسال بناته إليها لمخالفة ذلك للعادات المتبعة، مخالفة تنفر الشعور والأوهام المسلم بها بدون مناقشة.

وقد كان ذلك الرأي العام شديد التأثير إلى درجة أن (محمد علي) الكبير — الذي لم يكن لينحني بسهولة أمام ضجته، ولا يهاب سخطه — أبى الموافقة على ما أشار به مجلس معارفه الأعلى، المتشرب بالمبادئ الغربية، والمقتنع بعظم تأثير المرأة المتعلمة في الهيئة الاجتماعية، من وجوب تعليم البنات، وإنشاء مدارس لهن، أسوة بمدارس الصبيان؛ واكتفى بتعليم بنات أسرته وجواريهن على يد المسز ليدر زوجة أحد مبشري الإنجليز، التي أنشأت في سنة ١٨٣٥ أول مدرسة إفرنجية للبنات في القطر المصري؛ بتشجيع من تلميذتها الخانم بنت (محمد علي) الكبرى، زوجة محرم بك أمير الأسطول المصري، ومحافظ ثغر الإسكندرية، المسمى باسمه الحي الكبير المشهور في هذه المدينة.

ولما كان الناس — لا سيما الكبراء — على دين ملوكهم، اقتدى بالعزيز الذوات والوجوه، وبدأت تنتشر في البلاد عادة استخدام السراة معلمات أجنبيات، لتهذيب بناتهم، وتثقيف عقولهن.

غير أن (محمد علي) لم يكن بالرجل الذي يهمل، بتاتًا، أمرًا يعتقده هامًّا ومفيدًا، لمجرد مخالفته للرأي العام؛ وإذا لم يكن يرى صلاحية نفاذه وإجرائه مباشرة، كان ينفذه من وجه غير محسوس.

فلكي يهز جمود الأمة عن تربية بناتها، هزًّا يوقظها من نومها، أتاها من طريق سوي؛ وأنشأ بمساعدة كلوت بك، مدرسة قابلات؛ كانت كل تلميذاتها، في بادئ الأمر، عشر جواري حبشيات من سراي الخاصة، ولما لم يكن الرأي العام يرى في الأمر بأسا بل يرى بالعكس تعليم النساء فن القبالة شيئًا مستحبًّا؛ ورأى القوم، بعد ذلك من عمل تلك الجواري عقب خروجهن من المدرسة، ما نهض بهن إلى مقام محمود وأغنى الأسرات التي طلبت مساعدتهن، عن عمل الجاهلات من القوابل، طفق الفقراء يرسلون بناتهم إلى مدرسة كلوت بك بالقصر العيني، حتى توطدت دعائمها، وباتت مع مضي الزمان، من المنشئات الثابتة، التي لا يخشى انهيارها، وآلت النظارة عليها في أيام (إسماعيل) إلى مدام ڨيال، فغصت مقاعدها بأربع وأربعين طالبة داخلية، وعشر خارجيات؛ والذي كان يلفت منها الأنظار هو أن جميع تلك الصبايا كن يتلقن العلوم، وهن مكشوفات الرءوس، لا طرح عليها، كأنهن غربيات: لا شرقيات، بدون أن ينفر ذلك أحدًا من الزائرين — إلى مثل هذا الحد يتغلب الشعور بالمصلحة على الشعور بالعادات الموروثة!

ولم تكن المتخرجات من تلك المدرسة قوابل فقط، بل كن طبيبات أيضًا، انتشرن بمصر، والإسكندرية، وبرزخ السويس، ودمياط، ورشيد، والمديريات الأربع عشرة، انتشار ملائك الرحمة، يخففن البؤس عن المريضات، ويواسين العليلات، فمهد ذلك السبيل إلى تعليم البنات وكسر من حدة الشعور العام النافر من تعليمهن.

وكان (إسماعيل) الراغب في إطلاق بلاده في مضمار الحضارة الغربية، بهمة تكاد تكون عنفًا، لاعتقاده أن لا سلامة لها إلا بجريها شوطها الطبيعي فيه، يقظًا كل اليقظة للصغيرة قبل الكبيرة من تحركات الرأي العام فيها، فلم يفته الالتفات إلى تزحزحه القليل عن مقره، وعزم حالًّا، على اغتنامها فرصة، لتنفيذ أمنيته في التعليم العام كانت من أعز أماني قلبه، ولعلمه بما انطوت عليه النفوس لا سيما الجاهلة، من إحاطة أجل المشاريع نفعًا بسحابة من ريب وظنون؛ ولرغبته في أن تقوم، مقام تلك السحابة، هالة من الشعر ساطعة السنا، أوعز إلى ثالثة زوجاته، الأميرة تشسما آفت خانم بأن تكون أول مدرسة إسلامية تفتح في القطر المصري لتعليم البنات على الطريقة الغربية شعاعًا من أشعة شمسها.

فاشترت الأميرة سراي قديمة بالسيوفية، وهي حي من أكثر أحياء العاصمة سكانًا وجددت بناءها، فصيرتها مدرسة، وفتحت أبوابها للطالبات في ربيع سنة ١٨٧٣ وهي السنة التي أشرقت على البلاد بأفراح الأعياد التي أقيمت لتزويج الأمراء الثلاثة توفيق وحسين وحسن، أبناء (إسماعيل) الكبار.

ولكنه بالرغم من أن تلك المدرسة جعلت داخلية مجانية، وأن البنات استدعيت إليها من جميع طبقات الأمة، بلا تمييز مذهبي أو اجتماعي، وأن الجميع كانوا يعلمون أنهم يرضون ولي النعم بإرسال بناتهم إليها؛ بالرغم من أن المعيشة فيها جعلت هنيئة، فاخرة، كأن المقيمات فيها بنات أرباب قصور من ذات العيش الرغيد؛ وأن المعلمات الخمس عشرة اللاتي اخترن لها، ومنهن الناظرة واثنتان إفرنجيات، كن من خيرة المدرسات، لم يقع في خلد أحد من الأهالي، في بادئ الأمر أن يبعث بابنته إليها، لشدة تسلط الأوهام الموروثة، المقبولة بلا تمحيص كنهها على العقول.

فلم تجد الأميرة عدد التلميذات اللازم لمدرستها، واضطرت إلى أخذ فتيات الجواري البيض من بيتها وبيوت أميرات الأسرة المالكة وأمرائها، وإدخالهن فيها.

غير أن السحر ما لبث أن زال، والغشاوة التي كانت على العيون ما لبثت أن انقشعت فأدرك القوم حقيقة النعمة التي أُسديت إليهم، على يد أميرتهم الجليلة الفاضلة من لدن خديوهم الحازم البار بمصالحهم العقلية والقلبية؛ وفقهوا إلى لذة الطعام الأدبي الذي مد (إسماعيل) به المائدة أمامهم، فأقبلوا، من كل ملة ونحلة — أولاد عرب، ونوبيون، وأقباط، ويهود، وشرقيون، من كل الطوائف والأجناس — وتزاحموا ببناتهم، وسنهن من سبع إلى اثنتي عشرة سنة، على أبواب مدرسة السيوفية، ليدخلوهن فيها، فامتلأت بالداخليات المحلات المعدة لهن، وعددها مائتان؛ واضطر الإقبال الإدارة إلى إنشاء مائة محل أخرى — ولكن خارجية — لمن لم يمكن قبولهن في مصاف الداخليات.

فأصدر (إسماعيل)، حينذاك، أمره، إلى إدارة الأوقاف، بإنشاء مدرسة أخرى للبنات على نظام مدرسة السيوفية، فصدعت الإدارة به، وأسست في جهة القربية، المدرسة المرغوب فيها، فتقاطرت إليها الطالبات، لا سيما بنات الوجهاء وموظفي الحكومة ومستخدميها، واكتظت بهن المقاعد، وزادت الطالبات، مئات مئات عن المطلوب، فدل الإقبال على المدرستين، دلالة قاطعة، على سرعة تطور المصري إلى مقتضيات العصر، حينما يأتيه الإيعاز من عليّ.

وكان التعليم، في كلتا المدرستين — ومدته خمس سنوات — مثله في مدارس أوروبا التي من نوعهما، أي القراءة العربية، والكتابة، والحساب، والرسم، والجغرافيا، والموسيقى، وأشغال الإبرة، والطبخ، والغسيل، والتدبير المنزلي، زيادة على تعلم التركية والفرنساوية، وتلقين القرآن للمسلمات.

ولكن مصروفات التعليم كانت تفوق مثيلاتها في أوروبا؛ لأن المظاهر، هنا، كانت فخمة، سنية كمظاهر كل ما كان يصدر عن (إسماعيل)؛ وأما هناك، فكانت بسيطة، عادية.

غير أن إقبال بنات الوجهاء والكبراء عليهما، ومزاحمتهن بنات الشعب على مائدتيهما، حملا الخديو على الرغبة في تشييد مدرسة ثالثة، تكون من العظمة والبهاء في أقصى درجتيهما، وتجعل خصيصة بتربية بنات العائلات الرفيعة، والبيوتات السنية، أو المصرية الشريفة، القديمة.

فصدرت إرادته بتشييدها، وبوشر ذلك حالًا، وإنك لترى في خريطة القاهرة، المعمولة بمعرفة جران بك سنة ١٨٧٨، الموقع الذي خصص لإقامة تلك المدرسة عليه.

ولما كانت عزيمة (إسماعيل) قد توطنت على إبطال الرق، نهائيًّا، كما سنبينه في محله، وكان لا بد من خادمات تقمن بخدمة المنازل، بدل الرقيقات المرغوب في عتقهن — ولم يكن من وجود لتلك الخادمات بين أهل البلاد ومنهم، لعدم استدعاء نظامات القطر الاجتماعية السالفة وجودهن — رأى (إسماعيل) أن ينشئ مدرسة، غير ما ذكر، تعلم فيها بنات ريفيات فقيرات شئون الخدمة المنزلية على أنواعها، فأسسها في العاصمة على نفقة الأميرة زوجته الأولى، وتحت رعايتها السامية، ورعاية وزارة المعارف؛ وعهد بالنظارة عليها إلى سيدة أوروبية، وضع تحت إدارتها ثماني معلمات، منهن واحدة إفرنجية، وأدخل فيها ستًّا وسبعين طالبة داخلية، وإحدى وسبعين خارجية، فبرزت إلى الوجود، من أحسن المدارس المصرية وأكثرها فائدة — وليت لها من مثيلة في أيامنا!

ومما يستوقف النظر من أمر هذه المدارس، أنه كان يقام فيها يانصيبات على أشغال التلميذات اليدوية، يخصص صافي المتحصل منها بتكوين مال للطالبات الفقيرات، يصرف لهن عند زواجهن!

ولكن الضائقة المالية ما عتمت أن اشتدت، وازدادت حلقاتها تصلبًا، فصرف البناء الفخم، الذي أنشئ ليكون مدرسة لبنات الوجهاء، عما قصد به منه؛ واضطرت الأميرة تشسما آفت خانم، بل إدارة الأوقاف ذاتها، إلى الاقتصاد في الإنفاق على مدرستيهما، ثم، لما سارت تلك الأميرة السنية إلى المنفى، بصحبة بعلها الجليل، سنة ١٨٧٩ ضمت المدرستان الواحدة إلى الأخرى؛ وبلغ، في السنوات التالية، من تضاؤل الإنفاق عليهما، ما آل بهما، إلى الخروج عن دائرة الغاية التي أنشئتا من أجلها، وصيرورتهما، ملجأ المعوزين، يذهبن إليه ليصبن منه قليلًا من الطعام المادي على سبيل الإحسان، وأما مدرسة تربية الخادمات، فألغيت، كذلك، بعد تنازل (إسماعيل) عن العرش، بالرغم من شدة الاحتياج إليها، إرضاء لتحتيمات أصحاب الديون.

ألا، قاتل الله دائني مصر في ذلك العهد، قدر ما أساءوا إلى البلاد ونهبوا من أموالها، ووقفوا في سبيل خيرها! وأغدق سحائب رضوانه على أرواح (إسماعيل) وأزواجه عداد ما نووا من عمل خيري لبنات مصر وغاداتها في بابي تعليمهن وتربيتهن!

أما مدرسة القبة، وكانت ابتدائية وثانوية معًا، فقد أنشأها الأمير محمد توفيق باشا، ولي العهد، على نفقته الخاصة، وجعلها قسمين: داخلية وخارجية، فبلغ عدد الطلبة الداخلية خمسين، والخارجية أربعين، وامتازت عن سائر المدارس التي من نوعها بالعناية الخاصة التي حاطها الأمير بها، والتي جعلت الطلبة بمأمن من كل عوز.

(٤) المدارس التي أنشأتها الطوائف الشرقية غير المسلمة

إليك بيانها:

مدارس الأقباط الأورثوذكس

دبت في الأقباط الأورثوذكس روح التعلم، بما بذله من مجهودات في هذا السبيل بطريركهم الأنبار كيرلس الرابع المشهور عندهم بلقب «الأنبا كيرلس الأكبر محيي العلوم والمدارس»، فما فتئوا يسلكون الطريق التي اختطها لهم، حتى أصبحت مدارسهم في عهد (إسماعيل): اثنتي عشرة مدرسة بالقاهرة، وواحدة بمصر العتيقة، وواحدة بالجيزة، ومدرستان بالإسكندرية؛ يتعلم الطلبة فيها: القبطية، والعربية، والفرنساوية أو الإنجليزية أو الطليانية، والحساب، ومبادئ الهندسة، والتاريخ، والجغرافيا، وبعض منطق، والأناشيد الكنيسية.

وذلك خلاف مدرسة إكليريكية بالعاصمة، يتعلم فيها اثنا عشر طالبًا من راغبي الكهنوت، اللاهوت، واللغة القبطية، والعربية، والغناء الكنيسي.

وكانت أهم هذه المدارس، ولا تزال، المدرسة الكبرى البطريركية، فقد بلغ عدد الطلبة فيها سنة ١٨٧٦ ثلاثمائة وتسعة وسبعين: منهم ٣٠٢ أقباطًا أرثوذكسيون — ٤٠ منهم داخلية، والباقون خارجيون — و١٦ مسلمًا، ويهودي واحد، وثمانية أرمن، وخمسة يونانيون، وسوري واحد، وكان عدد أساتذتها ثلاثة عشر، لهم ستة مساعدون، وعليهم ناظر، رجل فاضل يقال له: المسيو ادوار زار.

