الفصل الثالث

إزالة القيد الثالث١

قيد الامتيازات الأجنبية القضائية
إذا أنت أكرمت الكريم ملكته
وإن أنت أكرمت اللئيم تمردا
المتنبي

إن نظام الامتيازات الأجنبية، الممنوح من الدولة العثمانية إلى الدول الغربية، والمقرر في مصر بسبب تبعيتها للباب العالي، ولأنها جزء من الممالك الشاهانية، كان يقضي بأن يكون مرجع رعايا تلك الدول في شئونهم التجارية، والمدنية، والشخصية، إلى قناصلهم؛ وأن لا يفرض عليهم ولا يؤخذ منهم ضرائب، إلا بعد مصادقة دولهم عليها؛ وأن لا يحاكموا أمام محاكم السلطة المحلية، فيما يتهمون به من جنايات وجنح ومخالفات، وفي قضاياهم التجارية والمدنية مع رعايا الدولة، إلا بحضور قناصلهم أو تراجمتهم، لينالوا، من ذلك الحضور، حماية من كل ظالم، ومساعدة في كل شأن.

فأما في تركيا، فإن نظام تلك الامتيازات لم يخرج، مطلقًا، عن الدائرة التي وضع، أصلًا، فيها؛ ولم يرو، أبدًا، أن قنصلًا تعدى حدودها، وافتات على ما حفظ للسلطة المحلية من حقوق، وربما كان السبب، في ذلك، قلة عدد الأجانب في البلاد — بالنسبة لاتساعها — وقلة احتكاكهم بأهلها.

فمع ما كان في نظام الامتيازات، والحالة كذلك، من خرق لمبدأ سيادة الحكومة المحلية المطلقة في دائرة أملاكها، فإن مضاره العملية لم تكن محسوسة، لغض الحكومة المحلية نظرها عن الاهتمام بشئون الأجانب المحضة التي لا مساس لها بأنظمتها أو بحقوق رعاياها؛ ولاعتبارها أولئك الأجانب هملًا؛ لهم ما للهمل، الدائرين في الأسواق والشوارع والأزقة، من استقلال في الحياة؛ وعليهم ما على أولئك الهمل، فيما لو تعرضوا للأهالي بسوء أو تعدوا على أشيائهم.

وأما في مصر — لا سيما بعد أن أزال (محمد علي) كل الحواجز التي كانت بين حياة الأجانب وحياة الهيئة الاجتماعية المصرية، وفتح أبواب المهاجرة إلى وادي النيل، واسعة، أمام الغربيين، وعلى الأخص بعد وفاته، وتواري قوة يده المتينة الثابتة؛ وبعد أن لفظت حوادث أوروبا السياسية في سنة ١٨٤٨ عددًا كبيرًا من المهاجرين إلى القطر المصري؛ وضاعفت، بل جعلت حرية التجارة وحرب القرم، وعلى الأخص، الأمن المخيم على البلاد، عدد الجاليات الغربية ثلاثة أضعاف ما كان — فإن نظام تلك الامتيازات خرج عن حدود دائرته بالمرة؛ وما فتئ قناصل الدول، اعتمادًا على ما لحكوماتهم من قوة، واغتنامًا لضعف خليفتي (محمد علي) و(إبراهيم) السياسي، يفتاتون على حقوق السلطة المحلية التشريعية والقضائية، حتى هدموا كل أركانها، وأصبحوا منها في مركز العزيز من الذليل، والحاكم من المحكوم.

فلم يعودوا يكتفون بالنظر في شئون رعاياهم المدنية والتجارية المحضة، المنفصلة عن الشئون المحلية عينها، ولا بحماية رعاياهم من جور الحكام المحليين الاحتمالي، أو إبعاد الحيف والضيم عنهم؛ بل تعدوا ذلك:
  • أولًا: إلى انتزاع كل سلطة جزائية على أولئك الأجانب من أيدي الحكومة، وجعلها من اختصاصهم، دونها، وبدون تداخلها في النظر في المخالفات والجنح والجنايات المرتكبة عن رعايا دولهم، حتى في التي تحدث أضرارًا بالرعايا الوطنيين.
  • ثانيًا: إلى إلزام هؤلاء الأهالي ذاتهم بالمثول أمام محاكمهم القنصلية، في دعاويهم المرفوعة على رعايا حكومات أولئك القناصل، تطبيقًا للمبدأ القانوني الروماني الناص بأن «المدعي إنما يقاضي المدعى عليه أمام محكمة المدعى عليه عينه»؛ ثم وصلوا، في تعدياتهم الجائرة على حقوق الحكومة المحلية، إلى حد داسوا معه — فيما يختص برعاياهم، متى كانوا مدعين، والوطنيون مدعى عليهم — على ذات المبدأ الروماني الذي قرروه؛ زعمًا منهم أن حقوق الأجانب لا يؤمن عليها في المحاكم الأهلية، وأنهم لا يجدون في أخلاق القضاة الوطنيين ما يقيمون عليه ثقتهم في قضائه، فأجبروا نفس المقاضي من أهل البلاد على المثول أمام محكمة مقاضيه القنصلية، وحاكموه؛ ثم ألزموا الحكومة المصرية، عن طريق المخابرات والتهديدات السياسية، بتنفيذ أحكامهم على رعاياها، رغم أنفها، ولو كان حكمهم جائرًا.

