الفصل السادس

التغييرات التي أدخلت على الحياة الاجتماعية المصرية فأوجبت تطورها المستمر١

إنما تحمل الشعوب على تغيير نظامها الصحي، وعاداتها، وطرق معيشتها، بتغيير حال مساكنها، وتجديد صميم بيوتها تجديدًا كليًّا.

كاتب عصري

(فإسماعيل) وإن لم يغير حال المساكن، ولم يجدد صميم البيوت، بمعنى هذين التعبيرين الحرفي — لأن ذلك كان يقتضي هدم المساكن والبيوت — فقد أقام طوال مدة حكمة عاملًا على تغيير عقلية رعاياه: فكريًّا، وإداريًّا، وقضائيًّا، ومنزليًّا، وسياسيًّا، واجتماعيًّا، مع إقدامه على تغيير بيئة المساكن والبيوت، بما جدد من الشوارع القائمة تلك المساكن والبيوت عليها؛ وما أنشأ من شوارع جديدة مشجرة وعمارات جديدة فخمة على الطراز الغربي بجانب الشوارع والسكك والمباني القديمة، أو على مقربة منها، كما سبق لنا بيانه، وإقدامه، في الآن عينه، على تعديل صميم المساكن والبيوت بما أدخله إلى عقرها من تعليم، وتهذيب، وأفكار، وطرق معيشة جديدة.

أما فكريًّا، فإن (إسماعيل)، برفع مستوى عقلية أمته، بواسطة المدارس التي أنشأها، والتعليم المتنوع الذي مد موائده الفاخرة فيها، وبإقدامه على عموم الأعمال التي سبق لنا بيانها في الفصول الخمسة السابقة، والتي كان إذا نظر إليها يقول بحق: «إن بلادي لم تعد إفريقية، ولكنها أصبحت بقعة من أوروبا»؛ بل بإقدامه على الاعتناء الفائق بضيوفه الأجانب، اجتهد في أن يطمر الهاوية التي حفرتها الأيام بين المسلمين وغيرهم، بما غير من فكر الغربيين في بلاده وقومه، وبما غير من أفكار قومه في الغربيين؛ فحمل بذلك الغربيين على احترام المصريين وتقديرهم المصري قدره، وتجنب إيذائه لما هو عليه من حضارة وعلم، وحمل المصريين على احترام الغربيين لما يدركونه فيهم من علم وفضل، ولما يرونه من أمير البلاد، من بذل الحفاوة والإكرام لهم.

ولعلمه أن أحكام الناس على الناس تتكون بالسماع وبالمطالعة، أكثر منها بالامتحان والاختبار الشخصي لم يأل جهدًا في حمل كتاب الغرب على مدح التطور المتنوع، الملائم لروح العصر، السائر بمصر في أيامه، باستمرار وسرعة، نحو العقلية الغربية، والحضارة الأوروبية، ولم يكن يستنكف بذل المال في هذا السبيل، بسخاء ملكي، ذهب ببعض المؤلفين إلى المغالاة، وتقدير ما أعطاه للجرائد والكتاب، بنيف وخمسة ملايين من الجنيهات.

ثم إنه، من جهة ثالثة، بما بذله من مساع في سبيل تقييد الامتيازات الأجنبية، ووضع حد لتعديات الأوباش والزعانف من الجاليات الغربية، لا سيما اليونانيين مما سيأتي بيانه في حينه، اجتهد في إزالة حاجز آخر من الحواجز العديدة الكبرى القائمة دون تعديل العلائق بين رعاياه والأجانب، لاختلاف شكل العقلية بينهم.

ولا شك في أن النجاح، إن لم يكن كله، فجله، كلل في نهاية الأمر جهوده هذه، ولئن لم يظهر ذلك جليًّا في أيامه، فالأسباب لعدم ظهوره خمسة رئيسية:

(الأول): وقوف «الشراقوة»، وهم الذين يدعوهم الفرنج «ليڨنتيين» — ومعظمهم يهود — أمام المصريين في زي الغربيين، وادعاؤهم أنهم غربيون، فقد كانوا ينتمون إلى الجنسيات التي توافق هواهم، ولم يكونوا من الانتساب إليها في شيء. كل ما هنالك أن أسراتهم — وقد أثرت من الربا — كانت قد أرسلتهم إلى أوروبا، ليقتبسوا شيئًا من معارفها وحضارتها، فلم يقتبسوا إلا «غندرة المتغندرين»، وهم يظنونها منتهى المدنية والرقي؛ وعادوا، فوجدوا ما عليه ذووهم من احتكار المالية المصرية والربا؛ فساروا على خطواتهم؛ وجمعوا من دم الفلاح المصري القناطير المقنطرة من الأموال؛ ونالوا، بواسطتها أو من وراء خدمتهم أهواء العواهل، ألقاب النبل والشرف، فاعتقدوا أنهم عظاميون وعصاميون؛ بينما هم في منتهى الضعة أمام الأقوياء، ويتلسمون من طريق التذلل والمسكنة والتملق الوصول إلى إفراغ جيوب أصحاب النقود في جيوبهم — هم — ولو بفتح محلات للدعارة أو لمجرد الخلاعة، كانوا مملوئين عجرفة وخيلاء أمام الأهالي، لا سيما بعد أن تتكون لهم في صناديقهم الثروات الفاحشة؛ فلا يسيرون إلى أحياء أولاد العرب أو القرى إلا والكرباج في أيديهم، يرفعونه على الفلاح واليومي، لأقل سبب؛ ويستعملونه بقسوة من بلغ الثروة من ذل؛ أي: من لا قلب له، والمصريون، وقد غشهم زيهم، وخدعتهم برانيطهم ورطانتهم، يعتقدون أنهم غربيون، ويحولون إلى الغربيين تيار الكره والاحتقار المثار في قلوبهم من أولئك الليڨنتيين.٢

و(الثاني): هو أن التجار الغربيين أنفسهم — إلا في بعض استثناءات نادرة وشريفة — كانوا في الحقيقة، حسب تعريف چليون دنجلار، حثالة أممهم وثفالتها، وأبعد الناس افتكارًا عن إيجاد منزلة لأنفسهم كريمة في قلوب المصريين، فهم لم يقدموا إلى القطر إلا لغرض الإثراء السريع، سواء أكان ذلك من سبيل ما يحبذ أم من سبيل ما يستنكر، ولو خيروا بين السبيلين لفضلوا الثاني، وأناس هذه صفتهم لم يكن من شأنهم طبعًا أن يجملوا فكر المسلمين في الغربيين، ويحملوهم على تحسين علاقاتهم بهم.

و(الثالث) هو أن المصريين، منذ ارتقى (إسماعيل) سدة البلاد، ما فتئوا يرون عرشه محاطًا بجيش عرمرم من الجراد الزاحف إليه، من كل أنحاء أوروبا، لامتصاص الثروة العمومية، فكانوا يضعون في إحدى كفتي الميزان اندفاع أميرهم في سبيل تكريم الغربيين، وإدناءهم من نفسه، ووضعه يده في أيديهم، بكل إخلاص ليستعين بهم على بلوغ أغراضه السامية؛ ويضعون في الكفة الأخرى عدم اهتمام ذلك الجراد بما سوى امتصاص موارد الخزينة المصرية، وعدم مبالاته بشيء إلا بجعل كل خطوة من خطوات الأمير، في طريقه إلى العلاء، تفي قنطارًا من الذهب يتحول إلى فمه الشره، ثم يزنون الكفتين، فيرون من أنفسهم امتعاضًا من الغربيين، على الإطلاق، وإحجامًا عن التعدية إلى حبهم واحترامهم.

و(الرابع): هو أن المصريين أنفسهم — وكانوا قد رأوا تهافت «الشراقوة» والتجار الغربيين على مدح (إسماعيل)، والترنم بالثناء عليه، آناء الليل وأطراف النهار، وتعظيم أعماله ونياته، وتمجيدها بكل لسان، وفي كل مكان، وعلى صفحات الجرائد المتنوعة، طوال ما كانوا يرجون منه ربحًا، لا سيما غير مشروع، وطوال ما تمكنوا من امتصاص ثروته، وثروة البلاد بالتكاتف والتضامن — رأوهم، أول ما أناخت الصعوبات المالية بكلكلها على البلاد، يقلبون لذلك الأمير ظهر المجن، ويتطاولون على مقامه السامي، ويشتمونه ويمرغون اسمه في الأوحال، لا لسبب، إلا لأنه أراد التوقف على شفا الجرف الفظيع الذي جروه إليه، ورغب في منع شيء من فريستهم عن أفواههم المفغورة.

و(الخامس): وهو الأهم، هو أن المصريين أيضًا — وقد ذكروا ما كان من أميرهم في بسط بساط الهناء لعواهل الغرب وكبرائه، وفي جمع أنواع السرور والملذات حول سياحاتهم في قطره؛ وذكروا أن جانبًا عظيمًا من ثروته وثروة بلاده أنفق في إقامة معالم الأفراح لقدومهم، ونشر موائد الاحتفالات بإقامتهم في قصوره، وتنقلاتهم بين منتزهاته وجناته؛ فاعتقدوا، دهرًا، أن أولئك العواهل والكبراء باتوا من أعظم المخلصين له، ومن أميل الناس إلى تعضيده في مشروعاته، وشد أزره في مهماته، وأقربهم إلى الأخذ بيده في ساعات شدته والدفاع عن مصالحه في أوقات حرجه — رأوا أولئك العواهل والكبراء أنفسهم — لأن الشرقيين لا يعرفون الدول وإنما يعرفون ملوكها — يتكالبون عليه في عسره؛ ويتألبون عليه في ضيقه، وبينما هم لا يحرّكون ساكنًا للدفاع عن رءوس أموال دائني دول أخرى كتركيا وجواتيمالا ونيكاراجوا وغيرها — مع إيقان أصحاب تلك الأموال من ضياعها — يقلبون صفحة السماء على بطن الأرض في سبيل الدفاع عن دائنيه، هو، مع علمهم أنهم استوفوا فوائد ما أقرضوه إياه، وأصله؛ وأنه، هو وفلاحيه، باتوا أحق بأن يدافع عنهم من أولئك المرابين الشرهين؛ وسيطلع قراؤنا على تفاصيل ذلك جميعه في سياق كلامنا التالي.

على أن هذه الأسباب الخمسة الرئيسية، وإن قامت دون ميل قلوب المصريين إلى الغربيين، وأوجبت نفور شعورهم منهم، لم تحل دون تطور العقلية المصرية في وجهة النظر إلى أفاضل الغربيين، نظرة الإكبار والإجلال، وعدم تنقيص شيء من الاحترام الواجب لهم، لداعي كونهم غير مسلمين؛ وأخذهم عنهم ما هم في حاجة إليه من المعارف النافعة لهم في حياتهم برغبة صادقة وهمة عرفت قيمة الحياة الجديدة.

فنحن مدينون (لإسماعيل) بهذا التطور؛ مدينون له بتمكننا من السير في مضمار الحياة المدنية حسب مقتضيات الظروف، ولا قيود على أيدينا وأرجلنا، ولا حاجة بنا إلى استئذان علماء الدين في ذلك، كما كان أولًا.

إن (إسماعيل) لما أقدم على تحقيق الشطر الأول من الخطة التي رسمها لنفسه، ووجد أنه ملاق حتمًا في تنفيذها عقبات جمة عند كل خطوة يريد أن يخطوها، ضرب بذلك جميعه عرض الحائط، إلا ما كان منها متعلقًا بالدين أو الشرع ووطن نفسه على السير في طريقه، مطلق الذراعين، حر الحركات غير متقيد بما فطرت عليه الأمم من التمسك بعاداتها، وتقاليدها، وآدابها المتوارثة كيفما كانت: فغير شكل عاصمتيه، وألبسهما لباسًا غربيًّا، وأدخل إليهما الملاهي الأوروبية، كالأوبرا، والتمثيل، والمراقص؛ وشيد المدارس على النظام الغربي؛ وأنشأ معاهد تربية وتعليم للبنات؛ وأجبر فقهاء الكتاتيب على ترقية مداركهم ومعلوماتهم؛ وأدخل على العلوم الأزهرية عينها، وعلى طرق تعيين الأساتذة في ذلك المعهد العظيم، تحسينات وتعديلات هامة؛ ومنح الأراضي والمنازل للمدارس الأجنبية بل لذات الإرساليات المسيحية؛ ونفحها ببدر من المال؛ وغير نظام الوراثة؛ ومنح شعبه حكومة نيابية؛ وما هو أكثر من ذلك جميعه، عقد القروض بفوائد، لتنفيذ أعمال الحضارة والعمران التي استوجبها تحقيق ذلك الشطر من خطته وأقام التماثيل، دون أن يقع في خلده مرة أن يقيد بقيد أو أن يستفتي في أي شيء مما عمله.

وربما شجعه على استمراره في الانطلاق من القيود، التي تقيد بها جده نفسه، أنه، في المرة التي طلب فيها رأي أرباب الدين — أي قبيل تعاقده مع دولة الإنجليز على منع تجارة الرقيق منعًا باتًّا، وجد منهم تعنتًا وجمودًا أثارا غضبه في صميم كيانه، فشيخ الإسلام ومفتي الديار عارضا في ذلك؛ زاعمين أنه مخالف للأصول الدينية، وانضمت إليهما في المعارضة هيئة العلماء بأسرها، فعزل (إسماعيل) الشيخين؛ وأنذر بإلغاء عموم هيئة العلماء، إذا استمروا على معارضتهم.

ولم يبال (إسماعيل) بهم ووقع تلك المعاهدة، وقوى عزيمته على إلغاء الرق بطريقه المعروف في زمنه أن الدين الإسلامي شديد الرغبة في منع الاسترقاق متشوّف دائمًا إلى الحرية وإطلاق الأنفس من قيود العبودية.

فلما رأى الناس منه ذلك — والناس على دين ملوكهم — أخذوا، رويدًا رويدًا، يغيرون أفكارهم الأولى؛ ويفقهون معنى الجهاد في هذه الحياة الدنيا.

ومع أنه كان يخالف العلماء فيما يراه مصلحة، كان يغار على دينه أن يلصق به ما ليس منه من البدع فيجتهد في محوها. من تلك البدع: «الدوسة» و«الأذكار» و«السحر» و«التنجيم».

أما الأذكار، فأمرها معروف؛ لأنها لا تزال معاصرة لنا، ولم تجد مجهودات عهد (إسماعيل) في إبطالها، أو على الأقل حصرها في دائرتها العبادية المعقولة، شيئًا.

وأما «الدوسة»، فقد كانت حفلة تقام في آخر أيام المولد النبوي، حيثما كانت تقام أعلام هذا المولد؛ أي: في الأزبكية، أولًا، لما كانت على حالها القديمة؛ ثم بعد ما أدخل الإصلاح والعمار عليها، في جهة القصر العالي.

فكانت جماهير الدراويش والآخذين على المشايخ عهودًا — بعد إقدامهم على إقامة الأذكار، حتى يعتورهم الخور — يأتون إلى متسع من الأرض متروك أمام صواوين المولد وخيامه، ويستلقون مرصوصين، كأنهم الحجارة، الواحد بجانب الآخر؛ ثم يأتي الشيخ الخضري، شيخ السعدية، وقد تجلت عليه الجلالة فأسكرته؛ ووضع على رأسه عمامة واسعة ثقيلة؛ وركب جوادًا مطهمًا، أخذ يترنح على ظهره، ذات اليمين وذات الشمال، وحركات رأسه، صوب الجهتين، تقترن بذلك الترنح؛ وأقام اثنان من أصحاب العهود على جانبيه، يسندانه، لئلا يزداد خور قواه من ذلك الترنح، فيقع على الأرض؛ ويسير بجواده، وهو على تلك الكيفية، فوق صفوف الدراويش المنطرحين أرضًا، وقد فرغ المنوط به أمر ملاحظتهم من تصييرهم تمامًا إلى حال الشارع المرصوف، الذي لا يبرز فيه حجر عن المستوى العام، فيدوسهم بلا مبالاة، تطقطق أعضاء من تطقطق أعضاؤه، وتنخلع عظام من تنخلع عظامه، ويتهشم من يتهشم: فما يصاب بأذى إلا من قل إيمانه، أو ثقلت كفة آثامه٣ على ما هو في اعتقادهم الذي ورثوه عن الجاهلين.

غير أن هذه الحفلة الفظيعة لم تكن تقام إلا في العاصمة؛ وأما في الأرياف، فكانت مجهولة، لا يسمع الفلاحون بذات اسمها.

فبذل (إسماعيل) ما في وسعه لإبطال بدعة الدوسة الشنيعة؛ وكثيرًا ما حدث زائريه من الغربيين عن رغبته في إبطالها؛ ولكنها كانت متأصلة في العادات، تأصلًا عميقًا، كادت تكون معه جزءًا من العقائد، فلم يتمكن من تحقيق رغبته في إبطالها لمعارضة مشايخ الطرق في ذلك، وما فتئ يظهر لرعاياه اشمئزازه من الدوسة، واستنكاره إياها، إما بالامتناع غالبًا عن حضور حفلتها، وإما بالتأفف منها جهارًا حين حضوره إياها.

على أن مجهوداته في هذا السبيل إن لم تثمر في عهده الثمرة التي كان يروم قطفها، فقد كيفت عقلية قومه وعدلتها، تكييفًا وتعديلًا مكنا من إنضاج تلك الثمرة في عهد خلفه، وجعلا إلغاء بدعة الدوسة، الشائنة للإسلام، أمرًا ميسورًا.

أما «السحر والتنجيم»، فقد كانا رائجين بمصر رواجًا حمل (عباس الأول) نفسه على إصدار أمره بأن ينفي من العاصمة إلى أقاصي الصعيد السحرة والمنجمين، وقد كانوا انتشروا في جميع أحيائها وشوارعها وحاراتها، جلوسًا أمام رملهم المبسوط.

وكثيرًا ما كان اعتقاد الناس بالتنجيم والمنجمين يؤدي بهم إلى تمكين أولئك النصابين من نقودهم، إما احتيالًا — وهو ما كان الغالب — وإما بطرق جنائية خفية، كما كان يفعل، ما بين عابدين والسيدة زينب، ذلك المنجم الشرير، الذي أغوى أكثر من مائة سيدة على أن يأتين إليه بحلاهن كلها لضرورة وجودها معهن أثناء عمليات التنجيم، وقتلهن واحدة واحدة، ليستولي على تلك الجواهر.٤

فكان يتحتم على (إسماعيل)، في سعيه إلى تغيير عقلية قومه، أن يجتث جذور اعتقادهم بالسحرة والمنجمين، ولكن هل كان ذلك في الإمكان، واعتقاد القوم فيهم يرجع إلى زمان بعيد جدًّا.

