الفصل الأول

إزالة القيد الأول١

قيد ما كان جائرًا على حقوق العرش المصري، في الامتياز الممنوح لشركة قناة السويس العالمية من (محمد سعيد باشا).

***

سكتنا له، دخل بحماره.

مثل عامي
إن فكرة إنشاء ترعة تصل بين البحر الأبيض والبحر الأحمر، فكرة قديمة جدًّا، فهيرودتس المؤرخ اليوناني يقص أن نيخاؤ بن بتاه متيك الأول (وملك من ٦١٠ إلى ٥٩٤ق.م) كان ممن أقدموا على إخراج تلك الفكرة إلى حيز الوجود، فشغل في العمل الفلاحين المصريين ألوفًا، فمات منهم تبعًا نيف ومائة وعشرون ألفًا، ثم إنه أوقف الأشغال بغتة؛ لأن أحد كهنته وافاه بنبوءة مفادها أن «الفرعون» إنما يشتغل للغير؛ وأن منفعة الترعة تكون للأجانب، لا لمصر.٢

وديودور الصقلي يقص أن نيخاؤ، إنما بدأ عمل تلك الترعة؛ وأن دارا الأول، ملك الفرس (وملك ما بين ٥٢١ و٤٨٥ق.م) أراد إتمامها، ولكنه توقف لما قيل له من مهندسيه: إن منسوب البحر الأحمر أعلى من سطح الأرض المصرية؛ وإن مياه ذلك البحر تغمر القطر، لا محالة، فيما لو حفرت تلك الترعة.

وسترابون يقص أن الذي بدأ في تحقيق هذه الفكرة، إنما هو سيزوستريس، قبل حرب ترواده (ومن قائل: إن سيزوستريس هذا، هو أوزرتسن الثالث، أكبر فراعنة الأسرة الثانية عشرة الفاتحين؛ ومن قائل إنه رامزس، أو راعمسيس الثاني ثالث فراعنة الأسرة التاسعة عشرة، ومن كبار فاتحيها، وملك من ١٢٨٨ إلى ١٢٢١ق.م)؛ وأن هناك من ينكر ذلك، وينسب البدء في تحقيقها إلى نيخاؤ بن بتاه متيك؛ ويقول: إن دارا الأول الفارسي أراد إنجازها، ولكنه توقف لما قيل له عن علو منسوب مياه البحر الأحمر عن سطح الأرض المصرية؛ وأن ثاني البطالسة (وملك ما بين ٢٨٥ و٢٤٧ق.م) قطع البرزخ السويسي، وسد الترعة عند مدخلها في القلزم، بحيث بات الدخول فيها والمرور إلى البحر الخارجي تحت تصرف الإرادة (؟) — كذا.

وپلينس يقول: إن الذي أقعد بطليمس عن إتمام الترعة لم يكن الخوف من أن تغرق مياه البحر الأحمر القطر؛ ولكن الخوف من أن تفسد تلك المياه الملحة عذوبة مياه النيل!

غير أن هذه الأقاويل كلها لا تفيد أن الفكرة حققت، أبدًا، بشكل تام، وأن الاتصال بين البحرين كمل بحيث بات في استطاعة كل السفن، مهما كان حجمها، المرور من القلزم إلى الأبيض: فإن پلوتركس يقول في ترجمة مرقص أنطنيس إن هذا الروماني الشهير أتى إلى الإسكندرية قبل واقعة «أكسيم» بقليل، فوجد كليوبترا، خليلته ملكة مصر، منشغلة في البحث عن وسائل تمكنها من نقل مراكبها فوق البرزخ الفاصل بين البحرين، لتهرب في المحيط الهندي بجميع كنوزها.

ثم أتى الرومان، ويقول المقريزي: إن الإمبراطور هدريانس تمم الترعة التي بدأها ترايانس متبنية؛ وأن هذه الترعة كانت لا تزال مفتوحة في أيام حكم الإسلام الأولي بمصر.

على أن المعروف هو أن عمرو بن العاص أراد حفر ترعة تذهب من الفرما إلى السويس؛ فمنعه عمر بن الخطاب، بحجة أن وجودها يفتح طريقًا لمراكب الروم، تتمكن به من تهديد مكة والمدينة، فعدل عمرو عن فكرة الترعة المستقيمة إلى فكرة الترعة الواصلة بين البحرين عن طريق النيل؛ واحتفر المجرى التراياني الذي كانت الأيام قد طمرته؛ وهو الذي عرف باسم «خليج أمير المؤمنين» وبقي مفتوحًا ١٣٢ سنة.

ثم مرت على مصر الأعصر الوسطى، بظلامها الدامس، الذي لم ينفذ إليه نور من العلم إلا بين حين وحين؛ وتلاها سكون الموت وسكوته، اللذان خيما على الديار المصرية من سنة ١٥١٧ إلى سنة ١٧٩٨، فلم يعد، هناك، كلام على اتصال يوجد بين البحرين، بل ولا فكر يجول حول ذلك الاتصال.

وإذا بالحملة الفرنساوية البونابرتية ظهرت في الآفاق، وحلت بدوي عظيم على أرض مصر وتحت سمائها في تلك السنة عينها (سنة ١٧٩٨) فنهض القطر خائفًا وجلا من سبات الموت ورقدته؛ ودبت إليه حياة جديدة، أبصر نورها بعد جهد هائل، دام نيفًا وبضع سنين.

وكان من باكورة الأعمال التي أقدم عليها الجنرال بونابرت، قائد تلك الحملة، أنه ذهب بنفسه إلى السويس، وجاب برزخه، ليرى آثار الترعة القديمة، ويفحص مسألة إعادة الاتصال بين البحرين، فحصًا شخصيًّا، وأنه كلف، بعدئذ، لجنة، من علماء حملته، بدرس الموضوع درسًا تامًّا، وتقديم تقرير واف عنه له.

فاشتغل هؤلاء العلماء تحت رياسة كبير مهندسيها، المسيو لپير، شغلًا حثيثًا استغرق طول مدة الاحتلال الفرنساوي للأرض المصرية، ووضعت كتابًا في أبحاثها، كان من أنفس آثار مرور ذلك الاحتلال بالبلاد الفرعونية.

ثم ذهبت أعاصير السياسة بزعيم تلك الحملة، أولًا، ثم بالحملة عينها، إلى حيث أعدت لهما الأقدار شأنًا، لا مثيل له في التاريخ، فقدم لپير تقريره بباريس، بدلًا من أن يقدمه في القاهرة، إلى بونابرت، قنصل أول الجمهورية الفرنساوية، بدلًا منه إلى بونابرت، جنرال عام الجيش الفرنساوي بالقطر المصري، فتلاه بونابرت بإمعان زائد، ثم هتف قائلًا، كأنه آسف على مجد حرم منه: «إن العمل لذو شأن عظيم، ولكني لست بالقادر على القيام به الآن، غير أن الحكومة التركية قد تجد يومًا مجدها وفخرها في نفاذ هذا المشروع الخطير».٣
وكان الكونت ماتييه دي لسبس قنصلًا لفرنسا بمصر في سنة ١٨٠٣ فوردت إليه تعليمات من بونابرت، قنصل أول الجمهورية الفرنساوية، مؤداها أن يقبل على اختيار أكثر قواد القوات التركية الموجودة في القطر، جدارة وأعلاهم أخلاقًا، ويخطر عنه الجنرال سيبستياني السفير الفرنساوي في القسطنطينية ليحمل الباب العالي على تنصيبه واليًّا على مصر، عساه أن يكون للفرنساويين عونًا على المماليك والإنجليز أصدقائهم، فاختار دي لسبس (محمد علي) وارتبط معه بعرى صداقة متينة، وأوصى به سيبستياني خيرًا.٤

فلما ذهبت الثورة بكرسي خورشد باشا، وانتخب علماء القاهرة المكدوني العظيم واليًا عليهم، عضد سيبستياني انتخابهم لدى حكومة القسطنطينية، وجعلها تعتمده، فحفظ (محمد علي) للكونت دي لسبس جميله — وكان حفظ الجميل من أجمل ما امتازت به أخلاق ذلك النابغة العجيب.

ولما اختارت الحكومة الفرنساوية، بعد ذلك بنيف وسبع وعشرين سنة، فردينند ابن الكونت ماتييه دي لسبس، ليكون نائبًا للقنصل الفرنساوي، بالإسكندرية، استقبله الباشا العظيم بإكرام زائد، وخصه بعطف أبوي، وما فتئ يظهر له من ضروب الحنان ما جعله أو كاد يجعله أحد أفراد الأسرة العلوية.

ولما شب الأمير محمد سعيد ابن الأمير العصامي، وترعرع، عهد (محمد علي) إلى فردينند بأمر الاعتناء بصباه، فقام فردينند بذلك قيامًا حسنًا، وعلم الأمير اليافع ركوب الجياد، وحبب إليه إجهاد النفس في التمارين الرياضية — وكان (محمد سعيد) في أشد الاحتياج إليها: لأنه كان عظيم الجثة بدينًا إلى حد أن أباه حتم عليه حضور أربعة عشر درسًا في اليوم، والإكثار من الرياضة الجسمية، لكي تذهب عنه بدانته؛ وأنه كان يزنه، كل أسبوع؛ فإذا وجد وزنه زائدًا على ما كان في الأسبوع السابق؛ عاقبه عقابًا صارمًا؛ وإذا وجده ناقصًا، كافأه؛ ولو أن عظم جثته وبدانتها لم يكونا، في بدء أمره، مرضًا؛ بل كانا كعظم جثة پرتس في (رواية الفرسان الثلاثة لإسكندر دوماس)، وكعظم جثة عبادة بن الصامت في أنباء فتح مصر لمؤرخي العرب، مظهر قوة غريبة، وصحة عجيبة.

فنشأ عن اعتناء فردينند بمحمد سعيد، ذلك الاعتناء، أن هذا الأمير الشاب صادقه مصادقة أكيدة وألفه ألفة زائدة كان الباشا العظيم أبوه من أكبر مشجعيه عليهما، ومن أميل الناس إلى توثيق عراهما بينهما.

وكان قنصل فرنسا العام بالإسكندرية، في ذلك العهد، رجلًا من أدباء عصره يقال له: المسيو ميمو، وكان لا ينفك يقرأ الكتاب الذي وضعه، في مسألة ترعة الاتصال بين البحرين، المندوبون الذين عهد إليهم الجنرال بونابرت بحثها وفحصها، فأوجد غرام مطالعة ذلك الكتاب النفيس، في روح الشاب دي لسبس المتخرج على يديه، فأكب دي لسبس على مطالعته باهتمام زائد؛ وما لبث أن ثبت في ذهنه، بكيفية لا تتزعزع، إمكان إيجاد ذلك الاتصال؛ فوطن نفسه على تخصيص جميع قوى عقله وروحه وجسمه لنفاذه.٥

غير أن صروف الأيام ما عتمت أن نقلته من القطر المصري إلى الغرب؛ وقلبته هناك في عدة مناصب سياسية أظهرت فضله، ونشرت ذكره، ولكنها أبعدته عن محط رحال أفكاره، ومطمح أنظار رغائبه: ألا وهو برزخ السويس، الذي لم يعد يبغي مجدًا مخلدًا إلا من وراء قيامه بحفر ترعة الاتصال بين البحرين.

وكانت الأنظار، في أوروبا، قد اتجهت نحو تحقيق هذه الفكرة، القديمة العهد، لا سيما منذ أن هب السانسيمونيون، وعلى رأسهم الأب انفنتين المشهور، يحبذون تحقيقها، ويحضون عليه؛ وأتى بعضهم، مع أستاذهم المذكور، إلى مصر، وأخذوا يدرسون الموضوع درسًا عميقًا، ويبتكرون المشروعات المختلفة لتحقيقه: فتالابو أشار بعمل ترعة من الإسكندرية إلى مصر، تجتاز النيل عند هذه العاصمة، ثم تسير منها إلى السويس، وبرول أشار بعمل ترعة من السويس إلى بحيرة المنزلة، ثم تسير منها غربًا، متبعة الساحل المصري الشمالي، حتى الإسكندرية.٦

ولكن (محمد علي) رفض، بتاتًا، التصريح بأي عمل من هذا النوع، وأبى كل الإباء أن تحتفر ترعة دولية، لوصل الغرب بالشرق الأقصى، في داخلية بلاده، فتسير السفن تجارية أو حربية فيها رافعة أعلام دولها المختلفة، ويتعرض القطر لطوارئ ليست في الحسبان، قد تؤدي إلى استيلاء إحدى الدول العظمى الغربية، لا سيما بريطانيا العظمى، عليه.