وكانت هذه المدرسة تمتاز عن مثيلاتها بالامتحانات العامة، التي كانت تعملها، سنويًّا، في حفلة فخمة، يرأسها عادة وزير المعارف — وكان في الغالب علي مبارك باشا — ويحضرها شيخ الإسلام ومفتي الديار المصرية وجم غفير من الأكابر والأعيان والسراة ووجوه البلد؛ ولم يكن يشوبها سوى الجزء منها، الذي كان يقوم فيه خمسة من التلامذة، وهم مرتدون ملابس كهنوتية، ببعض شعائر طقسهم الكنسي، فيوجبون فتورًا في نفوس الحاضرين من غير بني مذهبهم، ويذهبون عن الحفلة، بشكلها المدرسي البحت، المرتاحة أفئدة الجميع إليه، ليصبغوها بصبغة دينية لا يرتاح إليها إلا قلوب البعض، وكانت الحفلة في غنى عنها.

وكانت مدرسة حارة السقايين، بتلامذتها البالغ عددهم ١٧٤ — أي ١٧١ قبطيًّا، ومسلمان، وأرمني كاثوليكي — تلي المدرسة البطريركية في الأهمية بمصر.

على أن الذي امتاز به الأقباط دون المسلمين، هو أنهم، قبل إقدام الأميرة تشسما آفت خانم على تأسيس مدرسة السيوفية، أنشأوا مدرستين للبنات: إحداهما في حارة السقايين؛ وكان فيها ٤٥ بنتًا قبطية يتعلمن على يد معلمات سوريات، اللغة العربية والأشغال اليدوية، وقد وقعن من قلب دور بك، حين زيارته لهن موقع الاستحسان، بعيونهنّ النبيهات، وهيأتهن الظاهر عليها الاهتمام الكلي بالدروس؛٨ والأخرى بجانب الأزبكية؛ وكان فيها ٨٠ بنتًا في سنة ١٨٧٦ يتعلمن ما يتعلمه بنات مدرسة حارة السقايين.

أما باقي المدارس القبطية، فلم يكن يتعلم فيها غير أقباط، وكانت جملتهم ٢٥٠ طالبًا.

غير أنه، بالرغم من مجهودات ذوي الفضل من رجال الطائفة، وبالرغم من أن أغنياءها لم يكونوا بالنفر القليل، لم يكن الأقباط يستطيعوا القيام بنفقات المدارس التي أنشأوها، لولا بر (إسماعيل) الجليل بهم، وموالاته إياهم، فإنه — فوق تشجيعه الأدبي لكل جهودهم، ووضعه سفنه البخارية النيلية بكل المؤن اللازمة، والخدمة الواجبة، تحت تصرف بطريركهم في رحلاته الرعوية إلى الصعيد — قد وهب مدارسهم ألفًا وخمسمائة فدان من أطيان القطر الجيدة، لينفقوا من ريعها على تعليمهم، وبما أن مقدار ذلك الريع كان نيفًا وألفي جنيه سنويًّا — وكانت ميزانية المدارس القبطية بأسرها لا تتجاوز ٢٠١٥١٨ قرشًا صاغًا — فإنه كان يكفيها تقريبًا، أو يكاد، بخلاف النفحات التي كانت يده الكريمة تدر بها عليهم، بين حين وحين.

فإذا حق لهم أن يدعوا الأنبار كيرلس الرابع بطريركهم «محيي العلوم والمدارس» في أمتهم، حق لهم أيضًا، بل وجب عليهم أن يدعوا (إسماعيل) «حافظ تلك العلوم والمدارس»؛ ويقيموا له تمثالًا في صحن مدرستهم الكبرى، بدار البطريركية المرقصية، اعترافًا منهم بفضله العميم!

الأقباط الكاثوليك

هؤلاء — بسبب اتصالهم بروما، وبالتالي، بجمعية انتشار الإيمان الكاثوليكي المسماة «پروپاجندافيدي» صاحبة المدارس الجمة الشهيرة في البلاد الشرقية — كانوا أسبق إخوانهم المصريين على الإطلاق، في مضمار التعليم والتعلم، وأعرقهم فيه، وكانت مدارسهم الابتدائية والثانوية منتشرة، على الأخص، في الصعيد؛ أي: بأسيوط، وطهطا، وأخميم، وجرجا، وقنا، ونقاده، وكانت حافلة في سنة ١٨٧٦ بنيف وثلاثمائة طالب.

والذي يستوقف الأنظار، في المدارس الثلاث الأولى منها، أنها كانت مختلطة؛ أي: للبنين والبنات معًا، وهو أمر غريب في ذاته، لشذوذه عن مبدأ فصل الذكور عن الإناث، المعمول به في عموم مدارس الكثلكة على الإطلاق.

الروم الأورثوذكس

والكلام هنا على الرعايا المحليين — فقد أصبح لهم، في عهد (إسماعيل)، مدرستان للبنات والبنين بمصر؛ يتعلم في إحداهما ١٤٠ ولدًا: اليونانية، والفرنساوية، والعربية، والحساب، والرياضة، والجغرافيا، والتاريخ؛ وتتعلم في الأخرى ١٢٠ بنتًا: اليونانية، والفرنساوية، والتاريخ، والجغرافيا، والحساب، وأشغال الإبرة، والموسيقى، وأصبح لهم بالإسكندرية — وكان عددهم فيها يربو عليه في مصر — مدرستان أيضًا: واحدة للذكور، وواحدة للإناث؛ يؤم الأولى ٤٣٠ ولدًا، ويؤم الثانية ٢٢٢ بنتًا؛ وبين المتعلمين فيهما طلبة كثيرون من ملل أخرى، وكان برنامج التعليم في كلتيهما ما كان في مدرستي مصر.

الروم الكاثوليك

تأخروا عن إخوانهم، الروم الأورثوذكس، في هذا المضمار؛ وربما كان السبب في ذلك قلة عددهم في تلك الأيام، أو قلة ذوي اليسار بينهم، أو أنهم اكتفوا، دهرًا، بمدارس الأخويات الكاثوليكية.

ومهما تكن الحال، فإنه لم يكن لهم سوى مدرسة واحدة، فيها ثلاثون طالبًا فقط، بالإسكندرية بمنشية إبراهيم باشا المعروفة اليوم «بالمنشية الصغرى»؛ وكان نصيبهم من الحركة التعليمية في عهد (إسماعيل) ضئيلًا جدًّا.

الموارنة

كان شأنهم أكبر قليلًا من شأن الروم الكاثوليك، ولا ندري هل السبب في ذلك هو أنهم كانوا أكثر عددًا منهم، أو أن أرباب اليسار فيهم كانوا أكثر منهم في الروم الكاثوليك، أو لما اشتهر عنهم من جد ونشاط وإقبال على العلوم والمعارف، أو أن المنافسة المشهورة بين الطائفتين تناولت مضمار التعليم أيضًا — مهما يكن من الأمر، فإنه كان للموارنة ثلاث مدارس ابتدائية بمصر: واحدة بدرب الجنينة؛ وثانية بقنطرة الدكة بالأزبكية؛ وثالثة بشبرا، والثلاث من نوع الكتاتيب البلدية، ولكنها كانت أرقى منها ماديًّا: لأن الطلبة كانوا يجلسون فيها على تخوت، بدل جلوسهم فوق حصير على الأرض، كما كانت الحال في الكتاتيب.

الأرمن

لم يكن لهم سوى مدرسة واحدة، فيها عشرون تلميذًا، ولكنها كانت غريبة في بابها؛ لأن ناظرها، وكان المعلم الوحيد فيها — الپاپاز؛ أي: القس ميجرديتش — لم يكن يعرف غير الأرمنية، والعشرين تلميذًا، المثقفين على يديه، لم يكونوا يعرفون غير العربية، فكان الأستاذ والتلامذة، والحالة هذه، يتفاهمون بالإشارات وتعبير العيون و(السيمياء)، أكثر منهم بالتكلم والمحادثة. على أن البطريركية الأرمنية أخذت تعمل على تأسيس مدرسة للطائفة جديرة بها، في دارها في سنة ١٨٧٢.

اليهود

هذه الأمة الصغيرة بعددها، الكبيرة بتأثيرها على ماجريات الأمور، ما فتئت، على شرقيتها، أول من تيقظت إلى مقتضيات الأيام، فما رأت لواء العلم منشورًا في القطر، إلا وهبت للانضواء تحته؛ وقام البررة من أبنائها كبنيامين أدزي، ومبارك ملكي، وإبراهيم كوهين، وشموئيل أشير، وپروسپر أوزيما، وعلى الأخص صموئيل روبينو، ينشئون الكتاتيب والمدارس بمصر والإسكندرية للأولاد والبنات، ويعلمونهم فيها الإيطالية على أصولها، والعبرية، والفرنسية، والحساب، والتاريخ، والجغرافيا، والكزموجرافيا؛ ويعلمون المتقدمين منهم التلمود — كتاب اليهود الشارح للتشريع شرحًا يعتبر تشريعًا جديدًا، وهو أعز عليهم من التوراة عينها — مرة في الأسبوع.

وكانت سن التلامذة المندمجين في تلك الكتاتيب والمدارس تختلف ما بين ثلاث سنين وست عشرة سنة.

على أن تلك المعاهد، ما عدا مدرسة حارة اليهود بمصر، المؤسسة في سنة ١٨٦٠، بهمة صموئيل روبينو، برأس مال قدره ألف جنيه، تبرع به هذا السري وحده، كانت مشهورة بالقذارة الضاربة أطنابها فيها، أكثر منها بحسن التعليم وانتظام طرقه، فقامت الطائفة برمتها، وتضافرت، وأسست مدرستين حرتين لأولادها وبناتها، إحداهما وهي أكبرهما بمصر، أمها ١٧٥ طالبًا؛ والثانية بالإسكندرية وأمها ١٤٥ بنتًا — وكان سبعون من الذكور، وسبعون من الإناث يهودًا مصريين؛ والباقون يهودًا من جنسيات مختلفة، وعلمتهم فيهما العبرية، والعربية، والفرنساوية، والإيطالية، والخط، والحساب.

ثم أنشأت، بالإسكندرية، مدرسة أخرى كان عشر التلامذة فيها مجّانيين، والباقون بمصروفات أسبوعية زهيدة. غير أن معظم أولاد اليهود وبناتهم كانوا يذهبون إلى المدارس المنشأة من الغربيين، أكثر من ذهابهم إلى المدارس المؤسسة من طائفتهم، وبما أنهم كانوا يعتبرون العلوم محض أسلحة اجتماعية، لا يحتاجون إليها إلا ليضربوا بها في معترك الحياة، كانوا يتسرعون في اقتباسها، ويكتفون بقشور معظمها أو طلائها، غير صارفين عنايتهم أو جلها إلا للحساب والحساب التجاري على الأخص، ويخرجون من المعاهد العلمية، وهم في أول يفعهم، ببضاعة قليلة، واعتداد بالنفس كبير، وجسارة أكبر، ليندفعوا في ميادين العمل والكسب، فكنت لهذا السبب، قلما ترى بينهم فردًا راقيًّا حقيقيًّا، على قلة عدد الأميين بينهم.

(٥) المدارس التي أنشأتها الجاليات الغربية

إن ما دار من حركة التعليم في مدارس هذه الجاليات ينقسم إلى قسمين: قسم خاص بمعاهد الأخويات والرهبنات والإرساليات المسيحية، كاثوليكية كانت أم بروتستانتية؛ وقسم خاص بالمعاهد المدنية البحتة.
  • (أ)

    أما القسم الأول، فقد سبق لنا قول وجيز فيه، ولكنا نرى أن نوفيه، هنا، حقه؛ فنقول: إن أقدم مدارس أنشأتها الرهبانيات المسيحية الكاثوليكية بالقطر هي مدارس الآباء الفرنشسكيين المعروفين بآباء الأرض المقدسة، وكانت تعلم الإيطالية على الأخص، والتعليم المسيحي الديني.

    فلما كانت سنة ١٨٤٤، استدعى (محمد علي الكبير) راهبات المحبة والآباء العازاريين إلى الإسكندرية، ووهبهم محلًّا فخمًا، مكان برج عربي قديم، وأجاز لهم الانتفاع بأنقاضه لبناء المحلات اللازمة لهم، على أن ينشئوا مدرستين لأبناء المدينة، فقامت الراهبات بالشرط، وفتحن مدرسة للبنات، ما فتئت، مع تقادم الأيام، تكبر وتتسع حتى صارت إلى ما نراها عليه الآن من الكمال والإتقان في أول الشارع المدعو باسمهن «شارع السبع البنات» أو «شارع الراهبات»؛ وأصبح عدد المتعلمين والمتعلمات فيها على عهد (إسماعيل) نيفًا وألفًا وثلاثين؛ منهم ٨٨٠ بنتًا و١٥٠ ولدًا؛ وكان (إسماعيل) يهبها، سنويًّا، إردبًا من البر عن كل بنت تتعلم فيها.

    وأما الغازاريون فبنوا بيتًا، وكنيسة، إزاء تلك المدرسة، وأحلوا الاهتمام بإدارة دير الراهبات المذكورات محل الاهتمام بتربية الناشئة، ولكنهم ما لبثوا، أن رأوا أن عملهم هذا مخل بالشرط الذي اشترطه الوالي، وأن مثل ذلك الإخلال قد يؤدي إلى استعادته الموهوب إليهم منهم.

    فاستدعوا إخوة التعليم المسيحي الشهيرين «بالفرير»، وكلفوهم ببناء مدرسة مجانية بالقرب من بيتهم، فلبى الفرير الدعوة؛ وأنشأوا المدرسة المطلوبة؛ وعاشوا مع العازاريين مدة ست سنوات، باتفاق تام، وعلى غاية ما يرام من الوئام.

    ثم تغيرت مجاري القلوب، وما لبث العازاريون إلا ورأوا، أو تخيلوا، افتياتًا من الفرير على ما كانوا يعتقدونه حقوقًا لهم، دون سواهم، فهبوا إلى إنشاء مدرسة خصيصة بهم؛ ولما تم بناؤها، تقدموا إلى الفرير، وأفهموهم أن الضيافة لها حدود تقف عندها، ورجوهم أن يبحثوا لأنفسهم عن محل غير الذي هم فيه نازلون، وذلك في أواخر سنة ١٨٥٢.

    فحار الفرير في أمرهم، وتخبطوا؛ ولكنهم اضطروا إلى الرحيل، فتقدم إليهم آباء الأرض المقدسة (الفرنشسكيون)، وعرضوا عليهم أن يضيفوهم في المنازل الكبيرة المجاورة لكنيستهم الكاتدرائية الرعوية، بمنشية إبراهيم باشا؛ فقبلوا، شاكرين؛ ونقلوا مدرستهم إلى تلك المنازل؛ وما عتمت أن اكتظت بالطلبة، لما اشتهر عنهم من الاعتناء الخاص بأمر التعليم.

