الفصل الثاني

إزالة القيد الثاني١

قيد السيادة العثمانية، بما يتبعها من تضييقات مذلة، وإلزامات مصغرة، وتوريث بالأرشدية إلخ.

***

أعذب الألفاظ قولي لك: خذ
وأمر اللفظ نطقي: بلعل
ابن الوردي

إن تداخل النمسا والروسيا وبروسيا، بزعامة إنجلترا، وبموجب اتفاقية لندن المؤرخة ١٦ يولية سنة ١٨٤٠، بين السلطان العثماني و(محمد علي) الكبير، لوضع حد للحرب القائمة بينهما، وحفظ كيان الدولة العلية، الذي أصبحت الجيوش المصرية تهدده، لا سيما بعد انتصار (إبراهيم) الهمام على الأتراك في وقعة نزيب (٢٤ يونية سنة ١٨٣٩)، أدى إلى استصدار تلك الدول فرمانين وجها من السلطان عبد المجيد إلى (محمد علي) بتاريخ ١٣ فبراير ١٨٤١ / ٢١ ذي القعدة سنة ١٢٥٦ كانا بمثابة قاعدة بُني عليها كيان مصر السياسي والإداري معًا.

فبالفرمان الأول منهما، ألغى السلطان، بناء على إيعاز الدول المذكورة، الأمر الذي كان قد خلع بموجبه (محمد علي) من كرسي ولاية مصر — لاعتباره إياه عاصيًّا ومتمرِّدًا — وأعاده إليه، مبينًا في خريطة أرسلها له، في الوقت نفسه، حدود تلك الولاية؛ ومنحه بطلب الدول عينها، حق توريث أعقابه ذلك الكرسي، على الشروط الآتية:
  • أولًا: أن يختار السلطان العثماني من أولاد (محمد علي) الذكور، أو أولاد أولادهم الذكور، من يشاء ليخلف على السدَّة المصرية الوالي المتوفى، فإذا لم يوجد، بين الأولاد والحفدة، خلف ذكر، فيختار الباب العالي من يشاء للولاية، بدون أن يكون لأولاد الإناث حق فيها، إلا إذا شاء السلطان اختيار أحدهم؛ على أن لا يتبع حق التوريث الاختيار.
  • ثانيًا: أن يكون الوالي، المختار من بين أولاد (محمد علي) أو أولاد أولاده، ملزمًا بالذهاب إلى الأستانة، والمثول بين يدي السلطان، ليقلد زمام ولايته تقليدًا شخصيًّا رسميًّا.
  • ثالثًا: أن يشبه ولاة مصر، بالرغم من حق الوراثة الممنوح له، بباقي وزراء الدولة، في المنصب والتقدم على الأنداد في الرسميات، والتصدر، على قاعدة الأقدمية؛ وأن يوصفوا، وينعتوا في المكاتبات والمخاطبات الرسمية، بما يوصف وينعت به أولئك الوزراء.
  • رابعًا: أن يكون مفعول جميع المعاهدات المبرمة بين السلطنة العثمانية والدول، ومنطوق كل خط شريف، وخط همايوني يصدر من لدن السلطان، للتقنين والتشريع، ساريًا في الولاية المصرية، ومنفذًا فيها تنفيذه في عموم أنحاء الممالك الشاهانية.
  • خامسًا: أن تكون جباية الضرائب والأموال والرسوم الجمركية وغيرها، برمتها وعلى أنواعها، باسم سلطان تركيا، وطبقًا للأصول المتبعة في الدول صاحبة السيادة.
  • سادسًا: أن يرسل ربع الإيرادات المصرية كلها إلى خزينة الباب العالي، سنويًّا، على سبيل الجزية؛ وتصرف الثلاثة الأرباع الباقية في شئون الإدارة الداخلية، وفيما تستلزمه احتياجات بيت الوالي؛ وأن تكون طريقة توريد الجزية التي سيتفق عليها في سنة ١٢٥٧، معتمدة لمدة خمس سنوات؛ ثم تكيف وتعدل طبقًا للظروف ومقتضيات الأيام؛ وأن يكون الوالي ملزمًا بتعريف الباب العالي بمقدار إيرادات القطر بالضبط، وبيانها له، بيانًا وافيًا، اجتنابًا للتلاعب في مقدار الجزية.
  • سابعًا: أن تكون السكة باسم السلطان العثماني، وأن لا تختلف في شيء أساسي عن مثيلتها المضروبة في الأستانة العلية.
  • ثامنًا: أن لا يزيد عدد الجيش المصري في أيام السلم على ١٨ ألف جندي؛ وأما في زمن الحرب، فللباب العالي أن يبلغه إلى ما يُرتأى، وأن يكون تكوينه ونظامه مطابقين لتكوين الجيش العثماني ونظامه: فتجعل مدة الخدمة العسكرية خمس سنوات؛ ويؤخذ من مقترعي السنتين الباقيتين عشرون ألفًا، يقيم ثمانية عشر ألفًا منهم بالقطر المصري، ويرسل الألفان الباقيان إلى الأستانة؛ ثم يسرح خمس العدد كل سنة، ويقترع، بدله، أربعة آلاف جندي جديدون، يبقى منهم في القطر ٣٦٠٠، ويرسل أربعمائة إلى الأستانة.
  • تاسعًا: أن يكون شكل ملابس الجنود المصرية، برية كانت أم بحرية، وشكل راياتها ونياشينها، كملابس الجنود العثمانية البرية والبحرية، وكشكل راياتها ونياشينها، لا تمييز بين الجندين إلا فيما يختص بنوع الأقمشة، فإنه يصرح للحكومة المصرية بأن تختار منها ما يلائم طقس البلاد ومناخها.
  • عاشرًا: أن لا تبني مصر سفنًا حربية مطلقًا، إلا بتصريح من الباب العالي، يُعطى لها كتابة.
  • حادي عشر: أن يقتصر حق الوالي، في تعيين ضباطه البريين والبحريين وترقيتهم، على الدرجات الصغرى لغاية درجة الصاغ قول أغاسي، فإذا أراد رفع ضابط إلى درجة أعلى من هذه، فعليه أن يخابر الباب العالي، ويستصدر الترقية منه مباشرة.
  • ثاني عشر: أن أي إخلال بأحد هذه الشروط يؤدي إلى إلغاء حق انتقال الولاية بالإرث، فورًا.
وبالفرمان الثاني، قلد السلطان (محمد علي) الولاية على بلاد النوبة ودارفور وكردوفان وسنار؛ ولكن بدون حق في توريثها لأعقابه؛ كأن السلطان أراد بذلك أن يقيم على الحدود المصرية الجنوبية، للمستقبل، خطرًا يشهره خلفاؤه فوق رءوس خلفاء (محمد علي) كسيف دامكليس، ابتغاء إبقائهم في حدود الطاعة والأمانة، فيما لو عنَّ لهم الخروج عنها — مع أن (محمد علي) هو الذي فتح تلك الأقاليم، وأخضعها لحكومته المصرية، ولم يكن لسلطان تركيا عليها من حق، إلا ما نجم له عن فتح (محمد علي) لها — وألزمه، مقابل ذلك، أن يقدم له بيانًا مفصلًا مضبوطًا بإيراداتها عامة، ليفرض الجزية الموافقة عليها؛ وأن يبطل النخاسة منها وعادة خصي السود، وأبلغه في الفرمان عينه: (أولًا) عفوه عن جميع الجنود والضباط والمستخدمين الذين اشتركوا في تسليم العمارة العثمانية له، مستثنيًا منهم بعض أفراد عينهم بالاسم، وعلى رأسهم أحمد فوزي باشا أمير تلك العمارة — وهو الذي قصده نوبار باشا في الرواية التي رواها للورد كرومر، وذكرها هذا في الصحف الأولى من كتابه المعنون «مصر الحديثة» ومفادها: «أن أحد أمراء الأساطيل العثمانية كان قد انضم إلى (محمد علي) أثناء حروبه مع تركيا، وعززه عليها، وخدمه في مقاومته لها، خدمات جلّى، فأعلى (محمد علي) منزلته، وحفه بصنوف من الرعاية والعناية والنعم، لم يترك معها محلًّا في نفسه لشهوة أو أمنية، فعاش الرجل عيشة رغيدة على فراش وثير من الهناء، إلى أن وضعت الحرب أوزارها بين التابع والمتبوع، وختمت معاهدات لندن والفرمانات التالية لها، الأزمة الشديدة التي زعزعت قواعد الشرق الأدنى نيفًا وعشرة أعوام، فتذكر الباب العالي حينذاك — ولم يكن قد نسي قط — الخيانة التي ارتكبها أمير أسطوله، وحمل إلى فهم (محمد علي) أنه يحل إقدامه على معاقبة ذلك الجاني عقابًا سريًّا، منزلة جميل بليغ يسديه إليه، فأرسل (محمد علي) إلى ذلك التركي من أفهمه أن الحياة متاع فان، وأن لذاتها ظل زائل؛ وأنه يجدر بالمرء أن لا يفتأ مستعدًّا لمقابلة وجه ربه الكريم في أي وقت يشاء الله أن يستدعيه إليه؛ وأن الموت قد يأتي أحيانًا في جرعة ماء، أو فنجان قهوة إلى من يحن أجله. فأدرك الأميرال العثماني معنى الكلام؛ فقام من ساعته وتوضأ وصلى صلاة العصر؛ ثم تجرع فنجان القهوة المسمومة الذي قدم له، بتجلد، كأنه أحد الستوئكيين، تلامذة زينون الفيلسوف؛ وهو يقول بالتركية: «قسمت»٢ وأبلغه (ثانيًا) تثبيته كبار ضباط الجيش المصري، وكبار موظفي الحكومة المصرية في الرتب السامية التي أنعم عليهم بها، واعتماد بابه العالي إياها.

فأبدى (محمد علي) ارتياحه إلى إرادة السلطان المعبر عنها الفرمانان؛ ولكنه طلب تعديل كيفية التوريث، ومقدار الجزية السنوية، والحق المعطى له في ترقية الصف ضباط والضباط، ومنح الرتب.

فخابر الباب العالي بذلك الدول الوسيطة السابق ذكرها في ١٩ أبريل سنة ١٨٤١ فردت عليه في ١٠ مايو التالي، وأشارت بجعل التوريث بالأرشدية، وتعيين مبلغ محدد للجزية، يراجع ليعدل بين حين وحين؛ ولم تر بأسًا في تخويل (محمد علي) حقًّا أوسع من المخول له، فيما يختص بترقية الجنود والضباط، ومنح الرتب؛ لاعتبارها الجيش المصري والبحرية المصرية جزءًا من القوات البرية والبحرية العثمانية.

فأصدر السلطان فرمانين آخرين نهائيين إلى (محمد علي)، أحدهما في أول يونية سنة ١٨٤١ / ١١ ربيع الآخر سنة ١٢٥٧؛ والثاني في ٢٠ يولية سنة ١٨٤١/أول جمادى الآخرة سنة ١٢٥٧، حدد له بمقتضاهما، حدود الولاية المصرية، طبقًا للمبين في خريطة أرسلها الصدر الأعظم إليه؛ وأجابه، فيما عدا ذلك، إلى طلباته: فجعلت الوراثة بالأرشدية، كما هي في بني عثمان؛ على أن يكون التعيين من الباب العالي، وبموجب فرمان خاص يصدره السلطان؛ وجعل مقدار الجزية ٨٠ ألف كيس على حساب الكولونات الإسبانيولية، وخول والي مصر حق منح الرتب لغاية درجة «الميرالاي»؛ وأما درجتا «الميرلوا» و«الفريق» فأبقى حق منحهما مرتبطًا باستئذان الأستانة أولًا.

وعلى ذلك صادقت الدول الأوروبية الوسيطة؛ وانضمت فرنسا إليها في نهاية الأمر، فأصبح النظام المصري كما هو مقرر في تلك الفرمانات الأربعة، جزءًا من النظام السياسي الدولي العام؛ وأصبح مركز مصر، القائم عليه تحت حفظ الدول الغربية جمعاء، فيما يختص بعلاقاته معها، وعلاقاتها به، وفيما يختص بالمحافظة عليه من مطامع الدولة العلية عينها، ومن تعديات أحداها عليه.

على أنه لم يوجد فيه شيء يحظر على والي مصر تعديل القيود التي تربطه بالدولة العثمانية، دون غيرها، وتكييف مركزه منها، ومركز بلاده الداخلي بالنسبة إليها، وفيما لا يمس بمصالح الدول الغربية السياسية والتجارية، تكييفًا يكون أكثر موافقة له، ولقطره.

فلما جلس (إسماعيل) على أريكة مصر، وجعل إحدى غايات حكمه إنالة بلاده أكثر ما يمكن من الاستقلال، لم يأل جهدًا في سبيل البلوغ إلى ذينك التعديل والتكييف، بلوغًا تكون نتيجته تحرير مصر من قيد السيادة العثمانية، وتمتع عرشها بجميع حقوق السيادة والملك.

فأول ما وجه إليه مجهوده تحويل نظام الوراثة من الأرشد فالأرشد في ذرية (محمد علي) كلها إلى الولد البكر فالولد البكر من ذريته هو — وكان (عباس الأول) قد سعى هذا السعي عينه، ولم يفلح — فلم تثبط خيبته همة (إسماعيل)، لأنها كانت مشتعلة بنوعين من أنواع الوقود، لا يدعان نارها تخبو أبدًا؛ وهما: الحقد والحب.

أما الحقد، فعلى الأمير مصطفى فاضل أخيه من غير أمه، وعلى الأمير حليم باشا عمه.٣

ومرجع السبب في حقده على أخيه، إلى كره والدتيهما المتبادل، الذي كثيرًا ما أزعج داخلية والدهما (إبراهيم) الهمام؛ فألى وشي الوشاة بالأمير مصطفى فاضل بعد صيرورة عرش مصر إلى (إسماعيل) أخيه.

فوالدتاهما كانتا مختلفتي الجنس والميول، بالرغم من تمكنهما الواحد من قلب بعلهما السامي، ووحدة تأثيرهما عليه، فلم تكتفيا بتبادل الكره بينهما، بل أشربتاه قلبي ولديهما، واجتهدتا في جعلهما عدوين لدودين؛ لا سيما أنهما ولدتاهما في شهر واحد؛ وبينما كل منهما تتمنى أن تكون أسبق الاثنتين إلى الوضع، ليكون ابنها أقرب إلى العرش، مال الحظ إلى جانب أم (إسماعيل).

فشب الصبيان والسنون تنمى بغض كل منهما للآخر؛ والوالدتان تزكيان نمو هذا البغض، حتى كانت كارثة كفر الزيات التي جعلت (إسماعيل) ولي عهد السدة المصرية، فلم يعد الأمير مصطفى فاضل وأمه يحتملان النظر إلى المستقبل، وباتا يتمنيان أن يطول عمر (محمد سعيد باشا) أو تقصر حياة (إسماعيل)، فلم يحقق الدهر لهما هذه الأمنية، ولا الأخرى، فمات (سعيد)، وهو في ظهر حياته؛ وارتقى (إسماعيل) عرش جده، وهو في مقتبل عمره.

فلم يحتمل الأمير مصطفى فاضل وذووه الحياة تحت حكمه؛ فسافروا جميعًا في منتصف سنة ١٨٦٣ إلى أوروبا؛ وأقاموا في باريس، وربما أدى ذلك البعاد إلى تراخي حبل الضغينة بين الأخوين، خصوصًا وأن قلبيهما كانا مجبولين، طبيعة، على العواطف الطيبة ومفتحين لها.

ولكن الوشاة الذين لم تكن مصلحتهم في أن يسود الوفاق بينهما، وكانوا كالذباب، يتلمسون الحياة من الإقبال على مص القروح وتهييجها، كانوا ساهرين لا يغفلون.

فأخذوا يختلقون من الأكاذيب على الأمير الغائب، ما لم يكن معه بد (لإسماعيل) من الاستزادة في كره أخيه، والإغراق في حقده؛ بل إنهم لم يحجموا عن تصوير ذلك الأخ النازح في صورة الرجل المؤامر المخامر، الساعي إلى إهلاك أخيه، لكي يأخذ منه عرشه، وبلغ بهم حبهم للخداع والدسائس إلى حد أن ألقوا قنبلة، سرًّا، ذات صباح، في حديقة قصر الجيزة، وأسرعوا إلى التقاطها، جهرًا، وتقديمها إلى (إسماعيل)، حجة دامغة، وبرهانًا قاطعًا على صحة مؤامرات ومخامرات ومساعي أخيه الشريرة.٤

وبما أن القلب المضطرب بانفعال قويّ، تقتم بصيرته بتأثير ذلك الانفعال، فلا تعود عينا صاحبه تنظران الأمور إلا كما يقدمها إليهما ذوو الأغراض، فإن (إسماعيل) لم يفطن أن تلك القنبلة كانت فارغة، لا تحمل في جوفها سوءًا مطلقًا؛ واعتقد اعتقادًا ثابتًا أن أخاه أراد قتله، ليخلفه على عرشه.

والسبب في حقده على عمه، عبد الحليم، هو أن هذا الأمير كان، في الواقع، يتطلع إلى الأريكة المصرية، ويرغب فيها؛ ولو أن هذه الرغبة لم تقترن بعمل عدائي لتحقيقها، ولكن مجرد وجودها في نفسه كفى لكي يتخذ الوشاة منها منبتًا خصبًا، ينمون فيه جراثيم البغضاء بين (إسماعيل) وبينه؛ ولم يعدموا الفرص الموافقة لذلك.

فنزول السلطان عبد العزيز ضيفًا على حليم باشا في بستانه على ضفاف المحمودية بالإسكندرية، وفي قصره المنيف بشبرا، وتناوله طعام العشاء عنده في هذا المكان الأخير، والتعطفات التي ما فتئ يواليها عليه، طوال مدة إقامته بمصر — ولا شك في أنه إنما كان يرمي بها إلى جعل (إسماعيل) يشعر بأن عمه سيف معلق فوق رأسه، فيرعوي عن كل مطمع ضار بمصالح الدولة العثمانية — كل ذلك كان في أيدي الوشاة أشعة شمس استخدموها لإحياء تلك الجراثيم وتقوية نموها.

وكان حليم باشا، من جهة، يعيش معيشة تمتعية، غريبة المظاهر إلى حد يجعل لوشي الوشاة مجالًا فسيحًا، فقصره في شبرا كان، كما قلنا، بديعة البدائع، وجديرًا بأن يثير عوامل الحسد في قلوب الحاسدين، ولو كانوا ملوكًا؛ وعدد الحواشي والخدم، والجواري الحسان، والأتباع الذين كانوا تحت إشارة صاحبه في ذلك المقام الفخم، لم يكن من شأنه أن يروق من تابع في عين متبوعه؛ وخروجه، كثيرًا، إلى الصيد، في أبهة وجلبة، تحييان ذكرى السلاطين المماليك السالفين، وتلفتان اهتمام السوقة في العاصمة وضواحيها؛ وإقدامه على الصيد بالسلوقية العديدة، والبزاة المدربة، كأن زمن العصور الوسطى لم ينزل إلى رمسه؛٥ وانضواؤه تحت راية الماسونية واهتمامه بأسرارها المكنونة اهتمامًا عاملًا؛ وإضافه ذلك إلى كونه ابن (محمد علي) مباشرة، وإلى بدء انتشار الأقوال الشائعة بأن (إبراهيم) إنما كان ابن زوجة (محمد علي) من بعل غيره، لا ابن صلبه، وأن (محمد علي) إنما تبناه ورباه، فقط، كابنه٦ — وهو قول عار من الصحة بتاتًا، وربما كان من اختلاقات أولئك الوشاة أنفسهم، نسبوه إلى حليم باشا، ليزيدوا في تعكير المياه التي كانوا يعملون بلا انقطاع على تعكيرها بين (إسماعيل) وعمه، بأنواع الوسائل كافة — كل ذلك كان مادة جيدة لأن تضفر منه أكاليل شوك، توضع تحت وسادة الأمير المتولي؛ فتخزه وخزًا أليمًا، وتجعل نومه قلقًا مضطربًا، فتحمله على كراهة عمه، والتخوف منه، تخوفًا زائدًا.

ولما كان الإقدام على الإثم في الأسرات الشرقية لا يزال يتلو بسرعة ساعة التفكر في المنفعة التي تعود على مرتكبيه من ارتكابه، فإن تخوف (إسماعيل) من أخيه وعمه كان على قدر الفائدة التي يرجوها كل منهما من وراء موته.

فكان إذًا من مصلحة (إسماعيل) أن يقضي على تلك الفائدة القضاء المبرم، بعمل يجتث من قلبي ذينك الأميرين كل جذور الأمل في أن موته يوجب ارتقاء أحدهما إلى العرش مكانه.

وأما الحب، فلبلاده أكثر منه لأولاده ونفسه.

وذلك لأن أيلولة الملك من الولد البكر في الأسرة الواحدة من شأنها أن توحد بين مصالح الأمير ومصالح الرعية؛ فلا تعود همة الأمير منصرفة، كما كانت، إلى إنماء ثروته الشخصية وثروة أسرته على أكتاف الثروة العمومية وثروة فروع الأسرة الأخرى.

(فعباس الأول)، مثلًا، إنما أراد مصادرة أملاك باقي أعضاء عائلته والاستيلاء على أموالهم لكي يجعل مستقبل ولده (إلهامي) — ولو لم تؤل إليه الإمارة — سعيدًا، أكثر من كل واحد منهم — ولو قدر لأحدهم أن يخلفه على العرش — وإنما صادر، لهذا الغرض عينه، أملاك رعاياه، واغتصب أموالهم: فترك لابنه المذكور ما يزيد على ثمانين مليونًا من الفرنكات من الثرورة المنقولة غير الثروة العقارية.

والواقع هو أن الأمير المتولي، الذي يعلم حق العلم أن مآل عرشه لغير ابنه، لا يمكنه أن يعتبر ثروة البلاد المسلمة مقاليدها إليه إلا فريسة لأطماعه، ومنجمًا يستنفده في إغناء نفسه وذويه؛ فلا يهمه شقيت البلاد أم سعدت، عاشت أم هلكت، ما دام جيبه ممتلئًا وخزينته عامرة.

والأمير، في الأسرات التي يئول العرش عندها من أرشد الأفراد فيها إلى الأرشد، قد تحمله العواطف الإنسانية الطبيعية على كره عموم أعضاء أسرته، لتخيله، في كل منهم، خليفة يخلفه، أضرارًا بخلافة بنيه، فيهمه، والحالة هذه، أن يمتص، وهو على قيد الحياة، خيرات البلاد كلها، لكي لا يترك منها شيئًا، بعده، لأولياء عهده الاحتماليين المكروهين منه، ومغبة تلك السيئة إنما تعود على البلاد أكثر منها على أفراد أسرته، غير بنيه.

والدليل على أن حب (إسماعيل) لبلاده كان رائده في سعيه، أكثر من كل عامل غيره، هو أن هواه كان أن يخلفه على العرش إبراهيم حلمي ابنه من الأميرة جنانيار هانم، أعز زوجاته عليه، والتي سعت سعيًا محمودًا في سبيل نجاح مقاصده، ومع ذلك فإنه سعى لأكبر أولاده (محمد توفيق)، بالرغم من أنه لم يكن يحبه محبته لباقي أخوته. (فإسماعيل) إذًا، لأنه كان يكره أخاه وعمه من جهة، ولأنه كان، من جهة أخرى، وعلى الأخص، يحب بلاده، أقبل يسعى في الأستانة ليحمل أولي الشأن فيها على تغيير نظام الوراثة بمصر، وحصرها في ذريته دون باقي الأسرة المحمدية العلوية.

ولحسن طالعه، كان ميله إلى ذلك ونجاحه فيه يوافق هوى نفس عبد العزيز المكنون.

فعبد العزيز، أيضًا، كان يشتهي أن يغير نظام الوراثة في أسرة عثمان؛ وهو أيضًا كان يتمنى أن يحصرها في ابنه يوسف عز الدين، وفي بكر أولاده، بعده، فبكر أولاده إلى الأبد، ولكنه لم يستطع بلوغ أمنيته، بالنسبة لقوة التقاليد، فكان يرغب، والحالة هذه، في نجاح (إسماعيل) في سعيه، ليكون ذلك سابقة، يبني هو على قاعدتها بناء مجهوداته.

على أن ذلك لم يمنعه من التظاهر بالرفض في بادئ الأمر لينال من مال (إسماعيل) وهداياه ما كان التغيير المطلوب به جديرًا؛ ولكي تكون الظواهر غرارة أكثر مما هي، فتبدو الصعوبات للساعي أكبر من حقيقتها، أوعز إلى بعض جرائد الأستانة بأن تكتب في الموانع القائمة دون تحقيق رغائب والي مصر وأن تبالغ في وصفها.

فانخدع (إسماعيل)، أو تخادع، إلى حد استئجار جرائد أخرى لتحبذ التغيير وتظهره أمام الملأ في مظهر العمل المفيد للبلاد، والذي لا مندوحة لها عنه، لتتقدم باطمئنان في معارج الفلاح والرقي والرخاء.