والذي حمل ذينك المهندسين على وضع مشروعيهما المذكورين، إنما هو الاعتقاد السائد على عقول علماء العالم، قاطبة، بصحة الاختبارات والمباحث التوبوغرافية والأوروغرافية، والهدروغرافية، التي قامت بها لجنة سنة ١٧٩٨ الفرنساوية تحت إدارة المهندس لپير، والتي أدت بها إلى تقرير علوّ سطح البحر الأحمر، تسعة أمتار، عن سطح البحر الأبيض، وبالتالي استحالة عمل ترعة مستقيمة واحدة بين البحرين، فتجتاز برزخ السويس الفاصل بينهما، مباشرة.

على أن هذا الاعتقاد لم يكن أثبت قواعد وأركانًا من خلافه: لأنه كان كغيره، مبنيًّا على التسليم بما وصلت إليه مباحث المتقدمين، وما بتت فيه أحكامهم؛ لا على خبرة ومباحث شخصية، فما عتم، والحالة هذه، أن اهتز على قواعده، وأخذت أركانه تنهار في عقول الذين كانوا ممن يأبون أن يقيموا بناء تصديقهم وإيمانهم على المزاعم، ولا يريدون لهما قاعدة سوى درسهم واختبارهم الشخصيين: فإن أخطئوا، فإنما يخطئون، علمًا؛ وإن أصابوا، فالفخر — وأي فخر — لهم دون سواهم.

فتعينت في سنة ١٨٤٦، إذًا، لجنة مختلطة للنظر في تقرير لپير، وإعادة فحص الموضوع، فحصًا أدق من الذي عملته لجنة سنة ١٧٩٨، وأوسع دائرة، فوالت أعمالها بهمة فائقة وتدقيق لا مزيد عليه؛ وانتهت خاتمة المطاف بها إلى اعتماد رأي المستر ستڨينس المهندس الإنجليزي، فقررت أن فرق الارتفاع، بين سطحي البحرين، لا يعبأ به، وأن عمل ترعة واحدة مستقيمة، تجتاز البرزخ، وتصل بين الأبيض والقلزم أمر، والحالة هذه، مستطاع.

وكان (محمد علي) — لما فرغت تلك اللجنة من أعمالها، وأبرزت نتيجة مباحثها إلى الوجود — قد أشرف على الخرف، وآلت الأحكام في القطر بعد موت (إبراهيم) الهمام ابنه، إلى (عباس الأول)، فضرب بمباحث تلك اللجنة عرض الحائط، وتحول عن فكرة إنشاء «ترعة اتصال دولية» إلى إجراء رصف الطريق، ما بين مصر والسويس الذي كانت تسلكه عربات الترنزيت، بحيث يصبح صالحًا لسير كل عربة عليه بسهولة وسرعة، ويتم الاتصال بين العاصمة والقلزم من سبيل أمين، فجعل عرض ذلك الطريق ٣٠ مترًا، وسمك رصفه ٤٠ سنتيمترًا، وبوشر العمل فيه؛ فسوي، أولًا، رمل الأرض؛ ثم وضعت عليه طبقة من الحجر الدبش سمكها ١٥ سنتيمترًا، هرست هرسًا بمرور صخرة غرانيتية ضخمة عليها، تجرّها أربعة ثيران؛ ثم وضعت فوقها طبقة أخرى عرضها ١٥ سنتيمترًا، كذلك، هرست مثل الأولى، وتلتها طبقة ثالثة، غطيت على سمك ١٥ سنتيمترًا، أيضًا، برمل من رمل الصحراء ممزوج بأديم محمر مشتمل على تزجيجات جبصية، وهرس كل ذلك، مثل ما هرست الطبقة الأولى، ثم جعل على جانبي الطريق اتساع قدره متران، لسير المشاة، وعملت سكة صغيرة بجانبه، لتصريف مياه الأمطار، واحتفرت بئرًا ارتوازية بالقرب من حصن أجرود ليرتوي منها الرائح والغادي؛ ولكنها لم تفلح، ولم ترو من ظمأ.

فلما مات (عباس)، وآل عرش مصر إلى (سعيد)، وبلغ النبأ، بذلك، علم فردينند دي لسبس — وكان مشتغلًا في ترميم قصر لحماته، سكنته أنييس سوريل، خليلة شارل السابع الفرنساوي، في زمنها — تهلل، واستبشر، وأرسل يهنئه تهنئة خالصة، فرد (سعيد) عليه واستدعاه إلى مصر، ليشاطره سروره وهناءه، ولما وفد عليه، أكرمه إكرامًا فائقًا، واستصحبه معه في سياحة، قام بها على رأس عشرة آلاف جندي بمدافعهم وخيولهم، من الإسكندرية إلى مصر، عن طريق الصحراء الغربية.٧

فأخذ دي لسبس يتحين الفرص ليفاتحه في مشروع قناة السويس الذي كان اختمر في اعتباره اختمارًا تامًّا؛ مستعينًا على ذلك بذي الفقار باشا، صديق الوالي الأقرب إليه، واتفق له، ذات يوم، بعد ما استأذن (سعيدًا) في الانصراف إلى شأن من شئونه، وهو معه في تلك السياحة، أنه امتطى صهوة جواد كان ذلك الوالي وهبه إياه، ووثب به فوق كثيب مرتفع من الحجارة أمام عموم القواد المصريين، فأعجبوا به وأكبروا فروسيته.

ففي اليوم التالي، اغتنم فردينند فرصة مناسبة، وجر الحديث إلى رغبته في أن يسطع ملك صديقه بعمل فخم، يخلد ذكره في هالة من سنا، إلى نهاية الدهور؛ واقترح على (سعيد) الإقدام على إنفاذ مشروع الترعة؛ وهو يجتهد في أن يلهب كلامه مخيلته، فيجعلها تدوي منذ تلك الساعة، بترنم العالم المتمدين بأسره، بأناشيد مديحه.

فبالرغم من أن (سعيدًا) كان قد أكد مرارًا، قبل ذلك، لغير دي لسبس بأنه لن يحيد في هذا الموضوع عن عزم والده، وعن خطة الرفض التي وضعها لنفسه، فإنه سكر بالخمر اللذيذة المبذولة له في كلام محادثه؛ وما هو أهم من ذلك، اقتنع باقتناعه، وتأكد من أن إنفاذ المشروع يزيد مصر أهمية، ولا يعرضها لأي خطر يكون، فقال لدي لسبس: «أجل! إني مقتنع، فثق بي، واعتمد عليَّ».٨
ثم استدعى قواده، وقص عليهم ما دار بينه وبين صديقه دي لسبس من الكلام، وسألهم رأيهم؛ فتذكروا ما رأوا من فروسية ذلك الفرنساوي، ولما كانت عقليتهم تقربهم، كقول دي لسبس عينه، إلى تقدير رجل يحسن ركوب الخيل ويجيد الوثب فوق الكثب والحفر، أكثر منها إلى تقدير رجل عالم متعلم،٩ فإنهم فتحوا أعينهم، واسعة، للدلالة على فهمهم؛ وهزوا رءوسهم مرارًا، للدلالة على استحسانهم؛ وقالوا بإجماع بعدم جواز رفض طلب يقدمه مثل ذلك الصديق، فثبتت موافقتهم (سعيدًا) في عزمه.
وفي اليوم الخامس والعشرين من شهر نوفمبر سنة ١٨٥٤ — وكان الأمير قد بلغ العاصمة بجنده، ومدعويه، وأنزل دي لسبس صديقه في قصر المسافرين، وهو الذي كان مخصصًا في أيام الحملة الفرنساوية لاجتماع أعضاء لجنة القناة فيه تحت رياسة لپير البادي ذكره، فتأمل غرائب الصدف، ومحاسنها! — استدعى (سعيد) فردينند دي لسبس إلى القلعة، بدون أن يقول له لماذا؛ وهناك في مجتمع من القناصل العامة والوجهاء المزدحمين لتهنئة الأمير بسلامة الوصول، أعلن، على رءوس الأشهاد، الوعد الذي صدر منه لدي لسبس صديقه، وأكد عزمه على منح امتياز له بتأسيس شركة مساهمة عالمية، لإبراز المشروع إلى حيز الوجود.١٠

وأعقب قوله بالعمل؛ ومنحه بعد خمسة أيام في ٣٠ نوفمبر سنة ١٨٥٤ الامتياز الموعود به؛ وكلف مهندسي حكومته، لينان بك وموچيل بك، بالذهاب معه إلى البرزخ، ودرس طبيعة أرضه، وفحص مسألة إنشاء الترعة المرغوبة فيه، ورفع تقرير وافٍ له عن كل ما يتبينانه.

فذهب المهندسان في الشهر التالي، وأقاما هناك أيامًا، مع دي لسبس، يدرسان الموضوع درسًا تامًّا، وقرّ رأيهما نهائيًّا على أن تنشأ ترعة مستقيمة، تجتاز البرزخ في جهته الأقل اتساعًا؛ أي: ما بين پيلوزيم (الفرمة) على البحر الأبيض، والسويس على البحر الأحمر.

ثم جمع دي لسبس مائة من أصدقائه، وحملهم على أن يكتتب كل منهم بحصة ثمنها خمسة آلاف فرنك — ولا شك في أنها تساوي الآن مليونين من الفرنكات على الأقل — واستخدم المبلغ المجموع لاستقدام لجنة هندسية دولية مشكلة من سبعة من المهندسين: هولنديّ، وإنجليزيّ، وبروسيانيّ، وإسبانيّ، ونمساويّ، وإيطاليّ، وفرنساويّ؛ ومن عدة بحّارة فرنساويين وإنجليز؛ ومن مهندس هدروغرافي تابع للبحرية الفرنساوية، طلب إليها أن تدرس المشروع، وتطلع على التقرير الذي وضعه لينان بك وموچيل بك.

فذهب رجال تلك اللجنة، بادئ بدء، إلى البرزخ، ليقفوا بأنفسهم على الأماكن التي قرر أن تجتازها الترعة؛ وكان برفقتهم فردينند دي لسبس والمسيو برتيليمي سنت ايلير، المنتخب سكرتيرًا عامًّا للمشروع؛ وقد كتب عن مصر في ذلك العهد عدة كتابات رجعنا إليها أحيانًا في مؤلفنا هذا.

وبعد إجراء عمليات هندسية وأبحاث توبوغرافية ومقاسات بارومترية قررت تلك اللجنة أن سطح البحرين واحد؛ وأظهرت أسباب الغلط الذي وقع فيه ليپير بذهابه إلى أن منسوب البحر الأحمر أعلى من منسوب البحر الأبيض بكثير؛ وأثبتت أن أرض البرزخ التي ستجتازها الترعة، أرض ثابتة، يغلب فيها الخزف إلى عمق ما، لا أرض رمال متموجة تهدد كل حفر بطمر، كما قال بعض مسفهي أحلام الراغبين في حفر تلك الترعة؛ وأثبتت أيضًا، أن لا خوف على منفذ الترعة في البحر الأبيض من تكاثر أوحال طمي النيل، حوله: (أولًا) لعدم سير تلك الأوحال جهة المنفذ المنوي إيجاده؛ و(ثانيًا) لوجوب ذوبانها حتمًا في مياه البحر على فرض سيرها نحوه.

وبناء على ذلك، طرحت اللجنة جانبًا مشروعي تالابو وبرول، وقررت العمل بمشروع المهندسين لينان بك وموچيل بك لأسباب أهمها: أن مشروع تالابو يوجب صعوبة — وهي اجتياز النيل عند العاصمة — لا سبيل إلى التغلب عليها، إلا بإجراء عمليات هندسية هائلة، يتضائل أمامها ما عمل من هذا القبيل فيما بعد في مجرى ترعة «پانما» الحالية؛ ويتعذر جدًّا إجراؤها، فإذا فرض، وأمكن، نجم عن الإجراء خطران جسيمان في منتهى الفظاعة: (الأول) تعريض القناطر الخيرية إلى السقوط، والبلاد إلى الغرق؛ و(الثاني) ضرورة تسرب المياه من أسفل إلى أعلى في الأطيان المجاورة، فتصاب بجدب مستديم.