    فشجعهم ذلك على فتح مدرسة بالعاصمة في ١٥ فبراير سنة ١٨٥٤ فراجت، أيضًا، رواجًا عظيمًا، ولما كانت سنة ١٨٥٩، وهبهم (محمد سعيد باشا) محلهم الحالي بالخرنفش — في أهم الأحياء الوطنية — ونفحهم بثلاثين ألف فرنك، فأدى ذلك إلى نجاحهم، النجاح الذي ما فتئ في ازدياد مطرد، عامًا عن عام، لغاية أيامنا هذه.

    وكانت مدارسهم، في عهد (إسماعيل)، تضم بين جدرانها، بالإسكندرية، نيفًا وستمائة طالب، منهم ٢٣٠ مجانيون؛ وبمصر، نيفًا وثلاثمائة طالب، نصفهم مجانيون؛ وكانت تعلم، مع الفرنساوية، الإيطالية، والعربية، والموسيقى، وأهم العلوم الوضعية.

    وكانت مصروفات الداخلية بمدرسة مصر مائة فرنك شهريًّا؛ وبالإسكندرية ستين فرنكًا؛ ومصروفات نصف الداخلية ٥٠ فرنكًا شهريًّا بمصر، و٣٠ بالإسكندرية.

    والذي كان يميز المجانية في مدارسهم عنها في مدارس الحكومة، أنها كانت خصيصة بالطلبة الكاثوليكيين دون سواهم، في حال أنها كانت، في الحكومة، عامة، لا تمييز للمذاهب فيها.

    أما العازاريون، فبعد أن انفصل الفرير عنهم، طفقوا يعلمون في مدارسهم تعليمًا قاعدته الطريقة الشهيرة عند الغربيين باسم «كلاسيك» وهي التي قوامها اليونانية القديمة واللاتينية، والآداب المقتبسة من مؤلفات أشهر الكُتاب اليونان واللاتين والفرنساويين؛ وأصبحوا يفاخرون ما سواهم بأن ما يتقنه طلبة مدرستهم من اليونانية القديمة لا تباريهم فيه طلبة مدارس أوروبا ذاتها، واشتركوا مع راهبات المحبة، في إنشاء ملجأ للأيتام — كان الأول من نوعه في القطر المصري — حوى اثنين وخمسين يتيمًا.

    واقتدت براهبات المحبة القديسة تريزادي رمپت منشئة «أخوية الراعي الصالح»، وأسست بمصر في ٦ يناير سنة ١٨٤٦ — وهو يوم عيد الغطاس عند الطوائف الغربية، وكان لغاية سنة ١٩٠٠ يوم عيد الميلاد عند الطوائف الشرقية — بيتًا لراهباتها، ليقمن فيه بتربية البنات المصريات، وعلى الأخص اليتيمات والفقيرات منهن، مجانًا، فبتن موضوع عناية (محمد علي) وأمراء بيته الرفيع العماد.

    فتمكن من التوسع، وفتح مدرسة فخمة، داخلية، بشبرا لبنات الأسرات الغنية، خلاف المدرسة الداخلية المجانية لرغبتهن في المحافظة على شعور الفقيرات من أن ينجرحن باختلاطهن مع الغنيات، ورؤيتهن الهناء في الماديات المحيط بهذه والذي هن محرومات منه.

    وحذت الراهبات الكلاريسات؛ أي: الفرنشسكيات، حذو سابقاتهن؛ وأنشأن، في سنة ١٨٥٩، مدرسة بمصر، بجهة درب رياش، بالقرب من الأزبكية؛ طفقن يعلمن فيها، بنات الطائفة اللاتينية على الأخص؛ وذلك لأن هذه الطائفة كانت، ولا تزال، تحت رعوية الآباء الفرنشسكيين الروحية؛ وكان من الطبيعي أن ترسل بناتها إلى مدرستهن، لانتمائهن، هن أيضًا، إلى ماري فرنسيس دسيزي، مؤسس الرهبنة الفرنشسكية.

    فضاقت المدرسة بالمائة والسبع والثلاثين طالبة ويتيمة اللائي ملأنها؛ وحال فقر تلك الراهبات دون التوسع فيها أو إنشاء غيرها، وكان (إسماعيل)، وهو لا يزال ولي عهد السدة المصرية، واقفًا على سر حالهنَّ، معجبًا بغيرتهن وإقدامهن، فلما آل إليه العرش، نفحهنَّ، في يوم جلوسه عليه، بخمسين ألف فرنك، وقرر لهن تسعين إردبًّا قمحًا، سنويًّا، فتمكن بذلك من وفاء ديونهن، وتوسيع دائرة مدرستهن بدرب رياش، وفتح مدرسة أخرى ببولاق سنة ١٨٦٨ ثم غيرها بالمنصورة بعد أربع سنوات؛ أي: في ٢٠ مارس سنة ١٨٧٢.

    ومع أن الغرض الأول المقصود من تأسيس هذه الرهبنات والأخويات مدارسها بالقطر المصري، إنما كان ولا يزال السعي إلى نشر الدين الكاثوليكي الروماني، إلا أن الإنصاف يقضي علينا بأن نعترف مع المستر ماك كون بأنها عملت عملًا محمودًا على تقدُّم العلوم في البلاد، وبين طبقات الأمة؛ وأنها وضعت، نصب عينها، التعليم الجيد أولًا، ثم السعي إلى نشر الدين، فكان في هذا سر نجاحها، وتوافد الطلبة عليها من كل ملة ونحلة وجنس، وبلوغ عددهم في مدارسها في سنة ١٨٧٦ نيفًا وثلاثة آلاف ومائة وخمسين!٩

    أما المدارس والمعاهد البروتستانتية، فقامت على أيدي الإرساليات الأميريكية والإنجليزية والسكتلندية.

    فالإرسالية الأميريكية وفدت على القطر في سنة ١٨٥٥ كما سبق فقلنا، ووهبها (سعيد باشا) بناية بمصر، أسست فيها أول مدرسة لها، فكانت بمثابة موقف وثبت منه إلى أنحاء القطر، عامة، وأسست في السنوات العشر التالية، مدارس غيرها: بالإسكندرية، والفيوم، وأسيوط، وقوص، والمنصورة، وفي ثلاثة عشر بندرًا من بنادر الريف بمصر الوسطى والصعيد؛ منها ما هو للأولاد؛ ومنها ما هو للبنات؛ ومنها ما هو مختلط بين الجنسين؛ ومنها ما هو للشبان لتعلم اللاهوت، والاستعداد للكهنوت؛ ومنها ما هو لتخريج معلمات؛ ومنها مدرسة أيضًا، للعميان؛ ومعظمها مجانية؛ وما فتئوا ينشئون غيرها، حتى بلغ عدد مدارسهم في سنة ١٨٧٦ ثمانيًا وعشرين، فيها ما يزيد على ١٢٤٤ طالبًا وطالبة، بينهم بعض مسلمين ومسلمات، ومعظمهم من الأقباط!

    وكانت مدرستهم الكبرى للصبيان بمصر، في بادئ الأمر، في يد أقباط اعتنقوا البروتستانتية، ولم يكونوا يحسنون الإدارة ولا التعليم: فكان كلاهما مختلًّا، بخلاف مدرستي البنات، في حارة السقايين والأزبكية، فإنهما كانتا من خيرة معاهد ذلك العصر.

    على أن أرض مدرسة الصبيان احتيج إليها للمنافع العمومية في سنة ١٨٧٦ فنزع (إسماعيل) مليكتها من الإرسالية مقابل ثمن دفعه إليها، ولم يكتف به، بل عوضها منها أرضًا واسعة في أحسن بقعة من الأزبكية؛ ثم نفحها بسبعة آلاف جنيه لبناء مدرسة جديدة عليها، تسع ١٥٠ طالبًا، وتشتمل على مساكن للمعلمين وعائلاتهم،١٠ فأنشئت المدرسة الفخمة الحالية، المزدان بها حي الأزبكية؛ ولكنه لم يفتكر أحد في وضع أي مظهر كان فيها يذكر الداخل إليها بأنها من نعم الخديو الفخيم صاحب اليد الذهبية!

    والإرسالية الإنجليزية وفدت على القطر في سنة ١٨٦٢ تحت رياسة الآنسة الأديبة المس واتلي، بنت رئيس أساقفة دبلين التي أوقفت حياتها وثروتها على تربية البنت المصرية، لا سيما الفلاحة، وأسست، في السنة عينها، مدرسة مختلطة بمصر، صادفت من العناء أشده في سبيل جلب التلميذات إليها، لا سيما المسلمات، وتعليمهن، بالرغم من أن التعليم كان مجانيًّا، وأنه كان يشمل العربية، والإنجليزية، والفرنساوية، والجغرافيا، والتاريخ، والخط، وأشغال الإبرة للبنات.

    وإن القلب ليتقطع أسفًا، لدى مطالعة وصف المس واتلي، في الكتب التي ألفتها عن الحياة المصرية الحقيرة، للمشاق التي تكبدتها بصبر جميل، وهي دائبة بثبات نادر على الطريق التي اختطتها١١ لحياتها! ولكنه، لما كان لا بد للمثابر من نيل مناه، فإن المس واتلي ما لبثت أن جنت ثمرة ثباتها؛ وبعد مضي عشر سنوات عليها، وهي عاملة في مدرستها المذكورة، لا تعرف الملل، كلل النجاح مسعاها: فامتلأ معهدها بنيف ومائة وستين صبيًّا وستين بنتًا، ضاقت بهم حجر فرقه.

    فأنعم (إسماعيل) عليها بأرض واسعة، في جهة الفجالة، وساعدها بمبلغ وفير على بناء مدرسة جديدة عليها، فبرزت من أحسن المدارس بالقطر، ولما كانت البنت المصرية هي المقصودة على الأخص، منها، زاد عدد الطالبات فيها، حتى بلغ المائة والستين، معظمهن فلاحات، والبعض من الطبقتين: الوسطى والعليا، ولا شك في أنه كان لاهتمام الأميرة الجليلة زوجة (إسماعيل) الثالثة في أمر تربية البنات وتعليمهن، دخل في ازدياد إقبال الفتيات الراغبات في التعلم.

    أما الإرسالية السكتلندية، فإنها قصرت عملها على مدينة الإسكندرية، حيث فتحت بجانب كنيستها مدرستين: إحداهما للذكور، والثانية للإناث في المنشية، بجوار البحر، وجعلت التعليم فيهما مجانيًّا للفقراء، فأمهما ٩٥ تلميذًا و٩٢ تلميذة، علموا العربية، والإنجليزية، والفرنساوية، والإيطالية، والكتابة، والحساب، والتاريخ.

    وقد امتازت عموم مدارس الإرساليات البروتستانتية، بالمساواة التامة، التي نشر لواؤها فيها بين الطلبة والطالبات المجانيين، والمتعلمين بمصروفات، بحيث لم يكن أحد ليستطيع أن يميز مطلقًا أيهن المجانيات.

    ويجدر بنا أن لا نختم الكلام عن معاهد هذه الإرساليات دون أن نخص بالذكر رجال الدين الذين قاموا بتأسيس المدرسة الألمانية بالإسكندرية، فإنهم على اصطباغهم بالصبغة الاكليروسية، فتحوا لمدرستهم هذه طريقًا نحو الأهمية العظمى بين مدارس الإرساليات الأخرى، بما قرروا من أن يكون التعليم فيها مدنيًّا بحتًا، لا مسحة دينية عليه مطلقًا.

  • (ب)
    وأما القسم الثاني الخاص بالمعاهد المدنية البحتة، فإن السبب الذي دعا الجاليات الأجنبية إلى إنشائه هو أن بعضها لم يكن مرتاحًا لانحصار التعليم في المعاهد الدينية، فقام الإخوان الحلبيان روفائيل وحنانيا عبيد في سنة ١٨٦٠‏١٢ وأسسا المدرسة اليونانية بمصر وآليا على نفسيهما دفع مبلغ يتراوح بين خمسة وعشرين ألفًا وثلاثين ألفًا من الفرنكات سنويًّا للمساعدة على القيام بشئونها، فأمها الطلبة من أولاد الجالية اليونانية، يتعلمون فيها اليونانية القديمة، واليونانية الحديثة، والإيطالية، والفرنساوية، والعربية، والحساب، والجغرافيا، والتاريخ، ويتغدون فيها على نفقتها.

    ولما كان اليونان بالإسكندرية أكثر منهم بمصر، أسسوا مدرسة تحت إدارة رجل يقال له: المسيو تمباس ضمت إليها ٥١ تلميذًا، وعلم فيها فوق ما ذكر من تعليم مدرسة الأخوين عبيد، التاريخ المقدس، ومبادئ الاعتقادات المسيحية، ثم هب الكيريس عمانوئيل ساماريپا، وأسس مدرسة أخرى يونانية جمع فيها ٢٨ تلميذًا، يعلمهم خمسة أساتذة التعليم عينه السابق ذكره.

    ولم يهمل اليونان تعليم البنات، بل سبقوا إليه الجاليات الأخرى؛ لأنهم أنشأوا في ٢٠ مايو سنة ١٨٤٣، أول مدرسة من هذا النوع بالعاصمة؛ ثم أسسوا بالإسكندرية، مدرسة ثانية للبنات، انتظم في سلكها، حالًا، ما يزيد على خمس وتسعين طالبة.

    وهب إيطالي، يقال له: المسيو كرلو تمازي، فأنشأ مدرسة إيطالية بمصر، قصدها أولاد الجالية الإيطالية؛ ولكنها ضاقت دون عددهم رحبًا، ولم يتمكن أولاد الفقراء من الانتظام فيها لعدم مقدرتهم على دفع مصروفاتها.

    فنهض المسيو فيجري، وأنشأ في سنة ١٨٧٠ مدرسة إيطالية مجانية، أهم ما امتازت به عن سواها، أنهم كانوا يمرنون الطلبة فيها على الترجمة من الفرنساوية إلى التليانية والعربية، وبالعكس، في آن واحد، وشفويًّا على مسمع من الفرقة برمتها: فتتربى، عند التلامذة، المقدرة على تحويل الفكر، بسرعة، من إحدى هذه اللغات إلى الأخرى، وعلى إبرازه مرتديًا بالحلة التي تقتضيها طبيعة كل منها.

    غير أن أهم عمل تعليمي قامت به الجاليات الأجنبية بمصر، هو الذي تم بمساعي المسيو دوفين ومجهوداته، وأعني به إنشاء معاهد تعليمية مجانية، لا صبغة جنسية أو دينية عليها؛ ولا غرض منها سوى تثقيف العقول، وتنوير الأذهان، وتخفيف عبء مشقات الحياة على العاملين في ميدانها، دعيت «المدارس الحرة المجانية العمومية».