إن ذلك لم يكن ممكنًا إلا بنشر أنوار العلم الصحيح، وتعميمها بين طبقات الأمة كافة؛ وهو ما بذل (إسماعيل) جهده في سبيله، كما سبق لنا بيانه، ولا شك في أنه صدم قواعد ذلك الاعتقاد، صدمة زعزعت بنيانها، وجعلتها أضعف من أن تستطيع مقاومة تيار التنور السائر نحو العقول باستمرار، في مجرى التعليم الموجه إليها.

على أن العقبات القائمة دون تحقيق الرغائب لم تكن متولدة عن موروثات الماضي فقط؛ بل إن بعضها كان ناجمًا عن شبهات حاضرة؛ ومعززًا بضعف في دروع القائمين بحركة الإصلاح أنفسهم.

فمن الشبهات المائلة بالعقول إلى الاعتقاد بصدق التنجيم والمنجمين، ما صدر عن منجم تركي وفد إلى القطر ومعه خاتم كان فصه الأحمر ينقلب إلى لون أبيض أثناء الاختبارات؛ فيرى طالبو هذه ظل ما يسألون عنه كأنهم يرونه في مرآه مياه صافية، وقد قام ذلك التركي بتجربة تحول حمار ذلك الفص إلى بياض في سراي الإسماعيلية عينها أمام الأمير محمد توفيق باشا ولي العهد.٥
ومنها ما صدر عن منجم آخر أنبأ ولي العهد هذا نفسه، بحضرة وزير الحربية، بما سيصيب الجيش المصري من انكسار في حملته على الحبشة، أيام كان ذلك الجيش يستعد للمسير إلى محاربتها.٦

نعم إن ميل عقل الأمير محمد توفيق نحو التصديق بمثل هذه الأمور كان مشهورًا، وحاملًا على إضعاف الثقة بكل ما يروى عن التجارب المعمولة من أي منجم أمامه، ولكنه يجب أن لا يغيب عن الأذهان أن ميل معظم العقول، في ذلك العهد، كان كميل عقل ولي العهد؛ وأن تناقل الألسنة الأنباء عن إجراء التجارب والاختبارات أمامه، واعتقاده بصحتها، كان من شأنه أن يوطد دعائم التصديق بالتنجيم والمنجمين في ألباب العامة.

ومن أدهش مظاهر الضعف في درع (إسماعيل) عينه — وهو العامل على تقويم عقلية رعاياه — الشعور الغريب الذي كان، من جهة، يحمله على كره الإقامة بالإسكندرية؛ لأن منجمًا أنبأه في حداثته أنه يموت فيها — ونحن نعلم الآن أنه أنبأه بكذب! — وكان، من جهة أخرى، يحمله على الإحجام عن أي عمل ذي بال في يوم الخميس.

ويُحكى، للدلالة على ذلك، أنه كان مرة عائدًا من الأستانة إلى مصر، على ظهر المحروسة، فقيل له إن الوصول إلى الإسكندرية يكون يوم خميس، فأصدر أمره إلى رجال الآلات بالوصول يوم الأربعاء، فأجابوا: «هذا محال»، فاستدعى (إسماعيل) الميكانيكي الإنجليزي، وقال له: «أريد، حتمًا، أن نصل إلى الإسكندرية يوم الأربعاء»، فأجابه: «هذا لا يمكن يا مولاي!» فقال (إسماعيل): «يجب!» قال الميكانيكي: «إني إذا حاولت ذلك قد أنسف المركب!» فقال (إسماعيل): «إذا وصلت بنا يوم الأربعاء جعلتك بيكًا، وإن لم تصل طردتك من خدمتي!»

فأوشك الميكانيكي أن يحرق المراجل، ولكنه وصل يوم الأربعاء؛ وكان، بعد ذلك، يقول: «لم أدن، في حياتي، من الموت، بقدر ما دنوت منه في ذلك الظرف!»٧

ولكن هذا الضعف في (إسماعيل) لم يمنعه عن مقاومة تيار السحر والتنجيم في أمته، لعلمه بمقدار ضررهما عليها، ولعلمه بأنه إذا صح أن يقال لمربيي الأخلاق من الأفراد:

لا تنه عن خلق وتأتي مثله
عار عليك إذا فعلت عظيم

فهذا قول لا يصح، إذا وجه للمصلحين من قادة الأمم، أن يقعد بهم عن الإصلاح!

وأما إداريًّا وقضائيًّا، فقد عمل (إسماعيل) على تغيير عقلية رعاياه، بإقدامه، من جهة، على إنشاء شرطة مختلطة منظمة في البلاد؛ ونزعه، من جهة أخرى، السلطة القضائية من أيدي رجال الإدارة، لحصرها في هيئات قضائية خاصة.

أما الشرطة، فقد كانت، حتى أوائل حكمه، محصورة فيمن كانوا يدعونهم «القوّاصة» وواحدهم «قوّاص»، وكانوا، في الغالب، رجالًا من جهلاء الأتراك أو مردة الأرناءوط، لا يدرون من أمور الضبط والربط سوى مصادرة الأفراد، والاعتداء عليهم بالضرب والإهانة، ومهاجمة البيوت وارتكاب المنكر، إذا ما كلفوا بضبط واقعة؛ وسوى المطالبة بالبقشيش والرشوة، إذا ما سلم إلى عهدتهم سجناء، فإذا ما كلفوا بالمساعدة في نكبة كحريق أو خلافه، اغتنموها فرصة للنهب والسلب؛ كالقوّاص الذي استدعي لإطفاء حريق، فدخل المنزل المشتعلة فيه النيران وضبط وهو يبدل قميصه المرقع من أحد قمصان صاحب البيت الفاخرة، فلما سئل عن السبب الذي حمله على ذلك أجاب: «ألم يكن ذاهبًا طعمة للحريق؟ أفألام إذا استخلصته لنفسي؟»٨

وكان قد بلغ من سوء سمعة أولئك القوّاصة أن الناس، لا سيما الفلاحين، باتوا يخوفون بهم، أو بمجرد ذكر اسمهم، أولادهم، فيقولون لهم حينما يريدونهم أن يكفوا عن عمل غير مستحسن: «الجندي جاء»؛ كأنهم يقولون لهم: «جاء البعبع!»

على أن هؤلاء القواصة كانوا يجبنون أمام الفرنج، ولا يجسرون على مطاردة مجرميهم، لا سيما بعد تمادي القناصل في الإساءة إلى الأمن العام، بمد ظل الامتيازات فوق أولئك المجرمين، لحمايتهم من طائلة الشرائع، لذلك اضطر أولئك القناصل إلى اتخاذ قوّاصة لأنفسهم، يستخدمونهم في شئونهم الإدارية والقضائية مع رعايا حكوماتهم، بالرغم من علمهم بأنهم قلما يصلحون لأن يعتمد عليهم في مهم أو ملم، لشدة حبهم للبقشيش، وميلهم إلى الرشوة.

فقد كان يحكى عن قوّاص من قوّاصة أحد قناصل فرنسا في القطر، أنه قاد ذات يوم إلى سجن القنصلية فرنساويًّا حكم عليه بالحبس، وبعد أن أدخله فيه، مد يده إليه، وطالبه ببقشيش على الخدمة التي أداها له، بمرافقته إياه إلى ذلك السجن.٩

فنشأ عن ذلك وجود نظامي ضبط في البلاد، بجانب أنظمتها الإدارية المتعددة، كان من شأنهما الذهاب بالمرة بهيبة هيئة الشرطة، وجلب ويلات على القطر لا توصف.

فعهد (إسماعيل) إلى الإيطالي تمستكلي صوليرا، بإنشاء هيئة ضبط مختلفة، يركن إليها في عمل المحاضر؛ وكلفه بتنظيمها بحيث تغني البلاد عن القوّاصة كلهم، سواء أكانوا قوّاصة الحكومة أم قوّاصة القناصل — وهو يرمي، بإيجادها، علاوة على رغبته في توطيد الأمن، إلى نزع عقبة من العقبات العديدة المعترضة سبيل قضائه على الامتيازات.

فقام ذلك الإيطالي بالمهمة التي كلف بها؛ وأنشأ الشرطة المختلطة المطلوبة في العاصمة والثغور والبنادر، من خيرة رجال هيئة الضبط القديمة، ومن رجال خبيرين بالعمل، مدربين عليه، أتى بهم من أوروبا، لا سيما من إيطاليا — وهذا هو السبب فيما نجده، في ذات أيامنا هذه، من كثرة عدد الإيطاليين في رجال بوليسنا، لا سيما بالعاصمتين، وبورسعيد، والسويس.

فبرزت هذه الهيئة الجديدة أمام أعين المصريين في مظهر الساهر، حقيقة على الراحة والطمأنينة العامتين، الكالئ الأمن العام، حقيقة بعين لا تنام.

وقد كان كبار رجال الإدارة — كالمديرين في الأقاليم، والضابط في العاصمة والإسكندرية — يحملون عصا الإدارة بيد، وسيف القضاء بالأخرى، فكانوا في وقت واحد رجال الحفظ، ورجال الحكم، ورجال التنفيذ؛ فيؤدي بهم ذلك إلى الاستبداد والتجاوز، حتى إذا كانوا غير مجبولين على شيء منهما؛ فكيف بهم وهم مجبولون على الظلم، مولعون بالشر.

والظلم من شيم النفوس فإن تجد
ذا عفة فلعلة لا يظلم
فيحكى عن عبد الرحمن بك مدير الدقهلية في أيام (محمد علي) الأخيرة أنه صادر رجلًا من المنصورة كان له في عاصمة الديار قريب يدلي بمحسوبية إلى (عباس باشا الأول) — وكان، في تلك الأيام، والي القاهرة — واغتصب منه أملاكه، فذهب الرجل إلى قريبه، واشتكى له من تصرفات المدير؛ فبلغ قريبه شكواه إلى (عباس باشا)، فكتب حفيد الباشا العظيم خطابًا إلى عبد الرحمن بك، شديد اللهجة، هدده فيه بالعزل، وما هو أوعر منه؛ وأمره برد ممتلكات الرجل إليه؛ ثم بعث بذلك الكتاب إلى المدير مع نفس المشتكي، فما كان من عبد الرحمن بك، حينما استلمه وقرأه، إلا أنه استدعى الجلاد في الحال، وأمره بضرب عنق الرجل؛ ففعل، ولم ينتطح في أمره عنزان، ثم مضت أيام، واتفق لعباس باشا أنه زار مدينة المنصورة، فاغتنم أهل المقتول فرصة وجوده بين ظهرانيهم، وأعلموه بواسطة محسوبه بما كان من أمر اعتناء المدير بخطابه، واحترامه لمضمونه، فاحتدم (عباس) غيظًا، واستدعى عبد الرحمن بك، وانهال عليه شتمًا وسبًّا، وأوشك أن يأمر بقتله، لولا أن عبد الرحمن بك تدارك الأمر، وألقى تبعة قتل الرجل على الجلاد؛ وبعث وراء هذا وأحضره، وباغته زجرًا وإهانة لكيلا يدع له سبيلًا إلى الكلام، وزعم «أنه قتل ذلك المسكين من تلقاء نفسه، لظنه أنه بذلك يرضيه، مع أنه لم يكلف إلا بتوصيله إلى الباشكاتب ليرد أملاكه إليه»، وقبل أن يفيق الجلاد إلى نفسه، ويفهم من المقصود بالكلام، أمر عبد الرحمن به فضربت رقبته بين يديه، فهدأ غضب (عباس)، وذهب دم الرجلين هدرًا.١٠

ويُحكى عن أحد نظار الأقسام في الوجه البحري، أنه شدد على فلاح في إحدى القرى، في دفع أموال عليه، تبلغ قيمتها ستين قرشًا، ولما لم يتمكن الفلاح من دفعها، ضبط الناظر بقرته الوحيدة، وعرضها للبيع، نظير المبلغ المطلوب، فلم يقدم أحد من القرويين على مشتراها، لعدم وجود مبلغ الستين قرشًا عند أحد منهم، فأحضر الناظر جزار الناحية وأمره بجزر البقرة، وتقطيعها إربًا إربًا، ستين عدا؛ ففعل، فأجبر الناظر القرويين على أن يشتري كل واحد منهم قطعة بقرش، وأعطى الجزار رأس البقرة، مقابل تعبه، فرفع الفلاح تظلمه من عمل الناظر إلى أحمد الدفتردار بك، المخيف، زوج زهرة هانم بنت (محمد علي) — وكان، في تلك الأيام، مفتش الوجه البحري — فأحضر الدفتردار الناظر، وأنبه بعنف، لا على جزره البقرة فقط، بل على بيعه إياها بستين قرشًا، في حال أنها كانت تساوي مائة وعشرين قرشًا، كما دلت الاستعلامات التي أخذها في ذلك الشأن، ثم أحضر القروبين، وزجرهم بشدة على كونهم اشتروا القطعة بقرش، بينما هم يعلمون أنها تساوي قرشين، وأحضر أخيرًا الجزار، ووبخه على جزره بقرة ذلك الفلاح التعيس، مع أنها كانت كل ما يمتلكه من الحطام الدنيوي، فقال الجزار: «إني، يا مولاي، عبد مأمور، ولم أفعل سوى ما أمرت به»، فقطب الدفتردار حاجبيه وقال: «أولو أمرتك بأن تفعل، في هذا الناظر، ما فعلت بالبقرة، أتفعل؟» فأجاب الجزار: «قد قلت لمولاي إني عبد مأمور، أطيع الأوامر التي تصدر إليَّ!» فقال الدفتردار: «هلم، إذًا، واجزر هذا الناظر كما جزرت البقرة!» ففعل، فقال له الدفتردار، وقد جمد الدم في عروق جميع الحاضرين: «والآن، قطعه ستين قطعة، ما عدا الرأس!» ففعل، فأمر الدفتردار، حينئذ، القرويين المجتمعين بأن يشتري كل واحد منهم قطعة من تلك القطع الفظيعة، بقرشين، فتكون لديه مبلغ قدره مائة وعشرون قرشًا سلمه إلى الفلاح، قائلًا: «خذ، هذا ثمن بقرتك، فاذهب واشتر غيرها!» ثم التفت إلى الجزار، وقال له: «كما أنك أخذت رأس البقرة جزاء لك على تعبك، خذ بالمثل، رأس الناظر جزاء لك على تعبك في جزره وتقطيعه!» وضحك ضحكًا فظيعًا، وانصرف.

ويُروى عن ضابط القاهرة — وكان بمثابة حكمدارها ومحافظها معًا — في أيام (عباس) الحكاية المزعجة الآتية: اقترن تركي، من أعيان الدرب الأحمر، بفتاة يقال لها: خديجة، كانت من أجمل النساء رواء، وأكملهن قوامًا، وأبدعهن محاسن، فجن فيها إلى درجة، هجر معها، كل نسائه الأخريات وسراريه، وسكن إلى خديجة، وحدها، يعبدها ويتمتع بها، ولما كان الرجل على غنى مفرط، ومشهورًا بالطيبة، وكرم الأخلاق، علاوة على أنه لم يكن دميم الخلقة، فما وجدت في الحي امرأة إلا وحسدت خديجة على حسن بختها، وصعود حظها؛ كما أنه لم يوجد في الحي رجل، إلا وغبط ذلك التركي على النعم الجمة التي مَنَّ الله عليه بها، وكان الكل يعتقد أن عيش الزوجين هنيء رغيد؛ وأن كليهما ممتع بقرينه تمتعًا تقر به العين، ويرتاح إليه الفؤاد.

فاتفق، ذات ليلة، أن ضابط القاهرة، في تلك الأيام، خرج يتعسس تحت أجنحة الدجى، متدججًا بسلاحه، ومصطحبًا معه قوّاصين من رجال الشرطة، مسلحين أيضًا، والجلاد وسيفه معه، فجاس بهم خلال الحارات والأزقة، يستطلع أحوال الأمن، ويجس نبضه، فوجد المدينة نائمة، هادئة، لا يقلق جسمها عارض مطلقًا.

فعن له أن يجوس، أيضًا، خلال الخرائب والأطلال القائمة على أنقاض الماضي، بين ميدان الرميلة والإمامين؛ وبين القلعة والسيدة نفيسة؛ لعلمه أنها الملجأ الذي يؤمه، عادة، قطاع الطرق، ومرتكبو الجرائم، فرادها، الواحدة بعد الأخرى، ولم يجد فيها ما يستوقف الانتباه، وبينما هو يستعد للرجوع، إذا ببصيص نور في أبعد تلك الخرائب موقعًا، يتسرب من فتحة صغيرة إلى الظلام الحالك الخارجي، فاستوقف نظره، فسار الضابط نحو منبعثه، ودخل الخربة، بقدم ثابتة صامتة، ومعه الجلاد فقط، وأما القواصان، فأوقفهما خارجًا، وما لبث أن أصبح على مقربة من الحجرة المنبعث منها النور، وإذا بعبد أسود يتكلم بصوت مسموع مع فلاحين، تفرس الجلاد في أحدهما، فعرف أنه أخوه، وتفرس الضابط في العبد، فعرف أنه عبد السري التركي في الدرب الأحمر، المتحدّثة الألسن بسعادته وحبه لزوجته، وحب زوجته له.

فأصغى إلى المحادثة الدائرة بينهم؛ وإذا بالعبد، وقد اتضح أنه مرسل من قبل سيدته، يتفق مع الفلاحين على أنهما، مقابل مبلغ من النقود، عينه لهما، يقصدان في الليلة التالية، منزل ذلك السرى، إذ يكون، هو (العبد) في انتظارهما، عند باب البستان المحيط بالمنزل؛ فيفتحه لهما، ويدخلهما منه؛ فينقض الثلاثة على التركي، وهو يتناول طعام العشاء مع زوجته، في كشك في البستان؛ فيقتلونه بمساعدة الزوجة، الراغبة في التخلص منه، لكراهتها إياه، وغرامها بشاب من الجيرة، يدعى سليم أغا، كانت ترغب الاقتران به واتفقت معه على أن يحضر قبلهما، ويشترك معهم في ارتكاب الجريمة.