وإن مشروع برّول يوجب أن تجتاز الترعة النيل، مرّتين، وجميع ترع الوجه البحري المتجة شمالًا، ولا سبيل إلى ذلك إلا بإقامة جسور لحفظ مياه النيل في المدى الذي يقرر، وهو ما لا يمكن عمله: لأن الفيضان يذهب بتلك الجسور ويغرق منطقة الترعة البحرية فينجم عن إنفاذ المشروع تخريب الترعة، في كل فصل يزيد النيل فيه، وإتلاف الزراعة في عموم الوجه البحري.

فلما فرغت اللجنة من أعمالها، عرضها دي لسبس على (محمد سعيد باشا) صديقه، فأصدر هذا الأمير أمرًا عاليًا بتاريخ ٥ يناير سنة ١٨٥٦ /٢٦  ربيع الآخر سنة ١٢٧٢ صدق به على الامتياز السابق منحه منه لذلك الفرنساوي العظيم بتأسيس شركة جامعة لحفر القناة؛ ووضح بموجبه الإلزامات والتعهدات والواجبات التي تكون على تلك الشركة، مقابل المنح والامتيازات والمزايا المعطاة لها.١١

أما أهم الإلزامات، فهي وجوب تحويل بحيرة التمساح إلى ميناء داخلية، صالحة لإيواء أعظم السفن حجمًا؛ ووجوب دفع مرتب مندوب تختاره الحكومة المصرية لينوب عنها، ويحافظ على مصالحها لدى مجلس إدارة الشركة؛ وإيجاد عامل عال للشركة في الإسكندرية تخول له السلطة اللازمة لضمان سير العمل، وانتظام العلاقات بين الشركة والحكومة المصرية، فيما لو اختارت الشركة أن يكون مركز إدارتها في مدينة خارجة عن القطر المصري؛ ووجوب صرف خمسة عشر في المائة من صافي الأرباح السنوية للحكومة المصرية، على أن تزيد هذه النسبة كلما جددت مدة المنحة، وقدرها الأول ٩٩ عامًا، بشرط أن تتجاوز تلك النسبة ٣٥٪ من صافي الأرباح في أي حال من الأحوال، وأن تحترس الشركة، وتمتنع بالكلية، عن كل تحيز وغرض في معاملاتها للسفن التجارية؛ فلا تفضل المنتمية منها لأمة على المنتمية منها لغيرها؛ وأن لا تزيد رسوم الاجتياز التي ستتقاضاها على عشرة فرنكات على كل طن من حمولة السفن، وعن كل فرد من المسافرين.

وأما المنح، فأهمها تخلي الحكومة للشركة عن ملكية جميع الأطيان البائرة غير المملوكة لأحد التي قد ترويها الشركة وتزرعها، وإعفاؤها من كل ضريبة، مدة عشر سنوات، ابتداء من تاريخ الشروع في تصليحها؛ وتسليم الحكومة للشركة كل الأطيان المملوكة للغير، التي قد يصبح امتلاك الشركة لها لازمًا لإتمام العمل واستغلال الامتياز الممنوح، على شرط أن تدفع الشركة لأصحابها التعويضات الحقة عنها؛ وإعفاء كل ما تستورده الشركة من الآلات والمواد من البلاد الأجنبية، من كل رسوم جمركية عند دخولها القطر المصري؛ وتمكين الشركة من حفر ترعة ماء عذب تذهب بمياه النيل إلى أماكن الأعمال، وتكون ملكًا لها، تستغلها استغلالها لباقي أجزاء امتيازها؛ والتصريح لها بإقامة المباني، التي ترى أن عملها يستوجبها؛ وتكليف عمال الحكومة وموظفيها، عمومًا بمساعدة الشركة وتعضيدها، كلما احتاجت إلى ذلك، فيما تحتاج إليه؛ ووضع العدد الكافي من الفلاحين تحت تصرفها، لتشغلهم بمعرفتها، وتحت إدارتها، في أي نوع تريده وترتئيه من الأعمال والأشغال اللازمة مقابل دفع أجور معقولة لهم، واتخاذ التدابير الصحية الواقية الواجبة.

غير أن (محمد سعيد باشا) كان قد اشترط لصحة الامتياز برمته، أن يصدق عليه سلطان تركيا؛ ولو أنه كان متفقًا مع دي لسبس على اعتبار ذلك التصديق مجرد مظهر رسمي، لا يؤبه له.

فذهب دي لسبس، إذًا، إلى القسطنطينية، ليناله، فوجد الحكومة العثمانية منشرحة إلى المشروع، والسلطان نفسه ميال إلى نفاذه، ونال من الصدر الأعظم كتابًا أكد له فيه الارتياح العام، السائد على الدوائر السياسية العثمانية للموافقة على الامتياز الممنوح، فبات متيقنًا من قرب صدور الفرمان السلطاني المنبئ بتلك الموافقة، وإذا به يرى سفير إنجلترا، السير ستراتفرد دي ردكليف يقوم لمناهضته، ويمانع في التصديق، بإيعاز من اللورد بلمرستن وزير الخارجية الإنجليزية.

وكان للورد بلمرستن هذا، في ذلك العهد، الكلمة العليا في الدوائر السياسية الأوروبية، كما أنه كان للسير ستراتفرد دي ردكليف النفوذ الأكبر على دوائر الأستانة الحكومية.

فدخل المشروع، إذًا، في دور سياسي لم يكن دي لسبس يتوقعه، وبدأ عهد مناقشات عنيفة، حاول خصوم المشروع التغلب عليه فيها، بالاستناد على مزاعم أهمها:
  • أولًا: أن المشروع وهمي خيالي، لا سبيل إلى تحقيقه.
  • ثانيًا: أن نفقاته، على فرض تحقيقه، نفقات المحافظة على الترعة، وصيانتها بعد حفرها، تزيد جدًّا على كل ما يمكن أن ينتظر من أرباح احتمالية من وراء تحقيقه.
  • ثالثًا: أن الترعة المنوي عملها تفصل مصر عن تركيا فصلًا باتًّا، وتمكن الأولى من الاستقلال عن الثانية.
  • رابعًا: أن فتح برزخ السويس تهديد يوجه إلى استتباب أقدام السلطة البريطانية في الهند؛ فهو، والحالة هذه، خطر جسيم على مصالح بريطانيا العظمى السياسية والتجارية.
  • خامسًا: وأخيرًا أن تحقيق المشروع خطر، بنوع خاص، على استقلال مصر عينها: لأن تحقيق المشروع قد يجبر إنجلترا إجبارًا على امتلاكها، بينما هي لا تريد ذلك، ولا يهمها من مصر إلا أن تكون الطريق التي تجتازها نحو الأملاك البريطانية الأسيوية، آمنة، سليمة.

وقد عبر اللورد بلمرستن عن هذا الفكر الأخير بما كتبه للورد كولي، حيث قال: «نحن لسنا في حاجة إلى مصر، ولا نريدها لأنفسنا، أكثر مما يريد رجل عاقل، له ملك في شمال إنجلترا، بينما مقامه في جنوبها، أن يمتلك جميع الفنادق القائمة على الطريق الموصلة إلى الشمال؛ غاية ما هو في حاجة إليه، أن تكون الفنادق هذه مُعْتَنًى بها اعتناءً حسنًا، وأن تكون مفتوحة له في كل وقت يردها، ومستعدَّة تمام الاستعداد لأن تقدم له لحمًا حنيذًا لأكله، وخيلًا بريدية تحل محل خيله المتعبة!»

فدحض دي لسبس الزعم الأول، دحضًا لم تعد تقوم معه لذلك الزعم قائمة، برأي اللجنة الدولية الهندسية السالف ذكرها؛ ودحض الزعم الثاني، دحضًا نهائيًّا، أيضًا، بتقرير شامل مفصل وضعه رجال فنيون خبيرون؛ منهم اثنان بريطانيان، بينوا فيه، حسابيًّا، مقدار أقصى ما تستوجبه الترعة من النفقات ونفقات صيانتها، ومقادير الإيرادات العائدة إلى الشركة التي تقوم بحفرها، والأرباح الناجمة لها عنها بالنسبة لمجموع حمولة السفن التي تمرُّ منها، ومحاصيل الأطيان الموهوبة إليها من الحكومة المصرية، والتي ستباشر زراعتها؛ ودحض الزعم الثالث بأقوال رسمية صادرة عن (سعيد باشا) ذاته، أكَّد بها ولاءه للسلطان العثماني وعدم وجود مصلحة لنفسه في الانفصال عن تركيا؛ ودحض الزعم الرابع بأن الواقع يكذبه، وأن حفر الترعة لا يغير شيئًا في أسباب نسبة الملاحة البريطانية الحالية إلى ملاحة الدول الأخرى؛ لأنه في استطاعة بريطانيا العظمى إبقاء تلك النسبة كما هي؛ ودحض الزعم الأخير بقول ظاهر الصواب، وهو أن حفر الترعة شرقي مصر، وفي برزخ رملي لا مصلحة للقطر فيه، يخرج مصر في الحقيقة، عن طريق بريطانيا العظمى إلى أملاكها الأسيوية، ويحول دون تضارب مطامعها ومطامع فرنسا السياسية بمصر، وأنه إذا كان هناك ما يجبر بريطانيا العظمى على محاولة امتلاك مصر، فإنما يكون ذلك بقاء طريقها إلى أملاكها الأسيوية مجتازة داخلية القطر المصري؛ وشعورها، ذات يوم، بأن تلك الطريق باتت غير آمنة وغير سليمة.

فأدى ثبات دي لسبس وشجاعته، من جهة؛ وكون الحق الفني والمنطقي في جانبه، من جهة أخرى؛ إلى فوز المشروع على خصومه ومقاوميه، وإلى إقبال الناس على الاكتتاب في أسهم الشركة العالمية المرغوب في تأسيسها، للتمكن من إخراجه إلى حيز الوجود.

بيد أن لولا وقوف (محمد سعيد باشا) بجانب صديقه، وهو موطن عزمه توطينًا وطيدًا على تنفيذ المشروع مهما كلفه من نقود، ومهما اضطر إلى التغلب عليه من صعوبات وعقبات، والتعرض إليه من أخطار؛ لولا إقباله إقبالًا صحيحًا على تقديم كل المتوفر عنده من مال في سنة ٥٤، وقدره خمسمائة ألف ريال، إلى صديقه المذكور، وإقدامه على إنشاء ترعة الماء العذب التي نيط بالشركة إنشاؤها، على مصروفه الخاص وبأيدي مصرييه؛ لولا مشتراه، بمبلغ ينيف على ثلاثة ملايين من الجنيهات، كل الأسهم الباقية معروضة للبيع، التي لم تدر الشركة كيف تصرفها، في أيام بؤسها الأولى؛ ولولا وضعه بالفرمان الذي أصدره في ٢٠ يولية سنة ١٨٥٦ العدد الكافي من الأيدي المصرية تحت تصرف الشركة، لأخفق المشروع ولتفرق المساهمون أيدي سبا.