    ففي أول سبتمبر سنة ١٨٦٨، فتحت مدرسة هذا شأنها في الإسكندرية، ولكي يكون النجاح قرين سيرها، وامتثالًا لرغبة (إسماعيل)، الذي كان أكبر معضد للقائمين بأمرها، وضعت تحت رعاية سمو ولي عهده، الأمير محمد توفيق باشا — وكان له من العمر، حينذاك، ست عشرة سنة، فقط — فخصها باثني عشر ألف فرنك سنويًّا، وحفها بكل صنوف العناية، فبرزت إلى الوجود، علمية، حرفية، عروس المدارس وأفيدها، وأمها القاصدون من كل مذهب وجنس، وليس فيها مظهر البتة يذكر أحدهم بأن هناك فارقًا بينه وبين الجالس بجانبه؛ بل يشعر الجميع بأنهم إخوة في الإنسانية المحضة، وأن هذه الأخوة هي الرابطة الوحيدة بينهم، وشرعوا يتعلمون فيها العربية، والإنجليزية، والفرنساوية، والتليانية، ومبادئ الرياضة، والهندسة، والتاريخ؛ ويتعلم من شاء منهم الحرفة التي يختارها، فنجحت نجاحًا عظيمًا، ذهب مداه إلى أبعد ما كان يُنتظر ويرجى، ومن شاء الوقوف على حقيقته، فليطالع التقرير الذي رفعه مجلس إدارتها إلى سمو الأمير محمد توفيق باشا، الموجود نسخة مطبوعة منه في المكتبة السلطانية بمصر.١٣

    ذلك النجاح السار حدا بالمسيو دوفين وزمرة الرجال الكرام العواطف، الذين وضعوا أيديهم في يده، إلى إنشاء مدرسة مثلها بمصر، فتأسست في سنة ١٨٧٣، بمساعدة مالية كبرى من (إسماعيل)، وتحت رعاية سمو ولي عهده، أيضًا، وبالنفحات السنوية عينها التي لشقيقتها بالإسكندرية، وفي الوقت الذي لم يقصد فيه هذه سوى ٢٥٦ طالبًا — منهم ٩٠ فقط مصريون — قصد مدرسة مصر وانتظم في سلكها ٤٨٦ طالبًا — منهم ٢٦٢ مصريون، من كل ملة وطائفة ونحلة، و١٥ إنجليزيًّا، و٦٢ فرنساويًّا، و٧٣ إيطاليًّا، و٢٦ يونانيًّا، و٢١ نمساويًّا، و٥ بروسيان، و٣ أتراك، و٣ روس، و٣ إسبانيول، و١٣ من جنسيات غير محددة — ويتضح من الأرقام التي ذكرناها أن نجاح مدرسة مصر كان أعظم من نجاح مدرسة الإسكندرية.

    ولم يقتصر المسيو دوفين ومساعدوه على فكرة إنشاء هاتين المدرستين، بل إنهم، منذ استطعموا لذة نجاح مسعاهم، وقطفوا ثماره بالإسكندرية، هبّوا، في عامي ١٨٦٩ و١٨٧٠ إلى فتح فرق ليلية، لتعليم الشبان والرجال بالثغر، وساعدهم (إسماعيل) مساعدته المعهودة، فأخرجوا مشروعهم إلى حيز الوجود، واندمج في سلك تلك الفرق ٤٥٠ طالبًا، منهم ٢٧٣ من رعايا الحكومة المحلية.

هكذا تناولت الحركة التعليمية بمصر، في عهد (إسماعيل)، جميع المظاهر، من التعليم الديني المحض في المعاهد الدينية المحضة، كالأزهر وغيره، إلى التعليم، المتخذ دثارًا لترويج التعليم الديني، في معاهد الإرساليات المسيحية، إلى التعليم الممزوج بشيء من الدين، عملًا بمؤثرات الوسط والبيئة، في مدارس الطوائف الشرقية المختلفة، ومدارس الجالية اليونانية، إلى التعليم المدني البحت الخاص بجنس دون جنس، في مدارس الجالية التليانية، إلى التعليم المدني البحت، المجرد عن كل صبغة دينية وجنسية، في المعاهد المنشأة بمساعي المسيو دوفين ومن معه، وفي ذلك أوضح صورة لما كانت عليه الأفكار والأخلاق في تلك الأيام، وأكبر دليل على سعة صدر (إسماعيل) ورجحان عقله العظيم، في أمر قلما اتفق لعاهل شرقي، غيره، أن لا يبدي فيه تعصبًا لهذا الفريق أو ذاك.

ولا يسعنا أن نختم هذا الفصل عن حركة التعليم بمصر، في أيامه، بدون أن نذكر ما لاقت من عنايته المدرسة التي أنشأتها الحكومة الإيطالية بالإسكندرية في عهد (سعيد باشا) وتولت أمر الإنفاق عليها، وبدون أن نذكر ما كان من شأن الإرساليات المدرسية إلى البلاد الأوروبية ما بين سنة ١٨٦٣ وسنة ١٨٧٩.

أما مدرسة الحكومة الإيطالية بالإسكندرية، فقد سبق لنا القول أن (سعيدًا) نفحها بستين ألف فرنك، ووهبها ثمانية آلاف ذراع في نقطة من أحسن جهات المدينة، ونقول الآن إن حركة التحسينات، التي أدخلها (إسماعيل) على أحياء الإسكندرية وشوارعها، اقتضت نزع ملكية جزء من تلك الأرض، فبالنسبة للصداقة المتينة التي كانت بين (إسماعيل) وڨيكتور عمانوئيل، ملك إيطاليا، ولتقدير العاهل المصري التعليم الملقن في تلك المدرسة حق قدره، دفع للحكومة الإيطالية ثمن ذلك الجزء وحده أربعين ألف جنيه، فاستعانت بها على تجديد بناء مدرستها، وترقية شئونها، وعهدت بإدارتها إلى أستاذ فاضل، يقال له: السنيور پاجاني، كان رأي دور بك فيه، «أنه أخير نظار المدارس بمصر بمبادئ الپيداجوجيا، وأحكمهم تطبيقًا لأحدث طرق التعليم على مقتضياته بالقطر في تلك الأيام».

وكانت تلك المدرسة تعلم الإيطالية، والعربية، والإنجليزية لمن يرغب فيها، والفرنساوية، والرياضيات، ومسك الدفاتر، والفلسفة الطبيعية، والتاريخ، والجغرافيا، والرسم على نوعيه، وكان معظم تلامذتها من اليهود، وليس بينهم سوى عشرين تلميذًا مسلمًا.

وأما ما كان من شأن الإرساليات المدرسية، إلى البلاد الأوروبية ما بين سنة ١٨٦٣ وسنة ١٨٧٩ فقد بلغ عدد الطلبة الذين تألفت منهم نيفًا ومائة واثنين وسبعين وزعوا كالآتي: مائة وعشرون أرسلوا إلى مدرسة الطب والمدرسة الحربية، بباريس؛ وخمسون، إلى مدارس طورينو العسكرية والملكية؛ وثلاثة فقط، إلى مدارس لندن الهندسية، وبلغ المنفق عليهم في تلك السنوات الست عشرة ١٦٣٠٥٧ جنيهًا.

فمن شاء أن يقارن بين ما عمل في هذا المضمار في عهد (إسماعيل)، وما عمل في عهد أسلافه، فليعلم أن عدد طلبة الإرساليات المصرية إلى أوروبا بلغ في مدة حكم (محمد علي الكبير) و(إبراهيم الهمام)؛ أي: ما بين سنة ١٨١٦ وسنة ١٨٤٨: ٣١٩ طالبًا؛ وفي مدة حكم (عباس)؛ أي: ما بين سنة ١٨٤٨ وسنة ١٨٥٣: ١٩ طالبًا؛ وفي أيام (سعيد)؛ أي: ما بين سنة ١٨٥٤ وسنة ١٨٦٢: ١٤ طالبًا فقط؛ وأن جملة ما أنفق عليهم قد بلغ في عهدي الباشا الكبير وابنه ٢٢٣٢٣٣ جنيهًا؛ وفي عهد (عباس) ٤٩٦٧٥ جنيهًا؛ وفي أيام (سعيد) ٦٩٠٨٣ جنيهًا.

فإذا وجد قلة نسبية في المنصرف على أولئك الطلبة تحت حكم (إسماعيل) بالنسبة إلى المنصرف عليهم تحت حكم (سعيد)، فليعلم أن ذلك لسببين:

الأول: هو أن (سعيدًا) لم يكن، من جهة، يعرف للنقود من قيمة، كما سبق لنا القول؛ وكان، من جهة أخرى، كأسلافه، يعتقد أنه كلما زاد إنفاقه على طلبة إرساليته، كلما حق له أن يطالبهم، لدى عودتهم، بمعرفة كل فن وحرفة، لا بمعرفة ما تخصصوا له وأتقنوه فقط.

والثاني: هو أنه اتضح (لإسماعيل) أن طلبة الإرساليات، بالرغم من بقائهم زمنًا في المعاهد الأوروبية، واقتباسهم العلوم المعلمة فيها، وإتقانهم إياها، في أغلب الأحيان، إتقانًا يجعلهم متفوقين، في مضمارها النظري، على أقرانهم الغربيين، لم يكونوا يكتسبون إقدام هؤلاء، ولا روح الاعتماد على النفس، المتقوية به هممهم في معاركة مصاعب الحياة؛ بل كانوا لا ينفكون متمسكين بأذيال الحكومة، متنكبين عن العمل في ميدان الاستقلال الشخصي، إلا إذا أخذت هي بيدهم. من ذلك أن الأطباء المصريين الذين تخرجوا من مدرسة باريس لغاية سنة ١٨٧٠ بالرغم من نيلهم شهاداتهم العليا فيها، وتمرنهم على العمل، تمرنًا مفيدًا، في المستشفيات العسكرية والملكية، أثناء الحرب المشهورة بين فرنسا وألمانيا، لم يقع في خلدهم، مطلقًا، لدى عودتهم إلى مصر، أن يفتحوا عيادات خصوصية، ويزاحموا زملاءهم الغربيين في أعمالهم، مزاحمة، كان من المحتم أن يفوزوا عليهم فيها، لكونهم أبناء البلاد، العارفين لغتها وعوائدها، والمتخلقين بأخلاقها، ولأنهم أقرب، طبعًا، إلى قلوب مواطنيهم من أولئك الأجانب؛ وأقبلوا يضايقون الحكومة بطلبات استخدام متتابعة، في مصالحها، كأنهم لا يستطيعون، بدونها، معاشًا؛ أو كأنه لا قدرة لهم، ولا سلاح في أيديهم يضربون به في مناكب الأرض، ابتغاء للرزق!

فرأى، والحالة هذه، أن يقلل من مصروفاتهم، عسى أن تجبرهم قلة السعة في الإنفاق على التخلق بخلقي الهمة والإقدام.

وامتاز عهده عن عهد أسلافه، في أمر طلبة تلك الإرساليات، بأنه كان، إذا استخدم أحدًا منهم في مصالح حكومته، بعد عودته إلى مصر، فإنما كان يعهد إليه القيام بشئون من النوع الذي تؤهله شهاداته للقيام به، وأما أسلافه، فقلما كانوا يراعون ذلك، وكثيرًا ما تطالع في ما كتبه مؤرخو (محمد علي) الغربيون أنه كان يكلف المهندس، مثلًا، بأعمال من اختصاصات طبيب بيطري، أو يكلف الطبيب البيطري بعمل طاهٍ من الطهاة، وهلم جرًّا.

وقد سمعت من صديق لي، نقلًا عن لسان عثمان باشا غالب — ولست أضمن صحة الرواية، بل أراني بما لدي من المعلومات التاريخية، مائلًا إلى تكذيبها — أنه لما عاد إلى مصر ثلاثة من الذين أتموا دروسهم بأوروبا، ونبغوا فيها — وهم من أصبحوا فيما بعد، علي باشا إبراهيم، وعلي باشا مبارك، وحماد بك، ومثلوا بين يدي (عباس)، ليقدموا له واجب عبوديتهم، ويضعوا أنفسهم تحت تصرفه، كان فكره منصرفًا إلى إنشاء معمل شمع؛ فسألهم: «أيمكنكم أن تصنعوا لي شمعًا؟» فأجابوا: «إننا، يا أفندينا، لم نتعلم ذلك!» فاحتدم غيظًا وقال: «إني، إذًا، لقد أنفقت نقودي على تعليمكم سدى!» وأمر بهم، فطرحوا أرضًا، وضربوا خمسين سوطًا، فخرجوا من لدنه في حال انفعال لا مزيد عليه، وهم ناقمون على عقله وعقليته، ولاعنون الساعة التي عادوا فيها من أوروبا.١٤ وإنما أراني مائلًا إلى تكذيب هذه الرواية: (أولًا) لأني لست أرى لها من أثر في مرويات علي مبارك باشا عن نفسه؛ و(ثانيًا) لأني أعلم حق العلم أن حماد بك تعلم في أوروبا كيف يصنع الشمع، فيما تعلمه في دروسه الكيماوية!

تلك كانت الحركة التعليمية بمصر، في عهد (إسماعيل)، وتلك المجهودات التي بذلت لترقية مستوى الأمة العقلي، حتى أصبح عدد المتعلمين فيها ٤٪ من عامة ذكورها، بعد أن كان أقل من واحد في المائة منهم؛ وذلك في عهد كانت أرقى نسبة المتعلمين في أكثر البلاد الأوروبية تعليمًا ١٥٪ فقط، وكانت في روسيا ٢٪ لا غير!

فلا غرابة إذًا أن إدون دي ليون، المؤرخ الأمريكي المعاصر لها، قال عنها: «إن ما عمله (إسماعيل) في سبيل التعليم العام بمصر كان عظيمًا، ويعتبر عظيمًا في أي قطر من الأقطار.»١٥ ولا غرابة في بلوغ الأشعة المنبعثة عنها إلى سر أعماق الأمة، وأكن مكنوناتها — وأبناء الخديو أنفسهم كانوا يتعلمون، مع أبنائها، ذات العلوم الملقنة إليهم، ويشاركونهم في جميع مظاهر حياتهم؛ لا يختلفون عنهم في شيء منها، ولا يمتازون إلا بنومهم في حجر مخصوصة، وقد أثار ذلك رغبة التعلم في جميع أفراد طبقاتها، إلى حد أن رجلين من عامة الناس ودا الالتحاق بالأزهر، فلما رأيا من فقرهما المدقع ما يحول دون إدراك مبتغاهما، اتفقا على أن أحدهما يشتغل نهارًا في تكسير الحجر الذي تبلط به الشوارع، وأن ثانيهما يجاور في الأزهر، ليقتبس ما يلقى فيه من علوم؛ وأنهما يجتمعان بعد المغيب في الحجرة التي استأجراها معًا؛ فيطعم مكسر الحجر مقتبس العلم مما كسبت يداه؛ ويغذي مقتبس العلم مكسر الحجر مما اكتنزه عقله، فتيسر لهما، هكذا، أن يدركا، معًا، ما ابتغيا إدراكه، كما تيسر نيل القوت للأعمى والمقعد، فيما يروى عنهما؛ إذ سارت رجلا الضرير بالمقعد، وأرشدت عينا المقعد الضرير إلى السبيل السوي.١٦

ولا غرابة — وقد رأينا (إسماعيل) يظلل، بعنايته في التعليم، جميع القائمين بشئونه، بلا تمييز بين جنس ومذهب ودين — في أن تلك الحركة التعليمية، المتنوعة المسالك والمشارب، والمتحدة المرمى والمقصود والنتيجة، فيما يختص بالعلوم، أدت مع تراخي الزمن، إلى إزالة جزء عظيم من الفوارق، التي كانت بين الملل، والنحل، والأجناس المختلفة، الضاربة في وادي النيل؛ وجعلت الصدور أوسع احتمالًا للاختلافات المذهبية، والقلوب أقرب جدًّا، مما كانت، إلى التسامح في الدين، وهما احتمال وتسامح، لن تستطيع أمة، تختلف معتقدات أفرادها؛ من التكون بدونهما!