فأول ما بدا للضابط، لدى سماعه تلك المحادثة، أن ينقض على أولئك المجرمين، ويقبض عليهم، ويحاكمهم، ويعدمهم في الحال، بمساعدة قواصيه والجلاد، ولكن ترويه المعتاد عاد إليه، وحمله على تعديل ذلك الفكر، ورسم خطة للسير تضمن القبض على جميع المجرمين، وهم على وشك ارتكابهم الجريمة، حتى يقتنع نفس الزوج باشتراك زوجته معهم فيها، فخرج بسكوت تام، وعاد إلى الضابطة، وشرع يتأهب للعمل الذي نوى عليه.

وكان قد آنس من الجلاد انفعالًا غريبًا، ورآه يتفرس في أحد الفلاحين؛ فأدرك، من حينه، أنه لا بد يعرفه، بل قد تكون بينهما قرابة، فكلف أحد رجال الضابطة بمراقبته، بدقة، طوال تلك الليلة، وطوال النهار التالي لها، فراقبه القوّاص، وإذا بالجلاد قد شرع، منذ أن بزغت أنوار الفجر، يفتش على أخيه في جميع الأماكن التي يظن تردده عليها ممكنًا؛ وفي كل مخابئ الخرائب القائمة حول البلد، فأحاط القوّاص الضابط علمًا بذلك؛ فتيقن الضابط أن حدسه قد أصاب؛ وأخذ يتصور الليلة محفوفة بحوادث مفجعة أكثر مما تصوره في بادئ الأمر.

فلما غربت الشمس، أخذ عشرة قوّاصة والجلاد، وسار بهم، وكمن في جوار منزل التركي؛ ثم تقدم نحو باب البستان المقابل للباب الذي اتفق العبد مع الفلاحين على إدخالهما منه، ولما كان معه من آلات فتح الأبواب ما لا يستغني عنه رئيس شرطة مطلقًا، فتحه بهدوء وأدخل رجاله، وهم كأنهم أشباح، وأقامهم في ظل الأشجار يتربصون.

وكان يعتقد أن أول القادمين سيكون سليم أغا؛ وذلك لتيقنه من أنه متفق، حتمًا، مع الزوجة الخائنة، وكان سليم أغا هذا شابًّا من ذوي اليسار، شديد الميل إلى مداعبة السيدات وإغوائهن، كثير الحوادث الغرامية، الموجبة، أحيانًا، تداخل رجال الضبط فيها، ولذلك كان ضابط العاصمة يود أن يكون شريك خديجة فيما دبرته لزوجها، لكي يقضي عليه، ويعيد الطمأنينة إلى أرباب عائلات كثيرة، كانت حركات ذلك الشاب تقلقهم على بناتهم وعقيلاتهم.

غير أن سليم أغا — ولو أنه أفسد، بلحاظه، قلب خديجة على زوجها، وأخرجها عن جادة الأمانة المطلوبة منها له، بل واتفق معها على أن يقترن بها، فيما لو طلقت من بعلها — كان أبعد من أن يقترف إثمًا فظيعًا كالمنوي اقترافه، أو يشترك مع مقترفيه في اقترافه، فكان يجهل كل التدبير؛ ولكنه كان مصممًا على الذهاب، في تلك الليلة، إلى بستان خديجة، إجابة لدعوتها، وهو يظن أنه إنما يذهب إلى الملتقى لغرامه ولذته، ولو ذهب، للقي حتفه. غير أن امرأة أخرى، في ذلك الدرب عينه، كانت هي أيضًا مغرمة به، بالرغم من اطلاعها على مقابلاته لخديجة — وكانت قد نظرت، من نوافذ بيتها، تجمع رجال الشرطة بالقرب من منزل التركي، فانسلالهم إلى بستانه — فما رأته سائرًا نحوه، إلا وتدلت من شباكها، وأنذرته بوقوعه بين مخالب خطر مميت، إن هو لم يعدل عن السير إلى خديجة، في تلك الليلة، فعدل سليم أغا عن الذهاب؛ ورجع إلى بيته، بتأثير عامل خفي لم يدر ما هو، وقضى ليلته، وهو مشغول البال، مبلبله.

فلم يمض على تربص رجال الحفظ زمن، إلا ورأوا السرى التركي وزوجه خارجين من المنزل، وسائرين نحو الكشك، الذي كانا يتعشيان فيه — وكانت الليلة مقمرة — ثم رأوهما يجلسان الواحد بجانب الآخر، ويبديان لبعضهما من مظاهر الغرام ما أشعل نيران الشهوة في ظهور الشبان من أولئك الرجال، وأهاج الشجون في صدر الضابط.

ومضت، وتلك المظاهر قائمة، فترة من الزمان؛ وإذا بباب البستان المتفق عليه بين الأوغاد انفتح، ودخل الفلاحان وراء العبد ينسلان.

فدنا الضابط من الجلاد، ووضع رأس خنجره على قلبه، وقال له، وهو ينظر إليه بعينين، كأنهما الفولاذ القاطع: «إن تبد حركة، أية كانت، ومهما خفت، اتخذتها علامة منك لأحد الفلاحين — وأظنه أخاك — تقصد بها إيقافه على ما هو فيه من خطر، قتلتك في الحال!» فارتعدت فرائص الجلاد، وجمد كصنم.

وكان القتلة قد اقتربوا رويدًا رويدًا من الكشك، وأحست خديجة بدنوهم، فانقلبت بغتة إلى حية ملتوية، وقدحت عيناها نارًا؛ وشرعت، والكلام يخرج من فيها بصفير، توجه إلى بعلها أشد الكلام قرصًا وتوجيعًا، وتظهر له كراهتها وبغضها، وشماتتها بحتفه الذي أصبح قيد شبر.

وبينما هي لا تزال تتكلم، والتركي مأخوذ، مصعوق، لا يدري أفي منام فظيع هو أم في يقظة، انقض القتلة الثلاثة عليه، وسكاكينهم مشهرة، فصاحت الزوجة الخائنة: «اقتلوه! اقتلوه!» ورأى الرجل الموت بعينيه.

ولكنها ما هي إلا لحظة، وإذا بالسكاكين قد أطيرت من أيدي حامليها، ووقعت على الأرض؛ وإذا برجال الشرطة قد أطبقوا على المجرمين وكبلوهم بالحديد، وشدوا وثاق الزوجة الخائنة.

ففتح التركي عينيه واسعتين، وازداد غيبوبة بينما الضابط، والسيف في يده مشهر، يأمر الجلاد بالاقتراب، وضرب أعناق الفلاحين والعبد؛ والجلاد يطيع، صاغرًا، ويضرب عنق أخيه، والدموع تنحدر سخية من عينيه.

ولكن زوج خديجة، لما سمع الضابط، يأمر بضرب عنقها أيضًا، أفاق من دهشته، وتقدم إلى زوجه، واحتضنها، ومانع في قتلها، بالرغم من تحققه جريمتها. غير أن الضابط ألفت نظره إلى أنها باتت مفضوحة، علاوة على كونها مجرمة؛ لأن نيفًا واثني عشر رجلًا رأوها مكشوفة الحجاب، فأقلع الرجل عن ممانعته، وتخلى عن زوجه إلى ما قدر لها.

فضرب عنقها؛ وغمس الضابط منديل رأسها في دمها المتدفق، وأرسله في أول ساعات الصباح إلى سليم أغا — هدية دامية من محبوبته إليه — وكان سليم أغا قد قضى ليله كله، هاجسًا، فلما أُلقي إليه المنديل، علم بأن مأساة وقعت؛ وأن خديجة باتت رهينة القبور!١١

تلك كانت سلطة المديرين ورؤساء الضبط في العاصمتين والثغور؛ وإلى هذا الحد كانت أعمار الناس رهينة إشاراتهم وأهوائهم.

فانتزع (إسماعيل) منهم هذه السلطة، ولئن لم يفصل بين وظائف القضاء والإدارة فصلًا تامًا إلا في أواخر حكمه، وبعد إنشاء المحاكم المختلطة، إلا أنه من جهة، منع رجال الإدارة من توقيع عقوبات إعدامية لم تصدر بها أحكام؛ وخص رجال القضاء، دون سواهم، بإصدار تلك الأحكام، فكانت النتيجة أن القسوة والفظاعة اللتين اشتهرت بهما عصور الحكم المصري السالفة، إن لم تبطلا في عهده بطلانًا تامًّا، فقد قلتا إلى درجة كادتا تدخلان معها في حيز العدم؛ ومن جهة أخرى، فإن جهوده منذ تبوأ العرش في سبيل إنشاء محاكم نظامية في البلاد، تقبض على كل السلطة القضائية وفروعها فيها — وهي جهود ما فتئ الرأي العام واقفًا عليها — أدت إلى تطور فكري في اختصاصات القضاء ووجوب فصله عن الإدارة، لا يزال يتقوى وينضج حتى أيامنا هذه؛ ولو أن تلك الجهود لم تثمر سريعًا بسبب مقاومة الدول الغربية، لا سيما فرنسا، لها؛ ولا تمكنت من تكييف ثمرها، التكييف المرغوب فيه، بسبب تلك المقاومة عينها، وسنرى ذلك جليًّا في الباب الخاص به.

وأما منزليًّا، فقد عمل (إسماعيل) على تغيير عقلية رعاياه: (أولًا) بما أدخله إلى حياتهم البيتية من عادات معيشة غربية، حملت الكثيرين منهم، لا سيما سراتهم، على أن يستبدلوا ما كانوا عليه — كأجدادهم — من طرق جلوس وأكل ونوم واستقبال ضيوف، بطرق جلوس الغربيين وأكلهم ونومهم واستقبالهم لضيوفهم، عملًا بالقول المألوف: «إن الناس على دين ملوكهم!»

فإن (إسماعيل) طلق، بتاتًا، النظام الشرقي في ذلك جميعه؛ وأقبل يجلس ويأكل وينام ويستقبل ضيوفه، على الطريقة الغربية المحضة. أما جلوسه، فكان دائمًا على أرائك مرتفعة، فإذا ما شاء الكلام، مدَّد رجليه على مقعده، حسب عادة الشرقيين، أو نهض وشرع يخطر في الحجرة، ذهابًا وإيابًا، كجدِّه العظيم، مكثرًا من الإشارات اليدوية. أما أكله، فكان على الطريقة الفرنجية البحتة، يدعو إليه، عادة، وزراءه وبعض ضيوف أوربيين؛ ويقدِّر المدعوون الدعوة جدًّا؛ لأنه كان لمطبخه شهرة كبيرة في محلها، فالأصناف المقدمة كانت من ألذ المأكولات وأشهاها، وكانت أنبذته من خيرة الخمور الفرنساوية وأشهرها، ولا سيما من النوع المعروف باسم «شاتوايكيم». أما آنية مائدته، فكانت من أفخر ما يكون، مذهبة الحافة تذهيبًا خفيفًا، ومنقوش عليها حرف «أ» بالذهب الخالص، وكان كثير المحادثة أثناء تناوله الطعام، عملًا بالحديث المأثور. على أن محادثته كانت بالفرنساوية دائمًا، بسبب الضيوف المدعوين إلى مائدته، وكان هو مركز المحادثة؛ لأن وزراءه لم يكونوا — معظمهم — يفهمون الفرنسية إلا قليلًا، وكان كلامهم أقل من فهمهم.١٢

وأما نومه، فكان دائمًا على أَسِرَّةٍ متخذة من المعادن الثمينة، في حُجَرٍ يدل رياشها على أنها معدة للنوم، فقط، وأما مقابلاته، فإنها كانت سهلة وبسيطة. يدخل الناس إليها، جماهير، ويجلسون على أرائك، فيحادثهم في مختلف المواضيع، ويقدم لهم السجاير بدل الشبكات، والقهوة بدل الشربات. على أنه كان يتضايق من المقابلات الرسمية، لا سيما في أخريات أيامه.

لذلك، بعد أن كان الرقاد، في مصر، على طراحات أو على فرش الأرائك، أصبح على أسرة متنوعة، من السرير الحديد إلى السرير البرونز والنحاس الأبيض والأصفر إلى السرير الفضة.

قال إدون دي ليون، بعد أن زار سرايات إسماعيل باشا المفتش، عقب سقوطه: «لاحظت دليلًا جديدًا على تحول العادات الشرقية إلى المجاري الغربية في هذا القطر، حتى عند الذين لم يتفرنجوا في عقليتهم وأخلاقهم. ذلك الدليل هو إبدال الأرائك بأسرة النوم».١٣

وبعد أن كان الأكل على «الصواني» والطبليات، تمد حيثما يتفق، أصبح على موائد مرتبة، في حجر خاصة، مجهزة تجهيزًا تدل كل مظاهره على أن تلك الحجر خصيصة بالأكل دون غيره.

وبعد أن كان الجلوس على فرش فوق الأرض، يمد على طول الحيطان، بوسائد مسندة إلى هذه، أو على أرائك مصنوعة طبقًا للطراز الإسلامبولي، أصبح على أرائك مرتفعة، تجلب رأسًا من بلاد الغرب، أو تصنع في نفس القطر، ولكن على طراز الوارد من الخارج؛ وعلى كراسي من الخيزران، ومقاعد أخرى متنوعة الصنع لم يكن الجيل السابق يستعملها البتة.

وبعدما كان رب البيت، إذا ما أتاه زائر أو ضيف، يقدم له الشربات، فالشبك الطويل، فالقهوة في فناجين ذات ظروف خاصة، أصبح يقدم له، بعد الشربات، السجاير، ثم القهوة في فناجين ذات آذان، قائمة على صحون صغيرة، من جنسها.

وعمل (إسماعيل) ثانيًا، على تغيير عقلية رعاياه، منزليًّا، بما حببه إليهم من استبدال الطرق المعمارية القديمة، بالطرق المعمارية الحديثة، فبينما كانت البيوت في السابق تفصل من الداخل، تفصيلًا غريبًا، بحوش ومنادر ذات خزاين مرتفعة، ومقاعد غير مستوية السطح، يخرج منها إلى درك قليلة الاتساع، تنتهي إلى سلم ببضع درجات يوصل إلى مقاعد أخرى، منفصلة عن بعضها ومرتفعة عن الأولى ارتفاعًا بسيطًا، وهكذا، حتى يبلغ إلى أعلى البيت، حيث يوجد ما كانوا يدعونه بالقصر — وهو مقعد يشرف على كل ما تحته، وتنظر السماء من نوافذه دون سواها؛ وبينما كانت أبواب المدخل تجعل إما واطئة، لا يلجها الإنسان إلا إذا أحنى قامته؛ أو واسعة جدًّا، وفي هذه الحالة، إما أن تكون أبوابها حديدية، أو خشبية ضخمة، كأبواب الحصون؛ وإما أن تفتح في وسطها فتحة صغيرة تستعمل دون غيرها للدخول، ويضطر الداخل منها، أيضًا، إلى إحناء رأسه وقامته، إحناء كبيرًا؛ وبينما كان خارج البيوت يتعدى، في الغالب، على الهواء والفراغ، فتقوم الأدوار العليا على كتل بارزة عن حائط الدور الأرضي إلى فضاء الشارع، وليس في ذلك الخارج ما يستلفت النظر، سوى المشربيات — وكانت تارة صغيرة، بحيث لا يستطيع أن ينظر منها أكثر من شخص واحد، أو يضع فيها غير قلة واحدة؛ وطورًا كبيرة، واسعة وذات «خارجات» من نوعها تكاد تلامس مقابلاتها في الصف الآخر للمباني، أصبحت البيوت تفصل، أدوارًا أدوارًا، على الطريقة الغربية، كل دور مستوف لوازمه، ومشتمل على حجر يعرف الغرض المعدة له كل منها؛ وأصبحت المداخل تكسى أبهة وجلالًا، فيلج الإنسان منها إلى صحن الدار، وهو رافع الرأس والجبين، مستوي القامة؛ وأصبحت الصنعة تتفنن في خارج البيوت، فتزين الوجهات بالشرفات الرخامية، وبمظاهر هندسة معمارية بديعة، وبالنسبة لاتساع الشوارع الجديدة، وقيام الأشجار على جانبيها، والاستغناء بالتالي عن الحيشان الداخلية، لم تعد تلك الوجهات تجور على الفضاء، ولم تعد أخطار تداعيها وسقوطها بالكثرة التي كانت عليها في السابق.

وعمل (إسماعيل)، ثالثًا، على تغيير عقلية رعاياه، منزليًّا، بما حمل عليه الغربيين والسراة الوطنيين من تشييد القصور والوكالات الفخمة، فوق الأراضي التي وهبها لهم، على شرط أن يقيموا عليها مباني تتناسب أبهتها مع أثمان تلك الأراضي، ولما كان ثمن بعض القطع فيها يربو على الألفي جنيه، فإن رمنجتن والديوك أوڨ سيوذرلند، والكلوب الإنجليزي، وغيرهم، أنشاؤا عليها قصورًا بلغ ثمن الواحد منها عشرين ألف جنيه، فنجم عن ذلك أمران: (الأول) أن حب التقليد أخذ يدفع بالأهالي في العاصمتين والبنادر، بل في ذات القرى، إلى تشييد بيوت وقصور على مثال تلك السرايات والمنازل الفخمة؛ وفرشها بالرياش الفاخر، على الطراز الغربي؛ و(الثاني) أن الحياة المنزلية الأهلية المجاورة للحياة المنزلية الغربية، المقتضية في هذه التشييدات الجديدة، شرعت تزداد بها احتكاكًا، وتقتبس منها خصالًا من شأنها أن تستبدل، من قديم كثير، جديدًا يروق في العين، وأهم ما ظهر ذلك في إقدام الشرقيين على الاقتداء بالغربيين في إقبالهم على التصور شمسيًّا، وعلى تزيين حجر بيوتهم بإطارات صورهم وصور أصدقائهم الفوتوغرافية.

فإذا أضفنا إلى هذه الأمور الثلاثة، ما أدخله (إسماعيل) إلى صميم البيوت من تغيير في وسائل الشرب والتنوير المادي، ومن تعليم وتهذيب أدبيين، وأفكار جديدة، بواسطة المدارس التي أنشأها والشبيبة التي رباها فيها والجواري المتربيات في سراياته التي كان يزوجهن من وجهاء البلد فيدخلن إلى بيوت أزواجهن نظام تلك السرايات ونظافتها وترتيبها؛ وبواسطة مظاهر الحياة الغربية التي نشر معالمها في عاصمتيه، فإنا لا نرى مندوحة عن الاعتراف بأنه، وإن لم يهدم كل المساكن والبيوت، ليجدّدها — مع أنه، في الحقيقة، هدم وجدد كثيرًا منها — فقد غير حالها في الواقع، وعدّل صميمها حقًّا، تعديلًا يصح أن يعتبر تجديدًا محضًا، فأصبح ينطبق عليه القول الذي صدرنا به هذا الفصل من كتابنا؛ وبتنا نستطيع أن نحكم بأنه غير، حقيقةً، عادات أمته، وطرق معيشتها.