على أن وقوف (سعيد) ذلك الموقف، حيال استمرار المعارضة الإنجليزية مخيمة بثقل في الجو، تملأه سحبًا، تومض فيها البروق وتدوي الرعود، كان من شأنه أن يجمع، حول ذلك الأمير المتقلب الأهواء، أسبابًا متنوعة لمضايقة لا نهاية لها، تؤدي حتمًا إلى إرهاقه عسرًا، وهو الأمر الذي وقع؛ فجعله يتململ، ويقول للائمية ومؤاخذيه: «إنما أعطيت الامتياز، بلا تروّ لصديق وهو فرنساوي، فخاطبوه، أو خاطبوا حكومته. أما أنا فلست أستطيع سحب امتياز أعطيته».١٢
ولكن ذلك لم يكن إلا ليزيد معارضه المعارضين ولجب الصاخبين، حتى زهقت نفس (سعيد)؛ وأخذ النحول يأكل من بدانة جسمه، فقال دي لسبس له يومًا: «ألا نذهب معًا إلى السودان، فنبعد عن الثقلاء، ونصيب مرميين: (الأول) أننا نتمكن من التكلم في شئون قناتنا، وليس حولنا عاذل؛ و(الثاني) أنك تنظر بعينيك حال شعب ألقيت أحكامه إليك، ويبلغنا أنه يئن من الظلم الضاغط عليه؛ فتصلح حاله، وتمد ظل السعادة فوقه؟»١٣

فطرب (سعيد) للفكرة، وقام من وقته إلى زيارته للسودان التي ذكرناها؛ فما بلغ بربر إلا وقد أثارت شجونه الويلات والمصائب التي رآها محيقة بتلك الشعوب المسكينة، فدخل دي لسبس عليه، يومًا، وإذا به يبكي بكاء سخينًا، فسأله: «ما الذي يبكيك؟» قال: «أبكي على شقاء هذا الملأ، وعلى ما فعلت به أسرتي، فإن العرائض مفعمة بالشكاوى ترد إليَّ، في كل لحظة، من عموم طبقات الناس، وقد رأيت بعيني رأسي القرى التي أحرقها الدفتردار صهري ولم يعد للآن بناؤها. هذا بؤس فوق طاقة الاحتمال، وقد عزمت على التخلي عن السودان، فأتركه وشأنه، وأعود إلى مصر!»

فقال دي لسبس له: «هذا لن يكون. أنت لا تستطيع أن تعود بهذه الصفة، فارًّا من وجه واجبك. أنت أمير متعلم ذو خبرة، فقنن لهذه الأمم، وأنشئ لها بلديات تهتم بشئونها!»

قال (سعيد): «صدقت، وسترى في ذلك همتي».١٤

فلما وصل إلى شندي، اجتمع، حوله، أكثر من مائة ألف رجل، فقال لهم: «بلغني أن الشيخ التركي الحاكم على هذا البلد، منذ نيف وعشرين سنة، قد حبس عنده عدة أرقاء، وعلى الأخص عبدًا أوثق قيوده، فهو قد خالف بذا؛ أوامري القاضية بمنع الاسترقاق، فأتوني به!»

فأطاعوه، فأمر بالتركي، فطرح على بطنه، وضرب مائة سوط، ثم غلل بأغلال عبده، فصاح الجمهور: «الله! الله! هكذا يكون الإنصاف والعدل! وإلا، فلا! فليحي الأمير!»

فعاد (سعيد) إلى مخاطبتهم وقال: «أترون هذه الحصون التي أقامها والدي، منذ نيف وأربعين سنة على ساحل النيل؟ اذهبوا وخذوا المدافع التي فيها واطرحوها في النهر!»

فهمس دي لسبس في أذنه، قائلًا: «إنك تتطرف، فقد يستعملونها بعد رحيلنا، ويستخدمونها فيما قد يضر!»

فقال له (سعيد): «لا تخف! فهي غير صالحة».١٥

ولما بلغوا الخرطوم، وتعشوا هناك، عشاءهم الأول — وكان لذيذًا وفي محل معد إعدادًا جميلًا، بالرغم من بعد الشقة — وقع عند نهاية الأكل، حادث غريب، فإن وجه (سعيد) أظلم فجأة، وانتفخت شفتاه وعروق رقبته، فأدلى طربوشه على عينيه، حتى كاد يغطي نصف أنفه — وهو عمل كان يقدم عليه دائمًا في أوقات انفعالاته الشديدة — وانقلبت سحنته انقلابًا مخيفًا، فانزعج الحاضرون، وتساءلوا: «ماذا جرى؟» وإذا به نهض، بغتة، وتناول سيفه وقذف به بعيدًا على أريكة في آخر الحجرة، وصاح: «اتركوني! لا تسألوني عن شيء!» ففرّ الجميع، مذعورين! فقال (سعيد) لأحد أمنائه: «سر بالمسيو دي لسبس إلى الأودة التي أعدت لي حالًا، وليتركني الكل!» فوقع الوزراء في حيرة، وضربوا أخماسًا في أسداس؛ لأنهم اعتقدوا أن حرارة الطقس قد أثرت في عقل الأمير فأورثته جنونًا، وهو على ذلك البعد السحيق من عاصمته! ولم يدروا ما العمل!

فلما كانت الساعة الثانية صباحًا، طلب (سعيد) أن يحضروا له حمامًا باردًا، فدل ذلك على أنه أفاق من الحال التي كان فيها، وعند الساعة الثالثة، أرسل إلى دي لسبس، فدخل الفرنساوي عليه وإذا به متكئ على أريكة يدخن شبكة بهدوء تام، فقال له: «أنت طلبت مني يا صديقي، أن أسمح لك بنزهة على النيلين الأبيض والأزرق، فها قد جعلت تحت تصرفك مركبين وطباخي. اذهب وتنزه كما تريد!»

فقال دي لسبس: «يعني أنك تطردني. أجل، ولكني أريد أن تعرفني، أولًا، ما الذي جرى لك البارحة!»

فلم يجبه (سعيد) إلى طلبه، والذي دار في خلد دي لسبس، بناء على قرائن الأحوال هو أن (سعيدًا) قال، حتمًا، في نفسه: «هذا رجل أتى من باريس، حيث ترك عائلته وأولاده، وجاء إلى الخرطوم على بعد نيف وألفي ميل عن مصر، فينفتح ذهنه هو، إلى نصيحة حسنة يبديها لي؛ وأنا لا ينفتح ذهني لها؟» وأن هذا الفكر هو الذي غير دمه إلى حد أخرجه عن دائرة صوابه، حتى خطر له أن يثب عليه ويقتله، فرمى بسيفه بعيدًا، لكيلا يغلبه الوسواس، فيصير إلى ما صار إليه الاسكندر الأكبر مع كليتس صديقه، ثم أراد إبعاده، بعد ذلك بضعة أيام، لكيلا تنسب إليه الإصلاحات الجميلة، التي صمم على إدخالها على حالي السودان الإدارية والاجتماعية، بل تنسب هي ونفاذها إليه دون سواه!١٦

غير أنه في سنة ١٨٥٧ عينها التي سافر (سعيد) فيها إلى السودان، شبت في الهند الثورة العسكرية المشهورة التي كادت تفقد بريطانيا العظمى تلك المستعمرة الغنية، وتنتزع من التاج البريطاني أجمل وأثمن ماسة فيه.

فشعر الشعب الإنجليزي بأسره شعورًا عميقًا بمقدار الفائدة الناجمة له قبل غيره، وأكثر من سواه، عن تقصير مدى السفر البحري بين شواطئ بلاده وشواطئ الشرق الأقصى؛ وأخذ يقدر مشروع دي لسبس حق قدره؛ وشرعت الدوائر التجارية والصناعية، بل بعض الدوائر السياسية عينها، تحبذ العمل، وتستنكر معارضة الحكومة الإنجليزية له.

فباتت الطريق إذًا ممهدة هناك، أمام مجهودات دي لسبس؛ وأصبحت الأرض صالحة لتنمو فيها بذور إقناعاته، فلما أم البلاد الإنجليزية، لتنوير أذهان أهلها واستمالتهم إلى مشروعه، وجد من مظاهر الاحتفاء به، والإكرام له ما قرّت به عينه وانشرح له صدره، فخطب في نيف وخمسة عشر مجتمعًا حافلًا بنقابات التجارة ومندوبيات البلديات، في لندرا وغيرها، من أمهات المدن البريطانية، فنال منها كلها، قرارات بصلاحية المشروع وكبير فائدته للتجارة على العموم والتجارة الإنجليزية على الأخص.

وحدا ذلك بزمرة من خيرة رجال البرلمان البريطاني إلى القيام لتعضيده، وسؤال الحكومة رسميًّا في جلسة ٢ يونية سنة ١٨٥٨ عما إذا كان في عزمها أن تساعد على نفاذ مشروع قنال السويس، وتحمل الباب العالي على منح الفرمان المطلوب له.

فأثار هذا السؤال أحقاد اللورد بلمرستن الكامنة، وهيج غضبه، فنسي مركزه وواجب المجاملة التي يقتضيها منه لفرنسا وحكومتها؛ وانبرى للرد على السائل، بمضاضة لا مزيد عليها، قائلًا: «إن الحكومة البريطانية أبعد من أن تعضد «خزعبلة» وطريقة نصب، غرضها الاحتيال على اقتناص أموال البسطاء، بحجة نفاذ مشروع خيالي وهمي، لا سبيل مطلقًا إلى نفاذه!»

فانضم مجلس النواب إلى اللورد النبيل، ورفض السؤال والخوض فيه بأغلبية ساحقة.

فما كان من دي لسبس إلا أن أجاب على ذلك بإقدامه، في ٥ نوفمبر سنة ١٨٥٨، على فتح الاكتتابات العامة في أسهم الشركة العالمية، بفرنسا وغيرها من الأقطار الغربية.

ففاق النجاح كل ما كان ينتظر؛ وغطى الاكتتاب عدة مرات! فلم تنقض سنة ١٨٥٨ إلا والشركة قد تأسست، وتعين لها مجلس إدارة، وبات وراء دي لسبس يعضده ضد كل من يقاوم المشروع، خمسة وعشرون ألف مساهم، ورأس مال فرنساوي يزيد على مائة مليون من الفرنكات، ويتحتم على الحكومة الفرنساوية أن تدافع عنه، مهما رغبت في الوقوف على الحياد لعدم تعكير صفاء الجو السياسي بينها وبين إنجلترا.

وربما كان للفتنة — التي، على إثر رفض البرلمان البريطاني السؤال الذي وجهته إليه تلك الزمرة المتنورة من أعضائه، قامت في جدة، من أعمال شبه الجزيرة العربية، وهاجم فيها خمسة آلاف متحمس قنصلتي فرنسا وإنجلترا، وقتلوا رجالهما، وفتكوا بنسائهما، وارتكبوا من الآثام والمنكرات ما يجل عن وصفه القلم١٧ — دخل في إقدام الناس، لا سيما الفرنساويين على الاكتتاب في أسهم المشروع. كأنهم أرادوا بذلك أن يؤكدوا، من جهة، مشاطرتهم الأمير (محمد سعيد باشا) رأيه فيما قاله لدي لسبس، حينما بلغتهما أنباء تلك الفتنة، وهو: «إن ترعتنا ستتكفل بجعل عودة جدة أو غيرها من بلاد شبه الجزيرة العربية إلى مثل هذه الفظائع، أمرًا متعذرًا، لأنها ستجبر بلاد العرب بأسرها، ولو بالرغم منها، على أخذ نصيبها من الحركة الغربية!»١٨ وأن يحتجوا، من جهة أخرى، على وقوف الحكومة الإنجليزية ذلك الموقف الشاذ، بعد أن أصدر العلم قراره النهائي، بإمكان عمل الترعة؛ وبات بلمرستن، رغم محاولته إخفاء عواطفه الحقيقية، بتستره وراء مزاعم باطلة، لا يستطيع أن يمد الحجاب على أنه إنما ظل يقاوم المشروع؛ لأن مصدره فرنساوي محض؛ وأنه هو يكره فرنسا، وكل ما يزيد في عظمتها، لكونه من بقايا الحزب المتشبع بالسخط عليها، وبوجوب منافستها، دون غيرها.
وفي ٢٥ أبريل سنة ١٨٥٩ ذهب المجلس المؤلف لإدارة الشركة، بزعامة رئيسه المسيو دي لسبس وزمرة من المهندسين، إلى برزخ السويس، من جهة البحر الأبيض المتوسط، حيث قامت، بعد ذلك، مدينة بورسعيد الجميلة، وحيث كان قد احتشد جمهور يربو على مائة وخمسين ما بين نوتي وعامل، ونهض الرئيس بينهم، خطيبًا، وبيده فأس، وقال:
باسم شركة قناة السويس البحرية الكونية، وبمقتضى قرارات مجلس إدارتها، نضرب، الآن، أول ضربة فأس على هذه الأرض، لفتح مداخل الشرق إلى تجارة الغرب ومدنيته؛ ونحن متحدون، هنا، في إخلاص واحد لمصالح مساهمي الشركة، ومصالح الأمير النبيل (محمد سعيد) منشئها الكريم والمحسن إليها صنعًا!١٩

وأقبل ينكس بفأسه التراب في الأخدود المختط، لحفر الترعة فيه، واقتدى به جمهور الحاضرين، ثم قامت الأعمال على قدم وساق، وأخذت تتقدم منذ ذلك الحين، بلا ملل ولا كلل، وبدون انتظار ورود الفرمان السلطاني المؤذن بالتصديق على الامتياز الممنوح.