وإنما توسلوا إلى إلزام الأهالي بذلك بوسيلتين اتخذوهما من سوء استعمالهم ما منحتهم الامتيازات من حق حضور التنفيذ بأنفسهم وحق حضور تراجمتهم محاكمة الأجانب أمام محاكم السلطة المحلية، فإن أولئك التراجمة — ولم يكونوا يتقاضون من القنصليات سوى ثلاثين أو ستين فرنكًا، كمرتب شهري — كانوا، لأسباب شخصية لا تغيب عن فطنة اللبيب، يهملون الذهاب إلى المحاكم المحلية في القضايا المرفوعة على رعايا قنصلياتهم، فلا تستطيع هذه المحاكم إصدار أحكامها وهم غائبون، أو في حال غياب المدعى عليهم — المتخلفين عن الحضور، لتأكدهم من غياب التراجمة — فتتأجل القضايا أيامًا وأشهرًا، حتى يضجر المدعون من الأهالي، ويلجأوا إلى قناصل خصومهم في أمل نيل حمايتهم؛ والقناصل، بدلًا من إرسال الجميع مصحوبين بتراجمتهم إلى منصة القضاء الأهلي، طفقوا يجلسون هم أنفسهم، قضاة بين الفريقين، ولما كان معظمهم، إلا قناصل الدول الكبرى، تجارًا، فإنهم ارتاحوا إلى الأمر جدًّا، لأنهم رأوا فيه إمكان قيامهم قضاة في دعاوى قد ترفع عليهم أو منهم بصفتهم تجارًا. كذلك كان القناصل يتخلفون عن حضور تنفيذ الأحكام الصادرة ضد رعايا دولهم من المحاكم المحلية، فيعطل التنفيذ أيامًا وأشهرًا، بالمثل، حتى يضطر من حكم لمصلحتهم من الأهالي أن يخضعوا للقضاء القنصلي، وهم يؤملون — وكثيرًا ما كانت آمالهم تذهب أدراج الرياح — أن يستطيعوا تنفيذ حكم يصدره القنصل نفسه في مصلحتهم.

وليت القناصل وقفوا عند هذا التجاوز الأخير؛ ولكنهم تعدوه التعدي النهائي، أيضًا؛ وبلغ من تطرفهم في الغطرسة والخيلاء أنهم استدعوا ذات حكومة البلاد أمام منصة محاكمهم، وحاكموها وحكموا في أغلب الأحيان عليها، لمصلحة رعاياهم، بتعويضات باهظة، كثيرًا ما كانت تثقل كاهلها، وبلغت في أربع سنين فقط؛ أي: ما بين سنة ١٨٦٤ وسنة ١٨٦٨ ما يقرب من ثلاثة ملايين من الجنيهات، وذلك بحجة إقدامها على فسخ عقود أبرمتها مع أولئك الأجانب أو على أعمال أوجبت فسخ تلك العقود!

على أن جميع تعديات القناصل هذه لو كانت تجاوزات ونزعات غطرسة فقط، لهان الخطب وقلت فداحته، ولكنها أوجبت اضطراب مجاري العدالة اضطرابًا لم يعد يمكن معه إقامة معالم للعدل مطلقًا، وأضاع الحقوق كلها، وذلك لثلاثة أسباب أساسية:
  • الأول: أن تلك المحاكم القنصلية لم تكن متضامنة في تشريعها وأحكامها، بل ولا مرتبطة ولو مجرد ارتباط ذوقي بعضها ببعض: فكل منها كانت، من جهة، تطبق قوانين دولتها؛ ولا تعترف، من جهة أخرى، بالأحكام التي تصدرها زميلاتها.