ولكنه، من جهة أخرى، فتح يده سخية في السر والجهر: فجرت خيرات النيل ذهبًا وفضة على ضفاف البوسفور، حتى لم تبق هناك ذات واحدة ممن يرجى في مساعيها تقديم وإنجاح للمسعى المصري، إلا ونالها من عطاياه وجوده الحاتمي ما جعلها تدأب على العمل له.٧
ولو أراد التاريخ حصر قيمة ومقدار كل ما صرف في تلك الأيام في الأستانة، وتعداد الأبواب التي صرف فيها، لأعياه الأمر وسقط دونه كليلًا؛ لأن المبالغ المصروفة تجاوزت عدة ملايين من الجنيهات، ومن البديهي أن (إسماعيل) لم يكن وحده في ذلك الصرف، فكما أنه كان يجود بالأموال والهدايا، من جهة؛ وتجود أمه بأضعاف أضعافها لتساعده على تحقيق مطمعه، كان أخوه وعمه، من جهة أخرى، يبذلان كل ما في وسعهما لإخفاق مسعاه، وتخييب أمانيه، لما في تحقيقها من الأضرار بمصلحتيهما، ولكنه تغلب في نهاية الأمر؛ ومقابل ما بذل، وما وعد ببذله، ونظير رفعه الجزية السنوية المفروضة على مصر من ثمانين ألف كيس إلى ١٥٠ ألفًا — أي من أربعمائة ألف جنيه مجيدي إلى سبعمائة وخمسين ألفًا، أصدر السلطان فرمانه القاضي بانتقال كرسي الولاية من متبوئ كرسيها إلى بكر أولاده، ومن هذا إلى بكر أبنائه أيضًا، وهلم جرًّا؛ وذلك في ١٧ مايو سنة ١٨٦٦‏٨ فقرئ هذا الفرمان بمصر باحتفال شائق، وهنأ رجال الدولة وأعيان الأمة (الأمير محمد توفيق) — وكان لم يتجاوز الرابعة عشرة من عمره — بمصير ولاية عهد الديار المصرية إليه، وكبرت منزلة (إسماعيل) في عيون الجميع، وشعر الكل بسكينة دخلت على نفوسهم، كأن الحاضر والمستقبل باتا آمنين.٩

وكان من الطبيعي أن يقرن (إسماعيل) بسعيه إلى تحويل مجاري الوراثة عن أخيه وعمه، سعيه إلى تجريدهما من ثروتهما العقارية المصرية، ليكون قضاؤه على مطامعهما في العرش المصري تامًّا مبرمًا؛ ويكون استتباب الأمر له منتظمًا قارًّا.

فأوفد، منذ أواخر سنة ١٨٦٤، إلى أخيه في باريس من فاتحه في أمر بيع الأطيان التي له بمصر، فرفض الأمير مصطفى فاضل بيعها؛ لأن شعاع الأمل في مصير العرش المصري إليه، كان لا يزال منتشرًا بقوة في جوانب قلبه، ولكنه، بعاملي نزق الشباب، وحب الظهور، ما فتئ يهلك الملايين تلو الملايين، ويولم الولائم تلو الولائم، ويجود بالهدايا تلو الهدايا — مع أن إيراداته كانت قليلة وضئيلة، بالرغم من اتساع أملاكه العقارية، وذلك بسبب العراقيل المقامة بمصر في سبيل استغلالها استغلالًا حسنًا — وما فتئ يضطر، بين حين وحين، إلى الاقتراض بفوائد ساحقة، من خزائن الصيارفة ومن عملائه، حتى باتت حالته المالية معقدة تعقيد ذنب الضب؛ وباتت ديونه الباهظة محرجة له إحراجًا شديدًا يصعب عليه الخروج منه إلا بالبيع.

فرأى (إسماعيل) أن يعيد إذ ذاك الكرة، لا سيما أنه كان قد فاز بإقصائه عن مجاري الوراثة، فأوفد إليه مفاتحًا آخر، يعرض عليه بيع الأملاك التي له بمصر؛ ولما لم يعد له مندوحة عن البيع، نجحت المخابرات هذه المرة؛ وقرّ الاتفاق على أن ثمن المبيع المتفق عليه وقدره مليونان وثمانون ألف جنيه إنجليزي، منها ثمانون ألفًا قيمة السمسمرة — يدفعه (إسماعيل) أوراقًا مالية لحاملها من أوراق الدائرة السنية المالية المضمونة من الحكومة المصرية والمنتجة فوائد بواقع ٩٪، وأن تسدد قيمة تلك الأوراق على خمسة عشر قسطًا سنويًّا، ابتداء من أول يناير سنة ١٨٦٧.‏١٠

فأمضى عقد البيع بباريس في ٢٢ نوفمبر سنة ١٨٦٦، وسجل في اليوم السادس والعشرين منه؛ ولكنه لم ينفذ في شكله الذي اتفق عليه؛ لأن البنك السلطاني العثماني ومحل اپنهايم وشركائه حلا محل الأمير مصطفى فاضل وأخذا بدل تلك الأوراق المالية سندًا عامًّا مبينة فيه تعهدات الدائرة السنية وضمانة الحكومة المصرية؛ وأصدرا به، في لندن، قرضًا بمليوني جنيه إنجليزي بفوائد ٩٪ سنويًّا.

أما حليم باشا، فإن إنفاقه عن سعة، بل إسرافه هو أيضًا إسرافًا مفرطًا، كان قد أدى به منذ سنة ١٨٦٣ إلى عقد قرض قدره ثلاثمائة ألف جنيه إنجليزي، تعهد بسداده على خمس عشرة سنة، أقساطًا متساوية، ثم أدى به سعيه في الأستانة لإحباط جهود (إسماعيل) الخاصة بتعديل مبدأ الوراثة، إلى عقد قرض آخر في سنة ١٨٦٦ مقداره سبعمائة ألف جنيه مصري، فاضطر إلى رهن كل أملاكه العقارية بمصر، ضمانة لوفاء هذين القرضين؛ وبات يتخبط تخبطًا أليمًا، كلما حل موعد للدفع.

فخابره (إسماعيل) في شراء أملاكه المرهونة منه؛ فما وجد حليم باشا في شدة ضيقه واحتياجه إلى النقود بدًّا من بيعها، لا سيما بعدما تيقن من نجاح مساعي ابن أخيه في الأستانة، وخيبة مسعاه هو؛ فباعها له نظير مبلغ قدره مليون ومائتا ألف جنيه إنجليزي، دفعت الدائرة السنية له منها ثلاثمائة ألف جنيه إنجليزي بأوراق من أوراقها المضمونة من الحكومة المصرية؛ وأخذت على نفسها دفع الباقي من أقساط القرض الأول وقدره مائتان واثنان وسبعون ألف جنيه؛ ثم افتدت أوراق القرض الثاني المالية، وسلمتها خالصة إلى الأمير البائع.

واتفق بعد ذلك أن البوليس — لكي ينال «محظوظيته» عند الخديو، ويظهر لسموه تيقظه وسهره على حياته الثمينة — أقدم في شهر أكتوبر سنة ١٨٦٨ على استكشاف مكيدة زعم أن عمه حليم باشا دبرها لاغتياله، فنصب شراكه، وبث زبانيته؛ وفي الثاني والعشرين من الشهر المذكور أعلن للملأ نجاح مسعاه، وتمكنه من القبض على المتآمرين على حياة مليك البلاد، فاضطر (إسماعيل) إلى إبعاد عمه عن القطر.١١

وبعد أن عدل (إسماعيل)، على النمط الذي بيناه، نص فرمان أول يونية سنة ١٨٤١ الجاعل الوراثة بالأرشدية والمعدل منطوق الشرطين الأول والثاني من شروط فرمان ١٣ فبراير سنة ١٨٤١، أقبل يعمل على إلغاء الشرط الثالث منه، وهو الخاص بتشبيه ولاة مصر بوزراء الدولة العثمانية.

وكان قد عزم عزمًا أكيدًا على إشراك مصر في معرض باريس العام المزمع إقامته في بحر سنة ١٨٦٧، وعلى إجابة دعوة عاهل الفرنسيس، والذهاب إليه بنفسه، ليظهر بلاده أمام العالم المتدين في ثوب التقدم والرقي الذي لبسته في عهد أسرته العلوية وعهده، فيحمل الأمم المتمدينة على اعتبارها واحدة منها، وليظهرها ببذخه وجوده، وسطوع معروضاتها في ثوب الثروة التي لا حد لها — الذي هو في الحقيقة ثوبها الصحيح — فيوطد في العقول، تقديرها لتلك الثروة تقديرًا رفيعًا؛ ويقر في القلوب ثقتها غير المتناهية في مقدرتها على القيام بجميع تعهداتها المالية، مهما بلغت قيمتها، وأية كانت مواعيد تحقيقها.

ولوثوقه من ذهاب السلطان عبد العزيز، أيضًا، إلى زيارة ذلك المعرض، كان يريد أن يغتنمها فرصة ثمينة، لبذر بذور الإصلاح القضائي الدائر في خلده، والمقصود منه القضاء على القيد الثالث المقيدة به البلاد؛ أي: قيد الامتيازات الأجنبية.

فلدأبه، من جهة، على إزالة القيد الثاني؛ ولرغبته، من جهة أخرى، في الظهور أمام الملأ الأوروبي — ليسهل عليه نجاح مقاصده — في مظهر رسمي منيف، يستوقف الأنظار ويوجب الاحترام لشخصه، أكثر مما لو كان مرتديًّا لباس وال، لا تميزه عن باقي ولاة السلطنة العثمانية إلا بعض ميزات خصيصة به، طفق يعمل على نيل لقب يشعر بأن صاحبه، إن لم يكن في مصاف الإمبراطرة والسلاطين والملوك، فلا يقل عنهم كثيرًا. على أن يكون نيله إياه مصحوبًا بحصوله على امتيازات تجعل حقيقة المنصب على نسبة سمو تسميته المبتغاة.

فشرع يخابر الأستانة، بوسائله المعتادة، في أمر منحه ذلك اللقب؛ وأقبل ينفق المال من سعة، ويكثر من الجود والهدايا النفيسة السنية إلى السلطان ووزرائه والمقربين لديه، مجتهدًا في استصدار فرمان يخوله التلقب بلقب «العزيز» وهو المطلق في القرآن الشريف على وزير فرعون على مصر، راغبًا جدًّا فيه، وشيقًا إلى إحرازه.

فدارت المخابرات بشأنه طويلة ومتعبة، بين البلاطين؛ واستمرت مدة بين أخذ ورد؛ ولكنها لاقت في سبيلها عقبتين، لم يمكن التغلب عليهما مطلقًا:
  • الأولى: أن لقب «العزيز» خص به (يوسف بن إسرائيل) دون غيره من وزراء الفراعنة؛ وأن ما خص به نبي لا يصلح إطلاقه البتة على فرد من الأفراد، مهما كانت درجته رفيعة.
  • الثانية: أن اسم السلطان المالك (عبد العزيز)، فلو دُعي (إسماعيل) «العزيز» لكان السلطان إذًا عبده؛ أو لتبادر إلى أذهان السذج أنه عبده؛ أو أمكن، على الأقل، فتح باب لمنكت ينال الحضرة السلطانية بما ينقص من جلال قدرها.١٢

فاستبعد، إذًا، لقب «العزيز»، لا سيما وأنه اسم من أسماء الله الحسنى، وشرع في البحث عن غيره.

وكانت قد جرت العادة منذ أيام (محمد علي) بتسمية الديوان المصري الأعلى؛ أي: الديوان المحيط بشخص الوالي مباشرة «بالديوان الخديوي»، كما أن الولاة أنفسهم بحكم تلك العادة كانوا يدعون أحيانًا «خديويين».

فبعد مناقشات ومباحثات كتابية وشفهية كثيرة، اتفقت الآراء، نهائيًّا، على أن تعطى صيغة رسمية لتلك العادة، وأن يكون لقب «خديو» خصيصًا، من ذلك الحين فصاعدًا، (بإسماعيل) وخلفائه على العرش المصري، إشعارًا بإعلاء مرتبتهم إلى درجة العواهل.

فصدر بذلك في ٨ يونية سنة ١٨٦٧‏١٣ فرمان تلي بمصر، بأبهة واحتفال عظيمين، حضره كل ذي حيثية في البلاد؛ واتفق الكل، لا سيما الشرقيون، على أن (إسماعيل) فاز فوزًا مبينًا، وأصبح حقيقة في مصاف الملوك.

ولم يكن اعتقادهم في غير محله: (أولًا) بالنسبة لفخامة اللقب الجديد؛ و(ثانيًا) بالنسبة للامتيازات الجديدة السنية التي أوجبها.

«فخديو» كلمة فارسية بمعنى «الإله» و«الرّب»؛ فهي تشعر إذًا بعظمة وجلالة لا تشعر بهما لفظة «العزيز» العربية؛ وتلبس صاحبها رداء استقلال في المركز والعمل أكثر مما تلبسه إياه أية كلمة أخرى.

والامتيازات الجديدة، التي أوجبها ذلك اللقب، كانت كبيرة وغير منتظرة إلى حد أن معاني الكلمات الدالة عليها في الفرمان أشكل فهمها على معظم الناس: فإن السلطان تناول: (أولًا) نص الشرط الرابع من الشروط الاثني عشر التي منح فرمان ١٣ فبراير سنة ١٨٤١ بمقتضاها حق توريث السدة المصرية (محمد علي) وذريته، وهدمه هدمًا؛ وقرر أن المقصود من القوانين العثمانية الواجب تنفيذها بمصر، إنما هي المبادئ العامة المعلنة في خط جلخانه، وأعني بها الضامنة الأعمار والأملاك والأعراض؛ وأما فيما عدا ذلك، فإنه خول للحكومة المصرية الحق في وضع القوانين واللوائح والأنظمة التي يقتضيها حسن الإدارة وتراها «هي» مناسبة لعادات البلاد، وطباع أهلها، وموافقة لمصالحهم؛ وصرح (ثانيًا)، للخديو، أن يعقد مباشرة مع الأجانب ودولهم أية اتفاقية يشاء بخصوص الجمارك، وعلاقات البوليس بالجاليات الغربية، ومرور البضائع والركاب في داخلية البلاد، وإدارة البريد، وهلم جرًّا؛ على أن لا تتخذ تلك الاتفاقيات شكل معاهدات دولية ماسة بسيادة الدولة العلية على القطر؛ وأوجب (ثالثًا) على الباب العالي أخذ رأي الحكومة المصرية في كل معاهدة تجارية يريد إبرامها مع الدول الأجنبية؛ ليتمكن أولو الشأن المصريون من المحافظة على مصالح مصر التجارية.

ولما كان الفرمان الصادر في ٢٧ مايو سنة ١٨٦٦ بشأن تعديل قانون الوراثة قد صادق مصادقة تامة على تعديل السابع والثامن والحادي عشر من الشروط المدونة بفرمان ١٣ فبراير سنة ١٨٤١، وخول الحق لأمير مصر في سك نقود تختلف عن نقود باقي السلطنة، مع إبقاء اسم السلطان عليها؛ وفي رفع عدد الجيش المصري من ثمانية عشر ألف جندي إلى ثلاثين ألفًا؛ وفي منح الرتب المدنية لغاية الرتبة الثانية من الصنف الأول بدون استئذان، وباقي الرتب حتى أعلاها أي رتبة روملى بكلربك ورتبة بالا، مدنية كانت أو عسكرية، بمجرد إخطار الباب العالي، لاعتمادها، وإرسال براءتها من لدنه؛ وكان ترك اختيار القماش اللازم لملابس الجنود المصرية، وتفصيله إلى مجرد إرادة الخديو قد ألغي، في الواقع، جزءًا عظيمًا من ملزمات الشرط التاسع من الشروط الآنفة الذكر، فإنه لم يعد يبقى من القواعد التي بنيت عليها السيادة العثمانية على مصر، سوى ما أقيم منها في الخامس والسادس والعاشر من شروط فرمان ١٣ فبراير سنة ١٨٤١ على أن نص الشرط الخامس إنما كان مجرد حبر على ورق: لأن الأموال، والضرائب، والرسوم، وغيرها من أوجه الإيراد، كانت تجبى باسم الحكومة المصرية لا باسم السلطان؛ ولم تكن طريقتا ربط الجمارك وتحصيلها مماثلتين لما كان جاريًا ومعمولًا به في تركيا، حتى قبل أن يخول فرمان ٨ يونية سنة ١٨٦٧ الحق للخديو في إبرام أية معاهدة جمركية يريدها مع الأجانب.

وقد رأينا أن الجزية تعدلت أولًا، وثانيًا؛ وقررت، أخيرًا، بحيث لم يعد للسلطان دخل في الإيرادات المصرية، ولا حق في معرفة مقدارها ونوعها — فلم يبق، إذا من حائل، في الحقيقة وواقع الأمر، بين مصر واستقلالها استقلالًا تامًّا، سوى قيد الجزية السنوية، وقيد منعها عن بناء سفن حربية، إلا بتصريح كتابي.

أما قيد حظر بناء سفن حربية، فإن (إسماعيل) أقبل يعمل على كسره، ومداد الفرمان المانح له لقب «خديو» لا يزال رطبًا على قرطاسه، فإنه، وهو في باريس يزور المعرض، وبينما السلطان نفسه فيها، أوصى المعامل الفرنساوية بعمل ثلاث بوارج مصفحة من النوع الذي كان يطلق عليه اسم «فرقاطة» ومن الطراز الجديد المستعمل لدى الدول الأوروبية كلها، بدل السفن الحربية الشراعية القديمة؛ ولكيلا يجد معارضة من السلطان، واجتنابًا لكل انحراف في خاطره عنه، أفهمه أن تقوية الأسطول المصري — وهو جزء من الأسطول العثماني — بتلك البوارج، ما هو في الحقيقة إلا تقوية للأسطول العثماني عينه، وزيادة في مهابته وقت الحاجة.

فلما رأى أن عبد العزيز غير مقتنع بذلك، وغير راض عن عمله؛ وأن وزراءه المرافقين له في سياحته — وقد عز عليهم أن يكون لنوبار باشا، الوزير المصري، شأن أكبر من شأنهم في عالم السياسة — أقبلوا على معاكسة مساعيه الرامية إلى تحرير بلاده من قيد الامتيازات الأجنبية، بالقضاء على السلطات القضائية الدولية القائمة فيها، بحجة المحافظة على حقوق السيادة التركية على مصر، وبحجة تأييد نصوص الفرمانات، استعان، من جهة، بالإمبراطور نابوليون الثالث، ورجاه التوسط بينه وبين متبوعه لإزالة الخلاف بالتي هي أحسن.

ففعل العاهل الفرنساوي ذلك، عن طيبة خاطر، لما كان (لإسماعيل) من المنزلة لديه، ولرغبته في أن يطوقه بأياد تلزمه بمساعدة القائمين بمشروع قناة السويس، مساعدة فعالة، تمكنهم من إنجازه بسرعة.

وأقبل، من جهة أخرى، يبذل الوسائل التي كان هو أدرى الناس بنجاحها عند السلطان ووزرائه: فشرع يظهر (لعبد العزيز) كل ما استطاع إظهاره من مظاهر التعظيم والاحترام والإجلال؛ ويظهر لوزرائه ما طاب وحسن من ضروب الإكرام لدرايته بعظم وقعها من نفس متبوعه وأنفسهم؛ وأخذ، في الوقت عينه، يقدم لهم جميعًا، من الهدايا والتقدمات والأعلاق النفيسة، ما لم يكن له بد من تسكين هياجهم عليه، وإزالة ما علق بخواطرهم من النفور منه والانحراف عنه.

ولم يكتف بذلك؛ بل إنه، بعد رجوع السلطان من سياحته إلى عاصمته، عن طريق برلين وڨيينا ونهر الطونة، عرج على الأستانة، في عودته إلى مصر، وأقام فيها يجامل ربها ووزراءه، حتى حملهم على إصدار فرمان شهر سبتمبر التالي سنة ١٨٦٧ المفسر ما غمض والتبس فيه من عبارات فرمان ٨ يونية السابق.

وأما الجزية، فإنه لم يكن يمكن التفكير، البتة، في قطعها عن تركيا: لأن جميع الامتيازات، التي نيلت، إنما أمكن نيلها، وجميع القيود التي كسرت، إنما أمكن كسرها، برفع مقدار المال المعطى سنويًّا من مصر إلى السلطان، رفعًا مستمرًّا، فلأجل قطع الجزية، إذًا، كان يجب أن تسبق مصر بلغاريا إلى العمل الذي عملته هذه الدولة في سنة ١٩٠٨، وتعلن تقلص ظل السيادة العثمانية عنها، ووثوبها إلى بحبوحة الاستقلال التام.

على أنه لو فرض، وتمكنت من عمل ذلك، فقد كان من المحتمل، في تلك الأيام، أن لا تجد فيه مصلحتها: لأنها ربما تعرضت، والوقت غير مناسب، إلى حرب مع تركيا؛ فقد كانت تجر عليها ويلات جسيمة، أقلها إعادة مأساة سنة ١٨٤٠.

غير أن (إسماعيل) كان، مع ذلك، مصممًا تصميمًا وطيدًا على نيل الاستقلال التام لمصر، يومًا ما، وإلى رفع قيد الجزية المذل عن عاتقها؛ ولكنه كان يرقب الفرص لهذا الغرض، ويتحينها، ليغتنمها ويستفيد منها؛ عاملًا، في الوقت عينه، على إدراك مناه من سبل يختطها لنفسه، ووسائل يتخذها، ولا يرى اتصالها بغرضه، مباشرة.

منها توصيته مصانع الأسلحة الفرنساوية، في سنة ١٨٦٧، على صنع عدة آلاف بندقية من البنادق ذات الإبر، التي كان قد اخترعها رجل يقال له: «شاسبو» وتسمت باسمه، ليسلح بها الجيش المصري، بدل البنادق القديمة، الموضوعة بين يديه منذ أيام (محمد علي) الأخيرة: فيكسبه قوّة واستعدادًا للطوارئ.

ومنها إشراك حكومته في مؤتمر النقود، المنعقد بباريس في تلك السنة؛ وإرساله مندوبًا من قبله يمثل مصر فيه؛ وتزويده إياه بأوامر أدى نفاذها إلى تعديل النظام النقدي في القطر في السنوات التالية.

ومنها حملة الملكة فكتوريا، بواسطة قنصلها العام بمصر، على منحه أكبر درجات وسام الحمام، وتكليفها اللورد كلارنس پاچت، أمير أسطولها في البحر الأبيض المتوسط، بالذهاب إلى عاصمة الديار المصرية، خصيصًا، لتقليده إياه: فحمله إليه ذلك اللورد في وفد حافل من كبار ضباط عمارته البحرية، وبعض كبار الكتاب؛ وما حلت ركابهم بمصر إلا وأنزلهم (إسماعيل) في قصر النزهة، بشبرا — وهو الذي نزل فيه، بعد ذلك بسنتين البرنس أوف ويلز وقرينته؛ ونزل فيه بعد نيف وأربعة عشر عامًا، الوفد العثماني الأول، الذي أرسل لتسوية الخلاف بين الخديو (محمد توفيق) ورجال الجندية الثائرين على أنظمة حكومته — واحتفى بهم احتفاء عظيمًا، كان له أحسن وقع في نفوسهم، ثم استدعاهم إلى حضور استعراضه للجيش المصري الجديد في ميدان العباسية الشاسع، فكانت فرقة الهجانة أهم ما استوقف أنظارهم واهتمامهم فيه؛ لأن جمال ملابسهم البدوية البديعة، وسمرة وجوههم الناشئة عن لفح شمس الصحراء لها، والتحافهم جلال البيداء التي شبوا فيها، وكونهم جميعًا من العرب، حرك في المتفرجين عوامل الاستحسان والإعجاب — ولو أن ألسنة السوء التي لم تترك (لإسماعيل) عملًا بدون أن تنفث عليه سمومها، زعمت أن أولئك الهجانة لم يكونوا عربًا مطلقًا، وإنما كانوا من صعاليك الناس، ألبسوا تلك الملابس في ذلك اليوم، لمجرد التغرير بالضيوف!

ومنها اغتناؤه بالجيش المصري وتعليمه، اعتناء فائقًا؛ وإنشاؤه المدارس الحربية لتخريج الضباط الأكفاء، واستدعاؤه القواد الأمريكيين لتدريبهم وتكوين أركان حرب متفوقين منهم، وسيأتي شرحه بالتفصيل عند كلامنا على تحقيقه الشطر الثالث من خطته.

ومنه دأبه المستمر، والذي سيأتي بيانه في حينه، على معالجة نجاح مشروعه القضائي المقصود منه القضاء على قيد الامتيازات الأجنبية، المتخذ على الأخص من تبعية مصر للدولة العلية، مانحتها.

ومنها اغتنامة فرصة وجوده بالأستانة في أغسطس سنة ١٨٦٨ لطلب ونيل رتبة الوزارة الكبرى لولي عهده (الأمير محمد توفيق باشا) لاعتباره ذلك خطوة واسعة في سبيل رفع شأن العرش المصري؛ لأنه إذا كانت درجة ولي عهده، درجة أكبر وزراء الدولة العثمانية، فماذا يجب أن تكون درجة الجالس فعلًا على الأريكة المصرية.

ومنها سحبه جنوده من كريت الثائرة على حكم الأتراك، بالرغم من إلحاح عالي باشا الصدر الأعظم عليه بابقائها فيها، غير مبال بحقد ذلك الوزير عليه من جراء سحبها.

على أن أهم تلك السبل والوسائل، إشراكه مصر، مستقلة عن تركيا، في معرض باريس العام سنة ١٨٦٧ واستقلاله، دون السلطان العثماني، بل وبإهماله إياه بتاتًا بالقيام بحفلات فتح ترعة السويس في سنة ١٨٦٩.