فهاج ذلك سخط الحكومة الإنجليزية، فوطنت نفسها على تعطيل المشروع وإيقاف الأعمال، مهما كلفها ذلك من المشاق، وأوعزت إلى السير بلور سفيرها بالأستانة — وكان قد خلف، هناك، اللورد ستراتفرد دي رد كليف — بأن لا ينفك راكبًا على أنفاس الحكومة العثمانية، حتى يقضي منها الوطر المرغوب.

فقال السير بلور في نفسه: «إننا إذا نزعنا الأمير (محمد سعيد) من إمارة مصر، حبط المشروع برمته من تلقاء ذاته، بسبب زوال مانح امتيازه!»

وانفتق ذهنه في الحال، إلى تدبير وسيلة للوصول إلى ذلك.

فاتفق مع الحكومة العثمانية على أن يقوم السلطان عبد المجيد لزيارة بيروت، ويدعو الأمير (محمد سعيد) إلى مقابلته فيها، فلا يسعه إلا أن يجيب الطلب، فلما يُلقي بنفسه بين يدي الحكومة العثمانية، يقبص عليه، ويشهر تمرده، ويعلن خلعه، ويُولى غيره، ثم يطالب دي لسبس بالتوقف عن العمل، لبطلان الأساس القائم ذلك العمل عليه؛ وأعني به حق الامتياز الممنوح من أمير عدّ من متبوعه متمردًا، لإقدامه على منحه إياه.

فوافقت الحكومة العثمانية على ذلك؛ وأرسلت بريطانيا العظمى عمارة بحرية إلى مياه الإسكندرية لمساعدتها على تنفيذ المتفق عليه (٢٣ يولية سنة ١٨٥٩).

ولكن الانتصارات المتوالية التي أحرزتها الجيوش الفرنساوية المحاربة في إيطاليا لتحرير هذا الإقليم من نير النمساويين، رفعت من شأن فرنسا، وزادت في هيبة نفوذها إلى حد أن كلمتها أصبحت العليا في أوروبا، وأن لندن والأستانة لم تعودا تجسران على تنفيذ الخطة التي رسمتها مخيلة السير بلور للتخلص من مشروع ترعة السويس، فأهمل السلطان أمر سفره إلى بيروت — على أننا رأينا أن (محمد سعيد) قد زارها في تلك السنة عينها — وأقلعت العمارة البريطانية من مياه الإسكندرية.

غير أن ذلك لم يقعد الحكومة الإنجليزية عن معاكسة القناة؛ وما زال السير بلور بالباب العالي حتى حمله على إرسال مندوب يدعى مختار بك إلى الأمير (محمد سعيد باشا) يحمل إليه الأمر السلطاني بإبطال الأعمال الجارية في البرزخ (أكتوبر سنة ١٨٥٩).

فعقد الأمير في حيرته جمعية من قناصل الدول العامة المقيمين بالإسكندرية، وعرض الأمر عليهم، فدهشوا كلهم ولم يحيروا جوابًا؛ لأن دولهم بأجمعها — ما عدا إنجلترا — كانت موافقة على المشروع، مستحسنة له.

وإذا بالمسيو ساباتييه، القنصل الفرنساوي العام، لحزازات نجمت بينه وبين رجال المشروع عن كيفية تشكيل مجلس إدارة الشركة، قام وأعلن موافقته على مطالب الأستانة، في وسط الاستغراب والبهت العامين.

فلم ير الأمير، حينذاك، بدًّا من الإذعان إلى الأمر، وأخذ يفكر في كيفية إعلان صديقه دي لسبس به.

ولكن دي لسبس علم بما جرى في حينه، وهب لتلافي النكبة الموشكة أن تحل به، فرفع الأمر، مباشرة، إلى الإمبراطور نابوليون الثالث، ووسط لديه الإمبراطورة أوچيني قرينته — وكان بينها وبين صاحب مشروع الترعة، صلة رحم — وطلب التأثير على حكومة الأستانة، تأثيرًا يحملها على إلغاء الأوامر التي زودت مختار بك بها، وعزل ساباتييه، أو نقله إلى قنصلية الإسكندرية، فأجابه الإمبراطور إلى طلباته كلها، فتداخل لدى الباب العالي تداخلًا فعالًا، كان الصدر الأعظم علي باشا يبتغيه من صميم فؤاده، ليتمكن من الاستناد عليه في مخالفته لرغائب السفير البريطاني، وإبطال الأوامر التي حملها مختار بك إلى الإسكندرية، وعزل ساباتييه عزلًا باتًّا.

فما زادت إنجلترا إلا عنادًا وإصرارًا على الفوز بمرامها، وأقبل قنصلها بالإسكندرية يخوف الأمير (محمد سعيد) من عواقب اكتتابه بالنيف والمائة والخمسين ألف سهم التي أخذها لحساب حكومته من أسهم الشركة الأربعمائة ألف.

ولكن (سعيدًا) لم يبال، وما زال واقفًا بجانب صديقه دي لسبس يعضده ويشجعه، حتى وافاه الأجل المحتوم، وكان دي لسبس قد رأى بين يديه، ذات يوم، عصا جميلة أحضرها (سعيد) من لندن، أثناء زيارته لها، فأهداه أخرى أجمل منها صنعًا، لتقوم مقام تلك العصا الإنجليزية، وتكون تذكارًا منه لأميره العزيز، فاتفق (سعيد) معه على أنه إذا دخل عليه ووجده قابضًا على عصاه هذه، يخاطبه في شأن القناة بلا خوف ولا وجل، وأما إذا دخل عليه ووجد في يده العصا الإنجليزية فليفهم حالًا أن هناك عاذلًا، وأن الكلام في شأن القناة لا يناسب.٢٠

فلما آل زمام حكم القطر المصري إلى (إسماعيل)، أظهر لدي لسبس ارتياحه إلى القناة، ورغبته في أن يتم ذلك العمل المجيد في عهده، ليتشرف ويفتخر به أمام الأجيال المستقبلة، ووعده من تعضيده له، وقيامه بتعهدات سلفه، الخير كله، ولكن ذلك كان عقب ارتقائه العرش مباشرة، في وقت لم يكن يدري فيه بالتمام ما هي تلك التعهدات — لأنه، لا سيما منذ أصبح ولي العهد، كان يتحاشى التداخل في أي شأن من شئون الحكومة لم يكلفه عمه به، منعًا لإيجاد أسباب لوشاية دساس، يبغي من إبدائها قربًا من (محمد سعيد) وحظوة لديه.

فلما وقف على حقيقتها، امتعض امتعاضًا لا مزيد عليه، لما وجده ناجمًا عنها من مشاركة الشركة لحكومته في صولتها، وإدارتها، وماليتها؛ وود لو أمكنه تعديلها بحيث يجرد الشركة من تلك المشاركة، بدون حرمانها من أي امتياز تجاري، أو مصلحي، يضمنه امتيازها لها.

ثم لما تيقن أن القناة إنما تعمل بأيدي فلاحي مصر، وأن معظم النقود المنفقة عليها، نقود مصرية، ريثما يتجمع رأس المال الأجنبي المكتتب به، ود في صميمه لو تنحت الشركة عن المشروع له، وتركته يقوم وحده، بمجرد الوسائل التي يجدها من بلاده وفيها، بذلك العمل الاجتماعي الجزيل الفائدة، فلا يعود فخر إنشائه وإتمامه إلا إليه، وتعود معظم الفائدة الناجمة عنه إلى قطره المصري، فتجري القناة شرقيه پكتولا٢١ جديدًا، بينما النيل يجري في وسطه، معين حياة وخيرات أبدية؛ وقد عبر عن شعوره هذا بقوله: «إني إنما أريد القناة لمصر، لا مصر للقناة!»٢٢ ولكنه، لمعرفته أخلاق دي لسبس معرفة كافية، كان متأكدا من أن الرجل لن يتخلى عن نفاذ مشروعه بنفسه، مهما اضطره نفاذه إلى المناضلة والمقاتلة عنه، فحصر فكره، إذًا، في العمل على إزالة ما في الامتياز، الممنوح له، من جائر على حقوق الحكومة المصرية السيادية، فإن أدى ذلك إلى تنحي الشركة عن المشروع، مقابل تعويض موافق يمنح لها، كان خير ما يرام؛ وإلا، فإنه يكون قد فك عن ساعدي حكومته القيد الخماسي الحلقات الذي غلهما به ذلك الامتياز؛ وأعني بها:
  • أولًا: ملزومية الحكومة المصرية بتقديم أربعة أخماس العمال الذين تحتاج الشركة إليهم، ولو بلغ عددهم عشرين ألفًا؛ بما يتبع ذلك من حق للشركة في مطالبة الحكومة بتعويض في حال تقصيرها أو عجزها.
  • ثانيًا: ملكية الشركة لترعة الري والملاحة النيلية، التي كلفها الامتياز الممنوح لها بعملها؛ وهي الترعة الواجب أن تأخذها من مياه النيل عند مصر، لتذهب بها حتى بحيرة التمساح، حيث تنقسم إلى قسمين، يذهبان محاذيين للترعة البحرية: (أحدهما) شمالًا، نحو البحر الأبيض، لغاية بورسعيد؛ و(الثاني) جنوبًا، نحو البحر الأحمر، لغاية السويس، وحق الشركة في ريّ الأطيان، الخاصة بالأفراد، المجاورة لها من مياهها، مقابل جعل لها وحدها، دون غيرها أن تربط مقداره.
  • ثالثًا: ملكية الشركة ملكية مطلقة، بدون مقابل، وبدون دفع أموال أميرية، لجميع الأطيان، غير المملوكة لأحد، التي قد تحتاج إليها في عملها الترعتين: البحرية الملحة والنيلية العذبة؛ وملكيتها المطلقة أيضًا لجميع الأطيان التي قد ترويها وتفلحها، على شرط أن تدفع عنها أموالًا بعد مضي عشر سنوات من تاريخ الشروع في تأهيلها للزراعة.
  • رابعًا: سلطة الشركة التامة على الترعة البحرية وضفتيها؛ وتصرفها، دون غيرها، في توسيعها التوسيع الذي ترغبه، وفي إقامة المباني التي تريدها؛ ومنع الحكومة المصرية من إقامة ما تريده من حصون على ضفافها؛ والانفراد بالنظر في شئون العاملين في ورشها ومعاملها، والمقيمين على البرزخ الجارية أعمالها فيه.
  • خامسًا: وأخيرًا: اضطرار الحكومة المصرية إلى نزع ملكية الأطيان الخاصة بالأفراد، التي قد تحتاج الشركة إليها، لنفاذ أعمالها، أو استغلال امتيازها.٢٣

فلما صح عزمه على هذا السعي، أقبل ينفذه، وهو لا يخشى في جهاده لومة لائم، لا لأنه لم يكن يقدر نتيجته حق قدرها؛ كلا — فإنه لم يكن بالأمير الجاهل، مطموس البصيرة، العاجز عن أن يرى أن مقاومته لشركة قناة السويس، قد تصبغها الأهواء والأغراض بصبغة غير صبغتها الحقيقية؛ فترسمه أمام العالم المتمدين وأمام التاريخ في صورة الظالم الغبي، الباذل جهده في القضاء على أعظم مشروع، بل أعظم عمل أبرزه القرن التاسع عشر إلى الوجود، وأقدم على تنفيذه؛ وفي صورة الأحمق الباحث على إتلاف ما هو حقيق باعتباره خير جوهرة في جواهر ملكه — ولكن، لاعتقاده أن واجبه، بصفته ولي أمر الحكومة المصرية، المسئول عن استقلال البلاد، والاستقلال الداخلي النوعي الذي ضمنته لها معاهدة لندن سنة ١٨٤٠، والفرمانات السلطانية الصادرة مؤذنة بالتصديق على قراراتها، يحتم عليه إزالة الحكومة التي أصبحت للشركة ضمن حكومته، فأقدم إذًا على ذلك، وهو مرتاح الوجدان مطمئن القلب، واثق من أن نياته الحقيقية، ومراميه الفعلية لن تلبث أن تظهر للملأ: فيمتدحه قادحوه، ويفهمه نفس أصحاب المصالح المغايرة لمصلحته.