    ونتيجة ذلك أن المدعي كان يضطر، متى تعدد المدعى عليهم، إلى رفع قضيته الواحدة أمام كل محكمة من محاكم خصومه المتعددي القنصلية، وإلى اتباع إجراءات قانونية مختلفة، ربما أدى جهله بأحدها إلى بطلان دعواه شكلًا؛ فإذا صحت إجراءاته كلها، وأصدرت تلك المحاكم المتعددة أحكامها، فإنه كثيرًا ما كان يحدث أن بعضًا من تلك الأحكام كان يناقض البعض الآخر مناقضة كلية: فيكسب المدعي هنا، ويخسر هناك — وأمر الوكالة ذات الزوايا السبع بالإسكندرية، وتضارب الأحكام في كل من زواياها، لا يزال حاضرًا ذهن الشيوخ منا.

    ولما كان من السهل على المدعى عليه الذي خسر أن يلبس رداءه القضائي لغيره من جنسية المدعى عليه الذي كسب، وذلك بواسطة تحويل بسيط؛ فإن المدعي الذي كسب كان يضطر، في مثل هذه الحال، إما إلى إعادة دعواه ضد خصمه الجديد أمام المحكمة القنصلية التي حكمت لغير مصلحته، والتي كان لا بد لها، إذًا، من أن تحكم ضده مرة أخرى؛ إما أن يكل أمر التعويض عليه إلى الله ويحتمل خسارته صابرًا؛ وإما أن يلجأ إلى الاستئناف بعد الفراغ من كل تقاض ابتدائي.

    على أن مجرد تصور الراغب في التقاضي مجموعة العقبات القائمة أمامه في مثل تلك الأحوال، ومبلغ المصاريف والنفقات التي سيضطر إلى بذلها لكي يبلغ النهاية؛ ثم تخيله أنه قد لا تكون هناك نهاية لتقاضيه، حتى بعد الاستئناف، إزاء سهولة تحويل الحقوق، وعدم تقيد المحاكم بالأحكام التي تصدرها الواحدة منها، كانا كافيين لتثبيط عزيمته وعدوله عن كل مقاضاة، والرضا بضياع حقوقه.

    هكذا حدث لشركة قناة السويس، فإنها أجّرت بيتًا لها في بورسعيد إلى أجنبي هناك؛ فتأخر عن دفع ما عليه؛ فأعلنته أمام محكمته القنصلية؛ فتنازل عن الإيجار لأجنبي آخر من غير جنسيته؛ فأهملت الشركة القضية الأولى، ورفعت قضية أخرى أمام محكمة الأجنبي الجديد؛ فتنازل هذا عن الإيجار إلى أجنبي آخر من جنسية خلاف جنسيته؛ فاضطرت الشركة إلى إهمال القضية الثانية، ورفع قضية ثالثة؛ ففعل الثالث ما فعل الثاني؛ فيئست الشركة من إمكان حصولها على حقوقها؛ فأهملتها، ولم تعد إلى المطالبة بها إلا بعد تأسيس المحاكم المختلطة.

  • الثاني: أن تلك المحاكم القنصلية لم يكن يهمها الحق، على العموم، بقدر ما كانت تهمها مصلحة رعايا دولتها: لأن كل قنصل، إلا ما ندر، كان يعتبر أن الغرض من وجوده في البلاد إنما هو الدفاع عن مواطنيه، سواء أكانوا مظلومين أم ظالمين؛ وأن ينصرهم، أكان الحق في جانبهم أم عليهم، ونتيجة ذلك أن المحكمة القنصلية، مهما كانت جنسية المدعي، كانت، تقريبًا دائمًا، في جانب المدعى عليه، مبدئيًّا؛ تتحزب له تحزبًا بينًا، تمتعض منه كل نفس تشعر، ولو قليلًا، بثقل الحيف ومضاضته.

    أما إذا كان المدعي من الأهالي، فمقابلة محاكم البلاد عمل المحاكم القنصلية بالمثل كان متعذرًا، لعدم تمكنها من محاكمة أجنبي على الإطلاق، بعدما ثبت في العادات القضائية حق تنصل الأجانب من اختصاصها، سواء أكانوا مدعين أم مدعى عليهم.

    وأما إذا كان المدعي أجنبيًّا، فإن قنصليته كانت تتحين الفرص لتعامل مواطني المدعى عليه التي تحيزت قنصليته له على قاعدة «العين بالعين والسن بالسن».