(١) اشتراك مصر في معرض باريس العام سنة ١٨٦٧‏١٤

كان (إسماعيل)، منذ أن عزم على ذلك، قد أصدر أوامره إلى مارييت بك، مدير المتحف المصري، باتخاذ جميع الوسائل المؤدية إلى جعل القسم المصري في ذلك المعرض في مقدمة أقسام الدول الشرقية قاطبة، فنفذ مارييت بك الأوامر بكل دقة، وصرف عن سعة، صرفًا تمكن به من إعادة الحياة المصرية القديمة إلى التجلي في الجزء المخصص لها هناك؛ ومن إظهار الحياة المصرية المعاصرة بجانبها: فبينما موميات فراعنة القدم وتماثيلهم تعرض في وسط يذهب بالزائر إلى تخيل نفسه عائشًا ثلاثة وأربعة وخمسة آلاف سنة إلى الوراء، كانت أشكال الوكائل والأسواق المصرية المعاصرة تبعثه إلى الحياة بمصر في النصف الثاني من القرن التاسع عشر بعد المسيح.

وكان المعرض العام كله، بعد أن أوشك في مبادئه أن لا يكون شيئًا يذكر، قد تجلى في مجالي بهجة تفوق كل وصف؛ وأخذت الأقوام والطوائف تؤمه من كل حدب وصوب، ومن كل فج عميق؛ وتعاقبت في أقسامه وقاعاته أقدام إسكندر الثاني وفرنسيس يوسف، إمبراطوري الروسيا والنمسا، وغليوم ملك بورسيا، وألبرت إدورد ولي عهد المملكة البريطانية، وڨكتور عمانوئيل الثاني ملك إيطاليا الحلو الشمائل، فقدما عبد العزيز سلطان تركيا، خليفة الإسلام، وأمير المؤمنين.

وكل هذه الرءوس المتوجة مرت على القسم المصري؛ ووقفت، برهة، أمام نعش رعمسيس الثاني — الفرعون القدير، المظنون حتى ذلك اليوم أنه سيزوستريس هيرودتس، أكبر الفاتحين، وأمجد من تكللت جبهته بأكاليل الفخار العسكري — وشخصت، مأخوذة، صامتة، إلى جثة الراقد على صدرها نيفًا وثلاثة آلاف عام والمنبعث عنها درس جليل في بطلان كل مجد عالمي، ورأتهم الأقوام والطوائف يقفون تلك الوقفة؛ فأقدم أكثر من واحد، في مجموعها المزدحم، يحلل الأفكار والتأملات الدائرة في خلد أولئك المتوجين، وهم يمسون بذات أيديهم، وينظرون بأم أعينهم أن العظمة البشرية الأكثر سطوعًا، لظل زائل؛ وأن المجد البشري الأكثر تألقًا، لشعاع صائر إلى ظلمة ناءوس.

ثم مرت تلك الرءوس المتوجة على بيت «شيخ البلد» المقام بجانب المعبد المصري القديم، والمجهزة فيه معامل الكتاكيت: فإذا بها في القدم، منذ نيف وخمسة آلاف عام، ما هي اليوم، وإذا بالمصريين والمصريات، العاملين فيها، هم هم المرسومة أشكالهم على جدران ذلك المعبد العتيق: دليل ساطع على حيوية الأمة المصرية، وعلى أن الملوك والعواهل يتغيرون على عرشها، ويتعاقبون ويزولون؛ أما هي، فباقية إلى الأبد!

نعم إنها أضاعت بفناء طائفة كهنوتها القديم، قوتها ورجوليتها وفلاحها؛ وأصبحت طائشة الخطى؛ قليلة الاهتمام بالأمور؛ خانعة لكل نير؛ قابلة لكل عبادة؛ عديمة الوحدة، والجنسية، والهيئة الخصوصية؛ غير ممانعة في التنازل عن نفس ذاتيتها، وتغيير دينها ولغتها وعاداتها — كأنها ليس بالشيء الذي يؤبه به — راضية بأن يصوغها الجنس السامي في قالب كيانه، بالرغم من شدة نفورها منه، في السابق، وكراهيتها له؛ غير مستغربة صيرورتها يهودية وعربية، وهي التي قاتلت مائة وخمسين عامًا قتال الولهان، لتتملص من النير الهكسوسي اليهودي العربي؛ غير مستغربة أن يكون مبدأ أزمتها التاريخية مجزرة الشهداء في عهد ديوكلسيانس، من جهة، والفتح الإسلامي، من الأخرى، وأن يصبح كل تاريخها القديم المجيد — الذي لا يضارع سنا العظيم من عصوره سنا أي تاريخ كان في الوجود — شيئًا منسيًّا، لا علاقة لها به، بل أجنبيًّا عنها بالكلية.

نعم إن هذا كله صحيح، ولكنها، بفضل اتحاد معظمها في الإسلام، عادت فاستردت جنسيتها وهيئتها الخصوصيتين؛ ولولا الأقلية المسيحية، التي بقيت فيها — وربما كانت تكون مصيبة عليها وعلى نفسها لولا ما ظهر من تضافر أبنائها في العهد الأخير — لاستردت وحدتها، أيضًا، في العقلية، والمصلحة؛ لا سيما أنها حافظت، بالرغم من صروف الأيام وحوادث الليالي، على شكلها الأصلي، وعاداتها، ومظاهر حياتها القديمة بجانب مظاهر حياتها الجديدة.

ذلك ما رآه أولئك المتوجون، زائرو القسم المصري، في ذلك المعرض العام، وقد انتقلت خطواتهم من قسمة القديم إلى قسمة الحديث، فإنه كان يشمل وكالة مربعة الشكل، لها صحن فسيح تحيط به عمد من كل جهة، وبين كل عمود وعمود، خلاية لوضع البضائع فيها؛ وفي أحد أركانه، حجرة منزوية، ينفذ إليها نور النهار من خلال باب خشبي؛ وفيها فسقية مياه معدة لوضوء التجار؛ ويعلو ذلك جميعه دور علوي، منقسم إلى حجر، منفصلة الواحدة عن الأخرى، معدة لسكنى الأجانب، وفاتحة على طرقة دائرة.

وبجانب تلك الوكالة، قهوة تصنع القهوة فيها على الطريقة المصرية؛ فعدة دكاكين، معروضة فيها المصنوعات المصرية، يستوقف النظر منها، على الأخص، صناعة الجلود ودبغها، وإتقان الأنسجة، وجودة السروج، والصواني الخزفية، والمصوغات، والتطريز على الجلد والقماش — وكلها تشهد بمهارة أيدي صانعيها — والآلات الموسيقية: كالكمنجة المصرية، والعود، والقانون، والكبير تركي، والناي، والقيثارة، والربابة، والزمارة، والنقارية، والسنتير، والدربكة، والصنوج وغيرها.

على أن أهم ما كان في ذلك المعرض المصري قسم محصولاته الزراعية وهي: عدة نماذج قطن من أجل الأنواع — والقطن كما هو معلوم، إنما أدخل (محمد علي) زراعته إلى القطر المصري، عملًا بنصيحة فرنساوي، يقال له: المسيو چيميل، كان قد رأى بعض شجيرات منه في بستان باشا تركي اسمه (محو) بالقاهرة، فألفت انتباهه وتقديره للفوائد الجمة التي تعود على البلاد من وراء تعميم زراعة ذلك النبات فيها — وجملة أصناف قمح، وذرة، وتيل، وسمسم، وبرسيم، وفول، وترمس، وحناء، ونيلة، وتبغ؛ وأصناف أرز وبلح وقصب سكر، إلخ.

وبينما زوار المعرض المصري في باريس يعجبون بهذه المعروضات، ويتنقلون من دكاكين سوقه إلى قهوته، إلى صحن وكالته؛ ويقول لهم مارييت بك إن في مثلها، بالتمام، نزل الجنرال بونابرت، لما دخل الإسكندرية فاتحًا؛ وبينما هم يتزاحمون، للتفرج على موميات الفراعنة، لا سيما مومية «رعمسيس الثاني»، وتتمثل مصر كلها أمامهم، فتمتلئ بها مخيلاتهم، من أوائل تاريخها إلى أيامهم، ويقص عليهم مارييت بك عجائب أيام (محمد علي)، ومدهشات أعمال (إسماعيل)، والتغييرات الأساسية التي أدخلها على الحياة المصرية، بقصد حملها على التطور نحو المدنية الغربية — ليخدم بذلك مآرب مولاه، ويعلي من قدره وقدر بلاده في أذهان سامعيه وقلوبهم — إذا بالجرائد الباريسية صدرت مبشرة بوصول «خديو» مصر إلى عاصمة الإمبراطورية الفرنساوية، وخصص معظمها عمودًا أو عمودين لرواية ما يعلمه عن ذلك الزائر الجليل.

ولما كان اللقب الممنوح له حديثًا جديدًا على المسامع، أقبل الناس يتساءلون: «خديو؟ ما هو الخديو؟» واشرأبت أعناق أفهامهم إلى الوقوف على معنى الكلمة، بالتعرف بحقيقة الأمير المطلقة عليه.

وكان (إسماعيل) قد قدم، وجيوبه ملأى بالنقود، وخزائن المصارف بباريس ولندن تحت أمره وتصرفه، ففتح يديه بسخاء وبذخ لم يعهدهما العالم الغربي في عاهل من العواهل الذين زاروا ذلك المعرض، فبات أحدوثة إعجاب الجميع، ولقبته الدوائر الاجتماعية، على اختلاف أنواعها، «أسد اليوم»؛ وانكسفت، أمام بهجة أصفره الرنان، المبذول بجود حاتمي، شمس جلالة السلطان عبد العزيز، على شدة سطوعها.

فوقع في خلد العامة أن «الخديو» إنما هو أحد ملوك رواية ألف ليلة وليلة، بعث إلى الحياة، ثانية، ليؤكد للملأ أن أقاصيص تلك الرواية إنما هي حقائق، لا أحاديث خرافة؛ وأن «خليفة الفراعنة على عرش القطرين» أكبر ملك حلت قدماه في أرض فرنسا، كما أنه أغنى عواهل الأرض قاطبة، وعلت منزلته ومنزلة بلاده في تقدير الكل واعتبارهم، علوًّا كبيرًا.

ومن الأخبار التي تناقلتها الألسنة عنه، حكايته مع أحد كبار نبلاء البلاد الفرنساوية، التي رواها الكنت دي لاڨيزون في مذكراته غير المطبوعة؛ ومؤداها: أن ذلك النبيل دعاه إلى وليمة في قصره، بضواحي باريس، فأجاب الخديو دعوته؛ وإذا به يرى قصرًا بلغ من الجمال والجلال، وفاخر الرياش، ما لم يكن أحد يتوقع وجود مثله، أبدًا، في حوزة غير الملوك، فأعجب (إسماعيل) به أيما إعجاب؛ وبعد تناول طعام الغداء — وبينما المحادثة دائرة في قاعة التدخين — أبدى لمضيفه استحسانه العظيم لقصره، فشكره النبيل على تلطفه، وكان قد قيل (لإسماعيل): إن الرجل في ضيق مالي شديد، فأحب مساعدته بشكل لا ينجرح له إحساسه، فسأله عما إذا كان يريد بيع قصره — وكان الرجل، على شدة احتياجه إلى نقود، لا يرى في استطاعته التجرد من ملكية ذلك البناء الفخيم؛ ولكنه استنكر مقابلة لطف (إسماعيل) بخشونة الرفض، فعن له أن يبالغ بالثمن، ليحمله على العدول عن رغبته في المشترى — فأجاب: «إني قد أبيعه، يا مولاي، مقابل خمسة ملايين من الفرنكات!» ولم يكن يساوي أكثر من مليون ونصف مليون.

فالتقط (إسماعيل) الكلمة من فيه، وهي طائرة، وقال: «إني اشتريته منك، بهذا المبلغ!» وحرر له في الحال حوالة بثمنه على أحد بنكيريه بباريس، فلم ير الرجل بدًّا من قبول البيع.

غير أن (إسماعيل) التفت، حينذاك، إلى ابنة ذلك النبيل — وكانت هيفاء لا تتجاوز الخامسة عشر ربيعًا — وقال بابتسام جميل، مخاطبًا والدها: «على إني لا إخالك تمانع في أن تحرر عقد البيع للآنسة ابنتك هذه اللطيفة، تخليدًا لذكر استحسان «خديو مصر» ظرفها وآدابها؛ ولكيلا يقال: إني زرتك لأجردك من ملكك».١٥

فكان لهذه الهبة الجليلة، وكيفية منحها، رنة إعجاب في العاصمة الفرنساوية، جعلت (إسماعيل) موضع إشارات البنان والتفاتات الأعين، حيثما توجه، وأينما حل؛ وسهلت عليه جدًّا تحقيق الرغائب السامية الدائرة في فؤاده، ألا وهي القضاء على القيدين المقيدين استقلال بلاده، وأعني بهما: ما تبقى من ظل السيادة العثمانية عليها، والامتيازات الأجنبية.

ولا غرابة، فإن هذه الحادثة تذكرنا بما كان من غليوم الثاني، إمبراطور ألمانيا المخلوع، أثناء زيارته لسوريا سنة ١٨٩٨ فإنه، بعد أن غمر، هو وزوجه، بهدايا (عبد الحميد) الثمينة؛ وكلف الدولة العلية نيفًا ومليونين من الجنيهات؛ ونقل إلى عاصمته، من بعلبك، معظم نفائس معبد الشمس الشهير فيها، بتصريح من ذلك السلطان — وهي آثار لا تقدر بأموال ولا تثمن بكنوز — بعد أن اقتطع منه، في صميم بلاده، الأراضي الشاسعة، ليستعمرها الألمان؛ ونال امتياز إنشاء السكة الحديدية من أشقوداره، تجاه الأستانة، إلى بغداد، بالمزايا والضمانات المالية والعقارية العظيمة اللاحقة بها — فكان كأنه وضع يديه على رقبة الدولة البائسة، وملك قلبها — ولم يعط، عن ذلك جميعه، بدلًا، سوى صداقته، وهدايا لحاشية السلطان ورجال ما بينه، بلغ ثمنها خمسة وثلاثين ألف فرنك، فقط — إذا كانت ذاكرتي لا تخونني — وإكليل برونز مذهب أهداه إلى ضريح (صلاح الدين) مرفقًا بوعد صريح مقتضاه إرسال مثيله من الذهب الخالص ليقوم مقامه، وهو وعد لم يحقق مطلقًا، حل أخيرًا في دمشق، حيث أبهج العالم الإسلامي المغرور به، بإعلانه صداقته؛ أي: صداقة «الإمبراطور الألماني» للثلاثمائة مليون مسلم المنتشرين على سطح البسيطة، ووقوفه بجانبهم معضدًا معززًا — كأنما الثلاثمائة مليون مسلم، وهم لو اتحدوا قلبًا وكلمة، لوزنوا في كفة الأقدار وزنًا راجحًا، في حاجة إلى تعضيد فرد، مهما كان مركزه رفيعًا! — ثم زار بيت آل العظم الرفيع الحسب والنسب، وشرع يكثر من استحسان رياشه وأثاثه لما أنس من عميد ذلك البيت الكريم أنه كان يرجوه بإلحاح احترامي، أن يتفضل ويشرفه بأخذ كل ما كان يبدي به إعجابًا، وما زالا على ذلك المنوال: هو يستحسن، والعظم يهب، حتى أحس العاهل نفسه، على كبر جشعه، أنه تعدى كل حدود اللياقة، وأنه أصبح يتحتم عليه، من باب عدم الإغراق في القحة، الوقوف في مضمار ذلك السلب، فما وجد ما يعبر به عن شعوره خيرًا من قوله، بابتسام، إلى عميد ذلك البيت الرفيع العماد: «إني أتيت لأزورك، لا لأسرقك!» وهي في الحقيقة جملة استجدائية في قالب ذوق، كان من شأنها، بداهة، توريط النبيل الدمشقي في تيار كرمه المندفع — كما كان الواقع — فإن العظم انحنى بوقار أمام جلالة زائره، وقال: «إننا يا مولاي، بأولادنا، ونسائنا، وأرواحنا، ومتاعنا، ملك أمير المؤمنين؛ وبما أنك صديقه، فنحن أيضًا ملك جلالتك!» — ولست أدري أن إنسانًا يحترم نفسه، ولو قليلًا، فاه، في أيامنا هذه، بجملة بعيدة عن الروح العربية والإسلام الصحيح، بعد هذه الجملة عنهما! — إلا أنها أطربت نفس القيصر الألماني المتألهة، طربًا بعيد الغور، فالتفت إلى حاشيته المرافقة له، وصفق، وقال: «هكذا يكون الولاء للمالك، وللعرش! فمتى أرى قلب شعبي مفعمًا بمثله؟» واستمر في سلب مضيفه من نفائس رياشه.

فأين عمل هذا الإمبراطور الغشوم البارد، من عمل ذلك الخديو الكريم، الباهر؟

وبعد أن مهد (إسماعيل) السبيل لنجاح مسعييه بباريس؛ حتى أصبح تحقيقهما لديه أمرًا غير مشكوك فيه، سافر إلى إنجلترا على ظهر سفينة حربية فرنساوية، وضعها الإمبراطور نابوليون تحت تصرفه، مبالغة في إكرامه، وإظهارًا لصداقته له، فحيته قلاع دوڨر، ومدافع فرقاطتين إنجليزيتين أرسلتا خصيصًا لإكرامه؛ وقوبل، على الميناء، بكل مظاهر الاحتفاء بمجيء ملك من الملوك، ولما نزل في محطة تشيرنج كروس بلندن، وجد حرسًا قائمًا لتأدية التحية العسكرية له ومواكب ملكية موضوعة رهن إشارته، ولكن، فيما عدا ذلك، فإن الحكومة الإنجليزية أرادت مجاملة (عبد العزيز) فأهملت جانب (إسماعيل)، ولم تخصه بقصر من قصور الأسرة المالكة، ولولا أن ضيافته الملكية بمصر لكبار رجال بريطانيا العظمى، الذين وردوا عليه زائرين، كانت قد أكسبته قلوبًا عديدة في تلك البلاد، لاضطر إلى النزول في فندق عام.

غير أن بعض كبار اللوردات هب ينتقد على الحكومة الإنجليزية إهمالها شأن «خديو مصر» الكريم، وأسرع اللورد ددلي، ووضع، تحت تصرفه، قصره الجميل — وكان يضارع أفخم القصور الملكية في أوروبا حسنًا، ونفاسة رياش — وقامت الصحف اللندونية تطريه، وتثني عليه، وتنعته بأجمل النعوت، قائلة عنه: «إنه أحذق حكام الشرق وأوسعهم نورًا في عقليته» وترحب به ترحيبًا جميلًا.

فرأت الملكة ڨكتوريا أن تشارك شعبها في شعوره؛ وبعد مضي يومين على وصول (إسماعيل) إلى بلادها استقبلته في «وندزر كسل» بمعية ولي عهدها، استقبالًا شائقًا ملكيًّا، ثم جمعت معًا بين إكرامه وإكرام (عبد العزيز)، فاستعرضت الأساطيل البريطانية في برتسمث، إجلالًا لهما؛ ودعتهما، الواحد بعد الآخر، إلى ولائم فاخرة، أولمتها لهما خصيصًا، واقتدت بها بلدية لندن؛ فأقامت، لكل منهما، حفلة استقبال حافلة في «الجيلد هل» الشهيرة!

فكان ذلك جميعه بمثابة اعتراف شبه رسمي من الحكومة والأمة البريطانيتين بمساواة (إسماعيل) بعبد العزيز، مساواة تكاد تكون تامة، وهو أقصى ما كان «خديو مصر» يمني نفسه به، فاتخذه، والحالة هذه، سابقة يرجع إليها، يوم يحين الأوان لإعلانه استقلاله، إعلانًا صريحًا، ومطالبته الدول بالاعتراف به اعترافًا رسميًّا.

لذلك، ولوثوقه من فرنسا وإمبراطورها، وثوقًا كليًّا، عاد إلى مصر من سفره إلى المعرض منشرح الفؤاد انشراحًا لا مزيد عليه — بعد أن عرج على الأستانة كما تقدم وأدب فيها وليمة فاخرة للسلطان، مساء يوم السبت ٣١ أغسطس سنة ١٨٦٧، في قصره الجميل بميركون، السابق مشتراه على ضفاف البسفور، وإعداده إعدادًا فائقًا ليكون جديرًا بحلوله فيه، مع حاشيته، عند ذهابه إلى دار الخلافة١٦ واستصدر فرمان سبتمبر سنة ١٨٦٧ الذي سبق ذكره — وإنما عاد منشرحًا ذلك الانشراح لأنه بلغ من إشراكه بلاده في ذلك المعرض وذهابه إليه مقصدين من المقاصد التي حملته على ذلك الإشراك، وهما:
  • الأول: إظهار «مصره» متقدمة راقية، جديرة بانعطاف كبيرات الدول عليها، والأخذ بناصرها، وتوطيد الثقة التامة بماليتها، والاعتقاد بلا نهائية ثروتها في نفوس الجميع.
  • الثاني: حمل العالم المتمدين على أن يحله من نفسه وصميمه، محل ملك حقيقي مستقل، وتمكن في الوقت عينه من المحافظة على حب الأستانة له، بالرغم من عمله على تقليص ظلها الثقيل عنه، وهو تمكن كان لا بد منه لنجاح مقاصده الخفية، فلم يستكثر في سبيل ذلك جميعه الأموال الجمة التي أنفقها؛ وعدها منفقة في خير الوجوه، ولو أنها بلغت بضعة الملايين من الفرنكات عدًّا.

(٢) الاستقلال دون السلطان العثماني بالقيام بحفلات ترعة السويس١٧

عاد (إسماعيل)، من السويس، إلى القاهرة — بعد قيام البرنس أوڨ ويلز إلى الإسكندرية، ليبحر منها، ووجهته الأستانة، في شهر مارس سنة ١٨٦٩ — وقد شغف بعمل دي لسبس شغفًا يفوق حدود التصور، ووطن نفسه على أن يقوم باحتفالات فتح الترعة للتجارة العالمية، قيامًا يزيل كل ما أشكل على الغير في الماضي من نياته، ويظهر ثروته وثروة بلاده في مظهر تتضاءل أمامه كل ثروة أخرى، مهما عظمت، أو فخمتها الأحلام؛ فيبهر العالم المتمدين ويسحره ويأخذه؛ ويغتنمها فرصة في الوقت عينه ليتحرر مما بقي من القيود العثمانية الملقاة على عاتق مصر، فيعلن استقلاله بها، بمساعدة العواهل الغربيين الذين يكون قد فاز باستمالتهم إليه، لا سيما الإمبراطور الفرنساوي، والملك الإيطالي، صديقيه الحميمين.

وبينما هو يضع الخطة لسيره وعمله، ويستمرئ، مقدمًا، لذة فوزه بمبتغياته، وإحراز إعجاب العالم به، وقع في خلد مدير الأوبرا الخديوية، المدعو منسي بك — وكان أرمنيًّا تفرنس — أن يقلق سكينته، ويشغل فكره، ليفترس شكره، ويثري من «محظوظيته».

ففي ذات ليلة من ليالي أبريل الأولى، إذ كان (إسماعيل) مزمعًا على الذهاب إلى تلك الدار، ليحضر تمثيل الجوقة الفرنساوية، المستأجرة في ذلك العام، دخل منسي بك، مضطربًا، الشرفة المخصصة هناك لسموه، وأخرج شيئًا سمجًا حاول صانعه أن يجعله آلة جهنمية — من تحت الكرسي الذي كان (إسماعيل) يجلس عليه، وأوقع الصوت في الدار، فاضطربت كلها، وبطل التمثيل؛ وحملت الأنباء إلى الخديو — وكان لا يزال بعابدين — فانزعج، وعلا الغضب وجهه، إذ ظنها مكيدة جديدة دبرها له مريدو عمه المنفي، وارتجت أركان العاصمة، ووجلت قلوب الجالية الغربية في القطر، وأكب رجال الشرطة، ورؤساؤها على البحث والتنقيب، للوصول إلى معرفة مدبري تلك المكيدة.