فأول خطوة خطاها في هذا السبيل، الاتفاق الذي أبرمه، على يد نوبار بك مع الشركة بتاريخ ١٨ مارس سنة ١٨٦٣ — أي بعد ارتقائه العرش بشهرين — فإنه أحل بموجبه الحكومة المصرية محل الشركة في القيام بوصل ترعة الماء العذب الذاهبة من الزقازيق إلى بحيرة التمساح فإلى السويس جنوبًا، وبورسعيد شرقًا، بالنيل عند مصر؛ وذلك اجتنابًا للمنازعات المتوقع نجومها، حتمًا، عن نزع ملكية الأطيان الخاصة بالأفراد، واللازمة لحفر مجرى الترعة من مصر إلى الزقازيق، واحترامًا لمصالح الحكومة المصرية.٢٤
وثاني خطوة، الاتفاق المالي الذي عقده مع الشركة، على يد مندوبه عينه في ٢٠ مارس سنة ١٨٦٣ — أي: بعد الاتفاق الأول بيومين — فإنه قرر بمقتضاه، المطلوب من حكومته، حتى ذلك اليوم عن اﻟ ١٧٧٦٤٢ سهمًا التي اكتتب بها الأمير (محمد سعيد)؛ ورتب كيفية دفعه؛ وحفظ لحكومته الحق في الاتفاق مع الشركة على كيفية دفع الخمسين الباقيين من ثمن كل سهم، حينما تطالب الشركة مساهميها بهما.٢٥

ثم دخل في المعمعة بصراحة؛ وأخذ يضرب على القيد الخماسي الحلقات، بقوة وحكمة ممتزجتين معًا، امتزاجًا لطيفًا؛ لا سيما وأنه كان قد اتفق على العمل مقدمًا مع الحكومة العثمانية، ووضع كلاهما خطة السير الواجب اتباعها.

فارتكن على إعلانه رغبته في إبطال السخرة، وعلى أن السخرة في حد ذاتها أمر كريه، من الوجهة الإنسانية، تأباه روح الإنصاف وتنفر روح العدالة منه، ليطلب إلى الشركة تنازلها عن حقها في مطالبة الحكومة المصرية بالعمال الذين هي في حاجة إليهم؛ لأنها تشغلهم سخرة، ولو أنها تدفع لهم في الحقيقة أجرة انتقالهم من قراهم إلى البرزخ ومنه إليها إيابًا، مهما بعدت شقتها عنه؛ وتدفع لهم أجورًا يومية على نسبة أعلى مما يدفع من نوعها لأمثالهم في البلاد؛ وإنها تقدم لهم فوق ذلك المأكل والمأوى؛ وتقوم بشئون علاجهم في حال مرضهم، مع احتساب أجرتهم لهم مدة معينة، بالرغم من انقطاعهم عن العمل، وهم يعالجون في المستشفيات التي تعهدت بإنشائها لهم.

وارتكن على أن احتياج الشركة، بسبب الأعمال الجارية في البرزخ، إلى ترعة تذهب بمياه النيل العذبة إلى أماكن العمل المتعددة، وإلى مدينة بورسعيد التي أنشأتها حديثًا، من جهة؛ ومدينة السويس، من جهة أخرى؛ وتكون صالحة للملاحة النيلية معًا، إن برر مطالبة الشركة للحكومة المصرية بتمكينها إلى الأبد من الانتفاع والاستفادة من تلك الترعة، ومطالبتها بالتعهد لها بالمحافظة عليها وعلى منسوبها، مهما تنوعت طوارئ الحدثان، لا يبرر تملك الشركة لها تملكًا مطلقًا؛ لأن الترع التي على شاكلتها، بصفتها منفعة من المنافع العمومية، لمن الأشياء التي لا يجوز تملكها للأفراد، ولو كان بعضهم لبعض ظهيرًا، وأسسوا وحدة دعوها «شركة» ولأن تملكها حق من حقوق الحكومة في جميع الأقطار، لا يشاركها أحد فيه.

وارتكن على أن الخرائط والتصميمات المنصوص عنها في المادة الثامنة من فرمان الامتياز المؤرخ ٣٠ نوفمبر سنة ١٨٥٤، والمادة الحادية عشرة من فرمان الامتياز الثاني المؤرخ ٥ يناير سنة ١٨٥٦ — وهي المطلوبة لبيان وتحديد مساحة الأطيان اللازمة لتمكين الشركة من القيام بنفاذ مشروعها، وعمل الترعتين البحرية والنيلية — لم تصنع حتى ذلك العهد، لمطالبة الشركة بحصر مزاعمها التملكية للأطيان غير المملوكة لأحد، ضمن حدود الاعتدال والمعقول، والاتفاق مع الحكومة المصرية على حقيقة المساحة اللازمة لها في الصحيح، لتتمكن من ضمان نجاح مشروعها؛ والتخلي عما عداها من الأطيان الأخرى التي وضعت يدها عليها، استنادًا على المادة الرابعة من الفرمان الأول، والمادة العاشرة من الفرمان الثاني.

وارتكن على أن قوانين الدولة العلية لا تبيح التنازل لأجنبي عن ملكية أرض في دائرة ولاياتها، إلا بفرمان خاص يصدر من لدن الحضرة الشاهانية، وعلى أن مصر إنما هي ولاية — وإن كانت ممتازة ومتمتعة باستقلال داخلي — من ولايات الدولة العثمانية؛ وأن قوانين الدولة التملكية تنطبق إذًا عليها بلا مراء ولا جدال، ليطالب الشركة بالتخلي عن جميع الأطيان غير المملوكة لأحد التي آلت إليها ملكيتها بموجب نصوص الفرمانين، لقيامها بريها وفلاحتها؛ وبتحرير الحكومة المصرية بالتالي، من حلقة القيد الخامسة والأخيرة الناجمة لها عن نص المادة الثانية عشرة من الفرمان الثاني.

وارتكن على منطوق آخر فقرة في المادة الرابعة من الفرمان الأول، وعلى حقوق الدولة السيادية المعترف بها في كل صقع، لمطالبة الشركة بالخضوع لحق الحكومة المصرية، في تحديد اتساع الترعة، وإقامة ما تشاء على ضفافها من استحكامات حربية وحصون، وفي سيطرتها، دون سواها، على عموم رعاياها المنتشرين في البرزخ والعاملين في معامل الشركة وورشها.

وبعد أن اغتنم فرصة وجود السلطان عبد العزيز ووزيره فؤاد باشا بمصر، واستوثق من بقائهما على العهد الذي اتفق عليه معهما، أثناء إقامته بالأستانة، عهد إلى وزيره نوبار — وكان السلطان عبد العزيز قد أنعم عليه برتبة الباشوية الرفيعة — في مهمة الاتفاق مع دي لسبس على إزالة ذلك القيد الخماسي الحلقات بالتي هي أحسن.

فشرع ذلك السياسي الحاذق يتخابر مع «الفرنساوي العظيم» — كما دعى «جمبتا» دي لسبس — عساه أن يصل إلى إقناعه بقبول طلبات (إسماعيل).

ولكنه لم يفلح؛ لأن الأمير إنما كان يريد أن يدرك أغراضه بدون دفع أي تعويض؛ لزعمه أن الشركة، بإقدامها على الأعمال، قبل نيلها مصادقة السلطان العثماني على الامتياز الممنوح لها، مع ذكر وجوب حصولها عليه في نص ذلك الامتياز، قد ارتكبت خطأ اختياريًّا، عليها أن تتحمل، دون غيرها، عواقبه؛ وإنها والحالة هذه، غير محقة في مطالبة الغير — والحكومة المصرية أقل من سواها — بأي تعويض عن الأضرار التي قد تنجم عن تجاوز وقعت في شره، ودي لسبس، من جهته، إذا وجد من نفسه ميلًا إلى التسليم ببعض مزاعم الأمير، وطلباته، حتى بدون تعويض، كالطلب الأخير، مثلًا، لم يكن يستطيع أن يسلم بها كلها، ولا سيما بما كان منها مختصًّا بالعمال والأطيان، إلا مقابل تعويضات كبيرة تمكنه من نجاز مشروعه؛ إلا إذا كان مستعدًّا — ولم يكنه — إلى اطراح العمل بأسره جانبًا، والتخلي عنه.

فلما لم تجد المخابرات بمصر نفعًا، أمر (إسماعيل) نوبار بالرحيل إلى الأستانة، والسعي لدى أولي الأمر، هناك، في إتمام المتفق عليه بينه وبينهم والاستعانة، على إنجاز مهمته، بما لم يزل قائمًا من عداء للمشروع في نفس الدولة البريطانية وسفيرها في تلك العاصمة، ولم يبال بأن يقال عنه إنه آلة في أيدي اللورد بلمرستن والحكومة الإنجليزية؛ وأن ينسب إليه ممالأتهما على هواهما ممالأة مبنية على الاعتقاد بأن بريطانيا العظمى، بعد حوادث سنة ١٨٤٠ وسنة ١٨٥٤ وسنة ١٨٥٥ وسنة ١٨٥٦؛ وبعد إجبارها فرنسا، بالرغم من انتصاراتها الإيطالية في سنة ١٨٥٩، على الجلاء عن سورية بعد سنة ١٨٦٠، أصبحت صاحبة القدح المعلى في ميادين السياسة العالمية، وصاحبة النفوذ الأكبر في القسطنطينية، وأصبح استجلاب رضاها، إذًا، للاعتماد عليها، فيما بعد، لتحقيق المطامع الشخصية، أمرًا مرغوبًا فيه.

ولكي لا يكون هناك شك في أنه إنما يحارب ما هو متجاوز حد الاعتدال في الامتياز الممنوح للشركة، لا مشروع القناة نفسه، أمر نوبار بأن يحصر مهمته في طلب ونيل الأغراض الآتية من حكومة الأستانة وهي:
  • أولًا: إعادة الأطيان المعطاة للشركة من (سعيد) سلفه إلى الحكومة المصرية.
  • ثانيًا: منع إقامة حصون واستحكامات حربية على شاطئ القناة مطلقًا، وحفظ شكله التجاري المحض الذي أنشئ من أجله.
  • ثالثًا: إلغاء الشرط الموجب على الحكومة المصرية تقديم العمال من قبلها إلى الشركة، فإن لم يمكن، فتخفيض عددهم من عشرين ألفًا إلى ستة آلاف؛ ورفع أجورهم، مع إعفائهم من الخضوع لسيطرة الشركة لكي يستمروا خاضعين لحكومتهم المصرية فقط.٢٦

فسافر نوبار إلى الأستانة في شهر يوليو سنة ١٨٦٣، ونجح في مهمته النجاح المنتظر، فاستصدر من الباب العالي أمرًا إلى (إسماعيل) يحتم عليه عرض المطالب الثلاثة المبينة أعلاه على رئيس الشركة، وأعضاء مجلس إدارتها، فإن قبلوها في ظرف ستة أشهر، فبها؛ وإلا فتوقف الأشغال بالقوة الجبرية.

ثم رحل إلى باريس، لعلمه أن الأمر سيرفع حتمًا إليها؛ وأنه يجدر به إذًا أن يمهد الطريق هناك على الأخص لنجاح مطالب سيده.

فأبلغ (إسماعيل) في ١٢ أكتوبر سنة ١٨٦٣ أمر الباب العالي إلى المسيو دي لسبس ومجلس إدارة الشركة؛ فامتعضا له، أيما امتعاض، وحررا في ٢٩ من الشهر عينه إلى الإمبراطور نابليون الثالث كتابًا حاد الشعور، طلبا فيه عنايته بالأمر.

ولتقدير دي لسبس الخطر حق قدره، وتيقنه من أن المكاتبات لا تجدي ما يجدي الكلام والعمل، سافر بنفسه إلى باريس، ليناضل خصمه، هناك، في ذات الميدان الذي اختاره للنضال.

فدارت بينه وبين نوبار أدوار مبارزة كلامية وصحفية سياسية، استلفتت إليها أنظار العالم المتمدين كله، وأثارت شجونًا، وانفعالات متعددة مختلفة.