ولا غرابة أخيرًا أن يكون قد تولد، عن تلك الحركة التعليمية، نهضة معارف وأفكار كانت من أكبر مسببات تطورات المستقبل، ومن أدعى مكونات نظامات الأيام التالية.

نعم، إن مثلها كان قد نشأ، أيضًا، عن جهود (محمد علي الكبير) التعليمية، وإرسالياته المدرسية إلى أوروبا — ولكنهما، من جهة، كانت فردية أكثر منها اجتماعية، فلم تؤثر في مجموع الأمة إلا قليلًا، ولا تناولت طبقاتها الدنية؛ ومن جهة أخرى، فإن ملكي (عباس) و(سعيد) كانا قد أوقفاها في تطورها، وأعاداها إلى الجمود؛ ولولا إقدام (إسماعيل)، لظل الأفراد القليلون المتخلفون بعد موت من كانت أنفاس تلك النهضة قائمة به، في ظل النسيان، في أية جهة كانت من جهات القطر المعاد إلى النوم.

لتلك النهضة الإسماعيلية، ثلاثة مظاهر:
  • (١)

    المظهر الرسمي.

  • (٢)

    المظهر الفردي.

  • (٣)
    المظهر الاجتماعي.١٧

أما المظهر الرسمي، فقد تجلى، على الأخص، فيما بذلته الحكومة من مجهودات، لإعادة الاتصال بين حلقات تاريخ مصر في القدم، وتاريخها في الأعصر الوسطى، وتاريخها في الأيام الحالية.

أما الاتصال بين تاريخها القديم، وتاريخها في الأعصر الوسطى، فإن المسيحية، أولًا، فالإسلام كانا قد قطعاه بتاتًا، على توالي القرون، بما حملا مصر الفرعونية والبطليموسية على الإقلاع عنه من دين، ومعتقدات، ولغة وعادات، وعقلية سابقة.

وأما الاتصال بين تاريخها في الأعصر الوسطى، وتاريخها الحالي، فقد قضت عليه قضاء مبرمًا، قرون الحكم العثماني الثلاثة على وادي النيل، فبتأسيس مدرسة للاچپتولوچيا (علم الآثار المصرية)، أولًا، ثم بإنشاء المتحف المصري، أعيد الاتصال الأول؛ وبإنشاء المكتبة الخديوية، وتزيين قاعاتها بكل ما أمكن العثور عليه من مكتوبات مصر الإسلامية في الأعصر الوسطى — أعصر الخلفاء الراشدين، والأمويين والعباسيين؛ أعصر الطولونيين والإخشيديين؛ أعصر الفاطميين والأيوبيين، وأعصر السلاطين المماليك البحريين والبرچيين؛ ثم كل ما أمكن العثور عليه، أيضًا، من مكتوبات القرون العثمانية؛ ويإنشاء دار الآثار العربية، أعيد الاتصال الثاني.

أما مدرسة الاچپتولوچيا — والاچپتولوچيا علم نشأ في العالم الغربي، عقيب العثور على الأثر القديم المعروف «بحجر رشيد»، وتمكن شمپوليون من فك طلاسمه الهيروغليفية، والتوصل إلى معرفة هذه اللغة المقدسة المصرية القديمة، المنقوش بعلاماتها ورسومها التاريخ الفرعوني برمته، على آثار العهد العتيق وتشييداته — فقد عهد بإدارتها، وتعلم الطلبة فيها، إلى العالم الألماني بروجش — وكان من فحول رجال الفن، وله فيه المؤلفات الشيقة الممتعة — فما زال بالطلبة المتعلمين على يده، حتى أوجد فيهم روح الاهتمام بالماضي المصري السحيق، بالرغم من الهاوية التي حفرتها العقائد بين عقليتهم، وعقلية أجدادهم البعيدين؛ وحتى تمكن من إنشاء قنطرة على تلك الهاوية، بين عصر الفراعنة وعصر (إسماعيل)، وأشهر من نبغ من تلامذته، العالم الاچپتولوچي الوديع أحمد بك كمال، وأهم ما ينتج عن اشتغال طلبته في حل الكتابات الهيروغليفية زوال نفور مصريي اليوم المسلمين والكتابيين، بالتدريج، من قومية مصريي عصور الوثنية، وتاريخهم وأعمالهم؛ والإقبال شيئًا فشيئًا، على مطالعة أخبارهم، والاعتبار بآثارهم، والدنو من الحنو إليهم، والتفاخر بهم، بالرغم من مؤثرات المعتقدات. «وإذا لم يكن للأمة مجد سالف وأثر باق، فلا تدوم سلطتها ولا تتأصل حضارتها!»

وأما المتحف المصري، فقد عهد (إسماعيل) بإبرازه إلى حيز الوجود، إلى الفرنساوي الشهم الكبير، مارييت باشا، ووضع تحت تصرفه العمال والنقود على قدر ما يريد.

وكان الرجل من فطاحل المشتغلين بالعلم الاچپتولوچي، ومن المغرمين بكشف النقاب، وإماطة اللثام عما درس أو توارى من المفاخر المصرية القديمة، غرامًا يجمع إلى ذاته قوى النفس، ويحصرها فيها؛ فما زال ينقب ويبحث هنا، وهناك، تحت الرمال، وفي كهوف الجبال — لا سيما حيث كانت «منف» القديمة — حتى تسنى له، في سنة ١٨٥١ اكتشاف «السيرابيم»؛ أي: معبد الإله «سيراپيس» وإذا فيه قبور ٦٤ عجلًا من العجول المعروفة باسم «أپيس» دفنت هناك، من القرن السابع عشر قبل المسيح، لغاية القرن الأول بعده؛ وتسنى له العثور في ذلك المكان، على كتابات تثبت أن الديانة المصرية القديمة إنما آلت في نهاية أمرها، إلى التثليث والتوحيد، على فرض أنها كانت في البدء اشتراكية — فأوزيريس هو الإله الأكبر ومبدع كل الكائنات؛ وأپيس تجسد في عجلة أصبحت أمًّا، وهي لا تزال عذراء، بفعل پتاه، روح القدس، وعليه فأوزيريس وأپيس وپتاه ثلاثة أقانيم في إله واحد، أوزيريس يقيم في السماء؛ وأپيس يعيش على الأرض، ولا بد له عند بلوغه سنًّا محددًا من الموت موتًا عنيفًا، على أنه يقوم بعد ذلك من بين الأموات ويصعد إلى السماء ليقيم في حضن أبيه باسم سيراپيس؛ وپتاه روحهما المرفرف بينهما — ثم تسنى له اكتشاف نيف وألفي أبي هول، وما يقرب من خمسة آلاف تمثال ونقش خلاف ثمانية تماثيل في منتهى الجسامة، تعد، من جهة كبرها، معجزة فن الحفر المصري، فكان والحالة هذه، خير من يعهد إليه إبراز المتحف المرغوب فيه، وما لبث أن دل نجاحه الباهر، على أن القوس إنما أعطيت باريها.

فإنه أقدم بهمة لا تعرف الملل، وشجاعة لا تبالي بالأخطار، على جمع ما لم يكن يتيسر جمعه لغيره. لم يحز علمه، من نفائس الآثار القديمة، حتى كون في بولاق متحفًا لا مثيل له في العالم، ادخر فيه من الذخائر والأعلاق، والأصنام، والتماثيل، والمكتوبات البردية، والنقوش، وموميات كبار الفراعنة؛ ما لا يعرف له قيمة، ولا يمكن لكنوز الدنيا بأسرها مشتراه، ولو بذلت في سبيل ذلك بالتدقيق — ومعرفة أحمد عرابي باشا هذا هو الذي حمله أيام أن آلت إليه الدكتاتورية بمصر، على الرغبة في بيع ذلك المتحف دفعة واحدة، ليسدد الديون المصرية الرسمية كلها بما يدفع له من ثمن فيه.١٨
ولا مشاحة فإن قيام الحكومة المصرية بالبحث عن آثار حياة البلاد المنقضية قبل ظهور المسيحية والإسلام، والتنقيب عليها، واكتنازها وإجلالها، وإقدام (إسماعيل) كثيرًا على دعوة ذوي المنزلة الرفيعة من زائريه، خمسة خمسة، وستة ستة، إلى تناول الطعام معه في سركوفاج (نادى) من السركوفاجات المكتشفة مع وقوف الأهالي على ما كان يبدو من السائحين الغربيين القادمين إلى بلادهم من الاهتمام بزيارة التشييدات الفرعونية والبطليموسية، زيارة تدقيقية؛ واقتناء ولو القليل والتافه، من آثار أولئك العواهل بأثمان باهظة، كل ذلك أدى إلى تيقظ عدة عوامل في القلوب لم يكن لها في الأجيال السابقة من أثر:
  • أولها: الاهتمام باقتناء أي شيء يكون من تلك الآثار، لبيعه بثمن يرضي النفس إلى الراغبين فيه من أولئك الأجانب؛ والمزاحمة على ذلك الاقتناء مزاحمة شديدة، يدل عليها ما يقصه الكونت لپيك عن الرجل الذي اغتصب من ولدي مهزار قردًا ذهبيًّا من أبدع المصنوعات واختص به بعد أن أشبعهما ضربًا.١٩
  • ثانيها: الاجتهاد في تقليد تلك الآثار تقليدًا متقنًا، عند عدم التمكن من العثور على الصحيح منها، كما فعل بعضهم في الأقصر: فإنه اشترى من أحد السائحين الفرنساويين، بمبلغ مائة فرنك كتابًا فيه خراطيش الفراعنة المختلفة، وشرع يصنع جعرانات وينقش عليها ما يشاء من تلك الخراطيش، نقشًا جميلًا، ويبيعها كأنها صحيحة وقديمة، بأثمان عالية لذات الخبيرين بها، ومن ضمنهم عالم ألماني اچپتولوچي مشهور، وهم لا يفقهون إلى التقليد، ويظنون، لا سيما ذلك العالم، أنهم بحيازتهم لها، إنما حازوا يتيمات بفاخرون بها مزاحميهم عليها.٢٠
  • ثالثها: نظر العامة نفسها نظر الإكبار، والإجلال، والتعظيم، إلى بقايا ذلك الماضي الخصيب المجيدة؛ وتحولهم، شيئًا فشيئًا عن شعور الاحتقار، الذي كان متأصلًا في قلوبهم لأهل تلك العصور، المدعوة عندهم «كفرية» لرغبتهم في الدلالة على مبلغ ازدرائهم إياها.

غير أن هذا التحول كان بطيئًا؛ وكثيرًا ما كان يقع للعملة أنفسهم المشتغلين تحت إدارة مارييت باشا أن يبدوا امتنانهم لنفس بقايا من كانوا ملوك أجدادهم في سالف الأيام.

فيُروى من هذا القبيل أن مارييت باشا لما عثر على مومياء الفرعون «مري إن را» من الأسرة السادسة، في جهة إهرام دهشور، كلف بعض أولئك العملة بنقلها إلى متحف بولاق؛ ولما كان لا بد لهم من الذهاب بها، في بادئ الأمر، إلى البدرشين، لاستقلال القطار الحديدي في محطتها، لم يجدوا طريقة لاجتياز المسافة بين المكانين خيرًا من وضع جثة ذلك الفرعون على ظهر حمار، عرضًا، وسوق الحيوان بها، وأطرافها متدلية من كلا جانبيه بشكل مهين — ولما بلغوا بها محطة البدرشين، وأرادوا أن «يخلصوا» عليها، ليسافروا بها إلى بولاق، وقع ناظر تلك المحطة في حيرة عميقة؛ لأنه لم يكن قد سمع بكلمة «مومياء» في عمره؛ فلم يعرف ما هي حينما سموها له، ولم يجد لها تسعيرة، بل ولا ذكرًا ضمن الأشياء التي تشحن الواردة في تعريفته. أخيرًا قطع لهم جميعًا تذاكر في الدرجة الأولى، واعتبر مومياهم فردًا منهم، فلما وصل بها حاملوها إلى كوبري بولاق وأرادوا أن يجتازوه بها أوقفهم رجال الدخولية، ليحصلوا منهم رسمًا عليها، ولكنهم لم يدروا ما هي، ولا في أي صنف من الأصناف تقع؛ حتى فتح الله على أحدهم، فقال: «ألا ترون أنها فسيخة؟» فقال رفاقه: «حقًّا! هي فسيخة!» وأخذوا عليها مكس فسيخة.٢١

فلتنفخ العظمة البشرية، أية كانت بعد ذا، أوداجها! فما أحراها بالدرس الذي ألقاه المسيو ماسبيرو خلف مارييت باشا على الأمير الألماني الصغير والمتغطرس غطرسة إمبراطورية، افتخارًا يحسبه البالغ من السن حوالي المائة والخمسين عامًا، أمام موميا ذلك الفرعون الراقدة عليها آلاف السنين! إذ قص عليه ما أصابها من امتهان، لا في بلاد غريبة، يعذر فيها الناس على جهلهم إياها، بل في البلاد ذاتها، التي كان صاحبها حاكمها المطلق، حيث كانت الحياة تعنو لجلاله؛ والقلوب، قبل الأبصار، توجف خشوعًا لهيبته؛ والركب تخر أمامه ساجدة! وعلى أيدي أحقر الملأ من سلالة أولئك الخاشعين الساجدين!