فأسفر بحثهم وتدقيقهم:
  • أولًا: عن أن تلك الآلة، المزعومة جهنمية، لم تكن تخفي في جوفها سوءًا، وإنما كانت مظهر خطر فقط، وآلة نصب في الحقيقة.
  • ثانيًا: عن اعتراف منسي بك نفسه بأن المسألة كلها لعبة دبرها، هو، لتتخذ شكل مكيدة، فيكون له فخر اكتشافها ومغنم المكافأة الثمينة التي كان لا بد من إعطائها له.
غير أن (إسماعيل) لم ترق في عينه تلك اللعبة، ولولا تداخل قنصل فرنسا، بتأثير ممثلة من ممثلات الجوقة كان مغرمًا بها، لخسف بذلك الأرمني السمج الأرض، أو نفاه على الأقل إلى فازوغلو، ذلك البلد الذي لم يكن أحد يعود منه، ولكن تداخل القنصل الفرنساوي عمل عمله، فجرد منسي بك من رتبته ونياشينه، فقط، وطرد من البلاد، وأنذر بالإعدام إذا تجاسر على العود إليها.١٨

وإنما كان مثار غضب (إسماعيل) وتميزه من تلك اللعبة السمجة خوفه من أن تكون سببًا في نشوء فكر الاعتداء عليه، حقيقة، في بعض العقول المريضة، أو بعض القلوب الناقمة، لما جبل عليه الإنسان من حب الاقتداء، لا سيما بما كان سرًّا وسوءًا، فأمر بإغلاق دور التمثيل والملاعب، وأبطل ملاهي القصور، وقصفها، ولم يكن خوفه في غير محله، فإن الجند كان قد شرع يتذمر من قلة الطعام، ورداءته، وكثرة التعب وبهاظته، فيما كان يحمل عليه من العمل في إقامة القصور الخديوية، وتحسين العاصمة وتنظيمها، وفي الشئون المدنية المحضة الأخرى، وإنما أراد (إسماعيل) أن يحمل الجند على ذلك العمل، وأن يكون طعامه بسيطًا وقليلًا، بالرغم من ذلك، ليعوده احتمال المشاق، وقناعة النفس؛ فيكون منه جيشًا متصفًا بصفات الجيش الذي انتصر به (ماريس) الروماني على جموع السمبر والتوتون، بعد أن شغله طويلًا في أعمال شاقة كذلك العمل؛ وبصفات الجيش السبرطاني، الذي لم يكن يعطى له طعام، بالرغم من كثرة جهوده، سوى حساء محروق؛ أي: جيشًا بطليًّا قويًّا، لا تتمكن مصر به من الاستقلال التام، فقط، بل من مد سلطانها إلى أبعد الأقطار الجنوبية، ورفع رايتها على خط الاستواء ذاته، ولكن روح ذلك الجند أبت أن تكون من طراز جيش ماريس، وجيش إسبرطة، فكثر فيه التململ والتضجر، من العساكر، ومن الضباط أنفسهم، وتحت نوافذ سراي عابدين عينها.

فاضطر (إسماعيل)، لمحق تلك الروح الشريرة في بدء نشأتها، أن يأمر بإلقاء القبض على عدد من الضباط المشار إليهم بالبنان في مظهر ذلك التمرد — وقد جعل بعضهم ذلك العدد ثمانية، وجعله آخرون أحد عشر — ومحاكمتهم أمام مجلس عسكري فحوكموا، وحكم عليهم بالإعدام رميًا بالرصاص، ونفذ فيهم ذلك الحكم، ثاني يوم صدوره، في قرية تجاور مصر. على أنه لم تمض أيام قلائل على ذلك التنفيذ إلا ووجد أربعة عساكر مسلحون ومتأبطون شرًّا يتجولون في بستان قصر الجزيرة، والسوء متلبس بجميع حركاتهم، وكان الخديو مقيمًا إذ ذاك في ذلك القصر، فقبض عليهم في الحال، وقتلوا رميًا بالرصاص، وطرحت جثثهم في النيل، فخمدت روح الفتنة في الجيش، ولم تعد تبدي حراكًا.١٩

ومن حسن حظ البلاد أن هذه الحوادث المزعجة، وإقدام مجلس النواب — قبل انفضاضه في الخامس والعشرين من شهر أبريل عينه — على ربط عوائد وضرائب جديدة (منها عوائد على رءوس حيوانات النقل والفلاحة الزائد عمرها على ثلاث سنوات) مرا بدون أن تضطرب لهما حياة البلاد؛ مع أن نفاذ تلك الضريبة الغريبة، فيما لو أريد اجتناب الحيف والإجحاف، كان من شأنه إيجاد سجلات خاصة لقيد مواليد تلك الحيوانات: وهو أمر كان فيه ما فيه من السخرية والهزء في ذلك العهد!

وإنما قل الاهتمام بذلك جميعه لأن الأفكار كانت كلها مشغولة بسفر الخديو القريب لزيارة ملوك أوروبا وعواهلها، ودعوتهم إلى حضور حفلات افتتاح ترعة السويس؛ وهو حضور كانت التجارة المصرية تتوقع منه أكبر الخيرات وأجزلها؛ وكان المصريون يعلقون عليه آمالهم في بلوغ بلادهم الاستقلال المنشود!

ولكي تكون رحلة الأمير الرسمية لهذا الغرض مميزة عن كل ما سواها من نوعها، قرّ الرأي على أن يعين الأمير (محمد توفيق باشا) قائمًا مقام سمو أبيه الفخيم، مدة غيابه، تحت إرشاد شريف باشا، وزير الخارجية، ولكيلا توقظ هواجس في صدر تركيا، أشيع في بادئ الأمر أن السفر إلى الخارج إنما علته معاودة وجع الحنجرة الخديو، وإشارة طبيبه عليه بالذهاب إلى (إمس) و(ڨيشي)، هذه المرة.

ووجع الحنجرة هذا كان اعترى (إسماعيل) في بحر شتاء سنة ١٨٦٨، ولم يشخصه الأطباء، في الأول، تشخيصًا صحيحًا، فأهمل الخديو شأنه، وتهاون في مداواته؛ فانقلب إلى وجع خطير، ومرض شغل الأفكار وأقلقها، فما وسع دولة الوالدة الجليلة، والحرم المصون إلا الإلحاح على المليك بإعادة طبيبه العادي الخاص إلى خدمته — وكان قد أقاله وأبعده عن القطر بسبب حادثة بلاطية لم يدرك كنهها، وتضاربت الألسنة في روايتها وبيان تفاصيلها — فما عاد إلى معالجته، إلا وبدأ التحسين في حالة المريض الجليل، واستمر مطردًا، حتى أزال العلة تمامًا. على أنه لم يكن لينسب، في الحقيقة، إلى مهارة الطبيب؛ بل إلى فرح الخديو الجزيل بمولود جديد رزق به، في السادس والعشرين من شهر مارس سنة ١٨٦٨، دعاه (أحمد فؤاد) قرت به عينه، وأعده الله لمستقبل باهر، ولكن الطبيب رأى، مع ذلك، وجوب سفر سموه إلى الخارج ليعالج بمياه الجهات الموصوفة، توصلًا إلى قطع دابر ذلك المرض بالكلية، ومنع عودته في المستقبل، فرأى (إسماعيل) أن يسافر إلى بروصة في الأناضول:

(أولًا): لأنها بلد إسلامي.

و(ثانيًا): لأن مياهها قلما يوجد لها مثيل في البلاد الأخرى.

و(ثالثًا): لأنها قريبة من الأستانة.

وكان هو في احتياج إلى تعجيل موافقتها على المشروع القضائي، الذي كان قد خلف نوبار باشا، وزيره في أوروبا، ليجد في إدراك تحقيقه، فبعث، أولًا، من حلل تلك المياه تحليلًا كيماويًّا؛ ولما أظهر الفحص جودتها، قرر السفر إلى بروصة والإقامة بها زمنًا، ثم مغادرتها إلى (إمس) أو (أوبن)، فإلى باريس لنسج خيوط مساعيه الاستقلالية وتشعيبها، ولمساعدة نوبار على نفاذ الإصلاح المرغوب فيه، والذي كانت المخابرات بشأنه قد تقدمت تقدمًا محسوسًا جدًّا، فسافر إليها، في الواقع في ٣٠ مايو سنة ١٨٦٨، وتعالج بمياه حماماتها المعدنية، فأفادته فائدة كلية، عدل معها عن الذهاب إلى (إمس) أو خلافها؛ وقرر تمضية باقي فصل الصيف في عاصمة السلطنة العثمانية، ينوّم بمظاهر ولائه ما قد توقظه مساعيه وأعماله من ظنون في صحة ذلك الولاء وحقيقته؛ ويسدل من نقوده المبذولة بسخاء، حجابًا كثيفًا أمام عيون الراغبين في الوقوف على كنه نياته، ففعل، ونال ما تمنى؛ وعاد إلى بلاده، بعد غيبة ثلاثة أشهر عنها، وهو يرى أنه يكاد يلمس نجاحه باليد.

ولما أشيع، في المناسبة التي نحن بصددها، أن معاودة داء الحنجرة له هي الموجبة لسفره هذا العام، قرنت الإشاعة بنبأ مؤداه أن الأطباء أشاروا عليه بالاستحمام بالمياه الأوروبية، هذه المرة، فحتموا عليه السفر إلى أوروبا؛ ثم شرع — والإشاعة تروج وتروج — في أخذ الاحتياطات اللازمة لتكون الرحلة محفوفة بمظهر ملكي حقيقي، فيتم كل شيء بحيث يسبق السيف العذل!

فلما كملت الاستعدادات جميعها، أقلع الخديو من الإسكندرية في ١٧ مايو إلى البندقية، ومعه حاشية يفوق عدد رجالها مثله في الرحلات السابقة؛ ويحيط به مظهر يكاد يكون إمبراطوريًّا، فأطلقت الحصون مائة مدفع ومدفعًا، تكريمًا لوداعه؛ وسار يخته الفخم «المحروسة» تتقدمه ثلاث سفن حربية، وتتبعه ثلاث أخرى، حتى إذا توسط عرض البحار بتلك العمارة المستوقفة الأنظار، عرج على جزيرة كرفو، حيث كان جورج ملك اليونان مقيمًا، وبالرغم من أن هذا العاهل كان قد أوشك منذ عهد قريب أن يشتبك في حرب مع تركيا، وأن علاقاته بها كانت لا تزال بسبب كريت عدائية أكثر منها ودية، دعاه إلى حضور حفلات فتح ترعة السويس المقبلة، بإلحاح؛ وقدم لزوجته الجميلة، الملكة ألجا — ولا تزال حية — مائة ألف فرنك، مساعدة للمهاجرين الكريتيين، مظهرًا لها عطفًا كبيرًا عليهم، على زعم الجرائد اليونانية، ورغبة أكيدة في تخفيف ويلاتهم — كأنما تركيا في واد، ومصر في واد آخر.

وبعد أن أقام بضعة أيام بضيافة الملك جورج، أقلع إلى البندقية، وسار منها إلى فلورنسا، حيث أسرع الملك ڨكتور عمانوئيل الثاني، صديقه الحميم، من مقره في تورينو، إلى مقابلته، وأنزله في القصر الفخم المسمى «قصرپتي» نزول ملك مالك، فأقام (إسماعيل) هناك أسبوعًا، وهو في روحاته وغدواته محط عناية وإكرام فائقين؛ ثم سار إلى ڨيينا، حيث قوبل وعومل أيضًا كملك مالك.

ثم سار إلى برلين، فأنزل في «الشلوس»؛ وأبدى له غليوم الأول، الملك الشيخ، من الاحتفاء والإعزاز والتعظيم ما لم يقل عما صادفه منها في فلورنسا وڨيينا.

ثم سار إلى باريس، فوجد مقابلة رحبة ملكية من عاهلي الفرنسيس وشعبهما، وتشجيعًا سريًّا لمساعيه، فوق ما كان يتوقع.

ثم سار إلى لندن، فأنزلته الملكة ڨكتوريا، هذه المرة، في قصر بوكنهام الإمبراطوري، وتبارت هي في وندزر، والبرنس أوڨ ويلز في مرلبور وهاوس، والدوكات في قصورهم، والبلدية في «المنش هوس» و«قصر البلور»، في تكريمه وتعظيمه، نيفًا وعشرة أيام، إكرامًا وتعظيمًا قلما يبذل مثلهما حتى للملوك.

فانشرح صدر (إسماعيل)، وابتهج فؤاده.

ولكن تركيا — وقد حقد صدرها الأعظم، عالي باشا، عليه بسبب سحبه جنوده من كريت، وما بدا منه نحو ملك اليونان من التودد والإكرام، ونحو ثوار الجزيرة من الانعطاف والمساعدة — كانت واقفة له بالمرصاد، وما أدركت غرضه الحقيقي من رحلته، إلا وأقبلت تعكر عليه حبوره، وتتخذ من مسلكه، ومن تغير خاطر السلطان عبد العزيز عليه، لعدم قصده إياه، قبل الجميع، بصفته سيد مصر، وعدم توجيهه الدعوة إليه ليرأس الحفلة العتيدة، حجة لتهديده وتوعده، ووسيلة لابتذاذ نقوده، في سبيل رضاه عنه.

فبعثت في منتصف شهر يونية، وقبل حلول الركب الخديوي في أرض إنجلترا، منشورًا إلى جميع السفراء العثمانيين لدى الدول الغربية، تأمرهم فيه بالاحتجاج على عمل خديو مصر، واعتباره خارجًا عن حدود اللياقة، جارحًا لحقوق السيادة التي لتركيا عليه، ومزريًا بالواجب المطلوب من التابع لمتبوعه، وذلك لأن الدعوة إلى حضور حفلات فتح ترعة السويس إنما كان يجب أن تكون باسم السلطان العثماني، سيد البلاد الحقيقي، وحده دون غيره، لا باسم الخديو، الذي ما هو إلا نائبه؛ وأنها، بالتالي، بشكلها الذي تشكلت به، باطلة ملغاة.

ولم يكتف الباب العالي بذلك، بل أوعز إلى جرائده المأجورة كجريدة «تركيا»، وجريدة «الليڨنت هرلد» بشن الغارة على ما منح لمصر من امتيازات، وحمل الحملات العنيفة على (إسماعيل)، ورميه بتهم المروق والخيانة، والسعي الحثيث إلى الإضرار بتركيا؛ وتمادى في هذا التيار، تماديًّا ظهر بأجلى معانيه ورموزه في المقالات المتتابعة، التي دبجها يراع مسيو بردئانو، كبير كتابه المأجورين، ورئيس تحرير جريدة «تركيا»، فإنه حصر في سبعة أوجه أنواع الخطأ التي زعم أن (إسماعيل) ارتكبها، وطلب بإلحاح أن يكون عقابه عليها العزل من منصبه، وإعادة مصر ولاية عثمانية كباقي الولايات — عملًا بالشرط الثاني عشر من شروط فرمان ١٣ فبراير سنة ١٨٤١.

وأما تلك الأوجه السبعة فهي:
  • أولًا: ذهاب الخديو إلى أوروبا لسبر غور الدول فيما يتعلق بعزمه على إعلان استقلاله بمصر.
  • ثانيًا: إقدامه على الدخول مباشرة في مخابرات، بقصد عقد معاهدات تجارية مع الدول الأجنبية، بدون استئذان تركيا أولًا.
  • ثالثًا: تكليفه نوبار باشا بالسعي لدى الحكومات الغربية لحملها على المصادقة على إنشاء محاكم مختلطة، لا وجود لها في باقي ولايات الدولة العثمانية، وتصريحه لذلك الباشا بالتلقب بوزير خارجية مصر، مع أن مصر لا خارجية لها سوى خارجية الدولة العلية.
  • رابعًا: تسليحه الجيش المصري ببنادق من الطراز الحديث، بدل إبقائه مسلحًا بالبنادق القديمة، أسوة بالجيش العثماني.
  • خامسًا: عقده قروضًا باسمه، بدون استشارة تركيا واستئذانها.
  • سادسًا: إضافته ثلاث فرقاطات مصفحة إلى أسطوله الحربي لتعزيزه تعزيزًا يخشى منه على سلامة الدولة العلية.
  • سابعًا: وأخيرًا تجنبه، عمدًا، مقابلة السفراء العثمانيين في العواصم الأجنبية التي زارها.

فدفع (إسماعيل) هذه الهجمات بجدة، وكلف، هو أيضًا، جرائد وكتابًا من مريديه، الأخذ بناصره، وتفنيد مزاعم الباب العالي ودحضها، وبيان سخافة اعتبار بعض تلك الأوجه ضارة بمصالح الدولة العلية، في حين أن نفعها ظاهر للعيان: كوجهي تسليح للجيش المصري ببنادق من الطراز الحديث، وبناء الفرقاطات المدرعة الثلاث، فإن في مثل هذين الأمرين من إكساب تركيا قوة وبأسًا، فيما لو شبت حرب بينها وبين دولة أخرى، ما يجدر بتركيا شكر مصر عليه، لا تأنيبها وتقريعها.

فكثر بين الناس تداول كتب ونشرات ونبذ: ككتاب «مصر حسب معاهدات سنة ١٨٤٠ وسنة ١٨٤١» لبردئانو، وكتاب «مصر وتركيا» لجاي لساك، وكتاب «مسألة باشا مصر» للوكوڨتش، وكتاب «الخلاف المصري التركي» للوري، وغيرها، وبعضها منتصر لتركيا، والبعض لمصر، حتى جاشت النفوس وهاجت الصدور؛ واحتدم النزاع احتدامًا بات يخشى معه من شبوب حرب بين التابع والمتبوع، يعيد بها التاريخ نفسه.

فأمرت الحكومة المصرية بترميم الحصون والقلاع والاستحكامات وتحصينها، وتدريب الجيش وتعزيزه؛ واتخذت كل الاحتياطات، التي استدعتها تلك الحال الحرجة؛ وشرع (إسماعيل) يسعى إلى استمالة الدول الغربية إليه، بصفته معتدى عليه، بدون وجه حق؛ ووضع، في الوقت عينه، في مصر من مصارف باريس، ٥٠ مليونًا من الفرنكات، توقيًا للطوارئ، ولكنه أكد، أيضًا، رغبته في الاستمرار على خطته، وعدم احتفاله بإبراق تركيا وإرعادها، بالخطبة التي وجهها إلى اللورد مير في وليمة المنش هوس التي دعته بلدية لندن إليها؛ وهي خطبة هيمنت تمام الهيمنة على سابقتها الملقاة منه في القاعة عينها، لدى أول زيارته للعاصمة البريطانية في صيف سنة ١٨٦٧ وتجد صورتها في الجزء الخامس من «كنز الرغائب» السابق ذكره ص١٤٣.

غير أنه، لدى عودته إلى باريس، بعد أن زار بروكسل لدعوة ملك البلچيك، أيضًا، إلى احتفالات السويس العتيدة، أشار الإمبراطور عليه بأن يلين جابنه، مؤقتًا، ويدع، جانبًا، كل ما من شأنه زيادة توتر العلائق بينه وبين تركيا، ريثما تتحسن الأمور، فإن مسألة اللوكزمبرج كانت قد أبقت، في الهواء السياسي، كهرباء لا تزال تياراتها شديدة، وربما كفت شرارة واحدة لتنفجر منها طلقة تهتز لها الأكوان.

وشعر (إسماعيل) نفسه أن الفرصة غير سانحة لفتح باب ويلات على مصر والشرق؛ وأنه يجدر به أن لا يدع مكدرًا، مهما كان نوعه، يحول بينه وبين بهجة الأعياد بفتح ترعة السويس للتجارة العالمية، والفخر الناجم له عنها؛ لا سيما أنه يدري كيف تنال الأغراض في الأستانة، مهما عز منالها.

فأهمل، مؤقتًا، مسألة النزاع القائم بينه وبين متبوعه، واعتبر تهديدات تركيا كلامًا فارغًا، سوف يقضي عليه قضاء مبرمًا بهاء حفلات فتح الترعة؛ ورأى أن يغتنم فرصة وجوده في باريس للدخول مع بعض الماليين في مخابرات غرضها إنشاء بنك أهلي، وبنك عقاري بمصر، يكون هو أكبر مساهميهما وأهم عملائهما: وذلك لعلمه أن لا استقلال سياسي لبلاد لا استقلال مالي لها.

فعرفه ماليّ، كان مخصصًا لخدمته في تلك العاصمة، بالمسيو ليڨي كريمييه، فأدت تلك المعرفة إلى ربط وثاق صداقة متبادلة بين سموه وذلك اليهودي، وإلى إنشاء البنك الفرنكو المصري، بواسطته.

كذلك تعرف، بواسطة نوبار باشا، بالماليين ا.دي جيرار دين وشركائه، وكانت نتيجة معرفته بهم إنشاء «الشركة العمومية المصرية» للإتجار والاستغلال، قدم الخديو معظم رأس مالها، وكل مصاريف تأسيسها، وكان الغرض منها حفر ترعة كبرى لري جزء الوجه البحري الشمالي الغربي، وإعادته إلى ما كان عليه في أيام البطالسة والرومان؛ وقد سبق لنا الكلام عن ذلك جميعه، وبعد أن كان قد عزم على تتميم مجرى سياحته، والذهاب إلى بطرسبرج، حيث كان قيصر الروس قد دعاه إلى زيارته من القرم، عدل عن ذلك وتوجه إلى (أوبن) للتعالج بمياهها.

فوردت عليه، وهو هناك، دعوة من الباب العالي، للمرور بالأستانة لدى عودته إلى مصر، لكي يقدم الإيضاحات المطلوبة منه عن تصرفه المطعون فيه؛ فرفض، ولكنه ما لبث أن علم أن الباب العالي استدعى أخاه الأمير مصطفى فاضل من أوروبا، وعينه وزيرًا للداخلية العثمانية، فقصر مدة إقامته في (أوبن) واستحمامه بمياهها، وأسرع إلى طولون، وركب البحر منها إلى الإسكندرية في ٢٣ يولية.

غير أن عالي باشا لم يدعه في راحة، وأبى إلا أن يخزه بخطابات مؤلمة، فلم يمض على رجوعه إلى عاصمته أسبوع، إلا وأرسل إليه مندوبًا خاصًّا من الأستانة، يحمل خطابًا شديد اللهجة، يتضمن كل ما سبق للباب العالي الشكوى منه؛ ويطالبه بإيضاحات سريعة وإلا فإن الدولة العلية تعتبر تعدياته خارقة لحرمة فرمان سنة ١٨٤١ وتتخذ الإجراءات التي يستدعيها ذلك.

وكان (إسماعيل)، قبل استلامه هذا الكتاب الجارح، أعد وفدًا تحت رياسة شريف باشا لكي يرسله إلى الأستانة، بقصد إزالة سوء التفاهم الواقع؛ وزوده بما يجعل لكلامه وقعًا حسنًا لدى رجال الدولة العثمانية؛ ولكن شريفًا باشا لدى اطلاعه على رسالة عالي باشا التهديدية، أبى الذهاب إلا مشمولًا بتذكرة مرور من لدن القنصلية الفرنساوية، فكلف (إسماعيل) إذ ذاك طلعت باشا بالمهمة، وسلمه ردًّا على رسالة عالي باشا، برر نفسه فيه من التهم المعزوة إليه، ومائة ألف جنيه ليعزز بها ذلك التبرير.

فلم يرق الرد في أعين رجال تركيا، ولا أقنعهم المبلغ، لا سيما بعد أن قرنوه بما ناله غيرهم، قبلهم، من ندى الخديو المصري، فأرسلوا إلى (إسماعيل) بلاغًا نهائيًّا، طلبوا فيه منه سبعة أمور:
  • أولًا: تسريح ما زاد في الجيش المصري على ثلاثين ألف رجل، وجعل لبس الجنود الباقية لبس رجال الجيش العثماني بالتمام.
  • ثانيًا: بيع البنادق ذات الإبر والمدرعات التي اشترتها الحكومة المصرية إلى الدولة العلية، أو التنازل لها عنها، مقابل ثمنها الأصلي.
  • ثالثًا: عرض الميزانية المصرية، منذ ذلك التاريخ، على الباب العالي سنويًّا، لتصديق السلطان عليها، واعتماده إياها.
  • رابعًا: إبطال المخابرات بين خديو مصر والدول الأجنبية، إلا بواسطة سفراء الباب العالي.
  • خامسًا: امتناع الخديو عن الاقتراض، في المستقبل، بدون تصريح خاص من السلطان.
  • سادسًا: إجراء مفعول «التنظيمات» بمصر، أسوة بباقي ولايات الدولة العلية، وترك أمر المخابرة في إنشاء المحاكم الجديدة المرغوب فيها.
  • سابعًا: إنزال الضرائب إلى ما كانت عليه أيام ارتقاء الخديو عرش مصر.

فلما بلغت هذه المطالب إلى (إسماعيل)، كان بمعيته قنصل دولة أجنبية؛ فقال (إسماعيل) له: «إذا عامل الإنسان الأتراك، فيلزمه إما استمالتهم إليه بالرشوة، وإما الكشر لهم عن أنيابه. أما وقد رشوتهم في الماضي، فإني، الآن، لكاشر لهم عن ناب!»

ولعلمه أن سفراء إنجلترا وفرنسا والنمسا وإيطاليا لدى الباب العالي يعضدونه، أهمل الرد على تلك المطالب ما يزيد على شهرين، ولم يرسل جوابه إلا في أوائل شهر نوفمبر، محررًا بقلم نوبار باشا، الذي كان قد عاد من أوروبا.

وكانت لهجة ذلك الجواب الاستخفافية تتستر وراء حجاب رقيق من المجاملة، وبينما يتظاهر مبناه بالخضوع لمطلب أو مطلبين من مطالب الصدر الأعظم، قابل برفض صريح الامتثال لأوامر الباب العالي القاضية بأن لا يقترض خديو مصر قروضًا جديدة بدون تصريح من السلطان، وأن يرسل، سنويًّا، ميزانية حكومته لينال التصديق عليها.

فلم يعد في وسع الباب العالي سوى الاعتراف بالانخذال والانسحاب من المعمعة، أو إشهار حرب على مصر؛ وكلا الأمرين كانا كريهين لديه. أما الأول، فلمنافاته لهيبة الدولة في النفوس، وأما الثاني، فلعدم اتفاقه مع صفاء الأعياد الموشك إقامتها احتفالًا بفتح ترعة السويس، ففضل، إذًا، السكوت مؤقتًا، وتمكن (إسماعيل)، بذلك، من التفرغ للقيام بتلك الأعياد، قيامًا يبهر الجيل الحاضر، ويُدوي صداه في آذان القرون المقبلة إلى الأبد.٢٠

وكان المسيو دي لسبس قد أعلن في ٢ أغسطس أن افتتاح الترعة للملاحة العالمية يكون يوم ١٧ نوفمبر سنة ١٨٦٩؛ ففي ١٥ أغسطس أزيل الحاجز القائم دون دخول مياه البحر الأحمر في البحيرات الملحة؛ فتدفقت فيها، وأقبل رجال الشركة يدأبون على تتميم الأعمال الأخيرة: من قياس الأعماق، ورفع العوائق التي قد تكون تخلفت عن الشغل في سبيل السفن متى جرت، وتطهير فرش الترعة من كل رمال تطرقت إليها.