وكان نوبار قد اكتسب ثقة الدوق دي مرني، صنو نابوليون الثالث، واستوثق من تعضيده الفعال، فاعتقد أن الفوز بات، حتمًا، حليفه، لما كان لذلك الدوق القدير من التأثير على روح الإمبراطور، والنفوذ لديه، ولكن دي لسبس، من جهته، كان مستوثقًا من انعطاف الإمبراطورة قريبته، على المشروع، ومن تعضيدها له، تعضيدًا لا يبالي بالعقبات والصعوبات، ولو أنه خفي فطلب إليها أن تحمل الإمبراطور على رفض تداخل دي مرني في الأمر، وأن يعهد النظر فيه إلى المسيو دي لويس وزير الخارجية الفرنساوية، وأفلح في طلبه.

غير أن النقود اشتغلت، من وراء الستار، وبذلت عن سعة، فقامت الجرائد المعادية للمشروع في إنجلترا تطعن طعنها المر المعتاد عليه، وتسفه أحلام القائمين به، وترميهم بالمثالب والمطامع الشخصية، والعمل على تحقيقها دون سواها، وتنادي بالويل والثبور على استخدام السخرة في سبيل إنشاء تلك الترعة، معلنة منافاة ذلك لمبادئ الإنسانية والمدنية الأوروبية، وانضمت إليها في حملاتها بعض الجرائد الفرنساوية عينها، لا بل بعض كبار الكُتاب والمفكرين، ومنهم پارادول؛ فإنه سئل من بعضهم، عند عودته من القطر المصري: «هل ذهبت لمشاهدة أعمال ترعة السويس؟» فأجاب بتميز: «لم أذهب، ولو ذهبت لجعلتها خرابًا!»٢٧
غير أن جرائد أخرى، في عموم الدول الأوروبية، قامت تدافع عن المشروع وتحبذه، وتدافع عن حقوق الشركة وتعضدها، وأثار دي لسبس الرأي العام الفرنساوي وهيج عواطفه الوطنية بأن صور له المشروع فرنساويًّا محضًا، وأفهمه بأنه إنما يُضطهد ويُقاوم لفرنساويته؛ وأن الشرف الفرنساوي أصبح، إذًا، متعلقًا بنفاذه، وبلغ من دفاعه عن حسن سمعة مشروعه، أنه قدم نوبار باشا نوبار، بصفته الشخصية، لا بصفته مندوب (إسماعيل) إلى محكمة جنح السين، متهمًا إياه بنشر كتابات ومستندات مزوّرة ثلابة، من شأنها إحباط ثقة مساهمي الشركة بمشروعها، وهتك ناموس القائمين به.٢٨

فدفع محامو نوبار التهمة بإبراز كتاب مرسل من الدوق دي مرني إلى موكلهم، يبرر عمله ويعده بتعضيد الإمبراطور، فأعلم دي لسبس الإمبراطورة أوچيني بالواقع، وتشدد في طلب إبعاد دي مرني عن الأمر؛ ولم يحجم عن استنهاض همم مواطنيه، لا سيما كبارهم، لحملهم على الوقوف بجانبه وقوفًا يرغم ويقهر الخصوم، ويخيب مساعيهم.

فأقام مريدوه وليمة له بباريس في ١١ فبراير سنة ١٨٦٤، تحت رياسة البرنس چيروم نابوليون، وبحضور نيف وألف وستمائة مدعو، ألقيت فيها الخطب الرنانة، مطالبة بإزالة كل عقبة من طريق إنشاء تلك الترعة، وأهمها خطبة رئيس الحفلة نفسه، وخطبة المسيو دي لسبس، وخطبة المسو ديپين، من كبار رجال الشرع والقضاء بفرنسا.٢٩

أما الرئيس فإنه، بعد أن أحرق بخور الثناء والمدح (لإسماعيل)، واعترف بأنه إنما يقاوم دي لسبس وشركته، لا لرغبة منه في تعطيل مشروع القناة، ولكن لرغبته في أن يقوم، هو نفسه، بإنجاز ذلك العمل الخطير، أنكر عليه مقدرته على القيام بذلك، واستشهد على صحة قوله بزعم زعمه له موچيل بك، مؤداه أن مصر، بعد أن صرفت نيفًا وعشرين مليونًا من الفرنكات على إنشاء القناطر الخيرية، حرمت نفسها الاستفادة منها، لضنها بمليون وخمسمائة ألف فرنك أخرى، ثمن الأبواب التي كانت تلك القناطر في احتياج إليها، فتركتها، إذًا، تئول إلى الخراب لقعود همتها عن إنفاق ذلك المبلغ اليسير الباقي، المطلوب لتمام عملها؛ وشبه الشرقيين على العموم، في مشاريعهم وأعمالهم «برجل يفقد بنطلونه، لإهماله خياطة زر ينقصه!» وختم خطبته بنصيحة أسداها للشركة بأن تطرق باب التصالح مع الحكومة المصرية على مبدأ منع السخرة، ورد الأطيان مقابل عوض معقول.

وأما المسيو دي لسبس، فبعد أن شرح أغراض الشركة ومراميها، ونتيجة ما وصلت إليه في أعمالها، ومقدار الخير الذي أسدته إلى الصحراء الواقعة بين الزقازيق والسويس، بحفرها الترعة التي أوصلت مياه النيل الحلوة إليها، فأحيتها؛ ومقدار ما يجب أن ينتظر من نجاحها، بعد تمكنها من جلب مياه البحر الأبيض المتوسط إلى بحيرة التمساح — لأن هذا هو العمل الذي قعدت دون إتمامه همة السلف؛ وأما إيصال القلزم بتلك البحيرة عينها، فقد قام الأقدمون به، ونفذته أيضًا الأعصر الوسطى — قال: إن الشركة لا ترفض الاتفاق مع الحكومة المصرية، ولكن على شروط تلائم مبادئ الحق والإنصاف، وتراعي ما وصل إليه المشروع، والتعهدات التي في حيازته؛ فلا تقف في سبيل نجاحه.

وأما المسيو ديپين، فإنه، بعد أن أقر مشروعية أعمال الشركة، ولو أنه لم يصدر، إلى ذلك الحين، فرمان سلطاني يؤيد الامتياز الممنوح لها، أبدى أمله بأن تزول كل عقبة، سريعًا، من سبيل المشروع وتحقيقه، فتتحول ترعة السويس من «ترعة عواصف» إلى «ترعة رجاء صالح» مشيرًا إلى ما أجاب به ملك البرتغال (عمانوئيل السعيد) أمير سفنه الجسور، برثلماؤس دياز، فإن هذا البحري المقدام، لما روى لذلك الملك السعيد الطالع حوادث رحلته حول شاطئ إفريقيا الغربي من شماله إلى جنوبه، ووصوله، في محاولته بلوغ بحار الهند، إلى أقصى رءوس تلك القارة، جنوبًا، واصطدامه هناك بزوابع وعواصف وأنواء حالت دون تقدمه، بما أفزعت من قلوب بحارته ومخيلاتهم، وما أسقطت من هممهم، قال لملكه: «إني قد رأيت، إذًا، أن أسمي ذلك الرأس «رأس العواصف»!» فقال الملك: «كلا، بل ندعوه «رأس الرجاء الصالح» تيمنًا بالخير في المستقبل! وإلا ثبطنا الهمم، وعقنا الإقدام!»

فكان لتلك الوليمة، والخطب التي أُلقيت فيها، وقع في قلوب الأمة الفرنساوية، وفي العالم المفكر برمته، دوى صداه مدة مديدة.

فرأى (إسماعيل) أن الرأي العام المتمدين قد يخدع، فيضلل به؛ فيحول ذلك دون بلوغه مطالبه الحقة، فكاتب نابوليون الثالث رأسًا، واختاره حكمًا بينه وبين الشركة؛ وقبل دي لسبس والشركة التحكيم بسرور فائق.

فأمر نابوليون بتشكيل لجنة من رجال ذوي نزاهة مشهورة تحت رياسة وزير خارجيته المسيو دي لويس، للبحث في الأمر من جميع وجوهه، ودرسه درسًا دقيقًا.

فوالت اللجنة المذاكرة والدرس ثلاثة أشهر متوالية؛ ثم رفعت إلى الإمبراطور نتيجة ما وصلت إليه مباحثها.

فأصدر الإمبراطور حكمه في ٦ يولية سنة ١٨٦٤، وقرر ما يأتي:
  • أولًا: إعادة ستة آلاف فدان من الأطيان الممنوحة للشركة، إلى الحكومة المصرية، بتخفيض مقدار الأرض التي كانت للشركة على جانبي الترعة من كيلومتر إلى ستين مترًا.
  • ثانيًا: إعادة جميع الأطيان التي باشرت الشركة فلاحتها وزرعها وقدرها ٦٣ ألف هكتار، إلى الحكومة، على أن لا تبقي لنفسها منها سوى ثلاثة آلاف هكتار.
  • ثالثًا: تخلي الشركة للحكومة المصرية عن كل حق في مد الترعة ذات الماء العذب من مصر إلى السويس وبورسعيد، وإلزام الحكومة المصرية بمدها — وهي الترعة المعروفة الآن «بالإسماعلية» — مع حفظ حق الشركة في الانتفاع بها.
  • رابعًا: إبطال حق الشركة في مطالبة الحكومة المصرية بالعمال إلا على سبيل العارية المأجورة.
  • خامسًا: إلزام الحكومة المصرية، مقابل ذلك جميعه، وعلى سبيل التعويض، بدفع مبلغ ٨٤ مليونًا من الفرنكات.٣٠

ففاز (إسماعيل) بالغرض الذي رمى إليه، ولم يستكثر في سبيل فوزه، المبالغ الجمة التي أنفقها في تمهيد الطريق، بين الأستانة وأوروبا؛ ولا المبلغ الجسيم الذي ألزمه بدفعه الحكم الصادر من نابوليون الثالث.

ولكي يثبت للملأ أنه، في نزاعة مع شركة القناة، إنما سعى إلى تحرير بلاده من قيد كانت مغلولة به، لا إلى الإضرار بالمشروع العظيم، أبرم مع الشركة في ٣٠ يناير سنة ١٨٦٦ اتفاقًا حفظ بمقتضاه للحكومة المصرية الحق: (أولًا) في إقامة كل التحصينات والاستحكامات الحربية التي تراها لازمة لحماية القطر، على الأراضي المعتبرة حرمًا للقناة البحرية، على شرط ألا تنجم عنها عوائق للملاحة؛ و(ثانيًا) في إشغال ما تراه من تلك الأراضي بتشييدات تنشئها لمصالحها كالبريد والجمرك والثكنات العسكرية وخلافها، على شرط أن لا تكون عقبة في سبيل استغلال الشركة امتيازها؛ وأن تدفع الحكومة لها ثمن الأراضي التي تشغلها؛ كما أنه حفظ للأفراد الراغبين في الإقامة على شواطئ الترعة البحرية، أو في المدن المقامة على طول مسيرها، الحق في حيازة ما يرونه من الأراضي اللازمة لتشييداتهم، على شرط أن لا تزيد على فدان فرنساوي (أكر)، وأن يخضعوا لقوانين البلاد وعاداتها، ويدفعوا الضرائب، أسوة بباقي سكانها، وأن لا يقيموا منازلهم حيث يعوقون الملاحة، ويدفعوا للشركة ثمن الأرض التي يرغبون فيها.

وتنازلت الشركة للحكومة المصرية، بموجب هذا الاتفاق، عن جميع المباني المقامة منها لمصالحها على ضفاف ترعة الماء العذب، من الزقازيق إلى السويس، بثمنها الأصلي، على أن تؤجرها الحكومة لها بواقع ٥٪ سنويًّا من رأس المال المسدد إليها؛ وبما أنها كانت قد اشترت من تركة إلهامي باشا، تفتيش الوادي كله، وكان يهم الحكومة المصرية استرداده، ضمن الأطيان الأخرى التي قضى حكم نابوليون بإعادتها إليها، فقد باعته الشركة لها بمبانيه ومشتملاته، بموجب الاتفاق ذاته، بمبلغ عشرة ملايين من الفرنكات.