وربما كان للخنزير الذي كان أليف مارييت باشا في مسكنه بصحراء سقارة ودهشور دخل في بطء سير التحول عن احتقار العصور الفرعونية «الجاهلية» في نفوس مجاوريه وفعلته، فإنه كان من شأن ذلك الحيوان «النجس» في عرفهم أن يحملهم على الاشمئزاز، وعلى مزج صاحبه ومواضيع بحثه في عاطفة النفور عينها التي كانت توجبها نجاسته، لا سيما، بعد أن وقع له، يومًا، شديد القيظ، أنه خرج يلتمس فيئًا؛ فسارت به قدماه إلى رحبة مسجد مجاور، فرأى فيه «الميضا»؛ فحسن لديه الاستحمام فيها، فخاضها بلذة، وأبطأ في التمتع ببرودتها اللطيفة، حتى جاء المصلون، ساعة العصر، ليتوضأوا؛ فوجدوه منفردًا بمياهها، فحملوا عليه حملة منكرة، وأخرجوه مهينًا مضروبًا، واضطر مارييت إلى نقض بناء تلك «الميضا» لأنها نجست، وإعادته ثانية، بحجارة غير التي احتك فيها خنزيره الأليف.٢٢
وكان من لطائف ذلك الخنزير، أيضًا، أن لوردًا إنجليزيًّا ذهب، مرة، مع اللادي قرينته، لزيارة مارييت باشا في مقامه الصحراوي؛ فأمسكهم على الغداء، فما جلسوا على المائدة إلا وأتى الخنزير، كأنه كلب ظريف، وأخذ يحتك بالجالسين، طالبًا منهم نصيبه في الطعام، فثارت عوامل الاشمئزاز العميق في صدر اللادي، وأبدت استغرابها من «أن رجلًا كمارييت يتخذ مثل ذلك الحيوان القذر أليفًا له، دون غيره من الحيوانات الجديرة بذلك»، ولإظهار اشمئزازها، عمليًّا، غرست أسنة شكوها في ظهر ذلك المسكين، فما كان منه إلا أنه دخل تحت المائدة، وصدمها بظهره، فقلبها بصحونها وطعامها على حضرة اللادي، فأتلف لها ملابسها.٢٣
وبلغ من غيره مارييت باشا على ادخار الآثار الفرعونية واكتنازها، والضن بها على غير المتحف الذي أنشأه، أنه استصدر من الحكومة المصرية أمرًا ساميًّا يحظر تحظيرًا باتًّا، التنقيب عليها وبيع أي شيء كان منها إلى الأجانب؛ ونقل أي أثر يكون من مكانه، إلا بمعرفة رجال الآثار؛ وتصدير أي بقية من بقايا الماضي بمصر إلى أي قطر من الأقطار الخارجية — وكان نهب الآثار القديمة، قبل ذلك، مباحًا: فملأ بها سارقوها المتاحف الغربية الكبرى — فضمن بذلك بقاء الكنوز المصرية التاريخية لمصر والمصريين، دون سواهم؛ ولم يعد في استطاعة أحد أن يزين ببعض منها غير المتحف المصري، والميادين المصرية، إلا تهريبًا وتحايلًا. كما وقع للكونت لپيك وهو في الصعيد، فإن بعضهم عرض عليه مشتري موميا في سركوفاچها، كان قد عثر عليها، بدون اطلاع رجال الآثار، في أحد مدافن الملوك، التي كانت لا تزال تحت التنقيب، فتعرفها لپيك من الرسومات التي عليها، ولإدراكه قيمتها التاريخية، اشتراها بثمن جيد، ولكن الصعوبة كلها كانت في التمكن من تصديرها إلى فرنسا، مع تيقظ عيني مارييت ولا كأنهما أعين (أرجس) حارس بستان (الهسپريد) في الميثولوچيا اليونانية، وزادت تلك الصعوبة، بعد أن فشا خبر المشتري وبلغ أذني «الأجرس» المصري، وصدرت أوامره إلى ذوي الشأن بمديرية قنا، بمنع لپيك — ولو أنه فرنساوي مثله — من مقتناه، وإعادة الثمن الذي دفعه به إليه — وكان عشرين ألف فرنك، على ما أظن — وإرسال الموميا بسركوفاچها إلى المتحف، فعمد لپيك إلى من صنع له سركوفاچا كالذي فيه الموميا، برسوماته وألوانه، ولو أنها غير متقنة، ووضع فيه جذع شجرة، وسمر عليه غطاءه، ثم سلمه — كأنه يصدع بالأمر، ومقابل إعادة العشرين ألف فرنك إليه — إلى رجال السلطة في المديرية — وكانوا من الجهل في ذلك الموضوع بمكان عظيم — ورجاهم، فقط، ألا يرسلوه إلا بصحبته، حينما يئوب إلى مصر، عساه أن يتمكن من نيل تصريح من الحكومة المصرية بتصديره إلى فرنسا، فوعدوه — وكان هو في الأثناء قد سفر، سرًّا، السركوفاچ والموميا الحقيقيين إلى القصير، برًّا، ومنها إلى السويس، بحرًا، فإلى بورسعيد ومرسيليا — فلما تيقن أن ما اقتناه أصبح في فرنسا، قام من الأقصر إلى مصر، ومعه السركوفاچ الكاذب، فاستلمه مارييت أمامه، مبتهجًا، ولكن نظره ما لبث أن وقع على غطائه، إلا وقطب حاجبيه؛ لأن عينه الخبيرة أدركت التقليد، حالًا، ففتح السركوفاچ بيد مضطربة، وإذا به يرى جذع الشجرة داخله بدل جثة محنطة! فالتفت إلى لپيك وعوامل الاستغراب والغيظ والاستهزاء تتناوبه، وهو لا يدري أيها يبدي، فقابل لپيك نظره بقهقهة ضحك عالية؛ وقال: «لم يعد، يا صديقي، من وسيلة، سوى أني أرد إليك العشرين ألف فرنك التي دفعت إليَّ؛ فهاكها؛ لأن ما اشتري بها، حقًّا، أصبح في فرنسا!» فأدرك مارييت أن مواطنه ضحك عليه، ولما كان ممن يستطعمون ملح السخرية الظريفة أكثر مما تستفزهم السخرية إلى الغضب، انضم إلى لپيك في ضحكه، وانقضى الأمر بينهما على سلام!٢٤

وأما المكتبة الخديوية، فيعزو بعضهم إنشاءها إلى إشارة بذلك صدرت من السلطان عبد العزيز إلى (إسماعيل) ويقولون: إن هذا العاهل، لما زار مصر، وشاهد مساجدها وآثارها، ورأى الكتب العديدة من مخطوطات ومطبوعات، مبعثرة في خزاناتها، أشار على (إسماعيل) بإنشاء مكتبة عامة تجمع شتاتها، ليستفيد الناس بمطالعتها، وإن هذه الإشارة الهمايونية وقعت وقعًا جميلًا من نفس (إسماعيل).

على أننا، مع عدم ميلنا إلى تكذيب حكاية هذا الإيعاز، نرى أنه كان من طبيعة الاهتمام الذي أبداه (إسماعيل) بإحياء العلوم والمعارف في بلاده، ومن شأن رغبته في تكوين نهضة علمية أدبية فيها، أن يولدا في نفسه فكرة إنشاء تلك المكتبة، وكان جده (محمد علي الكبير) قد أوجد مستودعًا في بيت المال القديم، خلف المسجد الحسيني، لبيع مطبوعات الحكومة من كتب وغيرها، فأضاف (إسماعيل) إلى ما فيه من كتب، نحو ألفي مجلد من مخطوطات بالعربية والتركية والفارسية، ابتاعها من تركة حسن باشا الموناسترلي أحد كبار رجال (عباس الأول)، ولما كانت سنة ١٨٦٩ — وهي سنة الاحتفال بفتح القناة السويسية، وتوافد أصحاب التيجان وأرباب الأقلام إلى القطر — أوعز إلى علي باشا مبارك — وكان مدير ديوان المدارس؛ أي: ناظر المعارف — أن يتخذ محلًّا، من سراي درب الجماميز، بجانب ديوانه، ويجعله دار كتب خديوية، وينقل إليه ذلك المستودع برمته، وأهم ما يجد من كتب في المساجد والتكايا بمصر وغيرها من مدن القطر؛ ففعل، وأضاف إليها الكتب التي كانت في خزانة الأوقاف الخيرية، وكثيرًا من الآلات الهندسية والرسومات ونحوها.

فلما كانت سنة ١٨٧٠، أصدر (إسماعيل) أمرًا رسميًّا بإنشاء المكتبة، وأمر علي مبارك باشا بتنظيمها ووضع قانون لها؛ ففعل، وفي سنة ١٨٧٦ توفي الأمير مصطفى فاضل باشا شقيق (إسماعيل) — وكان كلفًا بالكتب، عربية وغيرها، حريصًا على اقتنائها، وعنده منها خزانة نفيسة فيها نيف و٣٥٠٠ كتاب، فابتاعها (إسماعيل) بثلاثة عشر ألفًا من الجنيهات، وأهداها إلى مكتبة الخديوية؛ وما زال يجد في اقتناء الكتب العربية وغيرها، وهو لا يبالي بالإنفاق، حتى صير تلك الدار تضارع مثيلاتها التي من درجتها في العواصم الأوروبية، وأعاد إلى الشرق الأدنى، مثالًا من مفاخره العلمية، التي ازدهت بها العصور العباسية والفاطمية؛ وأخرج إلى الأيام الحاضرة، في ثوب قشيب، تحفًا من تلك المفاخر، جعلتنا نشاهد عيانًا ما كنا نسمع عنه من خطوط متقنة، كخطوط ابن مقلة، ورسوم بهية بهجة ومكن ظمأنًا إلى العلم والبحث والمذاكرة، من ينابيع حية يلجأ إليها، فيرتوي.

وأما دار الآثار العربية، فإن (إسماعيل) أصدر أمره بإنشائها في سنة ١٨٦٩ وكلف بذلك فرنس باشا، رئيس هندسة الأوقاف، وكان غرضه منها جمع ما كان مبعثرًا في المساجد وغيرها، من الآثار العربية والإسلامية، على أنواعها، لتكون تلك الدار ضوءًا للمتحف المصري، المجموعة فيه الآثار الفرعونية والبطليموسية والرومانية والبيزنطية، فيكون الاثنان معًا، هيكلًا فخمًا للتاريخ المصري برمته، ينتقل فيه المطالع الباحث، أو المتفرج البسيط، من مرحلة إلى مرحلة، في حياة مصرنا هذه، على ممر العصور، وهو مأخوذ اللب دهشة، وإعجابًا وإعظامًا ولكن عللًا كثيرة، منها اشتغال المكان المطلوب لجمع تلك الآثار فيه بما سواها، حالت دون تنفيذ فرنس باشا أمر (إسماعيل) في عهده فلم تخرج فكرة «الخديو العظيم» إلى الوجود إلا في أيام ابنه وخليفته، المرحوم محمد توفيق باشا؛ وقد أنبأ علي بهجت بك، مدير دار الآثار العربية الآن، المؤرخ المحقق الكبير المرحوم جورجي زيدان بك «أن عدد ما كان في تلك الدار من التحف الأثرية، في سنة ١٩١٣، نحو ٤٠٠٠ قطعة، بينها آثار عربية إسلامية من بقايا التمدن الإسلامي على اختلاف عصوره؛ ومصنوعات حجرية وزجاجية، وخشبية، ونحاسية على الطرز العربي الجميل، تستحق العناية والدرس، وأكثرها من عصور الفاطميين والأيوبيين والمماليك والعثمانيين!»٢٥

غير أن مظهر النهضة العلمية الرسمي بمصر لم يقتصر، مطلقًا، على ما ذكر، ولو أنه تجلى فيه، على الأخص، فدار الطباعة، مثلًا، وجدت من (إسماعيل) عناية كبرى جعلتها أكبر مطبعة عربية في العالم، حتى بلغ متوسط المؤلفات المطبوعة فيها، سنويًّا، على عهده، نيفًا وعشرين مؤلفًا، فضلًا عن الكتب المترجمة وخلافها.

ثم إنه نشط الصحافة والجمعيات العلمية، والخيرية، والأدب على أنواعه، في سائر الأمصار العربية، تنشيطًا عظيمًا، بتشجيعه المعروف للعلم.

أما الصحافة، فهو الذي سهل الاشتغال بها على أدباء السوريين المتقاطرين في أيامه إلى مصر، طمعًا في كرمه؛ وأشهرهم آل تقلا، وأديب إسحق، وسليم النقاش، وسليم حموى، وغيرهم، ولم يكن يقاوم حريتها في أي موضوع تخوض فيه، ما عدا موضوع الطعن عليه؛ وعدم مراعاة جانبه، فإن الخوض فيه كان يؤلمه ويؤذيه، لا سيما في أيام ضيقه، وتنازعه على البقاء مع دائنيه وحماتهم، ولا غرابة، فما من عاهل، لا سيما في أيامه، ولا سيما من كان منبته وتربيته كمنبته وتربيته، كان يستطيع أو يريد أن يروض نفسه على احتمال انتقاد ألسنة الرعايا لأعماله، وما من رجل يحسن إليك ويرعاك، إلا ويستفزه أن تكون مع عدوه عليه، في وقت شدته.

أما الجمعيات، من علمية وخيرية، فقد أمدها بعنايته وماله، وشجع الناس على الاشتغال فيها، فإليه مرجع الفضل في تأسيس الجمعية الجغرافية الخديوية في سنة ١٨٧٥ — وكان من أهم أعضائها محمود باشا الفلكي، وستون باشا الأميريكي، وكلاهما من موظفي الحكومة المصرية — والجمعية العلمية الشرقية — وكان من أهم أعضائها أرتين باشا وفخري باشا، ثم انضم إليها سليمان أباظة باشا، وإلياس حبالين، والدكتور مهدي خان التبريزي — وساعدت حكومته على إنشاء الجمعية الخيرية الإسلامية الأولى في سنة ١٨٧٨، وأمدتها بالنقود؛ ولما كان الباعث على إنشائها روحًا سياسية اجتماعية دبت في نفوس المصريين في ذلك العهد، على أثرها شاهدوه من استئثار الأجانب بمرافق البلاد الاقتصادية، فحملتهم على فتح المدارس لتعليم البنين والبنات، وتهذيب أخلاقهم، في ميدان حرية مطلقة، فإن الحكومة اشترطت عليها لكي يسمح لها بذلك، ألا تكون خاصة بالمسلمين، وألا تصطبغ بصبغة دينية خاصة، فغيرت الجمعية اسمها، وتسمت «بالجمعية الخيرية»، فاعتبرت رسميًّا وصدق على قانونها.