ولا أدل على صحة ذلك من التغييرين اللذين طرآ عليها سياسيًّا واجتماعيًّا من وراء جميع ما ذُكر.

فأما سياسيًّا، فإن انتشار المعارف والعلوم في البلاد انتشارًا واسعًا، وتمكن مقتبسيها العديدين من تهذيب عقلياتهم بأفكار مؤلفي الغرب السياسيين والاجتماعيين، من جهة؛ واحتكاك الحياة المصرية، من جهة أخرى، بالحياة الغربية، على ما كانت عليه هذه الحياة من استقلال في مظهرها الجدّي، ومن فوضى في مظهرها المعيب؛ فآثاره ذلك الاحتكاك للانفعالات المختلفة في النفوس؛ أكان الباعث إلى إثارتها مظهر تلك الحياة الجدي، أم مظهرها المعيب؛ ومجهودات (إسماعيل) الذاهبة به إلى الفوز بالاستقلال لبلاده، وإلى إقامتها في مصاف الدول الشرقية الكبرى، من جهة ثالثة — وهي المجهودات التي سيأتي بيانها في حينه — وقد كانت بمثابة نار اشتعلت في الأفئدة والعقول؛ وتنازل (إسماعيل) رسميًّا، من جهة رابعة، عن جانب عظيم من سلطته المطلقة في ميدان التشريع وربط الضرائب، بإنشائه مجلس النوّاب؛ وفي ميدان القضاء بتأسيسه المحاكم المختلطة، وخضوعه لأحكامها وقراراتها، راضيًّا أو مكرهًا، وتضافر الجاليات الأجنبية بمصر، من جهة خامسة، على الإثراء من أسلاب أمير البلد وفلاحيه «بمساعدة المحاكم المختلطة لهم مساعدة عجيبة» كتعبير القاضي الهولندي فيها المسيو ڨان بملن في كتابه المعنون «أوربا ومصر»١٤ زيادة على تضافر الدائنين الأجانب بتعضيد دولهم، لا سيما إنجلترا وفرنسا وألمانيا، وتعنتهم في أن تدفع لهم فوائد الديون المطلوبة لهم، ولو بإرهاق الفلاح المسكين، وتحصيل الأموال منه سلفًا؛ أو بحرمان موظفي الحكومة ومستخدميها من صرف مرتباتهم لهم، أشهرًا متوالية؛١٥ وقدوم جملة مفكرين شرقيين إلى مصر، وأخصهم بالذكر جمال الدين الأفغاني، وأديب إسحق السوري، وقيامهم يبثون تعاليمهم الحارة في المجتمعات والجوامع والكتب والصحف، من جهة سادسة وأخيرة — كل هذا أوجب تطورًا هائلًا في الأفكار، وأنجب قيام عدة آمال سياسية في القلوب، ظهر وجودها جليًّا:

(أولًا): بما سبق لنا ذكره من جميعات سياسية.

(ثانيًا): بالفتنة العسكرية التي أدت إلى سقوط الوزارة النوبارية.

(ثالثًا): بالحركة القومية التي أعقبت إلغاء قانون المقابلة.

(رابعًا وأخيرًا): بالعريضة التي قدمتها الشبيبة المصرية إلى الخديو (محمد توفيق) في أوائل أيام ملكة، والتمست فيها، بلهجة عدائية للغربيين، منح القطر جملة إصلاحات، دعتها «حيوية» له.

وأما اجتماعيًّا، فإن الملابس والأزياء تغيرت. أولًا فترك النساء، في المدن والبنادر، اليلك، والسلطة، والحزام الكاشميري، والطاقية الحمراء الصوف، الموضوعة عدة مناديل عليها، والقرص بما كان يتجلى عليه من حليّ ومجوهرات؛ بل ترك معظمهن ذات الضفائر والصفا؛ وتركن الخف والبابوج؛ وأقبلن يلبسن، في داخل منازلهن، الجلابيب والفساتين، مفصلة، لسيدات الطبقة العليا، على المودات الغربية؛ ويضعن الطرح البسيطة على رءوسهن؛ ويلبسن الجوربات في أرجلهن، وفوقها الشباشب، فإذا خرجن لبسن لباسًا إفرنجيًّا من فوقه السبلة، والحبرة واليشمك؛ وأحذية غربية من ذات الكعوب العالية؛ وأقدمن — علامة محسوسة ظاهرة للتطور الحثيث السائر — على أن يصوّرن، تصويرًا فوتوغرافيًّا، وهن أيضًا بملابس إفرنجية؛ وعلى تكبير صورهن الفوتوغرافية، بل على التصوّر تصوّرًا زيتيًّا، بوقوفهن أمام مهرة المصورين من الغربيين، بعد أن كن أضن على غير أزواجهن برؤية وجوههن وقوامهن، من البخيل بديناره العزيز، على السائل.

قال إدون دي ليون: من أغرب الأشياء في موجودات سرايات المفتش «صورة كبيرة جدًّا، موضوعة في إطار ثقيل مذهب، تمثل ابن المفتش وعروسه — وكانت ربيبة زوجة الخديو الثانية — في قديهما وقامتيهما، فإنها كانت من النوع الذي ينتظر المرء وجوده في قصور الملوك، وبما أن كلا المتصوّرين لم يكن في لباس شرقي، فإن المشابهة كانت أتم. أما هو، فكان جالسًا، مرتديًا لباسًا إفرنجيًّا ومكشوف الرأس، وأما هي، فكانت واقفة في كساء غربي من المحتمل الأزرق الثمين، مفصل ومطرز على آخر اختراع الجيل، وعلى رأسها إكليل من ماس يشبه تاجًا، يظنها رائيها من صميمات الفرنجيات!»١٦

وترك الرجال في المدن والبنادر، أيضًا، لا سيما الموظفون، اللباس المغربي والطربوش المغربي، اللذين نراهما على (محمد علي باشا) و(إبراهيم باشا) و(سعيد باشا) في صورهم الرسمية المرسومة في المكتبة المصرية وغيرها، ولبسوا اللباس الغربي، المرتدي به رجال تركيا في ذلك الحين، وأعني به الإسطمبولية، من تحتها القميص المكوي، والصديري والبنطلون؛ وانتشر، مع شيوع هذه الملابس، استعمال الفرش لتفريشها، وقد كانت مكروهة، لكونها مصطنعة من وبر الخنازير؛ وتركوا المز والمركوب، واحتذوا بأحذية غربية، من تحتها الجورابات، فزال، بذلك، فارق كان يميز المسلمين عن غيرهم من بني وطنهم، ليسوا يدينون بدينهم، فإن مزوز المسلمين ومراكيبهم كانت صفراء؛ وأما النصارى واليهود فقد كان الأصل في لون لبسهم — عامة — ومراكيبهم — خاصة — أن يكون أسود، على جواز استعمالهم اللون الأحمر — إذا شاءوا — وأقلع المتمدينون منهم عن عادة حلق رءوسهم، مع إبقاء شوشة في قمتها، كما كانت العادة المتبعة في الأجيال السابقة؛ وأخذوا يعفون عن شواربهم، وقد كانوا يبالغون في قصها، كما لا يزال يفعل بعض المتعممين في أيامنا هذه، لا كما يفعل المقتدون بالإنجليز من حلق طرفي جانبيها وقص الباقي فيها على سواء الشفة؛ وأخذوا يقصون لحاهم على شكل مستدير، كشكل لحية (إسماعيل) في صوره، وتجاوز البعض ذلك؛ فقلدوا الفرنج، وحلقوا لحاهم بالمرة، وقد كان الإعفاء عن اللحى أمرًا راسخًا في النفوس، لما كان ولا يزال للحية من احترام عند بعض الشرقيين، لا سيما البدو.

وما زلت أذكر اشمئزاز بعض مشايخ من العربان، زرتهم منذ نيف وخمس وعشرين سنة، إذ رأوا في يدي كتاب سيرة نابليون الأول، وعرفتهم من هو، وما كانت أعماله، فتشوقوا إلى رؤية صورته؛ فأريتها لهم، فوجدوه حليقًا! كما أني لا أزال أذكر ما قاله لي بعض مبشري الكنيسة الكاثوليكية الرومانية — وكان قد جاب جهات السلط والكرك، في الصحراء السورية — من أن العربان، هناك، لما رأوا بين يديه صورة حبر المسيحية الأكبر وكان في تلك الأيام لاوون الثالث عشر، ووجدوا أن رئيس الدين الذي يدعوهم إليه، رجل حليق الذقن والشارب، نفروا منه نفورًا عظيمًا وانفضوا من حوله.

ولعل هذا هو السبب في أن مبشري الكثلكة ورهبانها، من الغربيين، يعفون عن لحاهم وشواربهم في الشرق، بينا هم يحلقونها بتاتًا في الغرب.

ويذكر، للدلالة على احترام مصريي (محمد علي) أنفسهم للحية، أن أحد مشايخ البلاد في الشرقية لكي يكيد رجلًا من ناحيته كان قد اختصمه، قيده في عداد المدعوين للجندية، بالرغم من كونه جاوز السن، وجعل مزين الناحية يحلق له لحيته: لأن قانون (محمد علي) العسكري كان يقضي بحلق ذقون الجنود؛ وأرسله إلى المركز ضمن المرسلين إليه لتوقيع الكشف الطبي عليهم، فوجد كلوت بك — وكان هو الطبيب المكلف بالكشف، وهو الراوي لهذه الحكاية — أن الرجل غير لائق للخدمة، لداعي تجاوزه السن، فأمر بتخليته وإعادته إلى بلده، ولكن الرجل أبى إلا أن ينصفه المأمور، أولًا، من خصمه، الذي تسبب له بإهانة عظمى بحلق لحيته، فاستحضر ذاك الخصم، وخير الرجل في أمر مجازاته، فطلب أن يعاملوه مثلما عامله، وأن يحلقوا له لحيته مثلما حلق، هو، لحيته، فطفق الشيخ يرجو ويتوسل، ويعرض كل ما يشاء خصمه أن يطلبه من عوض مالي، ويحاول أن يقنعه بأن حلق لحيته لن يجديه نفعًا، ولن يعيد لحيته إليه، فأصر الرجل على طلبه، ولولا أن كلوت بك تداخل بينهما، وأقنع الفلاح بقبول عوض مالي جسيم من الشيخ، لما وجد هذا مفرًّا من جز لحيته، ولاضطر إلى مغادرة بلده، لكيلا يكون موضع سخرية أهلها، كما فعل غريمه، فإنه أقام في ناحية أخرى، ولم يعد إلى قريته إلا بعد أن رجعت لحيته إلى ما كانت عليه.١٧
ويروي بلتزوني، الرحالة البحاثة الإيطالي الشهير، عن أحد مهزاري (محمد علي) أنه أراد التنكر يومًا، للمزاح؛ فحلق لحيته وحضر إلى مجلس مولاه، فلم يعرفه في بادئ الأمر؛ ولكنه لما عرفه، أغرق في الضحك، حتى كاد يستلقي على ظهره؛ وجاد عليه ببعض المال. على أن المهزارين رفاقه، أبوا بعد ذلك أن يجالسوه على مائدة أو يخالطوه مطلقًا، لزعمهم أنه بحلقه لحيته ارتكب شيئًا بات لا يؤهله لأن يكون واحدًا منهم، وذلك لأنهم كانوا يعتبرون مخنثًا كل من حلق لحيته وشاربيه.١٨

وتغيرت ثانيًا، كيفية حياة الأغنياء اليومية، فإنهم كانوا، حتى أيام (إسماعيل) الأولى، ينهضون من النوم مبكرين، فيصلون صلاة الصبح، ثم يفطرون ويشربون القهوة، ويدخنون الشبك؛ فيهبون، بعد ذلك، ويلبسون ملابسهم، ويركبون جيادهم، ويخرجون إما للزيارات أو للتسوق؛ وإما لمجالسة صديق حتى تأتي ساعة الغداء، وهي الثانية عشرة صباحًا: فيعودون إلى منازلهم، ويتغدون؛ ثم يشربون القهوة، ويدخنون الشبك؛ ويدخلون بعد ذلك إلى دوائر حريمهم، فينامون ساعة أو ساعتين؛ ثم ينهضون، فيغسلون وجوههم أو يستحمون، ويتوضأون، ويصلون صلاة الظهر؛ وبعدها، يتكيفون — والتكيف عبارة عن غيبوبة المرء عن العالم المحسوس، ليعيش برهة غير قصيرة في عالم الأحلام والأماني، معيشة من يرى هذه الأماني والأحلام حقائق، ويستمرئ لذتها استمراء عميقًا — فعندما ينتهون من التكيف، يشربون قهوة العصر، ويدخنون شبكًا آخر؛ ثم يلعبون دور ضامة أو شطرنج مع أحد أصدقائهم أو أخصائهم، وبعدها، يصلون العصر، ويخرجون للتنزه، أحيانًا، مشيًّا على الأقدام، وفي الغالب ممتطين جيادهم، وفي ركابهم حاملو شبكاتهم، وأمامهم سواسهم، فتزدحم بمواكبهم الأزبكية، فإذا عنَّ لهم، نزلوا ودخنوا تحت أشجارها الباسقة؛ وإلا استمروا في تنزههم، يتفرج بعضهم على بعض؛ وتختلط، أحيانًا، بموكبهم، عربة أحد كبار الباشوات المقربين؛ فيتفرجون عليها، ويتفرج الباشا عليهم منها، وكثيرًا ما كانت تمرّ بهم الحمير والجمال، عليها السيدات، جالسات كما كنا نراهنّ، قبل عهد الترامواي؛ أي: مؤتزرات بحبرهن، وواضعات أرجلهن في ركاب قصير، بحيث تداني ركبهن بطونهن، ويهب الهواء عليهن، فينفخ في حبرهن، فيصرن كالبلونات، ولما تقرب الشمس من مغيبها؛ أي: حوالي الساعة الحادية عشرة، على الحساب العربي، يعودون إلى بيوتهم، فيصلون صلاة المغرب في وقتها؛ ثم يتعشون ويذهبون إلى القهوة التي يميلون إليها، لسماع الراوي يقص سيرة بني هلال وحروب أبي زيد ودياب والزناتي خليفة؛ أو أعمال فروسية عنترة بن شداد، والزير المهلهل وحرب البسوس؛ أو فعال سيف بن ذي يزن، وحيل علي الزيبق وأخاديعه أو يذهبون للسهر، ساعة أو ساعتين، عند بعض الأصدقاء، ويعودون فينامون مبكرين إلا إذا سهروا في فرح أو أقاموا يتمتعون بطراوة الليل، حينما يكسو القمر بأنواره أجنحة الدجى، فضة.

ولكن، بعد انتشار ملاهي المدنية الغربية وأسبابها؛ بعد تشييد الكوميديا والأوپرا الخديوية، واستقدام أكبر الممثلين والممثلات إليهما، وإقامة المراقص فيهما، علاوة على إدخال عادة الليالي الراقصة السنوية إلى الحياة القومية المصرية؛ بعد استيراد العربات بكثرة من أوروبا، حتى غصت بها شوارع القاهرة والإسكندرية، واقتناها معظم السراة فيهما؛ وبعد إقامة حفلات السباق للخيل والهجن في هاتين العاصمتين، وإنشاء حمامات حلوان، اندفع الأغنياء مع تيار الحياة الجديدة التي أوجدتها كل هذه المظاهر الحضرية، واتخذوا خلالًا غير التي كانوا عليها.

أما الملاهي، فمن نوع الكازينات والقهوات الغنائية، المنشدة فيها غادات متفننات في سلب العقول والجيوب، كالتي أقيمت على سكة شبرا، وفي بعض نقط من ذلك الشارع، الذي أصبح — لا سيما في أيام العطلة والأعياد، وإلى أن أنشئ الشارع الموصل إلى الأهرام، ووصل بين برّي الجيزة والجزيرة ومصر بالكوبريين الجميلين المنشأين في سنة ١٨٧٢ — ملتقى كل من كان في العاصمة من ممثل للوجاهة، وكرم المحتد، ورفعة المركز، والجمال، والترف.

وأما الكوميديا والأوپرا، فإن الأولى شيدت بالأزبكية في ٢٢ نوفمبر سنة ١٨٦٧، وقد كان يوجد مكانها، ومكان الأوپرا أختها، بيوت صغيرة حقيرة، فاقترح (إسماعيل) على أصحابها أن يبيعوها له، فرضي بعضهم وأبى آخرون، ولكنه حدث أن حريقًا التهم فيما بعد بيوت الرافضين، فاشترى الخديو منهم الأرض بالثمن عينه الذي كان عرضه عليهم في البيوت وهي قائمة وشرع يبني مسرحية فوقها، واحتفل بافتتاح الكوميديا في مساء ٤ يناير سنة ١٨٦٨، فكأن إنشاءها، وتأسيسها، وتجهيزها، وإقامة أول تمثيل فيها — كل ذلك تم في ظرف شهر واثني عشر يومًا،١٩ ومع أنها كانت، في بادئ أمرها، عبارة عن بناء خشبي، فإن إبرازها إلى الوجود بمثل هذه السرعة لم يكن يخلو من شيء، يعجب له، إعجابًا كبيرًا، فزيادة على ما استوجبه من الدقة المدخلان اللذان عملا فيها: (أحدهما) حديديّ، على الشمال، للخديو؛ و(الآخر) حديديّ، كذلك، على اليمين، للحرم المصون، وأميرات البيت المالك، فإن داخل ذلك المسرح كان فخمًا جدًّا، مزينًا بأبهى الرسوم، وباديًا على كل شيء فيه بذخ فائق، لا سيما في كل ما كان يتعلق بلوج الخديو والألواج الثلاثة المغطاة المعدة لأميرات أسرته.
وأما الثانية؛ أي: الأوپرا، فقد بنيت في السنة التالية، في ظرف خمسة شهور؛ وبلغت تكاليفها ١٦٠ ألف جنيه، فظهرت، من الخارج ومن الداخل، في المظهر الفخم الذي لا تزال تتجلى لنا فيه، وكلف (إسماعيل) ڨردي، المؤلف الموسيقي الإيطالي، الطائر الصيت، بوضع رواية تناسب المكان والمقام، للاحتفال بافتتاحها، بحضور الإمبراطورة أوچيني، القادمة لترأس حفلات فتح ترعة السويس، فنظم ڨردي روايته الشهيرة المسماة «بعائدة»، وقامت مدام پوطسوني، المغنية البديعة الجمال الأسمر، بتمثيل دور الأميرة الحبشية، فيها، باختيار ڨردي نفسه، وبلغ من إتقانهم المظاهر التمثيلية، أنهم أنفقوا نيفًا وخمسمائة وخمسين ألف فرنك؛ منها ١٢ ألفًا للشعر الصناعي، فقط؛ وذلك خلاف ما أعطي لجوقة آلات الطرب (الأركستر) والممثلين (الأرتست)؛ وخلاف ما جاد به كرم (إسماعيل) على الأستاذ ڨردي، وقدره ١٥٠ ألف فرنك.٢٠

فكانت نتيجة ذلك جميعه، أن الجمهور القاهري، وعلى رأسه الخديو وأمراء بيته وأميراته، والباشوات، والسراة، أصبحوا يرون لذة حضور التمثيل المعروف بالميلودرام — أي المقترن التشخيص فيه بالغناء — من أشهى لذات الوجود؛ وأنهم أصبحوا يستقدمون، سنويًّا، جوقة أوروبية، خصيصًا لهذا الغرض، وينفقون عليها مبالغ طائلة، تتجاوز حد المعقول، فقد قدر بعضهم ما صرف على أفراد إحدى تلك الجوقات في شتاء سنة من السنين بمبلغ ١٢٠ ألف جنيه، وليس في تقديره من مبالغة؛ فإن الممثلة الواحدة، من جهة، كانت تتقاضى، أحيانًا، ألفًا ومائة جنيه في الشهر، خلاف الجواهر والهدايا المقدمة لها.