فطرح (إسماعيل)، في المزاد، أمر القيام بالشئون التي تستدعيها الاحتفالات العتيدة، حافظًا للخزينة المصرية حق عمولته على من يرسو عليه مزادها، وأرسل يستحضر خمسمائة طاه، وألف خادم من ترييسته، چنواء، وليڨرنو، ومرسيليا، ليقوموا بخدمة ضيوفه، زيادة على طهاته، وخدمه المصريين، وبعث يرجو المسيو دي لسبس بأخذ الاستعدادات اللازمة لضيافة ستة آلاف مدعو.

ثم أكب على وضع الترتيبات، وأصدر الأوامر، وتحرير الدعوات التي صمم عليها.

وكان قد أجاب دعوته من عواهل أوروبا كل من لم يحل دون مجيئه حائل، فوعده بالحضور: أوچيني إمبراطورة الفرنساويين؛ وفرنتز يوسف إمبراطور النمسا وملك المجر؛ وفردريك ڨلهلم ولي عهد التاج البروسياني، وقرينته بنت الملكة ڨكتوريا؛ وهنري أمير هولندا، والأميرة قرينته؛ ولويس أميرالهس، ومن لم يتمكن من المجيء، أمر سفيره بالأستانة أن يقوم مقامه، أو انتداب أحد كبار رجال دولته لذلك.

أما السلطان فلم يدع مطلقًا، ولا حسن لديه أن يدعو نفسه؛ ولا كلف أحدًا من كبار رجال دولته بتمثيله، بل اكتفى بالإيعاز إلى سفير إنجلترا لديه بذكر اسمه لدى فتح الترعة.

على أن ذلك لم يكن كبيرًا في عيني (إسماعيل) إلا من وجهه المستحسن، فراق لديه جدًّا تغيب عبد العزيز؛ لأن وجود السلطان على رأس ذلك الاحتفال كان من شأنه الهبوط بخديو مصر إلى الوراء، وبمصر إلى درجة ولاية عثمانية محضة؛ بينما أن عدم وجوده كان برهانًا محسوسًا على جلوس الخديو في مصاف الملوك، وعلى استقلال مصر عن تركيا، حتى فيما لها من العلاقات بالدول الأجنبية، لا سيما إزاء بقاء احتجاجات الباب العالي السلف ذكرها، حبرًا على ورق.

ولكي يكون العيد عيد العلم، كما هو عيد تلاقي العظمات البشرية، دعا (إسماعيل) جمهورًا غفيرًا من رجال الأدب والعلم، والفنون، والتجارة الكبرى، والاستغلال الفني، ومراسلي الجرائد الغربية المهمة كلها، بل ذات مراسلي الجرائد التي من الطبقة الثانية والطبقة الثالثة في الأهمية — لما كان للأدب والعلم والصحافة وباقي ما ذكر من رفيع المنزلة لديه.

على أن كثيرين ممن لم يشتهروا في شيء ولم تكن لهم، نسبيًّا، حيثية ما على الإطلاق، بل كانوا أي فلان من الناس، تمكنوا من حشر أنفسهم في زمرة أولئك الرجال الأكارم: إما لمنزلة شخصية لهم في أعين المدعوين من أرباب الحيثيات؛ وإما لتمكنهم بوسائل متعددة، من الحصول على أوراق دعوة بأسمائهم، ويقال: إن عدد هؤلاء المتطفلين زاد على ثلاثة آلاف.

أما الإمبراطورة أوچيني، فإنها سبقت موعد الاحتفال، وقدمت إلى العاصمة المصرية في الأسبوع الثالث من شهر أكتوبر، فأنزلها (إسماعيل) في قصر الجزيرة، وقام بشئون ضيافتها، قيامًا فاق كل ما اعتاده الملوك وأعاظم عواهل العالم من نوعه.

وكان قد ذكر بعضهم أمامه، قبل حضورها، أنه لا بد لها من زيارة الأهرام، وأن الطريق، إلى ذلك الأثر الفرعوني العظيم، لا تزال على ما كانت عليه في عهد زيارة عبد العزيز له، فسرعان ما أمر (إسماعيل) بتمهيدها، وجعلها مسلوكة للعربات وغرسها بأظل أنواع الشجر! وسرعان ما نفذت أوامره، وسخر وزير الأشغال العمومية، ومدير الجيزة الأيدي، بلا انقطاع، في العمل! فأنشئت تلك الطريق في أقل من ستة أسابيع، كأن ملوك الجن قد اشتغلوا فيها وتفننوا، وبات العالم الشيق إلى زيارة الأهرام مدينًا بها للإمبراطورة أوچيني؛ كما أن السياح في الأراضي المقدسة مدينون لزيارة غليوم إمبراطور ألمانيا السابق لها بالطريق السلطانية الجميلة الممتدة ما بين حبرون (الخليل) وبيت المقدس — بفرعها الآتي إلى بيت المقدس من عين كارم — ونابلس، والناصرة، وطبرية! لأن عبد الحميد إنما أنشأها لراحته!

وبعد أن قضت أوچيني أسبوعًا في مصر، لم تنفك الأعياد والابتهاجات تتوالى فيه تحت قدميها، ساحرة، آخذة بالألباب، على أنواع وبكيفيات لا يزال الشيوخ في عهدنا هذا يتحدثون بها، ويعدونها، في مخيلاتهم الملتهبة، مزرية بذات ابتهاجات الجنة، المعدة للصالحين، قامت للسياحة على النيل، والتفرج في الصعيد على أثار الفراعنة المصريين.

وسافر (إسماعيل) معها، بشخصه، متطوعًا في خدمة جلالها الجميل وجمالها الجليل، فحفها بصنوف من الأبهة والفخفخة، ونثر تحت قدميها الملكيتين من أنواع الترف والملاذ، ما لم يقع في خلد ذات (كليوبترا) في أبهى أحلامها الذهبية، وليالي حياتها «العديمة المثيل».

ولا بد من أن الإمبراطورة، حينما وقفت في الأقصر، وعند خرائب طيبة القديمة، على آثار (حاتاسو) العظمى، أخت طوتمزس الثالث، ناپليون مصر الفرعونية، قارنت بين نفسها وبين تلك الإمبراطورة المصرية القديرة، مقارنة لا يدري كنهها إلا هي؛ ولا بد من أن ذكر (كليوبترا)، أيضًا، أطل على مخيلتها من نافذة تذكارات أيام صباها، فأخذت أفكارها تحوم، تارة، حول مخادع قصر التويلري، بباريس، فتريها قرينها البعيد، المرافق قلبه تنقل خطواتها في رحلتها، على بعد الشقة بينهما، وتذكرها علاقته بعمه الإمبراطور الأكبر، الذي ترك، هو أيضًا، أثرًا بعيد الغور في ثرى مصر التاريخي الخصيب؛ وطورًا حول مضيفها النبيل، المستنفد، في سبيل إرضائها، جميع الوسائل التي يمكن لأكبر المخيلات تفتقًا أن تجود بها، فتصوره قيصر أو أنطونيس، قد أعيدا إلى الحياة ليقوما بخدمتها!

ولما انقضت تلك الرحلة التي لا تنسى، وعاد المتنزهان الجليلان إلى مصر، ارتاحت أوچيني في قصر الجزيرة يومين، وأما (إسماعيل) فإنه اصطحب وزيريه نوبار وشريف، وكبار رجال بلاطه وحكومته، وسافر بهم إلى الإسكندرية، واستقل منها ظهر يخته المحروسة، وسار إلى بورسعيد، ليستقبل أصحاب التيجان الملبين دعوته؛ فبلغها يوم ١٣ نوفمبر.٢١
وإذا بسفن العالم المتمدين كله، قد أمتها من جميع جهات الأفق، وضيوفه العديدين وقد صرفت لهم من جيبه الخاص تذاكر المجيء من بلادهم والإياب إليها، في الدرجة الأولى، قد أتوا من كل فج عميق، تحف بهم أنواع الراحة والهناء كافة؛ وإذا بأساطيل الدول، بما فيها الأسطول المصري، قد اصطفت في المرفأ الفسيح، الذي أنشأته شركة القناة أمام بورسعيد؛ والفيالق المصرية قد خيمت على ضفاف الترعة، حتى مدينة الإسماعيلية، لتحفظ نظام الحفلات، وتزيد في بهجتها.٢٢

وما لبث (إسماعيل) سويعات إلا وأقبل أمير هولندا وأميرتها، فاستقبلهما استقبالًا حسنًا شائقًا.

وفي اليوم التالي ١٤ نوفمبر، وصل المسيو دي لسبس مع أسرته، وفي يوم ١٥ نوفمبر، قدم فرنتز يوسف إمبراطور النمسا والمجر؛ وكان قد تعرض لخطر جسيم لكيلا يؤخر ميعاد وصوله: فإنه، وهو قادم إلى بورسعيد، استحسن في تقواه المسيحية أن يعرج في طريقه، على يافا، ويزور القدس الشريف؛ ففعل، ولكنه، لما عاد إلى يافا، يوم ١٤ نوفمبر، وجد البجر عجاجًا، والنوء عاصفًا، والريح تسوق الأمواج إلى الشاطئ، جبالًا، جبالًا — ويافا مرفأ رديء لا تدخله السفن مطلقًا، بل تقف في عرض البحار، بعيدة، لانتشار الصخور في الماء بالقرب من الشاطئ، لا سيما صخرين قائمين عند مدخل الميناء كأنهما «شلا» و«كاردي»، لا بد للقوارب والفلائك الذاهبة بالمسافرين، إلى السفن الراسية خارجًا، من المرور بينهما، والتعرض لخطر التحطم على أحدهما، أو على كليهما، حينما يكون البحر هائجًا، مائجًا.

فأتاه قنصل فرنسا بذلك الثغر، ورجاه أن يؤجل سفره، ريثما يهدأ النوء، اجتنابًا لمصيبة قد يهتز لوقوعها العالم بأسره، وانضم إلى قنصل فرنسا في رجائه الأميرال تجيتوف — المنصور في لسا — وكان قائد الأسيطيل النمساوي المقل للإمبراطور؛ وتمادى في إلحاحه على مولاه، بعدم مبارحة الشاطئ، مؤكدًا له أن الأسيطيل، والبحر على ما هو عليه، لا يستطيع مطلقًا الإقلاع والمخر.

فأبى فرنتز يوسف إلا المخاطرة، قائلًا: «إني قد وعدت بأن أكون في بورسعيد يوم ١٥ نوفمبر؛ ولا أستطيع أن أخلف وعدًا وعدت به!» ونزل في قارب، ومعه خمسة نواتي وأمر بالانطلاق، فانطلق النواتي به يجدفون، والأمواج تتقاذف قاربهم، وتهاجم من فيه مهاجمة جرفت اثنين منهم، لم يستطع الباقون إنقاذهما إلا بكل صعوبة، حتى دنوا، بعد جهد جهيد، من المدرعة التي كانت تنتظرهم.

وإذا بخطر الصعود إليها، أكبر الأخطار التي حاقت بهم، لشدة هيجان الأمواج حولها، واصطدامها فيها بقوة، وعدم تيسر الاقتراب منها للقارب الضئيل المقل جلالة الإمبراطور النمساوي؛ أو تنزيل سلمها إلى من فيه للصعود فيها.

فاضطر رجالها إلى تدلية حبال من حبالها في الفضاء، تعلق الإمبراطور بأحدها بكلتا راحتيه المضمومتين؛ فرفعه البحارة إلى ظهر الدارعة، والأمواج تتلاطم حوله وترطمه، كأنها تريد ابتلاعه، ويعز عليها نجاته منها.

ولما بلغ الباقون المأمن، ولحق بهم الأميرال في قارب آخر، أقلعت المدرعة، ووجهتها بورسعيد، غير مبالية بالرياح العاصفة حولها، ولا بالأمواج الهائجة، المترامية عليها، لافتراسها، فحققت وعد الإمبراطور، ووصلت إلى بورسعيد، في اليوم الخامس عشر؛ وما استقرت في المرفأ، ومالت الشمس إلى المغيب، إلا وهدأت الأمواج، وصفت الطبيعة، وتلون الأفق بألوان بهية كقوس قزح؛ كأنه ابتسام السماء، ووعد السلام المقبل عيده بعد يومين.

فأطلقت المدافع من كل السفن الحربية الراسية هناك، احتفاء بوصول جلالته؛ واستقبله (إسماعيل) استقبالًا حافلًا.

وفي يوم الثلاثاء ١٦ نوفمبر، دوت المدافع عينها ثانية عند الساعة السابعة صباحًا، ودخلت المرفأ المدرعة الألمانية المقلة البرنس فردريك ڨلهلم ولي عهد مملكة بروسيا — وكان قد أصبح لهذه الدولة شأن عظيم في العالم الأوروبي، بعد انتصارها على النمسا في حرب سنة ١٨٦٦.

وما كادت تلك المدافع تسكت لحظة، إلا وعادت إلى الدوي باستمرار، وتضاعف عدد طلقاتها تضاعفًا ارتجت له السماء والأرض وأعماق البحار، وإذا بجمع من السفن ظهر في البعد، وتقدم بجلال نحو المرفأ؛ وأمامه الباخرة «الايجل» (النسر) تقل جلالة الإمبراطورة أوچيني، إمبراطورة الفرنساويين، وربة الاحتفالات العتيدة — وكانت واقفة على ظهر السفينة، يحف بها كبار نبلاء الدولة البونبرتية، وقريناتهم، وجمع وصيفاتها، وهي في وسطهم كآلهة الجمال واللطف، وكانت قد ذهبت من مصر إلى الإسكندرية، وأتت منها إلى بورسعيد.

فاكتظت ظهور عموم الجاريات بنواتيها، وضباطها، وأركان حربها، وموسيقاها؛ وانتشرت فوقها أعلامها تخفق وترفرف؛ وغص الشاطئ بالطوبجية المصرية وجماهير المتفرجين، والمدعوين، الممثلين المدنية الحديثة في خير مظاهرها، والقوى العقلية البشرية في أبهى معانيها، وعلت تهاليل الجميع، وملأت الفضاء؛ وتجمعت فيه ابتسامات القلوب المبتهجة، كباقة عظيمة، أخذت الإمبراطورة تستنشق عبيرها الذكي، طربة، ثملة.

وكانت، وهي قادمة إلى القطر المصري، قد حضرت أيعاد فتح القناة الأكبر، في البندقية، وأعياد البسفور التالية لها، وهي أعياد بذل فيها أقصى المجهود لتكون السحر الحلال، والشعر الآخذ بالألباب؛ ولكنها، مع ذلك، حينما رأت نفسها محاطة بهالة ذلك الابتهاج وذلك المجد، وأحاطت عيناها بجميع جلال ذلك المنظر الفريد، لم يسعها إلا الهتاف بأن قالت: «يالله! لم أر في حياتي شيئًا أجمل من هذا!»

فلما رست بها باخرتها في المرفأ، قصدها (إسماعيل) أولًا؛ وهنأها بسلامة الوصول؛ وأكد لها أن وجودها خير ما يتفاءل به؛ وأعرب لها عن شكره وارتياحه، لتفضلها بقبول دعوته، وترأس تلك الحفلة الممجدة ملكه إلى الأبد، والتي تمت بمجهودات اشترك فيها الجميع.

ثم تلاه إمبراطور النمسا والمجر، فولي عهد الدولة الپروسية، وقدما لها تحياتهما واحترامهما، فباقي العواهل والأمراء.

فاستقبلت الكل بلطفها المعروف؛ ووجدت، لرد التحية إلى كل واحد من أولئك العواهل، الكلمة التي تنزل على الفؤاد كطيب سحر مطرب، ثم أخذ الجميع يستعدون لحفلة افتتاح الترعة المباركة.

وكانوا قد أقاموا ثلاثة ارتفاعات خشبية مكسوة بالحرير والديباج: واحد في الوسط، للضيوف الأجلاء، أصحاب التيجان، والأمراء والعواهل ورجالهم، وواحد على اليمين، لعلماء الدين الإسلامي، وفي مقدمتهم العلامة الشيخ مصطفى العروسي، شيخ الجامع الأزهر والإسلام بمصر؛ وصاحب الفضيلة الأستاذ الشيخ محمد المهدي العباسي، مفتي الديار، وواحد على اليسار، لأحبار الدين المسيحي، وعلى رأسهم المنسنيور باور الرسول البابوي، وخادم كنيسة القصر الإمبراطوري بباريس؛ وكان قد حضر خاصة لمباركة الترعة، ثم لعقد قران المسيو دي لسبس على الكرئيولة اللطيفة التي أحبها وأحبته، بالرغم من تكلل جبينه بلجين الشيب.

ونصبوا على الشاطئين، الأسيوي والإفريقي، المظلات البديعة لجماهير المدعوين والمتفرجين؛ وفي صدرها كلها، مظلة لمؤسسي الترعة ومجلس إدارتها؛ وأخرى لرؤساء الشركات التجارية العظمى في العالم ومندوبيها؛ وثالثة لرجال الصحافة العالمية والمكاتبين.

واصطفت الجنود المصرية بين رصيف النزول والارتفاعات الخشبية الثلاثة، لتحفظ النظام حولها، وتمنع الازدحام عنها، وترتبت الطوبجية بين الرصيف الداخل في البحر، من جهة الغرب، ومحل الحفلة؛ وتجهزت وترصفت المراكب الحربية — وكانت خمسين مركبًا — والسفن التجارية — وكانت نيفًا وثلاثين — داخل المرفأ على شكل قوس بديع المنظر.

أما الحربية، فكانت ستًّا مصرية، وستًّا فرنساوية، واثنتي عشرة إنجليزية، وسبعًا نمساوية، وخمسًا ألمانية، وواحدة روسية، وواحدة دانمركية، واثنتين هولنديتين، واثنتين إسكنديناڨيتين، واثنتين إسپانيتين، وفرقاطتين إنجليزيتين أخريين هائلتين واقفتين في البعد كأنهما رمز الحرب، المزمع اندلاع لهيبها بعد ثمانية شهور، يهدد مظهر ذلك السلم العظيم، ولم يكن هناك أسطول إيطالي، لاضطراره إلى مغادرة المياه المصرية؛ فجأة، تحت قيادة الدوك داؤستا، بداعي اشتداد المرض على ڨكتور عمانوئيل الثاني. الملك الحلو الشمائل، وصديق (إسماعيل) الحميم — وهو مرض كان السبب في تخلفه عن تلك الحفلة، وحرمانه لذة تمتيع صديقه بحضوره إليها — على أن إيطاليا بقيت ممثلة هناك، بمراكب تجارية عديدة.

فلما كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، وقد فرغ الجميع من تناول الطعام على نفقة الخديو واستراحوا، أخذت الموسيقات تصدح، وشرع الموكب الفخم يتقدم، ليجلس الكل في المكان الذي أعد لهم.

وإذا بزكي بك، رئيس التشريفات الخديوية، قد برز أمام الجميع يفتح الطريق، وتلاه الأمير (محمد توفيق)، ولي عهد مصر، وعلى ذراعه أميرة هولندا؛ فولي عهد الدولة الپروسية؛ فأمير هولندا؛ فالسير هنري إليت سفير إنجلترا في الأستانة والنائب، عرفا، عن السلطان عبد العزيز؛ فالأميرال الإسپاني، فالأميرال الفرنساوي پاريس، والمسيو دروي دي لوم؛ فالكولونيل الإنجليزي رسل؛ فرضا بك محافظ بورسعيد؛ فالبرنس چورچ ولي عهد الهانوڨر؛ فالكولونيل دورنج.

وما استقر هؤلاء في مقاعدهم، إلا وصدحت الموسيقات كلها بالنشيد الفرنساوي، ثم ظهرت ألوية النمسا والمجر تحيط بالراية الفرنساوية، فاشرأبت الأعناق، وأحدقت الأبصار؛ وإذا بالإمبراطورة أوچيني، يسير خديو مصر أمامها، تتقدم متكئة على ذراع الإمبراطور فرنتز يوسف، ووراءها فردينان دي لسبس، فالأرشيدوق ڨكتور النمساوي، فمجلس إدارة الشركة، فالأمير عبد القادر الجزائري — وكانت الحكومة الفرنساوية قد دعته إلى تلك الحفلة، خاصة، اعترافًا له بالفضل الذي أبداه في الدفاع عن المسيحيين، وحمايتهم أيام مذابح سوريا، ووضعت تحت تصرفه الدارعة «فوربين» لتقله من بيروت إلى بورسعيد، فما ظهر ببرنسه الأبيض في وسط ازدحام تلك الرءوس المتوجة بتيجان الملك، وتيجان العبقرية أو العلم، أو العصامية أو الفضل، إلا واستوقف الأنظار شكله الجميل، وقوامه المعتدل، ووجهه المكسو مهابة وجلالًا — فطوسن باشا ابن الأمير (محمد سعيد)، الوالي السابق، صاحب الأيادي البيضاء على مشروع القناة وشركته — وإنما أراد (إسماعيل) الذي كان يحب طوسن حبًّا أبويًّا، وزوّجه، فيما بعد، ابنته؛ ولم يفتأ يواليه بعنايته ورعايته إلى آخر لحظة من حياته، كأنه يريد أن يخفف عليه وطأة التوعك المستديم، المنتابه منذ صباه، والمسبب له عن كون أحد خدام أبيه فتح، ذات يوم، بسرعة وشدة، بابًا في السراي كان الطفل طوسن واقفًا وراءه، فصدمه الباب في جبهته، فوقع مغشيًّا عليه، فارتعد الخادم وخارت فرائصه، وما كان منه، في خوفه من غضب أبي الأمير الصغير، إلا أنه أغلق عليه الباب، وتركه طريحًا على الأرض، فاقد الحواس، دون أن يخبر بالحادثة أحدًا، فبقي طوسن على تلك الحالة، عدة ساعات، حتى افتقدته مربيته، وبحثت عنه، فوجدته في تلك الحجرة طريحًا، لا يعي، فلم تعد تجديه الأدوية، بعد ذلك، نفعًا لتأخرها، واستمر طول حياته ضعيفًا، هزيلًا، مرتج الدماغ؛٢٣ إنما أراد (إسماعيل) أن يحضر طوسن ذلك الاحتفال، ويكون له فيه مركز خاص، لكي يكون فيه، بهيئته المكسوّة، منذ ذلك الحين، بمظهر ما وراء المادة، خير ممثل لروح أبيه، المرتاحة في عالم النعيم، والناظرة بابتهاج إلى العمل التام، الذي لولاها لتأخر بروزه إلى الوجود أجيالًا.

وتلا طوسن، نوبار باشا، فالبرنس ميرا حفيد الملك يواكيم صهر ناپوليون العظيم، فبرچير بك، فالجنرال دوسه الفرنساوي، فوزيرا الإمبراطور فرنتز يوسف، وهما الكنت دي بيست، والكنت اندراسي، فسفيره لدى الباب العالي، البارون بروكيش، فالدوك دي هوسكار، فالجنرال الروسي إجناتييف، فالأميرال النمساوي تيجيتوف، فسيدات عديدات من معية الإمبراطورة، فالنائبون عن المؤتمرين العلمي والتجاري، وعن شركة المساچيري الفرنساوية، وكانت الباخرة التي أقلت مديرها، ثم اشتركت في حفلة الاجتياز إلى البحر الأحمر، أكبر بواخر تلك الشركة، فأركان حرب الأساطيل المتعددة، فسفراء الدول وقناصلها، فزمر المدعوين أفواجًا أفواجًا.

فلما اكتمل عددهم، وانتظم ذلك العقد الفخم، دوت المدافع من كل جهة، متتابعة الطلقات، مؤذنة، على ذينك الساحلين الإسلاميين، وبالقرب من ربوع توالت عليها وقائع الحروب الصليبية، بأن حادثة جلي، قلما سجلت التواريخ البشرية لها مثيلًا أو شبيهًا، تمت في تلك الساعة، تحت أشعة تلك الشمس الذهبية الساطعة، وأمام عين الإله رب البرية كلها على السواء: ألا وهي حادثة تصافح الشرق والغرب، مصافحة أخوة وسلام؛ وتعانق الصليب والهلال، معانقة احترام ووئام!

ثم قام علماء الإسلام، وشيخهم في مقدمتهم، وأقاموا بالوقار والجلال، المخيمين أبدًا على كل مظاهر العبادة الإسلامية، أدعية الشكر والحمد؛ وبعد الفراغ منها، ألقى شيخ الإسلام خطبة وجيزة، رائقة، شائقة، منع ضيق الوقت من ترجمتها لجمهور الحاضرين!

ثم تلا أحبار المسيحية علماء الإسلام، فأنشدوا نشيد الشكر اللاتيني المعروف باسم «التديئم»، المنسوب إلى القديسين أمبروزيس وأغسطينس؛ وشاركهم فيه كل من شاء من الجم المسيحي الحافظ له، وفي مقدمتهم الإمبراطور والإمبراطورة.