وأما الأدب، فقد نشطه (إسماعيل) بما سهل لرجاله من أسباب الرزق في خدمة حكومته، وخدمته الشخصية، وغيرها، فقد قرب إلى ذاته الشاعرين المجيدين عليا أبا النصر المنفلوطي والشيخ علي الليثي، والكاتب الفريد عبد الله فكري باشا؛ وألحق بمعيته عبده الحمولي الموسيقي المغني الشهير، وعهد بتثقيف أبنائه إلى الأستاذ الشيخ عبد الهادي نجا الأبياري، ووهب إبراهيم المويلحي، بعد أن خسر ثروته في التجارة، مالًا استرجعها به، ووظف نقولا بك توما في حكومته، حينًا، وأدنى من نفسه الدكتور أحمد حسن الرشيدي، وأوعز إليه أن يشتغل؛ فألف كتاب «عمدة المحتاج لعلمي الأدوية والعلاج»، ولما انتقل يوسف الخياط بجوقه التمثيلي من الإسكندرية إلى مصر في سنة ١٨٧٨، أمر (إسماعيل) أن تفتح له أبواب الأوبرا لتمثيل رواياته فيها، ووعد أن يحضر التمثيل بنفسه، ولكن ذلك الغبي لم يجد رواية في متعلماته يفتتح بتمثيلها الفصل إلا رواية «الظلوم»؛ وكان (إسماعيل) حاضرًا: فغضب لما تخللها من ذكر الظلم والظالمين في تلك الأيام العصيبة، التي كانت الحرب فيها، بينه وبين الدائنين الغشومين، عوانًا؛ وتوهم بحق أن أولئك الممثلين، بالرغم من أنه غمرهم بفضله، يعرضون به وبأحكامه، انقيادًا لإيعازات أعدائه، فاستنقصهم جدًّا، وحكم بأنهم غير جديرين بالنعمة التي أسبغها عليهم، وأمر بإخراجهم من مصر، فباءوا بعار وخزي عظيمين.

وأما العلم، فلا أدل على اهتمام (إسماعيل) به، وجهاده في سبيل ترقية شئونه من البضع والعشرين بعثة علمية التي سيرها إلى مجاهل إفريقيا الوسطى والشرقية، لاكتشافات علمية متنوعة، سيأتي ذكرها، بالتفصيل، في كلامنا على تحقيقه الشطر الثالث من الخطة التي رسمها لمجهوداته.

وأما المظهر الفردي لتلك النهضة، فتجلى في مجهودات النابغين من المدارس المصرية والسورية على اختلاف أنواعها ومذاهبها، ومن الإرساليات المدرسية إلى البلاد الأجنبية، منذ أيام (محمد علي)، ومباحثهم وأعمالهم وتآليفهم.

فحسين حسني باشا — الذي بدأ حياته العملية بصفة مصحح وكاتب بالتركية في الوقائع الرسمية سنة ١٨٥١، وآلت إليه، في نهاية أمره، النظارة على مطبعة بولاق الأميرية سنة ١٨٨٠ — كان من نوابغ الرجال في الهمة والإقدام، فضلًا عن سعة اطلاعه على الرياضيات والميكانيكيات، (علوم الحيل)، وإليه يرجع الفضل في استجلاب معمل الورق لمصر.

ومحمد علي باشا الحكيم، وإبراهيم الدسوقي، كانا أول من أنشأ مجلة طبية في اللغة العربية سنة ١٨٦٥، دعواها «اليعسوب» وضمناها من المباحث الجليلة، ما ترتوي منه الألباب، وترتاح إليه العقول — ألا ليتها عاشت طويلًا!

وأبو السعود أفندي، الذي ترجم عدة كتب تاريخية وغيرها، كان أول من أنشأ جريدة سياسية مصرية، فدعاها «وادي النيل» واستمر يصدرها مرتين في الأسبوع طافحة بالمقالات السياسية والأدبية والعلمية، إلى أن وافته المنية سنة ١٨٧٨.

وإبراهيم المويلحي، ومحمد عثمان جلال، تلياه في هذا المضمار، وأنشأ في القاهرة في سنة ١٨٦٩ «جريدة نزهة الأفكار» — وكانت أسبوعية، شديدة اللهجة، فاضطرت الحكومة إلى تعطيلها.

وسعيد صالح بك، ناظر المدارس، أصدر في سنة ١٨٧٠ مجلة دعاها «روضة المدارس» أخذ يطبعها في مطبعة «وادي النيل» ويوزعها على الطلبة مجانًا — وكانت علمية، أدبية، يحررها نخبة من العلماء والأدباء، منهم عبد الله فكري باشا السابق ذكره، وإسماعيل باشا الفلكي، وبدر بك الحكيم، وعلي مبارك باشا، ورفاعة بك، وقدري بك — وهو الذي أصبح، فيما بعد، قدري باشا المشهور بمؤلفاته، وكان كل منهم ينشر فيها مقالات متسلسلة في موضوع واحد كالكتاب المستقل.

وميخائيل عبد السيد أفندي أصدر جريدة «الوطن» في سنة ١٨٧٧ — وهي أقدم الصحف القبطية — وسليم حموي باشا السوري أصدر جريدة «الكوكب الشرقي» في الإسكندرية سنة ١٨٧٣؛ ولكنها لم تعش طويلًا، وسليم تقلا بك، وبشارة أخوه، السوريان، أصدرا بالإسكندرية في سنة ١٨٧٦ جريدة «الأهرام»، فنالت حظًّا وافرًا من الرواج والنفوذ؛ ولا تزال تنشر لغاية يومنا هذا، وربما كان لها من اسمها الحظ في البقاء الذي أتعبت الدهور جهودها في حرمان مسماها منه، ولم تفلح.

وأحمد حسن الرشيدي — وهو من كبار نوابغ مدرسة الطب المصرية، وقد سبق الكلام عنه — جاهد في خدمة النهضة التي نحن في شأنها جهاد الأبطال، ترجمة وتأليفًا؛ فكان من أكبر أركانها ومن أكثر الأطباء عملًا في سبيلها، وهو، وإن يكن من نابغي عصر (محمد علي) إلا أنه قد أدرك زمن (إسماعيل) وألف، في أكثر فنون الطب والطبيعيات والأقرباذين، التآليف الوافية الممتعة.

ومحمد علي باشا البقلي، الجراح الطائر الصيت — وهو من زاوية البقلي بالمنوفية، وقد سبق ذكره أيضًا — قد ألف في الجراحة جملة كتب مفيدة، منها: «روضة النجاح الكبرى في العمليات الجراحية الصغرى» و«غرر النجاح في أعمال الجراح» و«غاية الفلاح في فن الجراح» و«نشر الكلام في جراحة الأقسام»، علاوة على إصداره «اليعسوب» المجلة الطبية العربية البادي ذكرها.

وحسن عبد الرحمن بك — وكان من أساتذة مدرسة الطب في أيام نظارة محمد علي باشا البقلي عليها — ألف، بأمر رئيسه هذا، كتاب «القول الصحيح في علم التشريح»، لكي يدرس في المدرسة المذكورة.

وأحمد ندا بك، الصيدلي الشهير، المتوفى سنة ١٨٧٧، كان همامًا، كثير العمل والبحث، محبًّا للتأليف ونشر العلم، وله مؤلفات جزيلة الفائدة، أهمها: «الآيات البينات في علم النباتات» و«حسن البراعة في فن الزراعة» (مترجم عن الفرنساوية) و«حسن الصناعة في فن الزراعة»، وضعه للتعليم في مدرسة الزراعة التي أحيل إليه التدريس فيها بعد إنشائها، و«الأقوال المرضية في علم الطبقات الأرضية» (چيولوچيا)، وهلم جرًّا.

وحسين عوف بك الكحال، المتوفى سنة ١٨٨٣ — وكان، في عصره، ركنًا من أركان العلم الأربعة، وهم: أحمد ندا بك في التاريخ الطبيعي، ومحمد علي باشا البقلي في الجراحة، وحسن عبد الرحمن بك في التشريح، والمتكلم عنه في الرمد — ألف في فنه هذا كتابًا ذا سبعة أجزاء من خير ما دبجه يراع الكاتب.

ومحمد حافظ بك، المتوفى سنة ١٨٨٧ — وكان أستاذ الرمد في مدرسة الطب — ألف كتاب «مطمح الأنظار في تشخيص أمراض العين بالبحث بالمنظار».

وسالم سالم باشا، المتوفى سنة ١٨٩٣، صاحب الشهرة الواسعة، ألف كتاب «وسائل الابتهاج إلى الطب الباطني والعلاج» و«دليل المحتاج في الطب والعلاج»، وأكثر مصادره ألمانيه؛ لأنه تمم اختباراته الطبية في ڨيينا، بعد خروجه من مدرسة القصر العيني سنة ١٨٤٨.

وعلي رياض بك، الصيدلي، نشر في عهد (إسماعيل) كتاب «النفحة الرياضية في الأعمال الأقرباذينية».

وعبد الهادي إسماعيل، معلم البيطرة في المدارس الحربية، ألف كتاب «العجالة البيطرية لإرشاد الضباط والسوارى والطوبجية».

ومنصور أحمد، مدرس الكيمياء بمدرسة المهندسخانة المصرية، ألف كتابه «عمدة المتطببين في فن الصيدلة والأقرباذين».

ألا يخيل لك، أيها القارئ، أنك في أيام الرشيد والمأمون؛ وهلا تتمثل أمامك شخصيات آل بختشوع وآل حنين، وأنت تقرأ أسماء كل هؤلاء النوابغ المصريين في علمي الطب والصيدلة؟

وبهجت باشا — وهو أرناؤطي الأصل — خلف خرائط طوبوغرافية يعتد بها.

وعلي عزت، المدرس للعلوم الرياضية في المهندسخانه، ألف «الخلاصة العزية في تهذيب الأصول الحسابية».

وأحمد فائد بك، وهو من كبار أساتذة المهنسدخانة الخديوية، وضع المؤلفات الجمة في الهندسة والسوائل، أهمها: «الأقوال المرضية في علم بنية الكرة الأرضية» و«تحرك السوائل» و«الدرة السنية في الحسابات الهندسية».

وعامر سعد، مدرس الرياضيات بالمدارس الحربية، ألف «المنحة الزهرية في الأعمال الجبرية» و«أحسن الوسائل لتصريف السوائل».

وأحمد نجيب، مدرس الرياضة بمدرستي أركان الحرب والطوبجية، ألف «التحفة البهية في الهندسة الوصفية».

وحسين علي الديك، ألف كتاب «عدة الحاسب وعمدة الكاتب» في الحساب ومسك الدفاتر والديوانية.

ومحمود باشا الفلكي، المذكور مرارًا والمتوفى سنة ١٨٨٥، عن ثمانين عامًا، ألف بالفرنساوية والعربية مؤلفات جمة ممتعة.

ومختار باشا المصري، وكان كثير الاشتغال في الرياضيات والفلك، ألف «التوفيقات الإلهامية لمقارنة السنين الهجرية بالإفرنجية والقبطية» و«المجموعة الشافية في علم الجغرافية» و«جداول تحويل المسطحات المترية»، وهلم جرًّا.

وإسماعيل باشا الفلكي، ألف «الآيات الباهرة في النجوم الزاهرة» وتقاويم فلكية سنوية.

والسيد صالح مجدي بك، المحالة إليه ترجمة الكتب في الفنون العسكرية، ألف «الدر المنثور في الظل والمنظور» و«بغية الطلاب في قطع الأحجار والأخشاب» و«الروضة السندسية في الحسابات المثلثية» و«تذكير المرسل بتحرير المفصل والمجمل» و«ميادين الحصون والقلاع ورمي القنابل باليد والمقلاع» وكتاب «الترع والأنهر»، وهلم جرًّا.

ومحمد صفوت المشهور باسم «الساعاتي المصري»، وعلي أبو النصر المنفلوطي، والشيخ علي الليثي، أطربوا العام والخاص والسوقة والأمراء بأشعارهم الجميلة.

ومن نكات الشيخ علي الليثي المستظرفة أنه دخل يومًا هو والشيخ علي أبو النصر المنفلوطي على (إسماعيل)، والخديو منقبض النفس، وكان الرجلان — على خفة روحهما التي كانت كأنها خطرة نسيم عطر — طويلي القامة جدًّا، دميمي الخلقة، وأسودين سوادًا يكادان يكونان زنجيين.

فلما وقعت عين (إسماعيل) عليهما أخذ يجيلها في طولهما وعرضهما، ويرفعهما بها ويضعهما، فلما رأى الشيخ علي الليثي منه ذلك، شرع يقلب كفًّا على كف، فقال (إسماعيل) له: «ما بالك تفعل هذا؟» قال: «أفكر في أمر أقوله إذا صفح عنه مولاي مقدمًّا». قال: «لقد صفحت، فقل». قال: «أراني أستغرب ما الذي أعجب به مولاي في مدخنتين مثلنا أنا وزميلي هذا!» فضحك (إسماعيل) وسري عنه.

وقد كان الشيخ علي الليثي هذا — على ما به من خفة روح وعلى ما في شعره من الإبداع والرواء — على جانب متين مع الله، فمن أجمل ما يُحكى عنه أن رجلًا يقال له: محمود فوزي أفندي (كان ناظرًا لدار العلوم فأنزله علي مبارك باشا إلى وظيفة أستاذ الكيمياء والطبيعة في إحدى المدارس الثانوية، ثم ما زال به حتى رفته بتاتًا، مع أنه كان ابن زميل له في التلمذة بفرنسا) قصده وسأله أن يتوسط له لدى الباشا لكي يعيده إلى منصبه، لعدم تمكنه من استخدام علمه في الكيمياء والجغرافيا الطبيعية إلا في التدريس، فقال له الشيخ علي الليثي: «أعفني، يا ولدي، من هذه المهمة؛ فإنها شاقة على نفسي، فعلي مبارك باشا هذا رجل سيئ الأخلاق وأخشى إذا أنا كلمته في هذا الشأن أن لا ينالني منه إلا إراقة ماء وجهي!» ولكن محمود أفندي تشدد في التماسه، فتظاهر الشيخ علي بأنه يروم قضاء حاجة فاستدعى خادمه وقال له: «ضع لي إبريق الماء في بيت الراحة»، وكانت هذه جملة مصطلحًا عليها بينه وبين خادمه، يعني «أحضر لي عربتي!» ثم قلع جبته وخرج واضطر محمود أفندي إلى انتظاره حتى يعود.