ولا غرو: فالمستقدمون من أولئك الفنيين كانوا ملوك التمثيل والغناء في أوروبا، في تلك الأيام، وملكاتهما؛ كالتينور نودين والآنسة سارولتا، اللذين فتحت الأوپرا بهما؛ وكالمسيو لاروز، والمسيو تسييه والمسيو پيجوري، والمدامات پوطسوني ومديني، ومتس فرّار، وبرت چيراردين، والآنسات دورتيه ولورنس وجيرار، ولا سيما مدام ماري صاص، التي كانت، علاوة على تفوّقها في الفن، من أبدع النساء حسنًا؛ وكالآنسة روسيل الممثلة المأساتية، التي مثلت في سنة ٧٢ رواية «البند ٤٧» ورواية «الفوميناچ» ورواية «أدريين ليكوڨرير» وروايتي «لادام أو كاملياه» و«السيد»؛ وكديلانوا، الذي مثل في السنة عينها رواية «الفوبونزوم» ورواية «نوزنتم» ورواية «الريڨليون»، ومن جهة أخرى، فإن كل جوقة كانت تشتمل عادة، على ثمانين راقصة، معظمهن، ميلانيات، من أجمل نجوم المسارح.

وبلغ من تفنن مديري الكوميديا والأوپرا في إرضاء الجمهور، أنهم أخذوا يستقدمون، أيضًا، نقادين فنيين، ليكتبوا المقالات الانتقادية الجميلة في التمثيل والممثلين، فيعملوا على تحسين الفن وترقية كفاءة القائمين به.

واشتهر، من بين أولئك النقادين، المدعو فيلپي، ذو الشعر الطويل المسترسل؛ لا لأنه كان أكفأهم، ولكن لما حمله الطمع عليه من وقاحة سمجة، فمع أنه منح ٢٠ ألف فرنك، أجرة لسفره، فقط، وتحملت الأوپرا مصاريف إقامته كلها، بالغة ما بلغت، فقد أبى إلا استغلال الممثلات، وحملهن على شراء سكوته عن هجوهن بمال يدفعنه إليه، ولما وجد منهن إعراضًا، وعدم مبالاة، تحول إلى زمرة آلات الطرب (الكوريست)؛ وأخذ يطعن عليهم طعنًا مرًّا، فما كان منهم، ذات ليلة، إلا أنهم هاجموه، وقطعوا شعره المسترسل — وكان شعرًا كاذبًا — وقذفوه ببياض البيض وصفاره، وقشر البرتقال؛ وأهانوه إهانة لم يجد معها بدًّا من الرحيل إلى بلاده.٢١

وأما مديرو المسرحين — أي الكوميديا والأوپرا — المتفننون في سبيل إرضاء الجمهور القاهري فأوّلهم درانيت باشا، المعروف باسم پاولينو — وقد أطلق اسمه هذا على شارع وحي من شوارع قسم محرم بك بالإسكندرية، وأحيائه — كان صيدليًّا يونانيًّا في خدمة الدكتور تينارد الفرنساوي، فأدناه هذا من (محمد سعيد باشا) وأدخله في خدمته، فما لبث أن أنعم عليه بلقب بك، فقلب پاولينو اسم الدكتور أستاذه، وجعله «درانيت» وتسمى به؛ وظل في خدمة (سعيد) حتى آخر لحظة من حياته.

يقول المسيو كارل دي پريير في كتابه «باريسي في مصر»: «إن قوة درانيت الكبرى، بجانب ذكائه الذي لا يُنكر، هي أنه عالج المرحوم (محمد سعيد باشا) عم الخديو وسلفه، في احتضاره، ولم يفارقه حتى آخر لحظة من حياته، ولم يكن أحد غيره يقدر على الدنوّ منه».٢٢

فعينه (إسماعيل) مديرًا لمصلحة السكة الحديدية، مكافأة له على ذلك، ولما تأسس المسرحان، عينه مديرًا لهما، وقلما كنت تراه، أو كان يقابلك، إلا باسمًا باشًّا، مهما كانت مهمتك لديه، فبات لا يستطيع أحد قراءة ما في ضميره، وتمكن، بذلك، من اقتناء ثروة طائلة.

وأخلفه على وظيفته منسه بك — وسوف يأتيك نبأ عنه — ومنادييه بك، وغيرهما دونهما شهرة.

وأما المراقص التي أقيمت في المسرحين، وابتهج بها الجمهور، فأهمها المعروفة بأسماء «براهما» و«جزيرة الغرام» و«الجيوكولييرا» و«فليك وفلوك».

وأما الليالي الراقصة التي أدخلت عادتها السنوية إلى نظام الحياة القومية المصرية، فقد كان الخديو يحييها عادة في سراي عابدين، في منتصف فصل الشتاء، ويدعو إليها، علاوة على رجال معيته وكبار موظفيه، نيفًا ومائة وخمسين من وجوه العاصمة وسراتها، وذوي الحيثيات من رجال الجاليات الغربية، فكنت تجد جميع طبقات الهيئة الاجتماعية المصرية الرفيعة وجميع الأمم الأوروبية ممثلة في أولئك المدعوين.

وكان (إسماعيل) يستقبل وفودهم، ابتداء من الساعة التاسعة مساء، في أحد أجنحة السراي، بلطفه المعتاد، وبشاشته المألوفة، ويحادثهم فيما يهمهم، أو يرتاحون إليه، حتى الساعة العاشرة، فيقدم، حينذاك، ذراعه إلى عقيلة أقدم القناصل عهدًا، أو أكبر المدعوين مقامًا، ويسير بها وبالجمع إلى قاعة فسيحة، معدة لسماع نوبة العزف، فيسير الأمراء، أولاده الثلاثة، وراءه، وعلى ذراع كل منهم سيدة، ويتبعهم الملأ، كل مع السيدة التي تسمح له المألوفات القومية باختيارها، فيحضر الجميع النوبة ساعة، ثم ينتشرون في الحجر الأخرى، زرافات زرافات، وأزواجًا أزواجًا، ويغتنم الخدم فرصة خلو القاعة، لنزع معالم نوبة العزف منها، وتحويلها إلى قاعة رقص فخمة، وعندما يفرغون من ذلك، تصدح الموسيقى، فيعود المدعوون إلى القاعة، ويبدأ الرقص ويستمر، حتى بعد نصف الليل، في حضرة الخديو والموظفين الخديويين المرتدين ملابسهم الرسمية الساطعة، والمتلألئة صدورهم بالنياشين، التي حلتهم بها كفاءاتهم، أو الإنعامات العالية. على أن ما من أحد منهم كان يرقص، سوى الأمراء الثلاثة توفيق وحسين وحسن، أولاد الخديو؛ لأنهم كانوا، دون غيرهم، متعلمين ضروب الفن، وكان حسين أكثرهم غرامًا به، وأكبرهم اندفاعًا مع تياره، وأقلهم تأثرًا بالتعب الناجم عن المجهود المبذول فيه.

فإذا انتصفت أول ساعة بعد نصف الليل، فتح الخديو المقصف، فيسير إليه المدعوون، زرافات زرافات، ويأكلون أشهى الطعام، ويشربون ألذ المدام، مريئًا هنيئًا، والموسيقى تعزف حولهم، حتى ساعات الفجر الأولى؛ فينصرفون حينذاك، مودعين من الخديو ورجاله، بما قابلوهم به من بشاشة وإكرام.

ولم يكن (إسماعيل)، لا سيما في أيام ملكه الأخيرة، يحب هذه الحفلات أو يميل إلى إحيائها، لمجرد لذاتها، فإنه كان يعتبر أوقاته أثمن من أن يصرفها في الأخذ بأسباب تلك الملاهي، ولكنه كان يحبها عملًا برأي رجل السياسة الشهير القائل: «إن البطن خير طريق إلى القلب!» ورغبة منه في أن تكون تلك الليالي مواسم تستفيد رعيته منها بما تلزمه احتفالاتها من حركة في ميداني التجارة والصناعة.

وأما السباقات، فإن الخديو كان يحييها، في عاصمتي ملكه، على نفقة جيبه الخاصة، ويدعو إليها من شاء من الوجهاء والأعيان والنزلاء الأجانب، فيقدم لهم المرطبات والحلوى والفواكه المتنوّعة، فكانت الدعوة إليها تعتبر منة وشرفًا يرفعان من قدر المدعو؛ ولذا، فإن السراة كانوا يتسابقون إليها، فضلًا عن السوقة والعامة، للتفرج عليها من بعيد، ولما كانت المقامرة أساسها — وطبع الإنسان مقامرًا — فإن ازدحام الأقدام في تلك السباقات كان شديدًا، غير مألوف إلا في الاحتفالات الدينية؛ بالرغم من أنها كانت تقام، من العاصمتين، على بعد يلزم قاصدها باحتمال مشقة، فسباقات مصر كانت تحيا في العباسية؛ وسباقات الإسكندرية في القباري، أولًا، ثم ما بين الحضرة وسيدي جابر، حيث أقيم، فيما بعد، ناديها الحالي، على الأرض التي باعتها له دائرة الأمير إبراهيم باشا، زوج الأميرة زينب هانم بنت (إسماعيل) العزيزة المفضلة، وكلتا الجهتين، بالنسبة لعدم وجود خطوط ترامواي أو سكة حديدية توصلهما بالعاصمتين، كانتا قصيتين، علاوة على كونهما رمليتين، وأن الطريق إليهما كانت تربة عثيرية.

وكثر اقتناء السراة الخيول، لتدريبها على الجري، عساها تفوز في تلك السباقات؛ وبلغ من اهتمامهم بها أن علي شريف باشا، صاحب السراي الكبيرة المشهورة بشارع عبد العزيز، المؤجَّرة الآن إلى راهبات المحبة، ورئيس محكمة مصر التجارية في ذلك العهد — وكان من أكبر غواة تلك الخيول — لم يكد ذات صباح يفتح جلسة محكمته إلا وأتاه سائسه، وهمس في أذنه أن جواده الفلاني — وكان من أحسن خيوله — مريض جدًّا، يخشى عليه، فنهض علي باشا مذعورًا، وأعلن رفع الجلسة، وترك القضاة والمتقاضين، وذهب ليعول جواده المريض!٢٣

وكانت السباقات تقام، عادة، كل خمسة عشر يومًا؛ ومعظم «الجوكز» أي: راكبي الخيول، فيها من السودانيين، وإلا فإنجليز، وأهم سباقات عهد (إسماعيل) السباق المقام في اليوم السادس عشر من أيام الأفراح، التي أحييت مهرجاناتها أربعين يومًا، احتفالًا بزواج الأمراء محمد توفيق وحسين وحسن والأميرة فاطمة هانم، أولاد الخديو في سنة ١٨٧٣ فإن «الجوكز» فيه، كانوا مرتدين ملابس حريرية، وفاز منهم راكب جواد للخديو عينه، يقال له: «قباري» وراكبو جياد نظير أغا، وعلي شريف باشا، وإسماعيل بك، وامتاز ذلك السباق عن غيره، بأن هجنًا جرت شوطًا فيه؛ وبأن مقصفه كان من أفخر ما يقع في خلد بشر أو تراه عين؛ وأن المدعوين إليه كادوا يغطون بعددهم وعديدهم صحراء العباسية على اتساعها.

وأما حلوان، فإن الخديو — بعدما ظهرت مزايا مياهها المعدنية الكبريتية، ومنافعها للمستحمين بها — وطن نفسه على جعلها «إكس لي بن» مصرية شتائية، يؤمها رعاياه والسائحون (التوريست) للاستفادة منها، فما فتئ يشجع على إقامة المباني والفنادق فيها، بهمة لا تعرف الملل؛ ويقدم، هو نفسه، المثل الصالح في ذلك، بإنشاء قصر فخم في تلك الضاحية العاصمية، للأميرة والدته سنة ١٨٧٧ إلى أن تم له مرغوبه؛ وبرزت حلوان في حلة من الترغيب حملت الكثيرين من السراة على اتخاذها مقرًّا لهم، وكثيرين من الغربيين على قصدها، في فصل الشتاء، لتمضيته فيها.

وبلغ من إعجاب الناس بهوائها ومياهها أن المسيو بلان Blane صاحب كازينو منتي كارلو، الشهير بإمارة مونكو، وكازينو همبرج بألمانيا، عرض على الخديو مبلغًا جسيمًا من المال ليصرح له بفتح كازينو فيها للمقامرة، على شاكلة ذينك الكازينين؛ فاعتبر (إسماعيل) مليًّا، عواقب إقامة مثل ذلك المحل؛ ونظر إلى المستقبل نظرة من يستطلع أسراره، فرأى أموال أسرته ورعاياه تذهب إلى غمرات ذلك المكان؛ فتنباع منه مأساآت تلبس العائلات لباس السواد والحداد؛ فرفض، ورفض كذلك، للأسباب عينها، مبلغًا أكبر، عرضه عليه الرجل ذاته، ليصرح له بفتح كرسال للمقامرة في القاهرة.

فلو كان (إسماعيل) الأمير المتعطش إلى المال، الذي يصفه أعداؤه، الراغب في الحصول على النقود من أي باب ولو ضارًّا برعاياه، لما أحجم عن قبول المبلغين الكبيرين اللذين عرضا عليه، ولبرر نفسه بحجة رغبته في صرفهما فيما يعود على مصر بالخير، سابقًا في تبرره بهذه الوسيلة، المستر سسل رودز المشهور، الذي يُروى عنه أن الظروف جمعته، يومًا، في حفلة مع الكولونيل جوردن، عقب عودة هذا الرجل الپوريتاني المذهب من الصين، حيث كان قد أخمد ثورة النايپنج، فقص جوردن على الحاضرين كيف أن إمبراطور الصين، لكي يكافئه على خدماته العديدة الجليلة، لا سيما في إخماده نيران تلك الثورة الهائلة، التي كادت تذهب بعرشه، أخذه إلى حجرة ملأى ذهبًا، وقال له: «خذ كل ما فيها، فإنه مكافأتي لك على ما فعلت!» فرفض جوردن قائلًا: «إني لم أعمل إلا الواجب عليَّ، ولست أستحق على أدائي واجبي مكافأة ما!» فأظهر سسل رودز تأففًا من ذلك، واستنكارًا له، فالتفت جوردن إليه وسأله: «ترى، لو كنت مكاني، أكنت تقبل؟» فأجاب سسل رودز: «بلا شك! وكنت استخدمت ذلك الذهب في اكتساب إمبراطورية جديدة لبريطانيا العظمى!»

على أن أكبر تعديل اجتماعي أدخله (إسماعيل) على حياة أمته المصرية القومية، وأكبر هزة، بالتالي، هز بها عقليتها، في صميمها، إنما هو عمله على إبطال النخاسة والرق وتحرير العبيد.٢٤

فإن الرق ما فتئ رفيق الحروب الإسلامية، حيثما دارت رحاها، وأليف الحياة العائلية الإسلامية، حيثما قامت معالمها. لا لأنه أصل من أصول الدين والحشمة الإسلامية، كما كان يعتقد الأوروبيون؛ ولكن لأنه — من الوجهة الحربية — موروث عن القرون التي سبقت الإسلام، وقد عمل الإسلام على محو هذا الإرث من نفوس المسلمين فأوصى النبي كثيرًا بالرقيق خيرًا وحض على عتق من وقع في الرق ووعد بالثواب الجزيل من الله تعالى على هذا العتق حتى أصبح من قواعد الإسلام تشوُّف الشارع للحرية الشخصية، ولكن المسلمين بعد القرون الأولى انغمسوا في أسباب الترف، واندفعوا في تيار اللذات؛ فأدى ذلك بهم إلى الخمول والكسل اللذين أصبحا — فيما بعد — من أكبر أسباب انحطاطنا في مضمار الحياة العملية، وعدم أخذنا بما قيل لنا من أن «نعمل لدنيانا كأننا نعيش أبدًا»؛ وأدَّى بنا من جهة أخرى، إلى حمل قول الكتاب العزيز وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ على إباحة استرقاق المرأة المسلمة من طريق البيع والشراء.

فأقبل فقراء المسلمين، لا سيما في الكرج والقوقاز، يبيعون أولادهم، باختيارهم، وهم يرمون بذلك إلى التخلص من عبء تقويم أود معاشهم، من جهة؛ وإلى التطويح بهم في بحر الحدثان، من جهة أخرى، عسى أن تذهب أمواجه بهم إلى شواطئ السعادة والعز، فإن كانوا إناثًا، ربما تزوجن من بيك أو باشا أو والٍ أو من السلطان؛ وإن كانوا ذكورًا، ربما ترقوا إلى أعلى المراتب، فأصبحوا أمراء جيوش؛ كحافظ باشا صاري عسكر آخر جيش عثماني قاتل (إبراهيم) الهمام؛ أو رؤساء دولة، كخسرو باشا كبير وزراء السلطان عبد المجيد، وألد أعداء (محمد علي) العظيم.