ثم تقدم المنسنيور باور، وألقى بصوته الجهوري، وعبارته الفرنساوية البليغة، خطابًا جمله الحماسية شعلات عواطف أو شهاب نار فؤادية، أو هتفات قلب طافح حبًّا للإنسانية، شقت صدره، وانطلقت تدوي في الآفاق، ووجهه إلى الخديو أولًا؛ فإلى الإمبراطورة؛ ثم إلى الإمبراطور؛ ثم لم يترك جدارة إلا ومدحها، ولا فضلًا إلا وأثنى عليه.

فخص (إسماعيل) أولًا بثنائه، بصفته رب الحفلة، ومنبع ذلك الحبور العام؛ وتغنى بما له من فضل على إنجاز المشروع، ونشر معالم المدنية في قطره، وحفه الأديان كلها برعاية واحدة، رعاية الملك الكريم الذي يراها كلها جديرة بالعطف لإبقائها متماسكة متآخية، ثم خاطب الإمبراطورة أوچيني: فذكر ما وجده المشروع؛ من قوة في لطفها، وتعضيد في موالاتها، وتأييد في عواطفها؛ وما لاقاه في فرنسا، البلد الكريم، الذي هي عاهلته المبجلة، من إقبال، وتشجيع، وشد أزر، ثم خاطب الإمبراطور فرنتز يوسف: فشكره على أنه ما انفك معتقدًا في نجاح المشروع، عاملًا على غرس حب الإقبال عليه في قلوب رعاياه؛ وذكره بزيارته لبيت المقدس، وقبر المخلص، ليستخلص من ذلك، دعاء له بطول بقائه مجدًّا في خير الرعية المعهود أمرها إليه، ثم انتقل إلى الكلام عن دي لسبس، الرجل الذي دخل في التاريخ، حيًّا: فوفاه حقه من المدح والثناء بقدر ما يستطيع فم بشري أن يفعل ذلك، وخص بالذكر من شاركوه في عمله، أولئك الذين قضوا نحبهم شهداء انكبابهم على تحقيق الأمنية الكبرى، فوارتهم الرمال التي كانت بالأمس الصحراء المحرقة، فأصبحت بفضل مجهوداتهم مزارع تذكر الرائي بما كانت عليه أرض غسان في مصر الفراعنة، من اليناعة والخصب، وختم خطبته بنداء وجهه، أولًا، للشرق، ثم للغرب، ذاكرًا لكل فضائله ومميزاته، وحاضًّا كلًّا منهما على عدم فصم عروة، في المستقبل، ربطهما الله بها في ذلك اليوم، المثلث البركات!

فقوبل خطابه بهتاف مستطيل؛ وكان له من القلوب أجمل موقع! ثم شرع في الافتتاح، وانتشر الأقوام يتفرجون على الأعمال العظيمة، التي تمت على يد الشركة، في هذه القناة المزرية بأعمال الفراعنة الغابرين.

ولما كان المساء، وحانت ساعة الطعام، مدت الموائد متتابعة لستة آلاف مدعو، فأكل الكل من أنواع المآكل الفاخرة، وشربوا من الخمور اللذيذة الثمينة، ما لم يخطر على فكر بشر، ولا سمعت بمثله أو رأت نظيره الأجيال؛ حتى إذا دقت الساعة الثامنة، بدت الزينات تجلل شاطئي آسيا وإفريقيا؛ وتجعل الليل ساطعًا كنهار جميل، وتجلت «المحروسة» بأنوار، خيل معها للرائين أنها أصبحت شمسًا تتألق؛ وأخذت، بين كل دقيقة وأخرى، تطلق قنبلة في الفضاء، تستقبل الموسيقات دويها بعزف شجي؛ ثم ختمت ذلك جميعه بحراقة هائلة، تفجرت في كبد السماء، كأنها بركان، ولكن بركان فرح وجذل وابتهاج، لا بركان ويل وهول وثبور!

وبينما مظاهر كل هذا الهناء والسرور تتوغل في الليل البهيم، فتحوله إلى ليل نعيم لم تحلم بمثله الأحلام، طفقت تنتشر بمصر والإسكندرية، وتهمس في ذات باريس أنباء سوء مدهشة؛ شرع الحساد والأوغاد يروِّجونها، ليحولوا فرح العالم المتمدين إلى حداد أليم.

فسمع الملأ، وهو مأخوذ، أن الإمبراطورة، لما تحققت أن فتح الترعة للملاحة وهم وخيال وجنين مخيلة مريضة لن يتحول إلى مولود حي أبدًا، عادت إلى فرنسا؛ وأن الإمبراطور عاد إلى ترييسته؛ وأن صخرًا هائلًا، لم يستطع إزالته، قام سادًّا في وجه السفن؛ وأن حريقًا هائلًا التهم ستين بيتًا بالإسماعيلية فدمرها؛ وأن جمهور المتفرجين — وقد أظهرت لهم الوقائع الراهنة أنهم أتوا من عموم أصقاع العالم ليروا في بساطة قلوبهم، بلدًا خلق صناعة لا أمل له في حياة مستقبلة، ومزمعًا أن يعود صحراء كما كان — رجع يضرب أسدريه باكيًا على خيبة آماله؛ وأن مهندسي الشركة هربوا، وأن دي لسبس فقد رشده، وجن؛ وأن كبير المقاولين، المسيو لاڨاليه، صعق يأسًا، فانتحر!

والسبب في رواج هذه الأنباء السيئة، والإشاعات المشئومة، هو أن المسيو دي لسبس رأى أن يجري مقاييس عميقة، في تلك الليلة عينها، لكي يطمئن تمام الاطمئنان على خلو الترعة من كل عائق يعوق الملاحة فيها، من غد، فأمر أن تعمل تلك المقاييس بين كل عشرة أمتار وعشرة؛ لا بين كل مائة متر ومائة، كما كانوا يفعلون في السابق، فكشف نفاذ أوامره عن صخر لم تكن المقاييس الأولى أظهرته، فاتخذ، في الحال، الإجراءات اللازمة لإزالته، وما زال يعالجه حتى فرغ من أمره.

فاتفق حينئذٍ مع الخديو على تسيير سفينتين تسبران غور المسير كطليعتي الأسطول المزمع أن يجتاز الترعة في الصباح؛ وسيرا مركبًا فرنساوية وفرقاطة مصرية.

أما المركب الفرنساوية — وكان ربانها حاذقًا — فمخرت بسلام وأمان، وأدت مأموريتها على أحسن ما يرام، وأما الفرقاطة المصرية، فأصابها سوء في سيرها، وجنحت في وسط القناة؛ فانغرس مقدمها في الضفاف، وسد جسمها سطح الترعة، على بعد ثلاثين كيلو مترًا من بورسعيد.

فلما نما خبر ذلك إلى الخديو والمسيو دي لسبس، أسرعا ليريا الواقع ويتدبرا أمره، وكان (إسماعيل) قد سافر إلى الإسماعيلية، ليجهز معدات استقبال المتوجين والعواهل الآخرين وباقي ضيوفه، فقفل راجعًا، الساعة الثالثة صباحًا، يوم ١٧ نوفمبر عينه! واجتمع بدي لسبس أمام تلك السفينة الحربية الجانحة، واجتهد كلاهما في رفعها وتعويمها؛ فلم يفلحا — ولم يكن في الاستطاعة ولا في الرغبة تأجيل موعد الافتتاح، اتقاء للأقاويل وشرها!

فذهب (إسماعيل) إلى بورسعيد، تحت جناح الليل؛ وعاد بألف بحار من الأسطول المصري الراسي بها، ودفع بهم إلى العمل على تنظيف الترعة من تلك الفرقاطة، فقال دي لسبس: «إن لدينا أسلوبين للبلوغ إلى المقصود: إما المجيء بالسفينة الجانحة إلى وسط القناة؛ أي: تعويمها، وهو الأفضل؛ وإما المجيء بجزئها الشاغل الماء إلى الضفاف، بحيث يجعل طولها موازيًا لطول القناة، ويلصق بالساحل، فإن لم يفلح كلاهما …

فقطع (إسماعيل) عليه كلامه، وقال: «إن لم يفلحا، ننسف المركب نسفًا!»

فترامى دي لسبس عليه، وعانقه، وهو يكاد يبكي فرحًا، وقال: «نعم! ننسفها! وإني لم أجسر على إبداء هذا الرأي لسموك، لما في نسفها من الضرر المادي على البحرية المصرية!» على أنهما لم يحتاجا إلى نسفها، وتمكن العمال والجنود من جلب جزئها الشاغل الماء إلى الضفاف، وإلصاقه به، بحيث خلا المجرى للسفن لتمخر فيه، ولم ينبئ الخديو أو دي لسبس أحدًا من المدعوين بالعقبات التي أزالاها في تلك الليلة الخطيرة، فلم يقلق فكر أحد منهم، وبات الجميع في هناء وحبور، وفي انتظار فجر اليوم التالي، اليوم السابع عشر من شهر نوفمبر!

وكان يومًا مشهودًا.

فما بزغت شمسه، وتناول الأقوام طعام الفطور، إلا وسار «الإجل» (النسر) بالإمبراطورة، من بورسعيد، وولج القناة بخيلاء ملكية؛ وتقدم، فخمًا، يشق تلك المياه المعجبة به، حتى إذا لم يعد بينه وبين المكان الذي جنحت فيه، بالأمس، الفرقاطة المصرية، سوى مسير خمس دقائق، ورد نبأ على الخديو ودي لسبس من الأميرال المصري القائم بعمل رصف تلك السفينة الجانحة، أن العمل قد تم، وأن القناة أصبحت مسلوكة لا عائق فيها.

فطرب (إسماعيل) جذلًا، وتنهد دي لسبس تنهدًا عميقًا؛ ثم رفع عينيه ويديه نحو السماء وشكر الله من صميم فؤاده، وقد قال، بعد ذلك، لأحد أخصائه: «لم أشعر في حياتي، مطلقًا، مثلما شعرت في تلك الليلة، أن الخيبة تداني النجاح هكذا؛ وأن السقوط على مثل ذلك القرب من الفوز!»

فلما مرت باخرة الإمبراطورة، عند القنطرة، بتلك الفرقاطة، وأطلقت هذه — وكان اسمها «اللطيف» — مدافعها، ترحيبًا بها، ظنت أوچيني وظن كل من معها، وكل من كان لاحقًا بها، أن تلك السفينة الحربية إنما وضعت، هنالك، خصيصًا لتحيتها؛ فأعجبت بالفكرة الجميلة والاعتناء اللطيف وشكرت (لإسماعيل) بديع ذوقه. كذلك كان الأمر مع باقي أصحاب التيجان والأمراء، وهكذا حولت العناية الإلهية الساهرة على مجريات الأمور العقبة المخيفة إلى وسيلة من الوسائل العديدة التي جادت بها، ليكون فخار الترعة العالمية وبهجتها تامين!

وكان شاطئا بحيرة التمساح غاصين بالأمم والجماهير والقبائل القادمة من تلقاء نفسها إلى مشاهدة الحفلات والتفرج عليها، أو المرسلة هناك بأمر من (إسماعيل) ليزيد منظرها بهجة تلك الحفلات عينها، فإنه أراد أن يرى ضيوفه نماذج من الأمم الخاضعة لصولجانه، وصورة صغيرة من عاداتها، فأصدر أوامره إلى جميع مشايخ العربان، ومشايخ البلدان من الإسكندرية إلى أقاصي السودان، بإرسال وفود من قبائلهم وسكان نواحيهم إلى الإسماعيلية، في مظاهر حياتهم اليومية: فازدحمت ضفاف البحيرة بخيم العربان و«عشش» الفلاحين وأكواخ الأمم السودانية، التي كانت تأوي مئات الألوف من البشر، والأشخاص، المختلفي اللون، والشكل، والملبس، والنوم، بأولادهم ونسائهم؛ بعضهم على صهوات الخيول، وآخرون على أسنمة الهجن، وغيرهم على ظهور الحمير، يعدون في تلك الفلوات، وأحرمة الصوف تسابق الشعور المنفوشة، وشعور البشارين المجدولة؛ وعمائم العمد تسابق «طواقي» الصعايدة، ولبد الفلاحين؛ بينما دربكات النسوة، المختلفة الأجناس والأقاليم، وطبولهن أو مزامير بعض العبيد وربابهم تحيي في كل صوب المراقص والألعاب!

وكانت تلك الأقوام كلها، وهي محجوزة عن ضفاف الترعة بصف ممتد على طولها من الجنود المصرية، تنتظر بفارغ الصبر ظهور البواخر المقلة الإمبراطورة والملوك الذين معها؛ وهي لا تكاد تصدق أن انتظارها يحقق؛ وإذا بمراكب حربية مصرية ولجت بحيرة التمساح آتية من جهة السويس!

فاستغرب الأقوام ذلك، وأخذوا يتقولون عما عساه يعني؛ ولكنهم ما لبثوا، وهم يتهامسون، إلا وسمعوا دوي المدافع يتناول عنان السماء، ورأوا الشاطئين يلتهبان، بكليتهما، والبروق تتصاعد من جوانب المراكب الحربية المصرية، فتهافتوا، وإذا بالنسر «الإجل» يتقدم متبخترًا مدلا، وعلى مقدمته الإمبراطورة كأنها، بالرغم من سني عمرها الثلاث والأربعين، إلهة الجمال والجلال؛ أو كأنها، وهي في وسط وصيفاتها، وعزف الموسيقى يحف بها، ويتماوج في الهواء (كليوبترا) العهد القديم صاعدة مياه نهر السدنس، لتقابل أنطونيس، ولكن لا كمتهمة تقصد تبرير نفسها، بل كملكة قادمة لتعلو بها كلمة أنطونيس الجديد، ويسجل بوجودها: (أولًا) استقلال مصر المنشود؛ و(ثانيًا) مصافحة روحي الشرق والغرب بعد طول التنافر والمعاداة.

فأدركوا أن قدوم تلك السفن الحربية المصرية إنما هو للسلام والتحية، فرفعوا، هم أيضًا، أصواتهم مهللة؛ وحيوا ضيفة خديوهم العظيمة وجمهور من معها، لا سيما دي لسبس الواقف بجانبها، والذي كانت هي نفسها تلفت أنظار الجميع وتهاليلهم إليه، اعترافًا منها بفضله.

وما رست باخرتها في فرضة الإسماعيلية الفسيحة إلا وذهب (إسماعيل) للسلام عليها — وكان يخته قد تلا يختها — فحياها تحية الإجلال؛ ثم ترامى على عتق دي لسبس، وعانقه طويلًا، والبشر مرتسم على وجهه، والعواطف تميل بجسمه، وتلت السفن المقلة للإمبراطور، وولي عهد التاج الپروسياني، وباقي الأمراء، والعظماء، والسفراء، ورست كلها بجانب «الإجل».

فقصد (إسماعيل) الفرقاطة الإمبراطورية، فالمدرعة الپروسيانية، فباقي السفن، وقدم لكل من راكبيها عبارات الاحتفاء والتحية الواجبة، ثم نزل إلى البر وقصد قصرًا بناه في آخر لحظة على ضفاف البحيرة خصيصًا لاستقبال ضيوفه والاحتفاء بهم فيه.

وكان قصرًا فخمًا، نشأ في وسط مظال من السندس الزاهر، وباقات من الأشجار المزدهية بالرياحين والأزهار، كأن إحدى ساحرات الحكايات الخرافية ضربت الأرض بعصاها فأخرجته يتهادى في بهائه.

فانتظرت أوچيني برهة، ريثما أيقنت أن مضيفها استراح قليلًا، ونزلت لترد له زيارته، فامتطت، أمازونة جديدة، صهوة جواد مطهم، وانطلقت تعدو به نحو ذلك القصر، فاستقبلها (إسماعيل) فيه، كأنه يستقبل إلهة، وبذل لها من الإكرام والإجلال وصنوف الارتياح والهناء ما لا يزال، بدون شك، يتردد أمام عيني مخيلتها، في أيام شيخوختها هذه البائسة، كأنه منام رأته أو عاشته في ساعة مثلثة السعادة!٢٤

وبعد أن مكثت ساعة في زيارته، واستمرأت، بلذة، حلاوة تلك الأويقات السريعة المرور، عادت إلى الإسماعيلية على ظهر هجين، وعيون الأقوام شاخصة إليها، وقلوب فوارس العرب تشيعها، ومن يدريني — وقد جعلها معروفة للجميع إقامتها السابقة بمصر، ورحلتها على النيل إلى أقاصي الصعيد — من يدريني أن الهواجس لم تحدث، حينذاك، هاتيك القلوب بأن تلك الإمبراطورة الجميلة، الجليلة؛ الراكبة جوادًا، طورًا، وتارة هجينًا؛ الأندلسية المولد والنشأة، قد تكون سليلة بيت عربي، رفيع العماد، أو فرع دوحة ملكية أظلتها سماء الحمراء الشعرية في غرناطة، المدينة العربية، البديعة الذكر؛ غرناطة، مسقط رأس تلك الإمبراطورة الجميلة، ومنبت صباها؟ ومن يدريني أنه لم يكن لهذه الهواجس نصيب في جعل مظاهر الإجلال البادية حول أوچيني من تلك الجماهير التي كان معظمها عربيًّا، حارة، عميقة، كأنها تريد أن تحيي مجدًا زال، وفخارًا درس؟

وما فتئت الإمبراطورة سائرة بهجينها، حتى وصلت قصر دي لسبس، فاستراحت فيه، ثم استقبلت سيدات الإسماعيلية، وكانت قد أنبأتهن، مقدمًا، برغبتها في مقابلتهن هناك، لشكرهن على عواطفهن نحوها، فوجدت أولئك السيدات تلك الساعة من أحلى ساعات حياتهن، وظنت كل منهن أن اسمها بات لذلك تاريخيًّا.

ولما كانت الساعة الثانية، بعد الظهر، نزل الإمبراطور فونتز يوسف، وولي عهد المملكة البروسية، وباقي العواهل والأمراء إلى الشاطئ، وقصدوا قصر (إسماعيل) ليردوا إليه تحيته، فقوبلوا بما قوبلت به الإمبراطورة من التعظيم والإكرام، ومظاهر الابتهاج العام.

ثم انقضت بقية ساعات ذلك النهار الفريد في أنس وحظ، وتزاور وأعياد، حتى إذا وافت الساعة السابعة، مساء، مد سماط العشاء، فاكتظت، بالموائد، رحبات القصر السابق ذكره، على سعتها، وكثرة عددها؛ وكان ذلك منتظرًا، ولذا فإن الخديو كان قد أعد في الفضاء، حول قصره، خيمًا ومظال مدت فيها أيضًا موائد، وأولمت ولائم لمن لم يسعه القصر من المدعوين.

فأكل جمعهم المحتشد من الطعام الفاخر المجهز بمعرفة أمهر الطهاة، أكلًا هنيئًا، وشرب شرابًا فاخرًا، وتجاوز بعضهم في ذلك الحد، لا سيما من لم يكن يحلم بمثل تلك المأكولات الملكية، مطلقًا؛ حتى إنه لقد يروى عن فرنساوي بطين، أنه نهض عن المائدة التي كان قد التهم ما عليها، التهام النهم، الذي لا يحد شراهته حد، كأنه ڨيتليسالإمبراطور الروماني، فأخذ يمر بيده على بطنه، مملسًا صديريه الفسيح الأرجاء، وقال بتبسم لصديق له من جنسه، كان جليسه على المائدة: «إني قد أكلت ثروة ثلاثة فلاحين مصريين!» بدون أن يشعر بما في قوله من سماجة!٢٥

وبعد الفراغ من تناول طعام العشاء، أقام الخديو مرقصًا لعموم مدعويه، تحت رياسة الإمبراطورة أوچيني، بذل فيه ما لا يستطيع قلم وصفه من البذخ وصنوف اللذات ودواعي السرور، ورتب فيه مقصفًا حوى ألذ ما طاب من صنوف المآكل والمشروبات.

فاشترك، في الرقص، أصحاب التيجان أنفسهم؛ ولم يكونوا أقل المشتركين فيه جدًّا ونشاطًا، بل كانوا قدوة لغيرهم في استمراء لذة تلك الساعات السريعة المرور! فأوجب ذلك منهم، استغراب الأقوام الشرقيين المحيطين بالقصر والمظال؛ لأنهم، حتى تلك الليلة، كانوا يعتقدون أن الرقص والقصف شأن الراقصات، فقط، والسكارى من الرجال! فما كادوا يصدقون أعينهم، لما أبصروا أوچيني، الإمبراطورة العظيمة؛ وفرنتز يوسف، الإمبراطور الخطير؛ وفردريك غليوم، الأمير البروسياني المكلل الجبين بانتصارات سنة ١٨٦٦؛ وباقي الأمراء والأميرات؛ وخديوهم نفسه، الرجل الوقور، يرقصون ويمرحون كباقي المدعوين وأكثر؛ وأبصروا أن السن ذاتها لم تمنع فردينان دي لسبس، على اشتعال ناصيته شيبًا، من أخذ نصيبه من الرقص والملاهي الأخرى، المجموعة حوله، ولا بد من أن هيبة أولئك الأعاظم تضاءلت بعض التضاؤل في أعينهم، لا سيما إزاء وقار الأمير عبد القادر، البطل الجزائري المعروف، الذي على امتزاجه بجمهور الراقصين والراقصات، لم يرقص ولم يقصف، وبقي متفرجًا فقط، ملتحفًا هيبته وجلاله.

فلم ينسوا ليلة الثامن عشر من شهر نوفمبر؛ وما فتئوا، بعد ذلك، يذكرونها أمام أولادهم وحفدتهم، كما ارتسمت على مخيلاتهم، ولم يخطئوا في أنها ليلة لن تنسى، لأنها كانت، في الواقع، ليلة لم تر القرون لها مثيلًا؛ ولن ترى شبيهها الأجيال القادمة.

ومن حسن حظ الناس أن المستقبل سجل مكتوم؛ وأن الغد صنو متلثم لا يعرف وجهه، ولا تقرأ سطور يده، مهما كان الراغب في استجلاء محياه وفتح كفه قويًّا وكريمًا، أو جميلًا وجليلًا! فإن ذلك يجعل استمراء حلاوة الساعة الحاضرة ممكنًا، ويحمل على الاتعاظ بقول القائل: «ولك الساعة التي أنت فيها!» وإلا لو كان الأمر بعكس ذلك، وأمكن رفع الحجاب عن هذا الشبح الذي هو ضيفنا، كما يدعوه هيجو، الشاعر الأوحد، وظلنا المرافق لنا أبدًا واسمه «الغد»؛ لو أمكن حمله على التكلم وإباحة سره المكنون، هل كانت أوچيني، الإمبراطورة الجميلة، تقدم ذراعها، في الرقص، إلى الأمير البروسياني، الذي كان مزمعًا، بعد أقل من عشرة شهور، أن يثل عرش زوجها، ويفتح في جنب فرنسا، وطنها الاختياري المحبوب، ذلك الجرح العميق الأليم، الذي استمر نيفًا وسبعًا وأربعين سنة داميًا؟ بل هل كانت تحضر تلك الحفلات والأعياد، وترضى أن تكون إلهتها، ومحط الأنظار فيها؛ وهي المزمعة، بعد أقل من عشرة أشهر، أن تسقط من حالق، وتفر من قصرها الإمبراطوري، وجلة، بينما الثورة تهدر وراءها، وتأوي بذعر إلى إنجلترا، فتنزل، معفرة الثياب والوجه، في إحدى محطات لندن، وترى نفسها تزاحمها المناكب، بلا احترام، في سيرها لتبحث عن عربة بحصان واحد تقلها وتقل أثاثها القليل، الذي تمكنت من تهريبه معها؟ بل هل كانت تلك الحفلات عينها تبزغ لها شموس، وهل كان يقع في خلد (إسماعيل) أن ينفق الملايين التي أنفقها عليها، وعلى الضيوف الذين دعاهم إليها، فلم يتكبدوا في ذهابهم وإقامتهم وإيابهم درهمًا واحدًا من جيوبهم حتى ولا على غسل ملابسهم واستحمامهم، لو علم أن الإمبراطور نابوليون الثالث، معتمده في ملماته، وفي تحقيق أمانيه، ساقط عن عرشه بعد عشرة شهور، وأن إمبراطوريته المفيئة على الأكوان ممحوقة عن قريب؛ وأن فرنسا، صاحبة الكلمة العليا في مجتمع الدول، والقدح المعلى في ميدان السياسية، ستبيت بضعة أعوام كسيرة الجناح قليلة النفوذ؟

وهل كان الإمبراطور فرنتز يوسف استمرأ، بلذة، حلاوة تلك الليلة البهيجة، لو علم أن أخاه الأرشيدوق مكسيمليان، إمبراطور المكسيك، الذي كان لا يزال يبكيه، منذ أن قتله چوارز زعيم الجمهوريين المكسيكيين، رميًا بالرصاص، في يونية سنة ١٨٦٧، ليس وحده الأمير الذي كتبت له الأقدار القتل، في بيته الهبسبرجي؛ وأن ابنه الوحيد وولي عهده رودلف؛ واليصابات زوجته، التي قادها إله الغرام إلى سريره وعرشه؛ وفرنتز فردينند ابن أخيه، وولي عهده، بعد رودلف، وزوجة فردينند هذا، سيقضون كلهم قتلى، كأخيه؛ وأنه هو نفسه، وقد توغل في الشيخوخة وبات على حافة القبر، سيرضى بأن يثار باسمه أكبر وأفظع حرب رآها العالم، فتقتل حزنًا، حبر العالم المسيحي الأكبر پيوس العاشر، فيموت وهو غير راض عن جلالته الرسولية، بل ناقم عليها، على ما كان لقداسته من المكانة في نفس جلالته؛ وسيقضي هو عينه نحبه، في وسط نيران تلك الحرب المندلعة، العتيدة أن تدك دولته دكًّا، وتخرب بيته تخريبًا تامًّا، فيمضي، ولا ترافقه إلى قبره سوى لعنات الملايين من الأمهات والأرامل، والخطيبات الثواكل، ولا يذكر العالم المتمدين ساعات حياته الأخيرة إلا ليلعنه، بعدما كان لا يذكر اسمه إلا متأسيًا، خاشعًا أمام جلال شيبه المكلل بالحداد؟!