ولكن الشيخ علي ما بارح الحجرة إلا وارتدى جبة خلاف الجبة التي تركها فيها وسار توًّا إلى علي مبارك باشا في ديوانه ودخل عليه وبادره بالكلام هكذا: «أنت يا رجل أوقع في خلدك أن بيتي تكية لك ترسل إليها من تشاء؟» فدهش علي باشا وقال: «ماذا تعني يا شيخ علي؟» قال: «أعني أن كل من ترفته أنت من موظفيك يأتي فيحل في بيتي»، وها محمود فوزي أفندي خوجا الكيمياء والطبيعة في المدارس الثانوية، الذي رفته منذ أيام، أتاني بأمه وزوجه وأولاده وأخواته ونزل عندي، وأراني مضطرًّا إلى الإنفاق عليه؛ أفترى أن أولادي قليلون عليَّ فترهقني بالإنفاق على كل هذه العائلة. قال علي باشا: «ولكن محمود أفندي هذا رجل شرس الأخلاق، قليل الأناة، كثير المخالفة للأوامر!» فقال الشيخ علي: «وأنا ما شأني حتى تنكبني به وبأولاده؟ إني سأرسله إليك من غد، فأعده إلى وظيفته وزد في مرتبه!» قال علي باشا: «وتريد أيضًا أن أزيد في مرتبه؟» قال: «نعم» وخرج عائدًا إلى منزله، فوجد محمود أفندي هناك في انتظاره، فما رآه هذا استوى على مقعهده إلا وأعاد الكرة وكرر الالتماس، فقال له الشيخ علي: «يا بني إني، بعد ما قلته لك عن أخلاق علي مبارك باشا، أرى أن الأوفق أن تكتب له عرضًا تسترحمه فيه وتطلب إعادتك إلى وظيفتك!» ثم قدم له ورقة وقلمًا، وقال: «خذ واكتب!» وأملاه عرضًا لطيفًا وصرفه موصيًا إياه بأن يذهب به إلى علي مبارك باشا من صباح غد.

ففعل محمود أفندي كما أمر، ولما أدخل العرض إلى علي مبارك باشا أمر بكاتبه فمثل بين يديه، فقال له الباشا: «أأنت كاتب هذا العرض؟» قال: «نعم». قال: «وأنت من الذي عرفك بالشيخ علي الليثي؟ حقيقة إنكم أناس لا تختشون!»

ثم استدعى باشكاتب الديوان وأمره بأن يكتب إذنًا بإعادة محمود أفندي إلى وظيفته، وبزيادة جنيه على مرتبه الأصلي وصرفهما.

فخرج محمود أفندي وهو لا يدري أفي يقظة هو أم في منام، ولما كان العصر وفرغ من عمله، ذهب إلى الشيخ علي الليثي ليشكره، وقال له: «حفظ الله مولاي الأستاذ، فإنه لم يعلمني البتة أنه قابل علي مبارك باشا البارحة وأوصاه بي خيرًا!» فأجاب الشيخ علي: «إني يا بني إنما أردت أن يكون اعتمادك على الله، لا على الشيخ علي، وقد خرجت أنت من عندي ولا اعتماد في قلبك إلا على الله، وها قد تحققت بنفسك أن من يعتمد على الله لا يخيب».٢٦

وعائشة التيمورية، ومعلمتاها فاطمة الأزهرية وستيتة الطبلاوية، فتحن بأناملهن العنابية باب أفق جديد أمام الأعين المعاصرة لهن، المبتهجة بعملهن الشعري والنثري البديع.

وعبد الهادي نجا الأبياري، السابق ذكره، صاحب كتاب «سعود المطالع» وكتاب «نفحة الأكمام في مثلثات الكلام» و«الوسائل الأدبية في الرسائل الأحدبية» و«الكواكب الدرية في نظم الضوابط العلمية» وكتاب «باب الفتوح لمعرفة أحوال الروح»، وغيرها.

والشيخ حسين المرصفي المصري، صاحب «الكلم الثمان» و«الوسيلة الأدبية في العلوم العربية» جعلا لعلوم اللغة بمصر مقامًا كالذي رفعها إليه في سوريا الشيخ ناصيف اليازجي، صاحب «مجمع البحرين» و«فصل الخطاب» وأحمد فارس الشدياق، صاحب «سر الليال في القلب والإبدال» و«غنية الطالب».

وعبد الله أبو السعود، صاحب جريدة «وادي النيل»، وحسن حسني باشا الطويراني، وعلي مبارك باشا، ورفاعة رافع بك، أعادوا عصور ابن الأثير وابن خلدون والمقريزي بما كتبوه من المؤلفات التاريخية والجغرافية المفيدة، فأبو السعود، وضع كتاب «الدرس التام في التاريخ العام» وكتاب «منحة أهل العصر بمنتقى تاريخ مصر»؛ وحسن حسني الطويراني، وضع كتبًا في العربية والتركية في تاريخ الدولة العثمانية، تعد بالعشرات؛ وعلي مبارك باشا، ألف كتاب «الخطط التوفيقية» في عشرين جزءًا، تحدى فيه أسلوب المقريزي في «خططه»؛ ورفاعة رافع بك، من رجال عهد الأسرة العلوية لغاية (إسماعيل)، وضع في التاريخ سفرًا جليلًا، دعاه «أنوار التوفيق الجليل في أخبار مصر وتوثيق بني إسماعيل» حال المنون بينه وبين إتمامه، فلم يطبع منه سوى الجزء الأول، وذلك فوق ما كتب من الأسفار الهامة في غير عهد (إسماعيل).

ومحمد عليش المغربي، صاحب «فتح العلي المالك، في الفتوى على مذهب الإمام مالك»؛ وقدري باشا، صاحب «مرشد الحيران إلى معرفة أحوال الإنسان» وغيره؛ ومحمد العباسي المهدي، صاحب «الفتاوى المهدية»، أعادوا إلى الشرع والقضاء، شيئًا من سنا الأنوار التي أشرقت عليهما، على أيدي أبي حنيفة النعمان وأبي يوسف والإمام مالك وغيرهم.

وجمال الدين الأفغاني — ولو أنه غير مصري، وأنه لم يخلف كتبًا تستحق الذكر — قد أحيا بمقامه بمصر مدة في زمن (إسماعيل) روحًا في نفوس المسلمين من أهالي البلاد، كان لتحركاتها، ومساعيها، وجهودها التالية شأن خطير، اصطبغ به الربع الأخير من القرن التاسع عشر، اصطباغًا أزعج الكثيرين من أرباب السياسة.

وأما مظهر النهضة الاجتماعي، فتجلى في الجمعيات على أنواعها التي قامت في ظل (إسماعيل) أو في عهده، تفتح للهمم سبل أعمال جديدة، من خيرية، وعلمية، وخطابية، وأدبية، وسياسية.

فالجمعية الخيرية الإسلامية، وقد سبق الكلام عنها؛ وجمعية المقاصد الخيرية، وقد تأسست في سنة ١٨٧٨، تحت رياسة سلطان باشا، وبعضوية مقبل باشا، وكثيرين من أعيان مصر، نزعتا إلى أعمال البر والتعليم، ففتحتا المدارس، وأمدتا عدة أسر فقيرة.

ومجلس المعارف المصري — وهو «الانستييوت» أو المعهد العلمي المصري، الذي أنشأه بونابرت، حين قدم بحملته إلى مصر، بعث من رمسه في سنة ١٨٥٩، على يد جماعة من رجال العلم الغربيين — قام ينشر المدنية والعلم بمصر، وتوالى على رياسته نخبة من العلماء، في جملتهم مارييت باشا، ودشامبور، وكولوتشي، وغيرهم.

وجمعية المعارف — وقد تأسست في سنة ١٨٦٨ بمساعي محمد عارف باشا، أحد أعضاء مجلس الأحكام لنشر الكتب النافعة، وبرزت في شكل شركة مساهمة، ثمن السهم فيها خمسة جنيهات، فلقيت إقبالًا كثيرًا حتى بلغ عدد المساهمين أو الأعضاء بضع مئات، مزيتهم الوحيدة الحق في اقتناء مطبوعات الجمعية بثمن أقل مما تعطى به لسواهم — شرعت تطبع الكتب الهامة في التاريخ واللغة والأدب والفقه، منها: «أسد الغابة» لابن الأثير و«ألف باء» و«الفتح الوهبي» و«تاج العروس» وغيرها، وما زالت عاملة حتى حدث التنازع السياسي الذي سيأتي بيانه في حينه، بين (إسماعيل) وحليم باشا، على مبدأ الوراثة؛ وكان محمد عارف باشا من مروجي آراء حليم، فلم تعد تطيب له الإقامة بمصر؛ ورأى أن سكناه الأستانة أوفق للمصلحة التي قام يدافع عنها، فذهب إلى القسطنطينية، وتوفي فيها، وانحلت الجمعية، وكان عارف باشا هذا من أهل الأدب، له مؤلفات في التركية، ويحسن اللغة العربية، ويروون من نظمه بيتين يفتخر بهما، ويدلان على عقليته، وهما:

ألم تعلم بأن سماء فكري
تلوح بأفقها شمس المعارف؟
تفرس والدي فيَّ المزايا
فيوم ولدت، لقبني بعارف!
وجمعية رواق الشوام بالأزهر، وقد أنشأها طلبة الأزهر السوريون سنة ١٨٧٣، أخذت، كلما عزم طالب سوري على الرجوع إلى الشام نهائيًّا، تحدد ليلة للاجتماع، تعلنها إلى أهل الرواق، فيعد الشعراء قصائد الوداع، ويتلونها ليلة السفر بمحضر من علماء الأزهر وأدبائه، وكانوا يبتدئون القصيدة بالغزل، ثم يتخلصون إلى المديح والوداع، ويتبارون ويتنافسون فيها أيما تنافس، ولم يكن الشعراء من السوريين فقط، بل كل من أراد أن ينظم قصيدة، أيًّا كان، تقبل منه، ويؤذن له بتلاوتها.٢٧

وجمعية الآداب، وأنشئت بمصر سنة ١٨٧١، وتولى رياستها الشيخ محمد الخشاب الفلكي؛ والجمعية العلمية الشرقية، وقد سبق ذكرها، قامتا مشتهرتين باسمي علم، ترميان إلى أغراض سياسية في طي الخفاء.

وأما جمعية «مصر الفتاة» فقد كانت سياسية، جوهرًا ومظهرًا؛ وذكروا أن من أعضائها جمال الدين الأفغاني، وأديب إسحق، وسليم النقاش، وعبد الله نديم، ونقولا توما، وغيرهم من أرباب الأقلام في ذلك العهد، وذلك لصدور جريدة سميت «مصر الفتاة» باسم الجمعية عينها، دبج أعمدتها بالعربية والفرنساوية معًا أقلام أولئك المفكرين، على أن بعض الثقات أكدوا لجورجي زيدان بك، أن هذه الجمعية كانت اسمًا بلا مسمى؛ وأن أصحاب جريدة «مصر الفتاة» أرادوا إيهام أولي الأمر بوجود جمعية سرية يخشى بأسها، فيعتدلون.

غير أن أهم ما تجلى فيه مظهر النهضة الاجتماعية، هو مجموع التغييرات الأساسية التي أدخلها عصر (إسماعيل) على الحياة الاجتماعية المصرية، فجعلت بقاءها على جمودها القديم أمرًا في منتهى التعذر، وسيرتها باستمرار نحو بيئات جديدة، وعقلية حديثة، وهو ما توخينا في الفصل التالي.

على أننا، قبل الخوض في هذا الموضوع، نرانا مضطرين أن نلفت نظر القارئ إلى أننا لا نقصد، من قولنا هذا، الحكم بصلاحية تلك التغييرات الأساسية، واستنكار ما كانت عليه البلاد من جمود قديم؛ أو الحكم بالعكس: لأن ذلك، في كلا الأمرين، يستدعي بحثًا ليس له هنا من موضع، وإنما نقصد إثبات واقع، ترك في تاريخ القطر أثرًا عميقًا، ندع الحكم في صلاحيته من عدمها إلى ذكاء القارئ وتحقيقات الأيام.

١  أهم مصادر هذا الفصل: «التعليم العام بمصر» ليعقوب أرتين باشا، و«التعليم العام بمصر» للمسيو ف.إدوار دور بك.
٢  صاحب الجلالة فؤاد الأول المعظم، ملك مصر. كتب في سنة ١٩١٨.
٣  مالورتي «مصر» ص٦٩ حاشية ٣١٢.
٤  انظر: «التعليم العام بمصر» ليعقوب أرتين باشا ص٩٢.
٥  انظر: «مصر كما هي» لماك كون ص٢١٠.
٦  انظر: «التعليم بمصر» لدور بك ص٣٠٤.
٧  انظر: «التعليم العام بمصر» لدور بك ص١٧٣ و١٧٤ و١٧٥.
٨  انظر: «التعليم العام بمصر» لدور بك ص٨٦.
٩  انظر: «مصر كما هي» لماك كون ص٢٣٠.
١٠  انظر: «مصر كما هي» لماك كون ص٢٣١.
١١  طالع: كتابي المس واتلي المعنونين: «رجد ليف إن إچپت»، و«أند مور أبوت رجدليف إن إچپت» أي: «حياة البؤساء بمصر»، وأيضًا «عن حياة البؤساء بمصر».
١٢  وكانا — على أنهما سوريان — متجنسين بالجنسية اليونانية.
١٣  دار الكتب المصرية.
١٤  روى لي هذه الرواية صديقي الأستاذ الشيخ مرسي محمود المحامي، بكيفيتة النكتية اللطيفة، ولكنه، مثلي، يميل إلى عدم تصديقها.
١٥  انظر: «مصر الخديوي» لإدون دي ليون ص١٦٠.
١٦  انظر: «مصر» لمالورتي ص١٠٤.
١٧  أهم مصادر هذا الجزء من هذا الفصل: «تاريخ آداب اللغة العربية»، و«تاريخ مصر الحديث» لجورجي بك زيدان، و«تاريخ التمدن الإسلامي» له أيضًا.
١٨  انظر: «مصر الأخيرة» للپيك ص٨١.
١٩  انظر: «مصر الأخيرة» للپيك ص٢٦٨ و٢٦٩.
٢٠  انظر: «مصر الأخيرة» للپيك ص٢٦٤ و٢٦٥.
٢١  انظر: «مصر الأخيرة» للپيك ص٧٦ وما يليها.
٢٢  انظر: «مصر الأخيرة» للپيك ص٦٧.
٢٣  انظر: «الكتاب عينه» ص٦٦ و٦٧.
٢٤  انظر: «مصر الأخيرة» للپيك ص٢٧٩ و٢٨٠ و٢٨١ و٢٨٢.
٢٥  انظر: «تاريخ آداب اللغة العربية» لجورجي زيدان بك ص١٥٠ ج٤.
٢٦  قص علي نكتة الشيخ علي الليثي المستظرفة وعمله هذا الطيب حضرة صاحب الفضيلة والعلم والنبل الحسيب النسيب السيد محمد علي الببلاوي نقيب السادة الأشراف في القطر المصري ومراقب إحياء الآداب العربية، وإني أغتنم فرصة ذكر اسمه الكريم هنا لإسدائه أجمل عبارات شكري على ما تفضل به من العناية الفائقة بطبع كتابي هذا، وجعله خالصًا من كل شائبة تقلل من قيمته في اعتبار القراء.
٢٧  كلام المرحوم خفني ناصف بك.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