وأقبل أغنياء المسلمين يقتنون أولئك الفتيان والفتيات، ويختصون بالفتيات لقضاء لذاتهم وأوطارهم، وهم لا يعتقدون أنهم، بذلك، يرتكبون إثمًا، أو يأتون نكرًا؛ جهلًا منهم بأصول دينهم، فاضطرهم إكثارهم من ابتياع الجواري واقتنائهم لهن في بيوتهم إلى الاستمرار على اقتناء الخصيان لحراستهن، وإلى الإكثار من شراء الإماء السود لخدمتهن.

ولكن إغلاق باب الحروب أدى إلى تعذر الحصول على الطلبين، فنشأت من ذلك النخاسة وترعرعت، وفشت فشوًّا عظيمًا! والنخاسة هي صيد السود، صيدًا، وتقييدهم بالحديد، وسوقهم إلى أسواق بيع الرقيق، كالأنعام، حتى لقد يموت كثيرون منهم في الطريق!

ولم يكن العالم المسيحي الغربي أقل تمسكًا بمبدأ الاسترقاق من العالم الإسلامي في الزمان المتأخر ولكن لدواع غير دواعيه، فالمسلمون كانوا يبتغون من الرق، على العموم، التسري والترف؛ وأما العالم المسيحي فكان يبتغي منه الاستغلال والنفع، فكانت نتيجة اختلاف الغرض بينهما أن العالم الإسلامي، على العموم، كان يعتني بالرقيق اعتناء المرء بوسائل لذاته، ويعامله معاملة العضو في عائلاته؛ بل كثيرًا ما يزوج الأرقاء من بناته والرقيقات من أولاده، ولو أن هناك استثناءات نادرة قد تؤخذ حجة على خلاف ذلك: كإقدام أحمد الجزار باشا، والي عكا، في أواخر القرن الثامن عشر وأوائل القرن التاسع عشر، مثلًا، على قطع أنوف جواريه، وآذانهن، ونهودهن، وألسنتهن على سبيل التسلية والتفكهة؛ وإقدام (إبراهيم) الهمام نفسه، في ساعة غضب شديد، على قتل مملوكه المفضل عثمان، لذهابه إلى الحمام بدمشق بدون إذن منه، وأمره بدفنه، بحيث تظهر قدماه خارج الأرض فتأتي الكلاب وتنهش جثته؛٢٥ أو إقدامه يومًا، شرب فيه أحد أولاده، وهو طفل، لبنًا، فاعتراه ألم، فاضطربت والدته واتهمت أربعًا من جواريها بأنهن سممنه، على إصدار أمره بالقائهن حالًا في النيل، قبل التثبت من صحة التهمة — وقد كانت كاذبة؛٢٦ أو كإقدام (عباس) على الأمر بخياطة شفتي جارية من جواري قصره صادفها تدخن في إحدى طرقاته — وكان التدخين محظورًا على أمثالها وغير مسموح به في القصور إلا لرباتها، أزواج أربابها الشرعيات.

على أن هذه، كما قلنا، كانت استثناءات نادرة، ولذا فإن الرقيق في الإسلام لم يكن يشعر بأنه تعس، أو ممتهن ومحقر، بل كان يفتخر بانتسابه إلى مواليه، ولا يبغي عن الحال التي هو فيها عوجًا.

وأما العالم المسيحي الغربي، فكان يعامل الرقيق، على العموم، معاملة غلظة وقسوة؛ فيتعبه ويشقيه على نسبة الفائدة التي كان ينتظر أن تعود عليه من زيادة أتعابه وإشقائه، وكان الرقيق فيه يشعر، شعورًا لا مزيد عليه، بذله وحقارته وبؤسه، ويرغب، من صميم فؤاده، في أن يتخلص، ولو بالموت، من المصيبة التي هو فيها. اقرأ كتاب «خص العم طم» الشهير لمؤلفته الست هنرييت بيتشرستو.

فأدى ذلك إلى نشوء حركة في العواطف والأفكار، أخذت تعمل عملًا حثيثًا على إبطال الرق، واجتثاث جذوره.

تلك الحركة بدت، على الأخص، في إنجلترا، في أواخر القرن الثامن عشر، بهمة نفر من رجال الفضل، أشهرهم جرانڨل شرب، الذي ما فتئ، مدة نصف قرن برمته، يجاهد في سبيل إبطال الرق؛ وبمساعي الرجال الإنجيليين المعروفين باسم «الكويكرز» أي: (الراجفون) الذين قدموا إلى البرلمان البريطاني طلبًا بإبطاله.

ثم أقبل كلاركش ينشر مؤلفاته، ويبذل همته للغرض عينه؛ وانضم إليه ويلبر فرس بعد ذلك بقليل، ولا مقصد له من الحياة سوى حمل البرلمان على إصدار قانون يبطل الرق والاسترقاق، فجاهدا معًا، جهادًا طويلًا، أقامهما في مصاف أكبر المحسنين إلى الإنسانية قاطبة.

فتأسست في يونية سنة ١٧٨٧ لجنة مؤلفة من اثني عشر عضوًا، معظمهم من «الكويكرز» لإبطال الإتجار بالرقيق، ولكنها صادفت مقاومة عنيفة من أجلّ رجال العصر، وعداء شديدًا، فلم تبال، وقدمت على لسان ويلبر فرس طلبها إلى البرلمان في سنة ١٧٨٨؛ وما زالت تنشر مجهوداتها، ويبذل ويلبر فرس أمواله وجهوده، حتى فاز بمرامه؛ واستصدر من البرلمان الإنجليزي في سنة ١٨٠٨ قانونًا بإبطال الإتجار بالرقيق.

فاقتدت الحكومة الفرنساوية بالبرلمان البريطاني، وأصدرت في سنة ١٨١٥ أمرًا قضى بما قضى به ذلك القانون. على أنه كان قد سبق للجمعية الدستورية الفرنساوية أن اعترفت بقرارها الصادر في ١٥ مايو سنة ١٧٩١ بمساواة عموم البشر في الحقوق الشخصية، والمدنية، والاجتماعية، بضرب الصفح عن جنسهم، وملتهم، ولونهم.

وسار مؤتمر ڨيينا في سنة ١٨١٥ في الطريق ذاتها، فمنع هو أيضًا الإتجار بالرق.

على أن الاسترقاق لم يزل، مع ذلك، جاريًا: لأن مبدأ الرق نفسه لم يحظر وإن حظر الإتجار بالرقيق، وقضت على النخاسة قرارات مؤتمري إكس لاشاپل سنة ١٨١٨ وڨيرونا سنة ١٨٢٢ الدوليين.

فتأسست في سنة ١٨٢٣ جمعية تحت رياسة كلاركش، وويلبر فرس، وبكستن، في إنجلترا، غرضها العمل على تخفيف ويلات الأرقاء، وإبطال الرق تدريجيًّا في الممتلكات الإنجليزية، ولكن الكويكرة اليصابات جريك أذاعت نشرة عنوانها: «وجوب إبطال الرق حالًا، لا بالتدريج» حملت بها تلك الجمعية على التخلي عن مبدأ الإبطال التدريجي، والانضمام إليها في المطالبة بالإبطال السريع، وكانت الأفكار والقلوب قد تنبهت إلى خطورة المسألة، ومنزلتها من الرقي البشري الحقيقي، فوجدت الحركة، التي قامت بها تلك الجمعية، أرضًا صالحة، نمت فيها بذور تعاليمها بسرعة عجيبة؛ وهب الرأي العام كله يؤيدها ويعضدها.

فأصدر البرلمان البريطاني قانونًا في آخر سنة ١٨٣٢ حدد بمقتضاه يوم أول أغسطس سنة ١٨٣٤ لتحرير عموم الأرقاء في دائرة الممتلكات البريطانية؛ وخصص مبلغ عشرين مليونًا من الجنيهات لدفع تعويضات منه إلى موالي الأرقاء المحررين.

فما أتى عام ١٨٤١ إلا وكانت بريطانيا العظمى قد حررت نيفًا واثني عشر مليون رقيق في أملاكها الهندية الشرقية وحدها.

فلم تشأ الدول الأوروبية أن تتأخر عنها في ذلك المضمار الشريف، فأبطلت حكومة السويد الرق في سنة ١٨٤٦ وسنة ١٨٤٧؛ وأبطلته حكومتا فرنسا والدانيمرك في سنة ١٨٤٨؛ وحكومة هولندا في سنة ١٨٦٢ بدون تعويض لموالي الأرقاء؛ وأبطلته باقي الدول، بالتدريج، حتى إسبانيا نفسها؛ ومع أن الولايات المتحدة الأميريكية قررت إبطال النخاسة منذ سنة ١٨٠٨ وأصدرت قانونًا في سنة ١٨٢٠ اعتبرتها، بموجبه، ضربًا من ضروب القرصنة، فإن مبدأ الرق لم يبطل فيها، تمامًا، والعمل به لم ينقطع كلية، إلا بعد أن قامت الحرب الأهلية عليه بين ولايات الشمال وولايات الجنوب، وفازت الأولى — وكانت ضد مبدأ الرق — على الثانية المتحيزة له، فأجبرتها على الرضوخ لإرادتها.

ولما لم يعد يبقى من رق في العالم إلا في البلاد الإسلامية، للأسباب التي سبق لنا ذكرها، تحولت مجهودات مبطليه والمطالبين بإبطاله، إلى تلك البلاد؛ وكان قد غاب عن أنظارهم أن الرق في الإسلام غيره في النصرانية، وأن پسكال كان قد قال، منذ نيف ومائتي سنة: «ما هو صواب في هذه الجهة من جبال الپيرنيات قد يكون غلطًا في الجهة الأخرى منها!»

فشرعوا يؤلفون الجمعيات لإبطال الرق في الدول الإسلامية، وينتدبون الوفود لمقابلة عواهلها، ومفاتحتهم في هذا الشأن؛ ويحضون دولهم على التداخل في الأمر، ووضع حد «لذلك العار الإنساني الذي لا يُطاق».

فحملت الحكومة الإنجليزية السلطان عبد المجيد، بما كان لها عليه من أياد، بسبب تداخلها بينه وبين تابعه (محمد علي)، وإذلالها هذا بين يديه، على وضع فقرة في الفرمان الذي أصدره إليه في سنة ١٨٤١ مؤداها: «أن أبطل صيد السود، فإنه عمل لا يتفق مع مبادئ العدالة والإنسانية!»

على أن لا إنجلترا ولا عبد المجيد كانا يقصدان، من مثل هذا القول، حض (محمد علي) على إبطال النخاسة. أما إنجلترا، فإنها، من جهة، كانت تجهل فظاعة النخاسة في السودان — لأن تلك الفظائع لم تعرف في أوروبا إلا بعد رحلات ليڨنجستن، وبيكر، وستانلي؛ ونشر هؤلاء الرحالين الأفاضل البيانات التفصيلية عنها — ولأنها، من جهة أخرى، كانت تشعر بأنه لا يحسن أن يخاطب بإبطال النخاسة أمير مسلم، بينما أن معظم الدول الأوروبية والأميركية المسيحية لا تزال مجيزة لها، وأما عبد المجيد، فلأنه كان يعلم أن إبطال صيد السود يقضي، حتمًا، بإبطال الخصيان، ولم يكن في وسعه الاستغناء عنهم.

فغاية ما فهمه (محمد علي) من الفقرة التي زيدت في فرمان سنة ١٨٤١ هو أن إنجلترا والسلطان يخشيان منه عودًا إلى صيد السود لتجنيدهم على غير علم منهما، في جوف البلاد، وأنهما يأبيان عليه ذلك، ولا يبعد أن فهمه كان في محله. غير أنه كان قد صمم تصميمًا باتًّا على عدم إعادة الكرة على الدولة العثمانية، وكان قد اختبر، من جهة أخرى، قلة صلاحية السود للجندية في غير السودان، فلم يكن يهمه البتة، قنص السود، لاتخاذ جيش منهم؛ ولا همه، يومًا في حياته، اقتناصهم لاسترقاقهم، واتخاذ خصيان منهم. بل كان يهمه، بالعكس، عمار السودان وتقدمه، كما دل سفره إليه في سنة ١٨٣٩، وزيارته لأبعد أصقاعه، حتى الفازوغلي، بالرغم من أن سنه كانت فوق السبعين؛ وإقامته محطات عسكرية على ضفتي النيل؛ وإنشاؤه مدينة الخرطوم عند ملتقى النيلين الأبيض والأزرق؛ وإعلانه حرية الملاحة على النيل الأبيض؛ وإبطال تجارة الرقيق؛ وكما دل، أيضًا، تشجيعه رجال العلم كسپيك، وجرانت، وبلتزوني، وغيرهم، على جوب البلاد واستكشاف أسرارها.

ولكن رجال الحكومة المصرية وموظفيها، في أيامه، وأيام خلفائه الثلاثة الأول، بل في أيام (إسماعيل) ذاتها كانوا يدبرون الغزوات في أعالي النوبة والسودان، ويشنون الغارات على قبائل السود، فيصطادون منها ما يمكنهم صيده، ويبيعونه في أسواق الرقيق بالخرطوم والقاهرة وغيرهما، فيصيبون، من ورائه، أرباحًا طائلة.

فحدا ذلك (بسعيد باشا) إلى السفر بنفسه إلى السودان في نوفمبر سنة ١٨٥٧ بصحبة جيش عدده خمسة آلاف رجل، تخلى عن معظمه حالما جاوز الحدود المصرية، ولم يصطحب منه، إلى بربر، سوى خمسمائة فارس — فقابل في بربر وجهاء البلاد، وأظهر لهم نياته في تحسين أحوال السودان وتشجيع وسائل العمران فيه؛ وأعلن رغبته في إبطال تجارة الرقيق، ثم قام إلى الخرطوم، فبلغها في ١٠ فبراير سنة ١٨٥٨؛ وبعد أن أوشك أن يعزم على التخلي عن السودان برمته، ليأسه من إصلاحه، قبل رجاء من رجاه في تغيير عزمه هذا، من الوجهاء، وأمر بإجراء عدة تعديلات إدارية، كجعل كل مديرية مستقلة عن الأخرى، لا ترجع في أحكامها إلا إلى مصر؛ وعدة إصلاحات، كتنظيم البريد بين الخرطوم ومصر على الهجن بطريق كروسكو؛ وكتخفيض الضرائب على الأطيان والسواقي، ومنع الجند من جمعها، وإناطة ذلك بمشايخ البلاد على أن لا يجمعوها إلا بعد الحصاد؛ وكترتيب عقد ناد من الأعيان في الخرطوم، كل سنة، للنظر في راحة البلاد؛ وإنشاء محطة عسكرية على نهر سوبت لمراقبة تجار الرقيق، وقطع دابر النخاسين، ولما عاد إلى مصر، فكر في إنشاء سكة حديدية تجمع بين القطرين، وتسهل مراقبة سير الأحكام واعتدالها، مهما بعدت الشقة، بين الولايات ولكنه لم يتمكن من إبراز فكره هذا إلى حيز الوجود، كما أن إعلانه إبطال الرقيق لم يجد نفعًا ولا أفادت المحطة العسكرية على نهر السوبت شيئًا؛ لأن البلاد لم تكن ناضجة لإبطاله، ولا راضية به؛ ولأن الحياة الاجتماعية لم تكن لتستغني عنه.٢٧

فعاد المطالبون بإبطاله من الغربيين إلى النفخ في أبواقهم، وهم لا يدرون من الملوم في إبقائه.

فلما آل العرش إلى (إسماعيل)، وصمم هذا العاهل، كما قلنا، على إدخال بلاده، بصراحة، في مضمار المدنية الغربية، وطن نفسه على إبطال الرقيق، توطينه إياها على إلغاء العونة والسخرة كقول فون ستيفان في كتابه «داس هوتجي إجپتن ص١٥٣».

وكانت النخاسة، إذ ذاك، في أشدها، بالرغم من مقاومة (محمد علي) و(سعيد) لها، وبالرغم من عمل الحكومة المصرية على تقليل توريد الأرقاء، نيلًا، وإبطالها أسواق الرقيق الرسمية بمصر والإسكندرية وطنطا وغيرها من البنادر!

«فالبحارة» في جهات النيل الأبيض، و«النهاضة» في جبال النوبة وجبال فازوغلي، وفي جهات كردوفان الجنوبية، كانوا لا يفتأون عاكفين على صيد السود بقوة السلاح، كأنهم وحوش برية، وسبيهم والسير بهم إلى أسواق الرقيق في الأبيض وفاشوده، والقلابات، حيث كان الجلابون يشترونهم منهم؛ وبعد أن يبيعوا أقلهم قيمة في أسواق الخرطوم، والمسلمية، وود مدني، وسنار، والقضارف، وكسلا، وبربر، وشندي، ينزلون بأقواهم وأجملهم إلى مصر، إما عن طريق النيل، في مراكب يرفعون عليها رايات دول غربية، ليحتموا بها؛ وإما عن طريق الصحراء، إلى أسيوط، حيث كان يوجد معمل للخصي، يديره قسوس من الأقباط حازوا، في أنهم من أمهر الناس في إجراء ذلك العمل الفظيع، شهرة شائنة، وينسلون منها سرًّا إلى مصر والإسكندرية، وأهم بنادر القطر، ويعرضون بضائعهم البشرية على الراغبين فيها، إما باطلاع رجال الحكومة، وموافقتهم الصامتة؛ وإما خفية وخلسة بمساعدة شركاء لهم معلومين.

وكان ثمن الولد الأسود أو البنت السوداء التي من عمره، ما بين عشرة جنيهات، واثني عشر جنيهًا؛ وثمن الصبي الحبشي، ما بين ٢٠ و٣٠ إلى ٩٠ جنيهًا ومائة جنيهًا؛ وثمن البنت الحبشية التي سنها ما بين الثانية عشرة والسابعة أو الثامنة عشرة، من ٧٠ جنيهًا إلى ١٠٠ جنيه؛ وكان ثمن الرقيقات التي سبق استخدامهن أرخص من غيرهن، إلا إذا كن من صاحبات الحرف، كأن تكن طاهيات أو ما شاكل ذلك، فإنهن، في مثل هذه الحال، كن يبعن بثمن أعلى، وأما الخصيان، فكانوا أعلى ثمنًا من الجميع، لندرتهم، والسبب في ندرتهم قلة نجاح عملية الخصي، وموت تسعين في المائة من الذين كانت تعمل لهم.