وهل كان البرنس فردريك غليوم البروسياني وقرينته، بنت الملكة ڨكتوريا الإنجليزية، ذاقا بلذة بهجة تلك السويعات الهنيئة، لو قرآ في سجل المستقبل عقوق غليوم، ابنهما الأكبر، لهما في كبرهما، وسوء معاملته لهما، لما اضجع المرض العضال أباه على سرير موته، وحرم الموت الإمبراطورة فردريك من زوجها، وتركها تحت رحمة تصرفات ذلك الابن الكاره فيها الدم الإنجليزي؟

فلكون الغد سجلًّا مقفلًا، أبدًا، أمكن الذين عاشوا تلك الليلة الفريدة أن يتمتعوا بهنائها، بعين قريرة، وقلب مطمئن!

وامتزجت بطرب المرقص، الموسيقات والحراقات والألعاب النارية والزينات المتألقة أنوارًا، حتى لم يبق أحد لم يعتبر نفسه قد نقل إلى عالم الخيالات الذي وصفته روايات ألف ليلة وليلة!

وهكذا انقضت في حبور وابتهاج تلك الليلة الفريدة في وسط مرح مائة ألف نفس! وقُضي الغد الثامن عشر من شهر نوفمبر في تنزهات على البحيرة، وفي ضواحي الإسماعيلية، لم تعرف كللًا ولا مللًا، والبشر مرتسم على جميع الوجوه والجذل يملأ جميع القلوب!

ولما عاد المساء، عادت الولائم، وحفلات الرقص والقصف، وعاد (إسماعيل) إلى سحر عقول ضيوفه بتفننه في أساليب جمع اللذات تحت أقدامهم، تفننًا فاق حد الوصف، وأنست مسرات تلك الليلة مسرات الليلة التي سبقتها، وتركت وراءها بمراحل ملاذ «الحياة التي لا تقلد» المشهورة عن كليوبترا وأنطونيس.

وفي صباح اليوم التالي، أقلعت البواخر والسفن الإمبراطورية والملكية بمن عليها، وأمامها «الإجل» (النسر) ونزلت نحو الجنوب، قاصدة السويس، ولكن الضيوف الكرام رأوا أن يمضوا الليلة على ظهر البحيرات المرة، ليكون لهم نصيب من التفرج على السيراپيم، وليكون لأهالي تلك الجهات قسط من أفراح الترعة؛ ففعلوا، وبات الأسطول التاريخي، هناك، وآذان الصحراء المحيطة مصيخة لدوي المدافع، وعزف الموسيقات.

فلما بزغ الصباح، تابعت تلك السفن سيرها، فوصلت إلى السويس الساعة الحادية عشرة ونصفًا من صباح يوم عشرين نوفمبر، فكتبت (أوچيني) في سجل «الإجل» هذه العبارة: «وصلنا إلى السويس، على البحر الأحمر، اليوم ٢٠ نوفمبر سنة ١٨٦٩» أوچيني، وتلا توقيعها تواقيع كل من كان معها، ثم أرسلت إشارة برقية إلى باريس تنبئ قرينها «بأن الأمر انقضى، واجتياز القناة تم!»

وبعد أن تناول العواهل طعام الغداء، أرسل كل منهم، أيضًا، إلى عاصمته إشارة برقية بمعنى إشارة الإمبراطورة، ثم رأوا، جميعًا، وجوب ذهابهم إلى ظهر «النسر» ليحتفوا، في شخص أوچيني، بالعمل المجيد الذي تم على يد «الفرنساوي الكبير».

وفي اليوم التالي، عادت الإمبراطورة إلى بورسعيد، في ظرف ست عشرة ساعة، وأقلعت منها إلى طولون.

أما الخديو، وباقي ضيوفه الفخام، فعادوا من السويس إلى مصر بالسكة الحديدية، وخير كل من شاء من المدعوين، بتمضية ما شاء من الأيام التالية، عشرة على الأقل، في القطر المصري، على نفقة الخديو الشخصية.

أما الاحتفالات التي أقيمت بمصر لفرنتز يوسف وفردريك ڨلهلم وبقية الأمراء والأميرات فيكفي القول، لإدراك أهميتها، أنها ضارعت في جلالها ونفقاتها ما عمل من نوعها للسلطان عبد العزيز، وأما الاعتناء ببقية الضيوف فلا أدل عليه من بيان الأطعمة التي كانت تقدم، ثلاث وأربع مرات في النهار، لذات الألوف من أوضعهم قدرًا، وهاك ذاك البيان في بساطته التاريخية:

فطور الصباح: قهوة بلبن وزبدة أو شاي بلبن وروم، بيض مُضَهَّب (برشت) أو على الصحن؛ شكولاته وبسكويت، حسب طلب المسافرين.

طعام الظهر: ماكاروني أو أرز مفلفل أو ما شابه ذلك؛ صحن لحم بارد؛ صحن شواء؛ صحن لحم مطبوخ؛ بطاطس على الطريقة الإنجليزية، أربعة توابل؛ أربعة أصناف فواكه؛ جبن؛ قهوة؛ وأشربة مختلفة.

طعام العشاء، الساعة السابعة مساء: حساء متنوع؛ صحن سمك؛ صحن لحم، صحن طعام سخن؛ صحن طعام بارد؛ شواء من الطير، سواء أكان ديكًا روميًّا أم طيور صيد؛ سلطة خضراء؛ صحن خضار مطبوخ؛ صحن حلويات؛ صحن قشدة متنوعة التراكيب؛ عدة أصناف فواكه مجموعة معًا؛ جبن؛ قهوة، وأشربة منتخبة فاخرة.

طعام نصف الليل، لمن شاءه واعتاده من المسافرين.

الخمور الواجب تقديمها مع طعام الظهر: نبيذ عادي؛ نبيذ ميدوك؛ نبيذ شاتومرجو — وهما من أفخر أنواع البردو — ونبيذ سوترن.

الخمور الواجب تقديمها مع طعام العشاء: نبيذ عادي؛ نبيذ ميدوك؛ نبيذ مادير؛ نبيذ برجونيا؛ شاتولافت؛ شمبانيا على قدر الطلب!

هذا، علاوة على أن تذاكر مجيء هؤلاء الضيوف، جميعهم، وإيابهم إلى بلادهم، في الدرجة الأولى، تحف بهم كل أنواع الراحات — كما سبق لنا القول — كانت على نفقة الجيب الخديوي الخاص، وأن إنزالهم إلى البر، وفي الفنادق، ونقلهم من بلد إلى بلد بالسكة الحديدية، وعلى البواخر النيلية، وما أرادوا إنفاقه على أنفسهم في ذات شئونهم الخصوصية، كان جميعه على الجيب العامر عينه.

فلا غرابة، والحالة هذه، إذا جاوزت نفقات الأسابيع الستة المنقضية ما بين وصول الإمبراطورة أوچيني إلى القاهرة واليوم الثلاثين من نوفمبر؛ أي: إذ كان معظم المدعوين قد بارحوا الديار المصرية، مبلغًا اختلفت في تقديره الأقوال، بين مليون وثلاثمائة ألف جنيه إنجليزي، وأربعة ملايين، فقد صرف نيف وعشرة آلاف في طبع ثلاثمائة نسخة، فقط، من تاريخ رسمي للاحتفالات والأعياد، على جلد فيل؛ وتزيينه بالرقوش والصور الجميلة؛ وأعطي ألف جنيه لواضعه وحده، ودفع الخديو إلى فنادق (أوتيلات) الإسكندرية ومصر خمسة وستين فرنكًا، وإلى فنادق القناة مائة فرنك وخمسة فرنكات، يوميًّا، عن كل مدعو أقام فيها، خلاف أجرة غسيله، والمعلوم أن عدد المدعوين زاد على ستة آلاف!

فكما أن أرض مصر لم تر، في كل تاريخها، أعيادًا كتلك الأعياد؛ ولا حلت فيها، في وقت ما، ركاب ضيوف أجلاء، كالذين حلوا فيها، بمناسبة تلك الأعياد، هكذا اقتضت الحال أن تفوق النفقات كل حد في الاعتدال والاعتياد، وتدخل فيما لا يستطاع، في غير التصور حصره، لا سيما وأن استقلال مصر السياسي التام كان الغرض المنشود منها.

لذلك كان البيان الذي استوقف انتباهنا واعتبارنا، أكثر مما سواه، في ماجريات تلك الاحتفالات والأعياد العجيبة، بيانًا قرأناه في كتاب وضعه مؤلف يقال له: المسيو «برتران» في حياة فردينان دي لسبس وأعماله، مؤداه على ما ذكرنا أن السلطان عبد العزيز أناب عنه في حفلة فتح الترعة العالمية السير إليوت سفير بريطانيا العظمى بالأستانة، وأن ذاك السفير قام فعلًا بتلك المهمة، فوق تمثيله دولته في تلك الأعياد عينها.

فهل كان ذلك فألًا أوجبته الأقدار على غير علم أو شعور من ذلك السلطان المنكود الحظ؛ أم كان توقعًا مضطربًا مبلبلًا جال في فؤاده بأن فتح تلك الترعة من شأنه، في يوم عتيد، سلخ مصر نهائيًّا عن دولته العثمانية السلطانية لإدماجها في جسم الدولة الإنجليزية الإمبراطورية؟

مهما يكن من الأمر، فإن انفصال مصر عن تركيا نهائيًّا، وإعلان بريطانيا العظمى حمايتها عليها منذ نيف وأربع سنوات،٢٦ يجعل قارئ التاريخ مأخوذ اللب، لدى وقوفه على نيابة سفير إنجلترا عن سلطان تركيا في حفلة فتح ترعة السويس؛ الترعة التي كان من شأنها إما زياردة توثيق عرى الاتصال الشديد بين تركيا ومصر، بعامل زيادة المصالح المتبادلة — وهو ما لم يحصل — وإما فصم تلك العرى بالمرة بعامل انقطاع الاتصال المادي، وقيام جمهور مصالح عالمية بجانب مصالح التابع والمتبوع — وهو الذي وقع.

ولا يبعد أن يكون بعض المفكرين من الذين حضروا تلك الحفلة، قربوا بين نيابة السير إليوت الإنجليزي عن سلطان تركيا فيها، وبين قول اللورد پلمرستن، وزير بريطانيا العظمى الأكبر، في مقاومته لمشروع حفر ترعة السويس، وهو: «إن نفاذ هذا المشروع يضطر إنجلترا إلى امتلاك مصر، وهو ما لا نريده»، فتطيروا، وتوقعوا منذ ذلك الحين ما وقع بعد مرور خمسة وأربعين عامًا، والتاريخ كله عبرة لمن يعتبر!

على أن الباب العالي، إشعارًا للعالم كله بأن عدم ترأس السلطان العثماني أكبر حفلة تاريخية أقيمت على أرض عثمانية في عرفه لم يكن ليزعزع حجرًا واحدًا في قواعد سيادته على القطر المصري، ما كاد يعلم أن ضيوف (إسماعيل) الفخام قد فارقوا بلاده حتى أرسل إليه في أواخر شهر نوفمبر، على يد مندوب سام، بلاغًا نهائيًّا في شكل فرمان؛ أمره بمقتضاه بالخضوع حالًا لأوامر تابعه، وإلا اتخذت ضده الإجراءات المبينة في التعليمات المزود بها حامل الفرمان، وأهم تلك الأوامر ما يختص بالامتناع عن عقد قروض إلا بتصريح سلطاني؛ ووردت في الوقت نفسه على (إسماعيل) إفادات برقية من سفراء فرنسا وإنجلترا والنمسا بالأستانة تشير عليه باللين مؤقتًا، وإظهار ولو شبه امتثال للأوامر المرسلة إليه، فرأى نفسه مضطرًا إلى مواجهة الباب العالي وحيدًا، بدون معين أو عضد، بعد إنفاقه مبلغًا طائلًا في سبيل إكرام ضيوفه، أضعف خزينة حكومته المصرية — ولكنه كان يعلم من جهة أخرى أن الأوامر المكتوبة لم تكن، في عرف الدولة العلية، أكثر من حبر على ورق، إذا عرف المرء كيف يتقي مفعولها.

فلما وصل الفرمان إلى يده، أمر بتلاوته بسرعة في ميدان القلعة، بحضور المندوب العثماني، ونحو ستة من الموظفين، ليس بينهم من يفقه التركية إلا اثنان، وبعد إطلاق بضعة مدافع، إشعارًا بتلاوته، ثم أحاط الباب العالي علمًا بما تم.

ولكنه أظهر له، في الخطاب ذاته، الذي أرسله إليه لهذا الغرض، أنه لا يعلق على ذلك أهمية مطلقًا؛ وأنه بالرغم من امتثاله، حبًّا في المحافظة على السلم، للأوامر الواردة إليه، لا يرى أن حقوقه وامتيازاته الممنوحة إليه مست؛ بل يعتقد أنها لا تزال كما كانت، حيثما كانت.

فما كان من الباب العالي، ردًّا على هذا الكتاب، إلا أنه أبرق إليه بأن «أرسل حالًا المائتي ألف بندقية ذات الإبرة السابق مشتراها منك، وكلف من يلزم بطولون بتسليم المدرعات المصنوعة هناك، لحسابك، إلى الضابط الذي يبعثه الباب العالي، لأجل استلامها!»

فأهمل (إسماعيل) الجواب على ذلك التلغراف، فأيده الباب العالي بتلغراف آخر كان حظه حظ سابقه، ولكي يظهر الخديو مقدار اهتمامه بإشارات الصدارة البرقية، فيكيد عالي باشا خصمه الشخصي، أقدم — بالرغم من استدعاء أعياد الفطر القريبة وجوده في العاصمة — على سياحة نزهية على النيل، صحبة عقيلة أمريكية من جميلات الغرب، ورفقة ضيوف كان الحظ والتفنن في وسائل الملذات خير ما يعيشون لأجله في هذه الحياة الدنيا، ولم يعد من نزهته تلك إلا في الأسبوع الثاني من العام الجديد سنة ١٨٧٠.‏٢٧

فأبرق، حينئذ، إلى الصدر الأعظم قائلًا، عما يختص بالبنادق، إنه لم يشتر منها سوى أربعين ألفًا فرقها على جنوده، وأنه لم يعد يبقى منها إلا ما لا سبيل إلى الاستغناء عنه للاحتياج إليه احتياطيًّا؛ وعما يختص بالمدرعات، إن صانعيها لم يقدموا له حساب نفقاتها بعد؛ وإنه، متى قدموه، وسدد له الباب العالي ما سبق إنفاقه منه، وأخلى سبيله من كل مسئولية تالية، يسرع بتسليمها إليه.

وبعد مضي خمسة عشر يومًا ورد الحساب المقول عنه؛ فأرسله (إسماعيل) إلى الأستانة متباطئًا، فلما اطلعت عليه وجدت أن الثمن المطلوب عن تلك المدرعات ثمانمائة ألف جنيه إنجليزي، فما وسعها، بعد محاولة إدخال بعض التعديل عليه، إلا قبوله على فقر خزينتها، ودفعته وهي ممتعضة امتعاضًا كبيرًا.

فاغتنم (إسماعيل) حالتها النفسية، وأرسل نوبار باشا إليها بما يزيل امتعاضها — وكان (إسماعيل) يقول: «إن نوبار خير من تعهد إليه مهمة لدى رجال الأستانة، لتفوقه في الصلف والتنكيت؛ كما أن «شريفًا» خير من يوفد إلى بلاد الإنجليز، لمهارته في الصيد والقنص».

واتفق أن عادت إلى الأستانة من مصر، في ذلك الوقت، غادة بديعة الجمال، كان السلطان عبد العزيز قد أعجب بحسنها لدى زيارته (لإسماعيل) في مدة إقامة هذا الأخيرة على ضفاف البسفور.

فلما أزالت النقود، التي بذلها نوبار باشا، كل أسباب الخلاف القائم بين تركيا ومصر، اتخذ همازور الأستانة ولمازوها ما اتفق من رجوع تلك الغادة إليها مع وجود نوبار باشا فيها، وتردد أقدامها الحورية على سراي «ضلمه بغچه» ذريعة للتأكيد بأن تسوية الخلاف التركي المصري إنما يجب نسبتها، في الحقيقة، إلى عمل تلك السفيرة الجميلة، وحسن وقع زيارتها للسراي السلطانية في قلب السلطان عبد العزيز، لا إلى نقود نوبار أو تنازل الخديو عن مدرعاته. ألا: وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ!

غير أن تسوية الخلاف لم تجعل (إسماعيل) يقلع عن تغذية أمنية الاستقلال التام في صميم فؤاده، والنظر، بالتالي، إلى مستقبل علاقاته مع تركيا بعين الريب والحذر. لذلك ما انفك دائبًا على إتمام استعداداته الحربية، وجمع الجنود جمعًا حثيثًا، وحشدها على شواطئ البلاد، وفي ثغورها، لا سيما بالإسكندرية، حيث اكتظ ميدان (محمد علي) بها وبمعداتها، وحيث أخذت المدافع تدوي، بين حين وحين، منذرة بالتجهز للدفاع، بل وللهجوم أيضًا.

وقد كتب أحد مراسلي الصحف إلى جريدته، في أوائل تلك السنة، ما يأتي: «قد نظرنا، بالأمس، عدة آلاف من الفعلة يؤمرون بالاشتغال في إقامة المعاقل والحصون؛ وبتنا، وكل مظهر من مظاهر الحياة حولنا يحملنا على الاعتقاد بأن الترك منتظر مجيئهم هنا، وأن سمو الخديو يعد لهم استقبالًا حاميًا، والناس بالإسكندرية يتهامسون بأنه سيجد مساعدة في ذلك من اليونان والكريتيين، ومن يوسف بك كرم زعيم الموازنة الثائرين على الدولة في جبل لبنان، والذي أصبحت علاقاته بسموه في منتهى الود والإخلاص. أم يجد (محمد علي) العظيم عونًا فعالًا، وحليفًا صدوقًا في شخص الأمير بشير الشهابي الكبير؟ فلم لا تتردد صورة هذا اللبناني الخطير على مخيلة (إسماعيل) كلما يطرق اسم يوسف بك كرم أذنيه؟ ولم لا ينتظر، فيما لو هاجم تركيا في عقر دارها، أن يجد من هذا الزعيم نفس المساعدة والمعاونة اللتين وجدهما (محمد علي) من ذلك الأمير؟

إن الناظر إلى الإسكندرية الآن يخالها مدينة في حال حصار، لا مركزًا هادئًا للتجارة والإتجار؛ ولا يمكنه إلا أن يتوقع شرًّا من الحرب، من أية جهة هبت، فمحطات البوليس ونقطه العادية قد عززت بجند نظامي؛ وسلحت البطاريات بأثقل المدافع وأقواها؛ والجنود، بالبنادق ذات الإبر الجديدة، ولا ينفك العمل جاريًا في الترسانة ليلًا نهارًا، لتجهيز المعدات والآلات والذخائر الحربية على أنواعها.

وقد غيرت كلمات النظام العسكري والأوامر العسكرية، وجعلت عربية بدلًا من التركية؛ وطردت التركية أيضًا من جميع مصالح الحكومة، وأحلت العربية محلها؛ وأصبح كل شيء، في الواقع، يدل على عزم الخديو على قطع علاقاته بالباب العالي، وفصم عرى كل وثاق يربط مصر بالسلطنة العثمانية، وينذر بقرب حدوث ذلك!»٢٨

ومما ساعد على رسوخ هذه التوقعات في النفوس أن الكولونيل كورونئس، زعيم الثورة الكريتية التي أخمدت حديثًا، أتى إلى مصر وانتظم في جنديتها، وكذلك (موط) الجنرال الأمريكاني الاتحادي.

وما أقام هذا الأخير بمصر مدة، وأتم بعض أشغال مالية فيها، إلا وكلفه الخديو بالذهاب إلى نيويرك، ليحمل أي عدد كان من المحاربين، أمثاله، على التطوع في الجندية المصرية، ففعل، ولكنه هو، والذين أحضرهم معه لم يكونوا ممن يفتخر بأمثالهم، فما وسع (إسماعيل) إلا صرفهم، بجيوب مملوءة، وإحضار ضباط أمريكيين غيرهم جديرين بثقته، وأكفاء للمهمة التي كان يريد أن ينوطها بهم؛ فحضروا تحت قيادة الجنرال (ستون)؛ وقاموا بأعباء ما عهد إليهم من الأعمال خير قيام: إما كمدربين عسكريين، وإما كمهندسين، ومراقبين ملحقين بعدة حملات جنوبية، سيأتي الكلام عنها في حينه.

على أن (إسماعيل) — وإن يكن قد اتخذ عدَّته لمقابلة الطوارئ من الوجهة العسكرية — لم يكن بالرجل الذي يميل إلى التطوُّح في مجاهل الحروب، متى أمكنه تحقيق أماني نفسه بطرق سلمية، وبواسطة ما يبذله من مال.

فلعلمه — من جهة — أن الأستانة مدينة تُشترى أكثر ممَّا كانت روما، لما خرج «چوجرتا» ملك نوميديا منها هاتفًا: «لا يعوزك، أيتها المدينة المبتاعة، إلا من يستطيع شراءك»؛ وأن السلطان عبد العزيز لا يضن عليه بإجابة أي طلب يرفعه إليه، حتى لو كان الاستقلال الكلي بمصر، إذا شفعه بما يوازي أهمية الإيجاب من الأصفر الرنان؛ ولشعوره — من جهة أخرى — بأنه يستطيع شراء الأستانة، مهما تغالت في المساومة عن نفسها، ويستطيع إعطاء سلطانها ما يحب من الذهب، مهما كان كبيرًا، رأى — ريثما تحسن الأيام الأحوال — أن يقصد عاصمة بني عثمان، فيقدم فيها مساعيه، ويجمل مركزه بنفسه، وبما يطمع فيه من نقوده.

لذلك، لما غمر خزينته القرض الذي عقده له، بالرغم من حظر الفرمان الأخير، محل بيشو فشهيم وجولد شمدث، أرسل يستدعي ابنه الأمير (محمد توفيق) من سياحته التي كان قد أقام إليها، منذ زمن قليل، في البلاد الأوروبية، وبلغ فيها مدينة ڨيينا — وهي سفرته الأولى والوحيدة إلى خارج القطر — فأقامه مقامه على دفة إدارة البلاد؛ ثم استقل «المحروسة» يخته الخاص، وسار بآماله وأمواله إلى الأستانة، بالرغم من أن منذرات الحرب المقبلة بين فرنسا وبروسيا كانت تدوي في الفضاء، وأن بعض المقرَّبين منه أشاروا عليه بتأجيل سفره، لذلك السبب، وريثما تزول، من النفوس، القرحة التي أوجدها خلافه الأخير مع دار الخلافة، ولكن (إسماعيل) أبى؛ لأنه كان يعرف من هم رجال تلك الدار؛ ولأنه، ربما كان يتوقع تلك الحرب؛ ويعتقد، كجميع أهل الشرق ومعظم أهل الدنيا، في تلك الأيام، أن النصر مضمون لفرنسا فيها؛ وأنه يحسن به، إذًا، أن يتخذ أهبته، ويمهد طريقه في عقر دار خصمه، ليتمكن من الاستفادة من النصر الفرنساوي العتيد، الاستفادة كلها، وهو غير متعرض إلا إلى أقل ما يمكن التعرض إليه من الأخطار.

غير أن الحرب باغتته، كما باغتت الجميع:
  • أولًا: بفجأة شبوبها.
  • ثانيًا: بسرعة رجحان كفة پروسيا على فرنسا فيها، فعجل عودته إلى القطر، في أوائل أغسطس، وعواطفه تحيي فيه، رغم الواقع، الأمل بنصر الفرنساويين عسى أن نصرهم يحقق أمانيه.