واتفق الفريقان على أن يكون دفع جميع المبالغ التي أصبحت الحكومة المصرية مدينة بها للشركة، على أقساط شهرية متساوية، تبدأ في أول يولية سنة ١٨٦٦، وتنتهي في أول ديسمبر سنة ١٨٦٧.‏٣١
ثم أبرم في ٢٢ فبراير سنة ١٨٦٦ اتفاق آخر مع الشركة لخص فيه فرمانا (سعيد) وكل ما تلاهما من اتفاقيات بين (إسماعيل) والشركة، وما حكم به نابوليون، وما ذكر في اتفاق ٣٠ يناير السابق، ليأخذ الكل شكلًا نهائيًّا تصادق عليه حكومة الأستانة، كطلبها، فحفظ (إسماعيل) فيه لحكومته الحق في أن يشرف البوليس المصري على عموم الترعة البحرية، وتوابعها وملحقاتها، ليقر الأمن، ويقيم حدود الشرائع والقوانين فيها، كما أنه حفظ حق مرور المواصلات، والتجارة، والناس جميعًا، بدون دفع أي رسم كان، في النقط التي تختارها حكومته على ضفاف الترعة؛ ولاعتبار الشركة مصرية، ولو أنها مؤلفة من عناصر دولية، اتفق معها على أن يكون الفصل في المنازعات الناشئة بين أفرادها، والخاصة بتكوينها، فقط من اختصاص المحاكم الفرنساوية، والفصل، فيما عدا ذلك من المنازعات، من اختصاص المحاكم المحلية دون غيرها.٣٢
وكان الباب العالي قد ماطل جدًّا، بتأثير الدوائر الرسمية البريطانية الخفيّ في الأستانة، في منح التصديق المطلوب على فرماني (سعيد)، بالرغم من إنذار أرسله إليه الإمبراطور نابوليون الثالث، بناء على إلحاح دي لسبس، ولكنه اتفق أن فؤادًا باشا، الصدر الأعظم، كان يتعالج في جنوب فرنسا، لما حلت ركاب الإمبراطور بمرسيليا، في ذهابه إلى الجزائر، متفقدًا، فهب فؤاد إلى مقابلته ولكن الإمبراطور أعرض عنه، ولم يلتفت إليه، ولا رد له سلامه، فاضطرب لذلك الصدر الأعظم، واستفهم عن السبب، فرد عليه بكلمة واحدة: «فرمان»، فما انقضى أسبوع واحد إلا وصدر، في ٢ ذي الحجة سنة ١٢٨٢ / ١٩ مارس سنة ١٨٦٦، فرمان التصديق على اتفاقية ٢٢ فبراير سنة ١٨٦٦ السابق ذكره، وقد قال دي لسبس في هذا الصدد: «لقد صدق المثل العربي القائل: «أوقية خوف أفيد من قنطار صداقة!»٣٣

وفي ٢٣ أبريل سنة ١٨٦٩ أبرم (إسماعيل) آخر اتفاقاته في سبيل استعادة آخر حقوق دولته السيادية الباقية في يد الشركة، فنزع بمقتضاها منها، مقابل مبلغ عشرون مليون فرنك، حق إعفاء مستورداتها من الخارج من الضرائب الجمركية؛ وألزمها بأن تدفع، على مراكبها وسفنها المأخرة في مياه ترعة الإسماعيلية، الرسوم التي تدفعها المراكب والسفن المصرية؛ وأن تخضع للوائح المسنونة؛ وأن تتنازل للحكومة المصرية عن القيام بخدمة البريد والتلغراف، لها وللجمهور، غير حافظة لنفسها إلا تلغرافًا خاصًّا بخدمتها الداخلية؛ وأن تتخلى للحكومة عينها عن رسوم الصيد في الترعة والبحيرات؛ وتشركها، بواقع النصف، في الانتفاع بأثمان الأراضي التي تبيعها الشركة من الأطيان التابعة لها، والخاصة بها، طبقًا لنصوص المعاهدات السابقة؛ وأن تتنازل لها، مقابل عشرة ملايين أخرى من الفرنكات، عن كل المستشفيات المقامة على البرزخ بمشتملاتها، وجميع المنازل والمباني المملوكة لها، في رأس الهيش، والقنطرة، وبحيرة البلح، وفردان، والجسر، والورشة نمرة ٦ وجبل مريم، وطوش، والسرابئوم، وجنيفا، وشالوف، والكيلومتر نمرة ١٤ من سهل السويس؛ وعن محاجر المكس ومينائه، ومشتملات الاستغلال فيه؛ وعن مخازنها ومحلاتها في بولاق ودمياط، خالية من كل نزاع ومحظور! وتنازلت الحكومة للشركة عن قطعيات (كوبونات) أسهمها، البالغ عددها ١٧٦٦٠٤، ابتداء من أول يناير سنة ١٨٧٠ إلى أن تستوفي الشركة منها مبلغ الثلاثين مليونًا من الفرنكات التي أصبحت الحكومة مدينة به لها بموجب هذه الاتفاقية.

بهذه الكيفية، وهذه الوسائل، وببذله جميع هذه الأموال، تمكن (إسماعيل) من كسر القيد الخماسي الحلقات الذي غل به فرمانا الامتياز الممنوح من سلفه إلى فردينان دي لسبس وشركة قناة السويس ساعدي حكومته، وسلباها جانبًا عظيمًا من سلطتها واستقلالها.

فلما تم له ما سعى إليه، أقبل، وهو منشرح الصدر، على مساعدة الشركة المساعدة الكلية، حتى مكنها من إنجاز عملها، وإبرازه إلى العالم يختال في حلله البهية، وأخذ على نفسه القيام بافتتاح الترعة افتتاحًا يخلد ذكره في بطون السطور، وصدور الأجيال؛ ويؤكد للملأ أن (إسماعيل) كان أكبر الناس تقديرًا لجلالة العمل الذي تمجد به ملكه، وسيأتي بيان ذلك الافتتاح في حينه.

١  أهم مصادر هذا الفصل هي الآتية: «مصر وتركيا» لفردينان دي لسبس، و«قناة السويس» لطلعت بك حرب، و«أصول ترعة السويس» لفردينان دي لسبس، و«تذكارات أربعين سنة» لفردينان دي لسبس، و«رسائل ويومية ومستندات للرجوع إليها في تحرير تاريخ ترعة السويس» لفردينان دي لسبس، و«مصر المعاصرة» لمريئو، و«رسائل من مصر» لبرتلمي سنت هيلير، و«فتح برزخ السويس» لفردينان دي لسبس، و«أسرة دي لسبس» لبريدييه، و«تذكارات أربعين عامًا» لفردينان دي لسبس، و«فردينان دي لسبس. حياته وأعماله» لبرنتران، و«قتال السويس» لروسينيول، و«تاريخ اتصال البحرين» لسورين، و«قتال السويس ومستقبله» للوريدان.
٢  انظر في كتاب «مصر» لمالورتي، ذكر الخطاب المرسل من الاچبتولوچي بروجش باشا إلى البرنس رودلف ولي عهد النمسا والمجر، ص١٤٨ و١٤٩.
٣  انظر: «مصر وتركيا» لفردينان دي لسبس ص٤٣.
٤  انظر: «أوائل ترعة السويس» لفردينان دي لسبس ص٨٧.
٥  انظر: «أصول ترعة السويس» لفردينان دي لسبس ص٥٣.
٦  انظر: «مصر المعاصرة» لمريئو، ص١٤٧ وما يليها.
٧  لهذا ولجميع ما يتبع، انظر على الأخص: «مبادئ أو أصول ترعة السويس» لفردينان دي لسبس ابتداء من ص٢٨.
٨  انظر: «أصول ترعة السويس» لفردينان دي لسبس ص٤٠، و«أسرة دي لسبس» ص٣٢٠ لبريدييه، و«تذكارات أربعين عامًا» لفردينان دي لسبس ص٢٩.
٩  أو أن «أحكام الوثب بالحصان أعظم دليل وأقوى برهان» كما يقول محمد طلعت حرب بك في كتابه عن قناة السويس ص٣٠.
١٠  انظر: «أوائل ترعة السويس» لفردينان دي لسبس ص٥٦، و«أسرة دي لسبس» لبريدييه ص٣٢٢، و«تذكارات أربعين عامًا» لفردينان دي لسبس ص٥٥.
١١  انظر: «مصر المعاصرة» لمريئو، ص٢٧٢ وما يليها.
١٢  انظر: «تذكارات أربعين عامًا» لفردينان دي لسبس، نقلًا عن كتاب «أسرة فرنساوية: آل دي لسبس» ص٣٤٩ و٣٥٠.
١٣  انظر: «تذكارات أربعين عامًا» لفردينان دي لسبس، و«أسرة فرنساوية: آل دي لسبس» لبريدييه ص٣٥٠، و«يومية دي لسبس» ج١ ص٤٥٤ باختلاف في الرواية.
١٤  انظر: «آل دي لسبس» لبريدييه ص٣٥٠، و«يومية دي لسبس» ج٢ ص٤ باختلاف قليل في الرواية، و«تذكارات أربعين عامًا» لفردينان دي لسبس ص٤٨٦ ج٢.
١٥  انظر: «يومية دي لسبس» ج٢ ص٤، و«آل دي لسبس» لبريدييه ص٣٥٢، و«تذكارات أربعين عامًا» لفردينان دي لسبس ص٤٨٧ ج٢.
١٦  انظر: «تذكارات أربعين عامًا» لفردينان دي لسبس، و«آل دي لسبس» لبريدييه ص٣٥٣، و«يومية دي لسبس» ج٢ ص٦ وفيها بعض اختلاف في الرواية.
١٧  انظر: «رسائل ويومية ومستندات» لفردينان دي لسبس ج٢ ص٢٩٨ و٢٩٩ و٣٠٠.
١٨  انظر: الكتاب السابق ذكره لدي لسبس ج٢ ص٢٩٨.
١٩  انظر: «رسائل ويومية ومستندات» لفردينان دي لسبس ج٣ ص٨٠.
٢٠  انظر: «أسرة فرنساوية: آل دي لسبس» لبريدييه ص٣٦٧، و«تذكارات أربعين عامًا» لفرديناند دي لسبس، و«رسائل ويومية ومستندات» ج٤ ص٢٧٧.
٢١  الپكتول نهير في إقليم ليديا بآسيا الصغرى كان يروي مدينة سرد عاصمته، ويدفق تبرا كان مصدر الثروة الجسيمة التي جمعها قارون ملك ذلك الإقليم.
٢٢  انظر: «مصر» لمالورتي ص١٥١.
٢٣  انظر بنود الامتياز الممنوح من (محمد سعيد باشا) في مريئو: «مصر المعاصرة» ص٢٧٢ وما يليها.
٢٤  انظر: صورة هذا الاتفاق في «رسائل ويومية ومستندات» لفردينان دي لسبس ص٢٨٩ وما يليها ج٤.
٢٥  انظر: صورة هذا الاتفاق في الكتاب عينه ج٤ ص٢٨٣ وما يليها.
٢٦  انظر: «رسائل ويومية ومستندات» لفردينان دي لسبس ص٣٥٠.
٢٧  انظر: في «رسائل ويومية ومستندات» لفردينان دي لسبس أقوال الجرائد الإنجليزية ج٤ ص٣٢١.
٢٨  انظر: الكتاب عينه ص٣٧٩.
٢٩  انظر: هذه الخطب في «رسائل ويومية ومستندات» لفردينان دي لسبس ج٤ ص٣٨٧ وما يليها.
٣٠  اقرأ صورة هذا القرار في «رسائل ويومية ومستندات» لفردينان دي لسبس ج٤ ص٤٧٦ وما يليها.
٣١  اقرأ: نص هذا الاتفاق في «رسائل ويومية ومستندات» لفردينان دي لسبس ج٥ ص٢٢٧ وما يليها ومساحة أطيان تفتيش الوادي غير مذكورة.
٣٢  اقرأ: نص هذا الاتفاق في الكتاب عينه ج٥ ص٢٣١ وما يليها.
٣٣  انظر: «أسرة فرنساوية»، و«آل دي لسبس» لبريدييه ص٣٨١، و«منشأ ترعة السويس» لفردينان دي لسبس ص٢١٩ و٢٢٠، و«تذكارات ٤٠ عامًا» للمؤلف عينه ج٢ ص٧٥٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