وكان يوافي جلابو الرقيق الأبيض جلابي الرقيق الأسود إلى تلك الأسواق، والفرق بين الرقيقين جسيم جدًّا: لأن الرقيق الأبيض كان اختياريًّا؛ وأما الأسود، فكان مجلوبًا قسرًا، وكان ثمن الجارية البيضاء يختلف بين ٢٠٠ جنيه وخمسمائة، ويتراوح، أحيانًا، تبعًا لجمال الجارية المبيعة، ما بين ٨٠٠ جنيه وألف جنيه.

وكان الراغبون في الشراء كثيرين، إما لسد فراغ أحدثه الموت في عدد الأرقاء الموجودين في بيوتهم — والموت كان كثير الزيارة للأرقاء، وأغلب ما كانت أعمار هؤلاء البؤساء قصيرة! — وإما للمغالاة في مظاهر الأبهة والترف، فقد كانت توجد بيوت غاصة بالمئات من الجواري، ولا يعرف أربابها منهن إلا القليلات، فيقبلون، أفرادًا أفرادًا، على محلات الجلابين، ويشترون ما يطيب لهم من الرقيق المعروض، وهم أبعد من أن يفتكروا، حتى ولا في المنام، بالفظائع والآثام والجرائم التي ارتكبت في سبيل تموين بيوتهم، وسد حاجة معيشتهم القومية؛ أبعد من أن يفتكروا بأن النخاسة كانت تنتزع، سنويًّا، أكثر من خمسين ألف أسود من حقولهم ورُباهم ومراعيهم، فلا يبقى منهم، حيًّا، كل سنة، بعد المشقات التي يقاسونها، سوى عشرة في المائة؛ وأن النخاسين كانوا، حتى بعد وصول الرقيق إلى مصر، يحتقرون حياة أولئك البؤساء إلى درجة أن اثنين منهم تخاصما، مرة، على ملكية بنت سوداء، فطعنها أحدهما بخنجر، لكيلا يأخذها خصمه.

هكذا تشتري موسرات الغرب، وعقائل كبار سراته وذواته الدنتلات والتطريزات والأشغال اليدوية النسائية الأخرى بثمن صغر أو عظم، وهن لا يفتكرن، لحظة، بأن أيدي فتيات بائسات ربما أمضين غالب أيامهن بدون عشاء، هي التي اشتغلت، في سهرات الليالي الشتائية الطويلة، وعلى نور الزيت الضئيل، تلك الحاجيات التي يتطلبها الظرف، وتوجبها الكياسة.

وكان الجلابون يتحاشون بيع رقيق إلى أوروبيين؛ ولا يقدمون على ذلك، إلا بحيطة كبرى؛ لعلمهم بأن معظم الفرنج ميالون إلى إظهار نقمتهم على تجارتهم البشرية، أو التظاهر بها، رغبة منهم في وقوفهم موقف المرء ذي الشعور الرقيق والإحساس الشفيق!

فما مضت على تبوء (إسماعيل) عرش أبيه بضعة أشهر إلا وأصدر أوامره المشددة إلى موسى حمدي باشا، المعين من قبله حاكمًا عامًّا على السودان، بتعقب تجار الرقيق وقطع دابرهم، فألقى موسى باشا في تلك السنة عينها سنة ١٨٦٣ القبض على سبعين مركبًا مشحونة بالأرقاء بين كاكا وفاشودة، وأتى بالمسبيين إلى الخرطوم، ثم أحضر ملك، «الشلك» من فاشودة؛ فسلمه الرقيق الذي أُخذ من بلاده، ورجعه بالهدايا إليها، ووزع الباقين على التجار والموظفين لتربيتهم، وأما النخاسون، فإنه زجهم في السجن، ولم يخرجهم منه حتى تعهدوا بعدم العودة إلى مثل تلك التجارة — وعود عرقوبيّة باطلة!

على أن (إسماعيل) كان يعلم علم اليقين بأن إبطال النخاسة يستدعي، أولًا، إبطال الرق بصفته حالة اجتماعية؛ لأنه علتها، ولكن أنى يتأتى إبطاله، وتقاليد شعبه، ومصالح جانب عظيم من رعاياه واقفة بجانبه، للدفاع عنه؟

ولكن عزيمته لم تكن لتنثني أمام عقبات، مهما كان نوعها، ومهما كانت جسامتها؛ وما لم يكن يستطيع مصادمته، جبهة لجبهة، كان يصادمه جنبًا لجنب، فتسلح، إذًا، بالمبدأ الديني القاضي بجواز تحرير كل عبد يسيء مولاه معاملته؛ وأصدر حالًا بعد ارتقائه العرش أمرًا بتحرير كل عبد أو أمة يثبت على سيدهما أنه أساء معاملتهما.٢٨

فشعر العالم المصري بأنه هوجم في عقر داره؛ وأحس بسنان الرمح الموجه إليه، يمس صميمه، فهب لدفع الهجمة والاعتصام منها، وراء حصن مبدأ ديني آخر، وهو المبيح للسيد أن يعاقب عبده أو أمته، المرتكبين سرقة، وشرع كل سيد يدفع تهمة الإساءة إلى عبده، المرتكن عليها لتجويز عتقه من ربقته، بتهمة سرقة يرمي عبده بها.

وبما أن شعور القضاة، قاطبة، كان في جانب السادة، فما من عبد نجح مطلقًا في إثبات دعواه ولا نجح أحد في تحرير عبد أراد تحريره بهذه الوسيلة؛ وكاد الأمر الذي أصدره (إسماعيل) يئول إلى مجرد البقاء حبرًا على ورق، لتحزب المطلوب منهم تنفيذه على عدم تنفيذه.

فعدل (إسماعيل) وجهة هجمته، وحول السلطة في الحكم في دعاوى الأرقاء الطالبين التحرير من القضاة الشرعيين إلى قناصل الدول الأجنبية، وأمر الهيئات الأهلية الحاكمة بإصدار العتق وقيده؛ كلما طالبهم قنصل بذلك.٢٩
فكان كأنه تجنب «شلا» للارتطام «بكاردي»٣٠ أو، كما يقول المثل العربي، «كالمستجير من الرمضاء بالنار» فإن القناصل لكي يرضوا الرأي الأوروبي المطالب بإلغاء الرق وإبطال الإتجار به، أخذوا يحكمون بتحرير كل مشتكٍ، بدون تحقيق شكواه، والتثبت من صحتها، وبلغ من المتولي أعمال القنصلية البريطانية بالمنصورة سنة ١٨٧٣ — ولم يكن، حتى، نائب قنصل! — أنه في ظرف شهر واحد حرر نيفًا و١٧٠٠ رقيق، ولولا أن ضجة أرباب العائلات ارتفعت حتى تناولت عنان السماء، فأوجبت تداخل ذوي الشأن، لحرر ذلك المحترم كل أرقاء المديرية.

فضرب (إسماعيل) أخماسًا في أسداس، لما رأى رغائبه يعاكس تحقيقها خصومها وأصدقاؤها؛ واضطر إلى تعويض عموم أصحاب الأرقاء الذين حررهم ذلك المتولي بدون حق؛ كما أنه اضطر إلى تضييق سلطة القناصل وإشراك الهيئات المحلية الحاكمة معهم في تحقيق الشكاوى التي يقدمها الأرقاء ضد مواليهم.

ولشعوره باضطراب الرأي العام حوله، بحق، بسبب التطرف الذي حصل من العنصر الأجنبي، كلف نوبار باشا، وزير خارجيته، فكتب إلى قنصل إنجلترا العام كتابًا أذيع للملأ، أوقفه فيه على حقيقة نيات الخديو، وذكره «بأن الدول الأجنبية لا سيما إنجلترا، لما حررت الأرقاء عوضت أصحابهم؛ وأن الخديو، بصفته أميرًا مسلمًا، لم يمكنه، فيما أصدر من أوامر متعلقة بتحرير الأرقاء، أن ينسى أن واجب عرشه يقضي عليه بحماية ما يقره الدين، وتوجب العادات والتقاليد القومية احترامه، ولذلك اقتضت إرادته أن يحرر المساءة معاملتهم من الأرقاء لا كل من طلب العتق منهم».٣١

والذي زاد في امتعاض (إسماعيل) في هذا الشأن، هو أن الغربيين أنفسهم الذين كانت بلادهم وحضارتها تطالبه بإلحاح بالعمل على إبطال النخاسة والرق في بلاده، كانوا أكبر عقبة تصادفها مساعيه المبذولة في السبيل الموصل إلى ذلك بما كانت امتيازاتهم تضمن لهم من سلامة في متاجرهم غير الجائزة، وتحميهم من عقاب في إقدامهم على مخالفة أوامره؛ وقد أظهر امتعاضه هذا بقوة لهجة يعجب بها، فيما أجاب به، بلندن، رجال وفد الجمعيات الإنجليزية والفرنساوية لمقاومة النخاسة والرق، الذين اغتنموا فرصة وجوده في تلك العاصمة في سنة ١٨٦٧، وطلبوا مقابلته ليرفعوا إليه رغبة تلك الجمعيات في أن يحقق خديو مصر أمنية الحضارة الغربية، وأمل الإنسانية الراقية فيه.

فإنه أذن لنوبار باشا بإدخالهم عليه، والقيام بأمر الترجمة بينه وبينهم، عملًا بمقتضيات الرسميات، ولو أن (إسماعيل) كان يتكلم الفرنساوية كأحسن متكلم بها فيهم، فقابلهم بلطفه المعهود الخلاب، الذي كان يسحر به كل من يحادثه، فيميل بعواطفه إليه كيفما شاء، وقال لهم بالتركية، فترجم نوبار كلامه بالفرنساوية: «إنه منشرح تمام الانشراح لمقابلة حضرات أعضاء الوفد، بصفتهم نوابًا عن الجمعيات الإنسانية الموقرة العاملة على إبطال النخاسة والرق؛ لأنه، هو نفسه، يرغب جدًّا في إبطالهما، واتخذ أقوى الوسائل لذلك، ولكنه يرى بالأسف، أنه إذا كان في وسعه أن يرغم شعبه على الامتثال لأوامره بالرغم مما في الامتثال لها في موضوع الإقلاع عن النخاسة والرق، من مضاضة على نفوسهم وإضرار بمصالحهم، ومخالفة لتقاليدهم، فإنه لا يستطيع عملًا مطلقًا ضد الأوروبيين أنفسهم، المقيمين في بلاده، والذين هم أكبر المجرمين، فإنهم يتجرون بالعاج وريش النعام والصمغ، اسمًا وحجة، ولكنهم في الحقيقة إنما يتجرون بالرقيق في مراكبهم النازلة في النيل، فلو أن تلك المراكب لا راية لها، أو كانت الراية المصرية هي الخافقة عليها، لأمكن تفتيشها: فإذا وجد فيها رقيق صودرت وضبطت، فأعتق الأرقاء وعوقب المجرمون، كما وقع في بحر الستة الأشهر الأخيرة من السنة الماضية، فإن كومندانًا وأميرالًا مصريين رميا بالرصاص، لإقدامها على مخالفة أوامره، ومساعدة النخاسة وتهريب الرقيق، ولكن المراكب الآتية برقيق ترفع، عادة، راية إحدى الدول الغربية، لكون أصحابها أوروبيين، فإذا تعرض لها رجال حكومته ونشأ بينهم وبين أصحابها جدال بخصوص المشحون والحمولة البشريين، فالجواب المفحم هو أن الرجال نوتية والنساء أزواجهم أو سراريهم، والصغار أولادهم، فتغل، بذلك، أيدي السلطة المصرية. ألا فليعلموا أن النفوذ الأوروبي، في مدة السنين الثلاثين الأخيرة، قد غير مصر تغييرًا كليًّا، فلو كانت الحكومة المصرية حرة في معاملة النخاسين الأوروبيين معاملتها للنخاسين الخاضعين لسلطانها، لبطلت النخاسة، وبطل بالتالي الرق بعد مدة يسيرة، ولكن حكومته غير حرة في ذلك، والواجب يقضي أن تمنحه الدول الأروبية السلطة الكافية لاستعمال حق التفتيش في المراكب التي تخفق عليها راية غربية. أما إبطال الرق، فمسألة أخرى، فالرق موجود في القطر منذ نيف و١٢٨٣ سنة، ويكاد يكون ممزوجًا بدينه، ولا شك في أنه نظام فظيع، ويود، هو، إبطاله: لأن المدنية والرق بمصر يستدعيان ذلك، ولكنه لا يتيسر عمل هذا في يوم واحد. على أنه لو بطلت النخاسة، بطل الرق في ظرف ١٥ أو ٢٠ سنة على الأكثر، أو لما بقي إلا أثر قليل منه، فرأيه، والحالة هذه، مخالف لرأي حضرات زائريه؛ لأنه يعتقد أن النخاسة أس الرق في بلاده، وأنه يجب إبطالها، لكي يمكن إبطاله؛ فإلغاء القنصلية البريطانية في الخرطوم، مثلًا، مكنه من العمل ضد النخاسين بنجاح؛ ولذا فإن الطريقة الوحيدة الفعالة في معاملة التجارة الرقيّة هي أن تسلحه الدول الغربية بسلطة منع الأوروبيين من الإقدام عليها، ومباشرتها».٣٢

ولكن امتعاض (إسماعيل) من النخاسين الغربيين لم يكن ليقعد بهمته عن تتميم مشروع إبطال النخاسة والرق الذي وطن نفسه على نفاذه؛ لأنه كان يعلم أنه بمثابة حجر الزاوية من بناء الحضارة الغربية الذي صمم على إقامته في البلاد؛ وأنه إن أهمله فقد ينهار ذلك البناء بكيفية لا يعود معها من سبيل إعادة الكرة ومحاولة تشييده.

وهو — ولو أنه بعامل تربيته العائلية الأولى، وتأثير منبته الأصلي — كان مكثرًا من اقتناء الحسان من الجواري على الأخص، والجواري على العموم، حتى لقد قال بعضهم: إن سراياته كانت تحتوي على ألفي جارية؛ وإنه كان شديد الحرص عليهن، لا يسمح لأحد برؤيتهن، ويعاقب أشد العقاب حتى من تجاسر على استراق النظر إليهن.٣٣ إلا أنه كان مقتنعًا بأن تقلبات الأيام كانت قد بلغت بمصر في عهده إلى موقف لم يعد معه بد لحياتها القومية من أن تحل في جسمها الحضارة الغربية محل الروح القديم؛ وإلا تفككت وانحلت كما يتفكك وينحل الجسم الهرم، القائمة فيه روح هرمة، وكان يعتقد أن أهم مميزات الحضارة الغربية إنما هي علاقة المرأة الغربية بالرجل، ومركزها في الحياة العائلية منه؛ وهما علاقة ومركز نجما، حتمًا، عما يعتقده الرأي العام الأدبي الغربي في وظيفة المرأة في الوجود، فبينما الحضارات، التي دالت، كانت تعتبر المرأة متاعًا، ومتى كانت تحسن الرأي فيها تعتبرها آلة تناسل؛ أي: أم أولاد، فإن الحضارة الغربية الحديثة أبت عليها إلا أن تكون رفيقة الرجل وشريكته في حياته، تشاطره أتعابها وهمومها؛ وأفراحها ولذاتها، فدعتها، لذلك، قرينته؛ أي: المرتبطة به، ارتباط الند بالند، بينما الحضارات الأخرى كانت تدعوها «حرمه» أي «متاعه» و«الشيء الخاص به المحرم على غيره»، فكان يود، إذًا، إبطال الرق، ليتوصل من إبطاله إلى إبطال حياة الحريم، وجعل المرأة بالتربية الجديدة، التي تعطى لها في المدارس الحديثة، رفيقة الرجل وشريكته في حياته؛ أي: جسم جسمه، وروح روحه.

وكثيرًا ما كان يقول في محادثاته في هذا الموضوع الخطير: «إن تعدد الزوجات وعيشة الحريم يبطلان يوم تمكن تربية بنات الفلاحين التربية المنزلية من إحلالهن في البيوت محل الرقيقات، اللاتي هن مصروف كبير، وضرر أكبر؛ ويوم تجعل، التربية المدرسية المرأة رفيقة الرجل وشريكة حياته، أما الآن، فما هي عادة إلا مادة ترف!»

وللدلالة على أن رأيه هذا كان رأيه الحقيقي، لا رأيًّا يتصنع به إرضاء الخواطر الغربيين المحيطين به، أو رغبة منه في اكتساب ثناء الرأي العام الغربي والظهور أمامه، كذبًا، في مظهر الأمير المتحضر الراقي، أبى إلا أن يكون أولاده الثلاثة الكبار أزواج قرينة واحدة؛ وأبى أن يكون لبناته ضرائر عند أزواجهن.

ولئن اعترض على صحة إخلاص شعوره، في ذلك، بأنه لم يحجم، هو نفسه، عن الإكثار من الزوجات، والاستكثار من الجواري، فالجواب على الاعتراض هو أن مثله في شغفه بالإصلاح، وفي عزمه على إدخال بلاده في مضمار المدنية الغربية الحديثة، كمثل بطرس الأكبر الروسي في ذلك جميعه، فكما أن بطرس، مع بقائه على نقائصه الشخصية، قد بذل أقصى جهوده لتحرير شعبه من عيوبه القومية؛ وكما أن بقاءه، هو نفسه، على نقائصه الشخصية، وشعوره بعدم تمكنه من إرغام قوتها، وهو الرجل صاحب الإرادة الحديدية، ربما كان الدافع الأكبر له إلى الثبات في خطة الإصلاح القومي التي رسمها لنفسه، هكذا (إسماعيل) — وقد وجد، باختباره الشخصي، الذي أرغمه عليه تكييف ماضي جدوده، مضار إحلال المرأة من الرجل محل المتاع المحض — أبى إلا أن يتخذ من حاله الشخصية باعثًا جديدًا على بذل أقصى جهوده في سبيل تغيير حال قومه.

على أنه لو لم يكن له من نفسه هذا الباعث، ولو لم يشعر، من تلقاء ذاته، بوجوب القضاء على النخاسة والرق، للتمكن من تغيير حياة الحريم وإبطال التسري، وتعدد الزوجات، فقد كان يجد من احتكام أفكاره بأفكار الغرب، ومن الحوادث الجارية حوله، ما يولد في نفسه ذلك الباعث.