وليس من يشك في أنه، لو انتصرت فرنسا في تلك الحرب، ففازت بپروسيا خصيمتها، وخرجت من المعمعة صاحبة الكلمة التي لا تقاوم في ميدان السياسة الأوروبية، وبرز نابوليون الثالث، صديق الخديو الحميم وزوج أوچيني ضيفته الكريمة، في شبه المنزلة التي كانت لعمه العظيم، عقب عقده معاهدة تلست سنة ١٨٠٧، وأثناء مقابلته بالقيصر، إسكندر الأول الروسي، في إرفرت سنة ١٨٠٨، كان (إسماعيل) وضع يده في يده، وطلب إليه أن يشد أزره في موقفه، ونادى باستقلال بلاده التام عن سلطنة آل عثمان، معتمدًا على إمبراطور الفرنسيس في تسوية مركزه الجديد إزاء الدول الأوروبية، وحيال وجود ترعة السويس التسوية التي ترضيه وترضيها، ولكن انخساف شموس الإمبراطورية النابوليونية، وتدهور الدولة الفرنساوية تدهورًا ساحقًا، في تلك الحرب المشئومة، كانا ضربة مؤلمة جدًّا انهالت على مطامع (إسماعيل) فصدعتها، واضطرت صاحبها بأن يعود إلى ما كان عليه من شراء أجزاء ذلك الاستقلال تباعًا، شراء صريحًا، من السلطان وبابه العالي بالمال، وبرفع مقدار الجزية السنوية، حتى يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

ولكنه بقي، مع ذلك، متحينًا للفرص، عاملًا على اغتنامها، غير يائس من رحمة الله، ومحاسن الأقدار، ولما رأى أن ارتكانه على فرنسا بات، لهوانها بعد قهرها، كما كان ارتكان ملوك يهوذا على فرعون مصر — أي مثل اتكاء المرء على قصبة قد تنكسر فتجرحه، كقول حزقيال النبي اليهودي — وجه وجهه شطر إنجلترا، وشرع يتقرب إليها أكثر من السابق، فخص محل جرينفلد وشركائه الهندسي بلندن ببناء ميناء الإسكندرية — وقد سبق لنا ذكر ذلك في حينه — ولولا حرب السبعين لعهد بعمله إلى محل فرنساوي؛ وبلغ من إعراضه عن فرنسا، لا سيما منذ رأى تعنتها في مقاومة الإصلاح القضائي، ما حمل وزير ماليته — وكان قد شعر بأن نتيجة تلك الحرب هدمت النفوذ الفرنساوي في نفس مولاه وفي مصر، شأنها في كل صقع وقطر آخر — على الاعتقاد بأنه لم يعد، ثمت، من حاجة إلى عمل حساب لها: فأبى تنفيذ عقد كان قد أبرم بين الحكومة المصرية وأحد الفرنساويين، قبل تلك الحرب، وعامل المطالبين بنفاذه بجفاء وخيلاء لم يكن ليجسر على مجرد الافتكار فيهما قبل واقعة «صيدان»، ولكن القنصل الفرنساوي أظهر، من جهته، وقاحة وتعسفًا، كأن نابوليون الثالث لا يزال في كل مظاهر عظمته ومجده، جالسًا على عرشه، محط أنظار العالم المتمدين، ولم يكتف بمقابلة عتو الوزير المصري وعجرفته بضعفيهما من العتو والعجرفة، بل دخل ذات يوم، عنوة، في بيت فرنساوي كان كاتب سر لشريف باشا، واغتصب أوراقًا من شأنها إيقاع عدة من كبار الموظفين المصريين تحت طائلة مسئولية مخيفة، على ما أشيع في ذلك الحين، ولما أصبحت في يده، جابه بها الوزير إسماعيل صديق باشا، وهدد بإفشاء سرها المكنون إذا هو لم يجب طلبه في الحال، ولما كان وزير المالية هذا من أولئك الموظفين الكبار، بل في مقدمتهم، خاف الفضيحة، ونزل على شروط القنصل، فأصاب هذا، بمقتضاها، فائدة مادية، على ما همست به الألسنة، أكبر من الفائدة التي نالها محسوبه.٢٩
ثم إن (إسماعيل) عملًا بالخطتين معًا: خطة تحين الفرص لاغتنامها، وخطة التمكن بما له من قلب الأستانة ولبها، اشترك، من جهة، اشتراكًا رسميًّا في المعرض الذي أقيم بڨيينا سنة ١٨٧٢؛ وأقبل على التوسع وراء حدود مصر الجنوبية، من أقصى غربها إلى أقصى شرقها، توسعًا سيأتي بيانه؛ واستمر، من جهة أخرى، بتردده على الأستانة، كشمس تحيي الموات، وتبث الحياة، يعمل على بت كل علاقة تبعية لها، وكسر قيد سيادتها عليه حلقة، حلقة.٣٠

ففي الأسبوع الثالث من شهر يونية سنة ١٨٧٢ سافر وبمعيته سمو الأميرة والدته إلى الأستانة، وقد عزم عزمًا أكيدًا على أن لا يُبقى، ما سوى الجزية، على أية رابطة كانت بينه وبين الدولة العثمانية، فما مضت على وصوله إليها بضعة أيام إلا وأهدى عبد العزيز، بحجة الاعتراف له بما كان من وقع جميل في نفسه للحفاوة العظمى التي قابله بها، خمسين ألف بندقية من طراز مرتيني هنري، كان قد أوصى معامل إنجلترا بصنعها.

وبعد مضي أسبوع أو أسبوعين، اغتنم فرصة احتفال السلطنة العثمانية بتبوء مليكها عرش الخلافة الإسلامية، فأقام في قصره، بأميركون، معالم ابتهاج فاخر، توالت فيه الولائم، النادرة المثال، لكبار رجال الدولة، ختمها بوليمة خاصة بجلالته، بذل فيها من صنوف اللذات، ومختلف المطاعم والمشارب، ما لا يقع في خلد رجل؛ وتوج ذلك جميعه بأن قدم لعبد العزيز «طقم» سفرة، بديعًا، من صنع باريس، كل آنيته من الذهب المرصع بالحجارة الكريمة؛ وقد استعمل في تزيينها، من الماس وحده، نيف وخمسة آلاف قيراط!

على أن هذا جميعه، رغم جسامته، لم يكن بالنسبة إلى اللاحق إلا كنسبة التوابل إلى الطعام الحقيقي، فإن (إسماعيل) لم يمض على إقامته في الأستانة شهران، حتى كان قد قدم إلى السلطان مليونًا من الجنيهات العثمانية، وخمسة وعشرين ألف جنيه إنجليزي إلى الصدر الأعظم، وخمسة عشر ألفًا إلى وزير الحربية، وعشرين ألفًا ونيفًا إلى عدة من كبار السراي السلطانية.

واشتركت الأميرة والدته الكريمة معه في استمالة القلوب إليه، فإنها فوق الهدايا النفيسة التي قدمتها إلى نساء الوزراء العثمانيين، وكبار موظفي السراي السلطانية، تقربت من السلطانة ذاتها، والدة عبد العزيز، وأولمت لها الولائم الفاخرة، وقدمت لها في إحداها من التحف الثمينة ما لا يمكن وصفه، أو حصره، ومن أغرب الصدف، أنهما، بعد الاختلاط الكثير، وقص كل منهما أخبارها على الأخرى، تحققتا أنهما قريبتان تجتمعان في جد واحد، ففرحتا بذلك فرحًا عظيمًا، وجعلتا تتزاوران كل قليل، ولا تقطع الواحدة عن الأخرى في كل يوم رسل التحية والتسليم! فكان ذلك من أسعد توفيقات (إسماعيل)؛ لأنه أكسب مصالحه في السراي السلطانية صوتًا لم يرتفع للطلب، أبدًا، سدى!٣١

فطلب بكياسة من متبوعه التفضل بتوسيع دائرة اختصاصاته ورفع الحجر الموضوع عليه في أمر الاستدانة.

فصدر له فرمانان في شهر سبتمبر من السنة عينها، ثبت أولهما — وتاريخه ١٠ سبتمبر سنة ١٨٧٢ / ٧ رجب سنة ١٢٨٩ — جميع الامتيازات السابق منحها له؛ وألغى الثاني — وكان مصحوبًا «بخط شريف» ليوضح مغمضاته — منطوق فرمان سنة ١٨٦٩ المحظر عليه اقتراض أي قرض جديد في المستقبل، بدون تصريح خاص من الباب العالي، وخول له حق الاستقراض أنى شاء ومتى شاء وكيفما شاء، وتاريخ هذا الفرمان الثاني ٢٥ سبتمبر سنة ١٨٧٢ و٢٢ رجب سنة ١٢٨٩.

غير أن رجال الأستانة، وإن لم يخجلوا من مد أيديهم إلى الرشوة، استحيوا من تدوين عارها وتسجيله على نفوسهم، ولذا فإنهم لم يقيدوا هذا الفرمان الأخير ولا «الخط الشريف» المرفق به في سجلات الباب العالي، كما كانت قد جرت العادة، فأراد مدحت باشا، بعد سقوط الصدر الأعظم محمود باشا وخلع السلطان عبد العزيز المنكود الحظ وقتله، أن يعلن بطلان ذينك التحريرين موضوعًا، لبطلانهما شكلًا، ولكن السير هنري إليوت، سفير إنجلترا، تداخل في الأمر؛ وأقنعه بضرورة اعتمادها لوجود تأشير سلطان تركيا عليهما!٣٢

فلما استعاد الخديو حريته المالية، ونال ما ناله من تكسير قيد السيادة العثمانية عليه، على الكيفية التي ذكرناها، عاد إلى الإسكندرية في شهر أغسطس، فرحًا، مبتهجًا، فتزينت له ثلاثة أيام؛ وكذلك تزينت القاهرة عند وصوله إليها، ودقت فيها البشائر؛ وزاره الأمراء والكبراء وكل ذي مقام، مهنئين، وما لبث الفرمانان السابق ذكرهما أن لحقاه إليها، فقرئا في حفلة حافلة، وأعلن مضمونهما، بين قصف المدافع، وعزف الموسيقات.

وفي عشرين مايو من العام التالي (١٨٧٣) غادر (إسماعيل) عاصمته مرة أخرى؛ وبعد أن أقام بالإسكندرية أيامًا، ريثما جمع له وزير ماليته نحوًا من مليون جنيه، وأجرى له وكيله في الأستانة عملية مالية، أنتجت ثلاثة ملايين جنيه أخرى، أقلع إلى الأستانة، وجيوبه مفعمة، وهو يرى أن أقصى أمانيه باتت حقائق راهنة!

وماذا كان يبتغي، هذه الدفعة، من رجال تركيا، وفرمانا العام الماضي قد منحاه كل ما تاقت إليه نفسه من الاستقلال، ومظاهر الملك الحقيقي؟

كان يبتغي أن يتخذ ذلك المنح شكلًا قانونيًّا، وأن يصدر فرمان ثالث يحتوي على كل ما ضمنته له الفرمانات السابقة، فيضمنه من جديد؛ وبعد أن يسجل في سجلات الباب العالي، تحاط الدول الأوروبية علمًا بمحتوياته، وتحمل على التصديق عليه رسميًّا، كيلا يتمكن الباب العالي في المستقبل من العود إلى تعليق سيف دامكليس على رأسه، أو رأس أحد من ذريته، مرة أخرى، كما فعل في سنة ١٨٦٩: فلا يعود القلق على الوراثة، وعلى حقوق الحكومة المصرية الداخلية، واستقلال البلاد الذاتي يؤلم الأفكار، ويوجع القلوب، ويلقي الاضطراب في الأعمال كما فعل قبيل الاحتفالات بفتح ترعة السويس! ولنيل هذا جميعه لم تكن الملايين التي ملأ جعبته بها كثيرة، عند سفره إلى عاصمة الدولة العثمانية.

فما بلغ شهر يونية منتصفه إلا ودوت، في العاصمتين المصريتين، أنباء نجاحه في مهمته نجاحًا تامًّا، وتحقيقه الأماني التي سافر من أجلها، وشرع الناس يتحادثون بمضمون الفرمان الجديد — فرمان ٨ يونية سنة ١٨٧٣ — الذي استصدره، وبأهميته وثمنه، فلم يختلف اثنان في كبير قيمته وجليلها، فإنه أتى مهيمنًا مصادقًا على جميع الفرمانات والخطوط الشريفة الممنوحة (لمحمد علي) وخلفائه؛ ومدخلًا عليها تحسينات وتوسيعات جمة؛ وشارحًا على الأخص ما كان منها متعلقًا بالوراثة، وشكل القوامة فيما لو كان الخديو، في المستقبل، قاصرًا، حينما تئول الخديوية المصرية إليه، ومنح (إسماعيل) بموجبه، من جديد:
  • أولًا: حق سن القوانين واللوائح الداخلية، على أنواعها، وأية كانت مراميها.
  • ثانيًا: حق عقد اتفاقات جمركية، ومعاهدات تجارية.
  • ثالثًا: حق اقتراض أي قروض شاء في مصلحة البلاد.
  • رابعًا: حق زيادة جيشه أو تنقيصه كما يشاء.
  • خامسًا: حق بناء سفن حربية، ما عدا المدرع منها؛ وبالاختصار حق تنظيم الإدارة المدنية والعسكرية والمالية في البلاد طبقًا لما توجبه مقتضيات الأهالي الملقاة رعايتهم إلى عهدته.

أي أن هذا الفرمان توج سعي (إسماعيل) إلى نيل الاستقلال التام تتويجًا نهائيًّا؛ وجعل قيد ارتباطه بتركيا كأنه غير موجود، وكيلا يفوت أحدًا استمراء لذته؛ وللدلالة في الوقت عينه على الوسائل التي بذلت لاستصداره، رأى محرروه أن يختموه بالجملة الطبعية الآتية: «وعليك الانتباه والالتفات، أشد الانتباه والالتفات، إلى توريد المائة والخمسين ألف كيس المقررة، سنويًّا، إلى خزينتي السلطانية، بدون تأجيل، وبدقة تامة!»

على أن (إسماعيل) ما فتئ يمني نفسه بظروف من دهره تمكنه من التخلص، أيضًا، من ذينك الانتباه والالتفات، وقطع تلك المائة والخمسين ألف كيس عن فم تركيا، لإنفاقها في شئون بلاده؛ وظن، قبيل نشوب الحرب بين روسيا وتركيا في سنة ١٨٧٧، أنه قد يستطيع اغتنام فرصة الاضطراب الساري في جسم الدولة العثمانية على أثر خلع السلطان عبد العزيز وقتله؛ وخلع السلطان مراد الخامس وسجنه؛ وانعقاد مجلس المبعوثان وفضه؛ وتفاقم الخطب بين دولة القيصر ودولة الخاقان، تفاقما أدى إلى شبوب نيران الحرب واستعارها، ليعلن استقلاله وهو آمن طوارئ الحدثان.

فإن الملأ قد لاحظ في شتاء سنة ٧٦–٧٧ أن إقامة الجنرال إجناتييف الروسي طالت في العاصمة؛ وأن اجتماعاته بالخديو تعددت؛ وأن الأوقات المخصصة لها امتدت مرة عن مرة؛ ولاحظوا أيضًا أن خطابات سرية تبودلت، بواسطة ذلك الروسي الشهير، بين بلاطي مصر وطهران، دون أن يعلم أحد بمضمونها سوى كاتبيها؛ وأن نيفًا وستة آلاف جنيه أنفقت، هدايا، في سبيل المحافظة على سر تلك المكاتبة؛ وأن رغبة (إسماعيل) في أن تنكسر الدولة العثمانية لم تكن أمرًا خفيًّا؛ وأنه لم يبعث المدد المصري الذي تحتمه الفرمانات إلا وهو ممتعض، وبعد أن تمنع عن إرساله تمنعًا كبيرًا.٣٣

وربما شجعه على تنفيذ تصميمه ما كان من حرج موقفه المالي، واشتداد وطأة الدائنين عليه، لتيقنه من أنه لو تمكن من الدخول ببلاده في مصاف الأمم المستقلة تمام الاستقلال، فقد يستطيع الاقتداء بتركيا عينها، والجمهوريات الأمريكية الصغرى وإشهار إفلاس حكومته بدون خوف أو وجل، وبدون أن يستطيع دائنوه أن يرفعوا فوق رأسه، بمعاضدة دولهم، السلاح المستمد من سيادة السلطان عليه ليهددوه به، أو يستعملوه ليعزلوه به عن عرشه!

ولكنه — إما لأن الجسارة الكافية للإقدام على ذلك العمل أعوزته في آخر لحظة؛ وإما لأنه توقع أن يكون الشر الناجم عنه أكبر من الخير المأمول منه؛ إما لأن مقاومة تركيا البطلية، غير المنتظرة من دولة كان الاعتقاد في وهنها التام راسخًا في العقول، جعلته يوجس في بادئ أمره خيفة؛ فلما أسفرت النتائج الختامية عن سحقها النهائي بفضل تولي عبد الحميد إدارة رحى المعارك من أعماق قصره، كانت الفرصة المناسبة قد أفلتت؛ وإما لأنه، بعد التفكير والتقدير، لم يجد من نفسه القوة الكافية، لا سيما فيما لو تعقدت العواقب؛ أو لأسباب أخرى غير هذه كلها لا نزال نجهلها — فضل البقاء على حالته، وترك مناسبة تلك الحرب تمر بدون أن يغتنمها.

figure
كل ما حصر رغبته فيه، بعد ذلك، إنما كان حمل الدول المجتمعة في مؤتمر برلين سنة ١٨٧٨ على إدخال مصر ضمنها، أو إدراج مسألتها، على الأقل، ضمن مواد برنامج المباحثات، والبت في حالها السياسية، نهائيًّا، ليكون مركزها الجديد، منها ومن تركيا، مشمولًا بضمانتها جميعًا، فأوعز إلى عدة كتاب، أشهرهم برونسڨيك، بتناول الموضوع وبحثه، وحض الرأي العام الأوروبي على الأخذ به.٣٤

وقد دلت الحوادث التالية على مقدار فطنة (إسماعيل) في سعيه هذا، وبعد نظره الثاقب، فإن تركيا، بعد أن طلبت إليها دولتا فرنسا وإنجلترا إقالته عن عرشه، أرادت أن تغتنمها فرصة لتلغي، في الوقت عينه، جميع الامتيازات والميزات الممنوحة منها للخديوية المصرية، وتطوي كشحًا عن المبالغ التي التهمتها، مقابل منحها إياها، أو يرسل لها الخديو (محمد توفيق) عشرين ألف جنيه، فرفض، فأخرت فرمان توليته، ولولا وقوف الدولتين المذكورتين في وجهها وتشدُّدهما في أن يخلف (توفيق) أباه في كل ما كان له من الحقوق لراوغت فماطلت فآذت.

غير أن النجاح لم يكلل مساعي (إسماعيل)، هذه المرة، وأبى البرنس فون بزمرك، عميد ذلك المؤتمر، إلا اعتبار مصر ممثلة في أشخاص ممثلي تركيا؛ ووافقت باقي الدول على رأيه، تجنبًا لفتح باب قد ينفلت منه شر، فما وسع الخديو إلا الإذعان للواقع.

على أنه، في آخر ساعات ملكه، لما رأى نفسه مهاجمًا في عقر داره، ورأى أن علاقته بتركيا، على ضآلتها وتفاهتها، هي السبب في البلاء والويل المحيقين به، هب لقطعها بتاتًا؛ واستعدَّ لإعلان خروجه على السلطان العثماني، ومقاومة إرادته. غير أنه، إزاء توقعه حلول المصائب على بلاده من جراء ذلك، عدل عن رأيه، وقبل بأن يضحي نفسه، وأن يورث ابنه بعده ملكه، كما هو؛ أي: ملكًا لم تعد تربطه بالدولة المتبوعة سوى رابطة جزية مالية أوهى من خيط العنكبوت.٣٥

على أن المجهودات التي بذلها (إسماعيل) وأدَّت في نهاية الأمر إلى جعل مصر، فيما عدا الجزية السنوية، مستقلة عن تركيا تمام الاستقلال، كلفته نيفًا واثني عشر مليونًا من الجنيهات نقدها السلطان عبد العزيز، وحده، زيادة على بضعة ملايين أخرى صرفها في أسفار وإيفاد وفود وهدايا، وتقادم لوزراء ذلك السلطان، وكبار رجال دولته!

١  أهم مصادر هذا الفصل هي: «مجموعة الفرمانات في القضاء والإدارة بمصر» لفيليب جلاد، و«تاريخ المالية المصرية» لمجهول، و«داس هوتجيي إجپتن» لفون ﻫ. ستيفان، و«مصر» لستانلي فين بول، و«مصر» لماسيل، و«شهران بمصر» لشارل تليوني، و«الكافي» لميخائيل بك شاروبيم، و«مصر تحت حكم إسماعيل» لماك كون، و«كلمات عن الوراثة للعرش المصري» لروفكتي، و«اعتبارات عن الوراثة مباشرة للعرش المصري» لجويتي، و«قضية باشا مصر» للوكوتتش، و«مصر القديمة والحديثة في معرض باريس سنة ١٩٦٧» لينيرس، و«دي لسبس: حياته وأعماله» لبرتران.
٢  انظر: «مصر الحديثة» للورد كرومر، ص١٧ وما يليها جزء أول.
٣  انظر: «الكافي» لشاروبيم بك ص١٤٤ ج٤.
٤  انظر: «تاريخ مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٢٤، و«تاريخ مصر المالي» لمجهول.
٥  انظر: «مصر الخديوي» لإدون دي ليون ص٤٥٤ وما يليها.
٦  انظر: «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٧ في الحاشية الأولى.
٧  انظر: «مصر» لمالورتي ص٧٧ والحاشية رقم ٣٥٤ التي بها وفيها إيراد لقول فون ﻫ. ستيفان الوارد في ص١٥٣ من كتابه «داس هوتيجي اجيتن» والذي نصه: «قد أكد لي ثقات أن (إسماعيل) لكي ينال تغيير مجاري الوراثة وهو تغيير في منتهى الفائدة لبلده، اضطر إلى إنفاق ثلاثة ملايين من الجنيهات بالقسطنطينية، ومن المؤكد أنه سيجد مناسبات أخرى لزيادة الإنفاق في هذا السبيل»، وانظر: «مصر تحت حكم إسماعيل» لماك كون ص٣٨ وما يليها لغاية ص٤١، وانظر: مالورتي عينه ص٧٩ في الكتاب ذاته.
٨  انظر: «مجموعة الفرمانات».
٩  انظر: «الكافي» لشاروبيم بك ص١٤٤.
١٠  انظر: «تاريخ مصر المالي» لمجهول ص٧٥.
١١  انظر: «مصر تحت حكم إسماعيل» لماك كون ص٧٩، و«تاريخ مصر المالي» لمجهول ص٧٧.
١٢  انظر: «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٥٩ وما يليها، و«الكافي» لشاروبيم بك ص١٤٥ ج٤.
١٣  انظر: «مصر» لماروتي ص٧٧ و٧٩ فإنه جعل تاريخ هذا الفرمان ٩ يونية بدلًا من ٨ يونية.
١٤  أهم مراجع هذا الجزء من الفصل: «مصر القديمة والحديثة في معرض باريس العام سنة ١٨٦٧» لتييرس.
١٥  انظر: «مذكرات الكونت دي لاڨيرون» المنشورة في جريدة «البورص إچبسين» بمصر والإسكندرية سنة ١٩١٧، على ما أظن.
١٦  ترى وصف تلك الوليمة البديعة في الجزء الخامس من «كنز الرغائب في منتخبات الجوانب» المطبوع بالأستانة سنة ١٢٩٤ﻫ. ص١٣٤.
١٧  أهم مصادر هذا الجزء من الفصل: «رسائل ويومية ومستندات» لفردينان دي لسبس، و«آل دي لسبس» لبريدييه، و«ترعة السويس بعد فتحها» لفردريك دي كوننك، و«خطة سر المدعوين إلى حفلات افتتاح ترعة السويس»، و«تاريخ مصر الحديثة» لجورجي بك زيدان، و«افتتاح ترعة السويس» لنيكول، و«فردينان دي لسبس. حياته وأعماله» لبرتران، و«مصر بحسب المعاهدات سنة ١٨٤٠ وسنة ١٨٤١» لبردتالو، و«مصر وتركيا» لجاي لساك، و«الخديو والسلطان» لجيومون، و«الخلاف التركي المصري من الوجهة القانونية» للوري، و«بعض كلمات عن مصر الحديثة ونائب السلطنة»، و«الفلاح» لبريرج، و«مصر وتركيا» لتريفيزاني، و«كنز الرغائب في منتخبات الجوائب» ج٥ لأحمد فارس الشدياق، و«تاريخ مصر في عهد إسماعيل» لماك كون.
١٨  انظر: «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٨٩ و٩٠.
١٩  انظر: «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٩٠ و٩١.
٢٠  انظر: «مصر تحت حكم إسماعيل» لماك كون من ص٩٣ إلى ١٠٣.
٢١  انظر: «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون من ص١٠٣ إلى ١٠٥.
٢٢  لجميع ما يأتي لغاية نهاية الحفلات، انظر: «رسائل ويومية ومستندات» لفردينان دي لسبس ج٥ من ص٣١٩ إلى ٣٥١، و«آل دي لسبس» لبريدييه من ص ٣٨٩ إلى ٣٩٢.
٢٣  قص عليَّ خبر هذه الحادثة ثقة من ألصق الناس بالمرحوم الأمير (طوسن) سعيد.
٢٤  كتب هذا في سنة ١٩١٨ أي قبل وفاة الإمبراطورة.
٢٥  انظر: «خديويون وباشاوات» لموبرلي بل ص١٢ و١٣.
٢٦  كتب سنة ١٩١٨.
٢٧  انظر: «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون من ص١٠٨ إلى ١١١.
٢٨  انظر: «تاريخ مصر المالي» لمجهول.
٢٩  انظر: «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص١٤١ و١٤٢.
٣٠  انظر: «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون من ص١٤٣ إلى ١٤٥ لجميع ما يلي.
٣١  انظر: «الكافي» لميخائيل بك شاروبيم ج٤ ص١٦١ و١٦٢.
٣٢  انظر: «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص١٤٥.
٣٣  انظر: «حياة البلاط بمصر» لبتلر، ص٢٠٨ و٢٠٩.
٣٤  انظر: كتاب «مصر والمؤتمر» برونسڨيك.
٣٥  انظر: «المسألة المصرية» طبعة سنة ١٨٨١ ص٣٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