فإن ألبرت إدورد، برنس أوڨ ويلز، وولي عهد المملكة البريطانية — وهو الذي عرفناه، في أيامنا هذه، الملك إدورد السابع — لما كان في ضيافته في أوائل سنة ١٨٦٩ كثيرًا ما كان يحبذ تشديده في إبطال النخاسة والرق، ويختلق المناسبات ليحبب إليه فكرة إرسال حملة عسكرية إلى عقر دار النخاسين في أقاصي السودان، تضرب على أيديهم، وتقطع دابرهم، فيحمله على استمراء لذة المجد الذي تتوج أجيال المستقبل بهالته، ذكره، إذ تقرن باسمه، في تاريخ قومه، لقب «مبطل الرق» في السودان، وكانت البرنسيس أوڨ ويلز قرينة البرنس ألبرت إدورد — وهي الملكة ألكسندرا البارة أم الملك چورچ الخامس البريطاني إمبراطور الهند — تنضم إلى بعلها في التحبيذ والتحبيب؛ وتضفر بيديها الجميلتين بعضًا من الأشعة المتكونة منها تلك الهالة!

فتأمل، يا رعاك الله! في مقدار تأثير ذلك في نفس (إسماعيل) الكرمية!

ومن جهة أخرى، فإن كبار النخاسين في السودان — وأشهرهم الزبير رحمت باشا — كانوا بسبب إغضاء موظفي الحكومة المصرية عنهم، بل وضلعهم معهم — وذلك «لأن كل موظف في السودان، سواء أكان تركيًّا أم مصريًّا، كان لا يستطيع اجتثاث ميله إلى النخاسة والنخاسين» حسب قول شڨاينفرت، الرحالة الألماني — وذلك بسبب تقوي سواعدهم من النخاسة عينها؛ لتكوينهم، من الشبان السود، الذين كانوا يصطادونهم، وأباق الأعبد، كتائب شعواء يبثونها في الأصقاع، فتنشر مهابتهم، وتكتسح لهم، كانوا قد بلغوا بذلك إلى درجة من القحة والطمع، حملت معظمهم على الطموح إلى الإمارة والملك، فالاستقلال بالجهات المنتشر ظل هيبتهم فوقها.

فكان لا بد (لإسماعيل) من تشديد عزيمته على كسر شكوتهم، والبطش بهم، والحيلولة بين زمرهم وبين بؤساء تلك الربوع، التي كانوا يشنون غاراتهم عليها.

فانتدب، أولًا، لهذه المهمة، السير صموئيل بيكر، مستكشف بحيرة ألبرت نيانزا، بناء على توصية البرنس أوڨ ويلز نفسه؛ وأنعم عليه برتبة فريق مع لقب باشا، وسماه حاكمًا على البلاد الاستوائية لمدة أربع سنين، تبتدئ من أول أبريل سنة ١٨٦٩ براتب قدره عشرة آلاف جنيه سنويًّا؛ وسيره إليها على رأس جيش مؤلف من ١٧٠٠ رجل، معهم ثلاث بطاريات مدافع جبلية، وبطارية ساروخ، بعد أن زوده بفرمان من لدنه، يعهد إليه، بمقتضاه، في فتح تلك البلاد، وإبطال تجارة الرقيق فيها، وتنشيط زراعتها.

فقام بيكر، ومعه امرأته، من السويس في ٥ ديسمبر سنة ١٨٦٩؛ وذهب عن طريق سواكن وبربر إلى الخرطوم؛ وفي السابع من شهر فبراير سنة ١٨٧٠ قام منها بثلاثين مركبًا؛ فنزل بالقرب من ملتقى نهر صوبت بالنيل الأبيض، وبنى محطة سماها «التوفيقية»، تيمنًا باسم ولي العهد، أقام فيها سبعة أشهر، ثم سار في بحر الزراف إلى جندوكورو، فبلغها في ٢١ أبريل سنة ١٨٧١؛ وبعد أن أقام فيها شهرًا، رفع عليها العلم المصري، وسماها «الإسماعيلية»؛ وجعلها مركزًا لحكومته، وفي ٢٣ يناير سنة ١٨٧٢ سار منها ببعض الجند، جنوبًا، فأنشأ عدة نقط عسكرية، وتقدم إلى بلاد يونيورو، فخلع ملكها «كبريقه»، لأنه خاتله؛ وولى بدله مزاحمًا له يدعى «ريونجا»، وفي ١٤ مايو سنة ١٨٧٢ أعلن ضم بلاد يونيورو إلى المملكة المصرية، رسميًّا، وأنشأ نقطة عسكرية في عاصمتها «مسندي»، وهي على ٥٠ ميلًا من بحيرة ألبرت نيانزا، وعقد شروطًا ودية مع متاسي أومتيزا، ملك أوجندا؛ وبذلك تدرّج إلى بسط نفوذ الحكومة المصرية من الصوبت إلى بحيرة ڨكتوريا نيانزا، ولكن هذا النفوذ لم يدم طويلًا في يونيورو، فإن كبريقًا الملك المخلوع جمع جموعه وهاجم بيكر في «مسندي» ولم يكن معه إلا مائة رجل؛ فأخلاها، مضطرًّا، في ١٤ يونية سنة ١٨٧٢، وسار إلى فاتيكو، ومنها إلى جندوكورو؛ فبلغها في أوّل أبريل سنة ١٨٧٣ أي: يوم نهاية مدة حكمه على خط الاستواء، فترك عسكره فيها، وقام في ٢٦ مايو سنة ١٨٧٣ إلى الخرطوم، ومنها إلى مصر، فوصل إليها في ٢٤ أغسطس سنة ١٨٧٣؛ واستعفي من وظيفته، فقبل استعفاؤه، وقد كتب عن قيامه بمهمته هذه كتابًا سماه «الإسماعيلية» سرد فيه وقائعها وحوادثها؛ وبين المصاعب التي لاقاها، والأهوال التي اعترضته في سعيه إلى إبطال الرق، وعمله على البطش بالنخاسين في تلك البلاد القصية، وهو كتاب تلذ مطالعته وتفيد جدًّا.٣٤

وندب (إسماعيل)، بعد استعفاء بيكر، إلى نفس المهمة، الكولونيل جوردن؛ وجعل العساكر الموجودة في جندوكورو وما والاها، حتى البحيرات الكبرى تحت إمرته؛ وزوده بفرمان حضه فيه على تنظيم تلك البلاد، والسعي إلى عمارتها، ومعاملة أهلها بالرفق واللين والتأليف.

فسار جوردن من مصر في ٢١ فبراير سنة ١٨٧٤ إلى الخرطوم، ومعه نفر من تجار الرقيق جعلهم في خدمته، ليمنعهم عن تعاطي تجارتهم، من جهة، وليستعين بهم، من جهة أخرى، على تعقب تجار الرقيق، أخذًا بالقول المأثور «لا يفل الحديد إلا الحديد»، ولما قام من الخرطوم أخذ معه بعض جنود وسار بهم قاصدًا جهات خط الاستواء، فوصل إلى جندوكورو في ١٥ أبريل سنة ١٨٧٤، وشرع يباشر شئون المهمة التي أتى من أجلها.

ولكن، بما أن أعماله يدخل معظمها في دائرة المجهود الذي بذله (إسماعيل) لتحقيق الشطر الثالث من خطته، فإنا نرى الأولى إرجاء بيان تفاصيلها إلى الباب المخصص لذكر ذلك المجهود.

على أن الرأي العام المصري — وآراؤه وميوله في أمر النخاسة والرق عرفت منها ما عرفت — كان ساخطًا على حملتي هذين الإنجليزيين، طاعنًا على المجهودات المبذولة، باكيًا على الأموال المنفقة في سبيل نجاحهما، ولم يكن في القطر كله من مصري معضد للخديو في جهوده ومساعيه سوى أولاده الأمراء الثلاثة، لا سيما أكبرهم محمد توفيق، ولي عهده، الذي قال يومًا للبارون دي مالورتي: «إني أكره فكرة الرق ذاتها!» ووزيريه نوبار باشا وشريف باشا؛ لا بل قام أوروبيون كثيرون يتخذونها فرصة لكسب الأموال: إما مكافأة على مدح مأجور؛ أو أجرًا على امتناعهم عن مطاعن كاذبة؛ كذلك الألماني البارد، الذي روى عنه رياض باشا أنه طلب منه ألف جنيه مصري، ليمسك قلمه عن الكتابة في مسألة الرق ضد الخديو وحكومته؛ ولما رفض ذلك الوزير إعطاءه ما طلب، انبرى يطعن في حسن نوايا الحكام المصريين، ويشنع عليهم.٣٥
ومع ذلك، فإن «إسماعيل» استمر يجاهد جهاد الأبطال، غير مبال برضى أم بسخط حتى آل الأمر إلى عقد معاهدة ٤ أغسطس سنة ١٨٧٧ مع بريطانيا العظمى لمنع الإتجار بالرقيق، وإبطال الرق، قضت موادها:
  • أولًا: أن يبطل، بعد التوقيع عليها، إدخال الأرقاء إلى الأراضي المصرية، ومرورهم بها أو ببحارها.
  • ثانيًا: بأن لا يسمح، في المستقبل للسود والحبشان العائشين بمصر، بمغادرتها بدون أن يثبتوا أنهم أحرار.
  • ثالثًا: أن جميع النخاسين والمتجرين بالرقيق، في أية بقعة كانوا من الأرض المصرية، يحاكمون أمام مجالس عسكرية.
  • رابعًا: أن الحكومة المصرية تستعمل نفوذها على قبائل إفريقيا الوسطى، لكي تحملها على وضع حد ونهاية لاقتناص الرقيق.
  • خامسًا: أن السفن البحرية البريطانية في البحر الأحمر، وفي المياه المصرية الأخرى يكون لها حق تفتيش كل المراكب المصرية.
  • سادسًا: أن بيع الرقيق من عائلة إلى عائلة يبطل بالقطر المصري بعد مضي سبع سنوات، ويبطل في السودان بعد مضي اثنتي عشرة سنة.٣٦

وتلا تلك المعاهدة القراران الوزاريان الصادران في ٢٣ أغسطس و١٥ أكتوبر سنة ١٨٧٧، والدكريتو الصادر في أوّل يناير سنة ١٨٧٨ تقنينًا لشئون الموضوع، ورغبة في الوصول إلى إبطال الرق.

فحق لرسل، الكاتب الإنجليزي، أن يقول عن (إسماعيل) في يوميّته في الشرق ص٤٥٦: «إن عمله في إبطال تجارة الرقيق جدير بالإعجاب الشديد، لا سيما أنه أقدم عليه، وتقاليد شعبه، ومصالح جانب عظيم من رعاياه ضده.»٣٧ وحق للكاتب الإنجليزي الآخر بياتسا سميث، أن يكتب بملء قلمه: «إن يكن التحرير الإنجليزي عظيمًا، والتحرير الروسي أعظم، والتحرير الأميريكاني أعظم من الاثنين، فالتحرير المصري أعظم الكل، بلا جدال».٣٨
كما أنه حق للورد هدو أن يهتف بملء فيه في مجلس العموم البريطاني في أول يونية سنة ١٨٧٨: «لا شك في أن حاكم مصر الحالي عمل على إبطال الرقيق في بلاده، وتحسين حال رعاياه، أكثر من كل حاكم مسلم، بل ربما أكثر من كل حاكم مسيحي في مدة من الزمان مساوية لمدة عمله».٣٩

على أن كل هذا التعديل المتنوع، الذي أدخله (إسماعيل) على حياة أمته المصرية، وفصلناه تفصيلًا وافيًّا في الصفحات السابقة، إن أوجب تطورها المستمر، وإن غير مجاري العقلية في بعض طبقاتها، لم يكن يستطيع أن ينتج ثمره إلا مع توالي الأيام.

لذلك استمرت معظم ظواهر الحياة القومية تتجلى هي هي أمام من لا يرون إلا الظواهر، ولكن الذين كانوا يتمكنون من أن يخترقوا بنظرهم حجب الظواهر، ويتبينوا، بين طيات دجى الليالي بصيص نور الفجر، كما يتبين سليم العين الخيط الأبيض من الخيط الأسود، في بصيص الشفق البعيد، أولئك لم يكونوا ليغتروا بتلك الظواهر، وكانوا يعلمون يقينًا أن الحركة التي صدرت، بقوة، عن يد (إسماعيل)، فدفعت بالحياة المصرية إلى مرافق الحياة الغربية، وأدخلت المصالح الغربية إلى صميم مرافق الحياة المصرية، أوجبت حتمًا تطورًا مستمرًّا، وجعلت البقاء على الجمود، أو الرجوع القهقري أمرين خارجين عن دائرة الإمكان.

فلم يكن ليسعهم إلا أن يرددوا القول التالي المأثور عن صاحب كتاب «المسألة المصرية» وهو: «إنما القطر المصري مدين بكل عنصر تقدم ورقي نجده اليوم فيه لسني ملك (إسماعيل) الست عشرة».٤٠
١  أهم مصادر هذا الفصل: «حكاية ماسة» للآنسة واتلي، و«باريسي في القاهرة» لكارل دي پريير، و«مصر في عهد إسماعيل» لماك كون، و«الفلاح» لأبو، و«خديويون وباشوات» لموبرلي بل، و«مصر الخديوي» لإدون دي ليون، و«رسائل من مصر» لليدي جوردون دف، و«ليالي القاهرة» لديدييه.
٢  انظر: «باريسي بالقاهرة» لكارل دي بريير، ص٨٩.
٣  انظر: كلام بتلر عن الدوسة في كتابه المعنون «حياة البلاط بمصر»، الفصل السادس، والفصل العاشر، والفصل الحادي عشر، والفصل الثاني عشر على الأخص؛ وانظر: بيل سنت جون في كتابه المعنون «الحياة القروية بمصر» ص١٤٦ وما يليها ج١.
٤  انظر: «حياة البلاط بمصر» لبتلر، ص٢١٧.
٥  انظر: «حياة البلاط بمصر» لبتلر، ص٢٣٨ وما يليها.
٦  انظر الكتاب عينه ص٢٤٠.
٧  انظر: «خديويون وباشوات» لموبرلي بل ص١٩ و٢٠.
٨  انظر: «مصر الأخيرة» للبيك ص٢٨٤.
٩  انظر: «باريسي بالقاهرة» لكارل دي پريير، ص١٠١ و١٠٢.
١٠  انظر: ما كتبه عن عبد الرحمن هذا سبيون مارين في كتابه المعنون «حوادث ووقائع بمصر» ج١ ص١٧٤ وما يليها وص١٧٨ وما يليها.
١١  انظر: كتاب بيل سنت چون المعنون «الحياة القروية بمصر» ص١٣٠ إلى ١٣٩.
١٢  انظر: «مصر الخديوي» لإدون دي ليون ص٣٣٧، و«خديويون وباشاوات» لموبرلي بل ص١٨.
١٣  انظر: «مصر الخديوي» لإدون دي ليون ص١٩٥ و١٩٦.
١٤  انظر: ڨان بملن «أوربا ومصر» ص٢١.
١٥  اقرأ: مكاتبات السير ڨيڨين، القنصل العام البريطاني بمصر في سنتي ١٨٧٧ و١٨٧٨.
١٦  انظر: «مصر الخديوي» لإدون دي ليون ص١٩٦ و١٩٧.
١٧  انظر: كتاب كلوت بك المعنون «لمحة في تاريخ مصر أيام محمد علي».
١٨  انظر: «بلتزوني».
١٩  انظر: «باريسي بالقاهرة» لكارل دي پريير، ص١١٨.
٢٠  انظر: «باريسي بالقاهرة» لكارل دي پريير، ص١١٨ و١٢١.
٢١  انظر: «باريسي بالقاهرة» ص١٢٢ و١٢٣.
٢٢  انظر: «باريسي بالقاهرة» ص١٢٦.
٢٣  انظر: «باريسي بالقاهرة» ص٢١٩.
٢٤  أهم مصادر كلامنا عن الرق وإلغاء النخاسة، فيما يختص منه بالتاريخ المصري في عهد إسماعيل، هي: «مصر كما هي» لماك كون، و«مصر» لمالورتي و«إسماعيلية» للسير صموئيل پيكر، و«مصر ومحمد علي» لمادن.
٢٥  «مصر» لمرسيل: انظر في الكتاب الجزء المعنون «مصر الحديثة» ص٤٠.
٢٦  انظر: الكتاب عينه والجزء ذاته ص٤٠.
٢٧  انظر: مريئو «مصر المعاصرة» في الكلام عن السودان، وإدون دي ليون «مصر الخديوي» ص٣٤٧ وما يليها.
٢٨  انظر: ماك كون «مصر كما هي» ص٣٢١.
٢٩  انظر: ماك كون «مصر كما هي» ص٣٢١.
٣٠  هما صخران هائلان في بوغاز مسينا يقابل أحدهما الآخر وتخافهما الملاحة.
٣١  انظر: ماك كون «مصر كما هي» ص٣٢٢.
٣٢  انظر: «مصر الخديوي» لإدون دي ليون ص١٦٧ و١٦٨.
٣٣  وقد كاد يختبر ذلك اختبارًا مرًّا، الشبان الثلاثة الذين خاطروا بأنفسهم، مرة، وانسلوا إلى داخل بستان إحدى سراياته حيث تفرجوا، مليًّا، على نسائه يلعبن ويداعب بعضهن بعضًا، ففطن إليهم أحد الخصيان وحاول القبض عليهم، فهربوا، فطاردهم وكاد يظفر بهم، لولا أنه وقع في بركة ماء، فتمكنوا من تسلق السور والإسراع إلى مركب كانت على شاطئ النيل، فأخفاهم صاحبها في قاعها، وأنكر أنه رآهم بالمرة، لما أتاه الخصي ومعه شرذمة من الجند وسأله عنهم.
٣٤  توجد منه نسخة مزينة بالرسوم في دار الكتب المصرية.
٣٥  انظر: «مصر» للبارون دي مالورتي ص١١٥ حاشية رقم ٤٧٣، وانظر الكتاب عينه ص١١٣، وانظر أيضًا «الإسماعيلية» للسير صموئيل بيكر، ص٦ وما يليها.
٣٦  انظر: اتفاق ٤ أغسطس سنة ١٨٧٧.
٣٧  رسل: «يومية في الشرق» ص٤٥٦.
٣٨  انظر: «إرثنا في الهرم الأكبر» لبياتسا سميث ص٥٦٧.
٣٩  انظر: «مصر» لمالورتي ص١١٧ وحاشية رقم ٤٧٧.
٤٠  انظر: «المسألة المصرية» طبعة ١٨٨١ ص٣٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