    مثال ذلك ما فعله المسيو تريكو، أحد قناصل فرنسا بالإسكندرية، بيوناني من هذه المدينة، وتفصيله: أن يونانيًّا رفع على فرنساوي، أمام محكمة المسيو تريكو هذا القنصلية، قضية طالب خصمه فيها بدفع مبلغ استحق عليه بموجب سند موقع منه، وكان لا بد للمحكمة من أن تحكم على الفرنساوي بدفعه، إلا إذا سجلت على نفسها الجور والظلم، فلما فتحت الجلسة، ونودي على القضية، وحضر اليوناني وخصمه أمام المسيو تريكو، سأل هذا القنصل اليوناني قائلًا: «أأنت يوناني من رعايا الحكومة المحلية أم يوناني من رعايا دولة اليونان؟» فأجاب الرجل: «أنا يوناني من رعايا دولة اليونان»، فالتفت المسيو تريكو إلى كاتب الجلسة وقال: «شطبت القضية» ثم وجه كلامه إلى المدعي وقال: «لا شأن لك عندي؛ اذهب وقل لقنصلك إنه متى عامل الفرنساويين الذين يتقاضون أمامه بالعدل، أعامل أنا أيضًا بالعدل اليونان المتقاضين أمامي».

  • الثالث: هو أن تلك المحاكم القنصلية إنما كانت ابتدائية فقط، وأن استئناف الأحكام الصادرة منها كان يجب أن يُرفع إلى إحدى محاكم أول درجة في وطن المدعى عليه، فإذا كان هذا فرنساويًّا، مثلًا، كان استئناف الأحكام الصادرة من قنصليته بالقطر المصري إلى محكمة «إكس»؛ وإذا كان طليانيًّا، فإلى محكمة «انكونا»؛ وإذا كان يونانيًّا، فإلى محكمة «أثينا»؛ وإذا كان بريطانيًّا، فإلى محكمة «لندن»؛ وإذا كان نمساويًّا، فإلى محكمة «تريستي»؛ وإذا كان بروسيًّا أو ألمانيًّا، فإلى محكمة «برلين» أو إحدى المحاكم الألمانية الأخرى؛ وإذا كان أمريكيًّا، فإلى محكمة «نيويورك»؛ وهلم جرًّا.

وكان من شأن هذا النظام أن يتكبد المستأنف مصاريف جمة قد ترهقه إرهاقًا، وأن يضيع من الوقت والمناسبات المصلحية ما قد يضربه أضعاف الإضرار الناجم له عن الحكم المستأنف الذي رآه مجحفًا بحقوقه، فيما لو امتثل له ورضي به.

ولكنه لو حمل نفسه على تكبد تلك المصاريف وتضييع ذلك الوقت وتلك المناسبات، وأمكنه، بعد التعب والعناء الشديد، البلوغ إلى استصدار حكم يلغي الحكم المستأنف، هل كان في استطاعته أن يعتقد أنه بلغ نهاية متاعبه ونال المبتغى؟ كلا.

فإن خصمه قد يكون — أثناء المقاضاة في أوروبا أو أمريكا — حول حقه إلى شخص ثالث من غير جنسيته؛ فلا يعود من المستطاع تنفيذ الحكم الاستئنافي ضده؛ ويضطر المتقاضي المسكين إلى إعادة دعواه ضد الشخص الثالث المحول الحق إليه، وهو لا يتوقع إلا أن يكرر هذا الشخص أيضًا الملعوب عينه، وهكذا إلى ما لا نهاية له فيفضل، إزاء ذلك، التنكب عن كل مطالبة!

وفي جميع هذه العراقيل القضائية من الإضرار بالمعاملة وتوقيف حركة التجارة والأشغال، ما نحن في غنى عن شرحه.

على أن الذي كان يثير الانفعالات في النفوس، ويحمل القلوب على الامتعاض الشديد أكثر من ضياع الحقوق المدنية، على ما كان في ضياعها من المضاضة، كيفية القيام بالعدالة الجزائية.

فبينما السلطة المحلية، في تركيا، تقبض بنفسها على المجرم وتحاكمه أمام محاكمها الجنائية، سواء ارتكب جريمته ضد أحد الأهالي أم ضد أجنبي مثله، وتنفذ فيه الحكم الذي تصدره تلك المحاكم، كأنه أحد رعاياها، لا يميزه عنهم مميز، كانت السلطة بمصر لا تكاد تتجاسر على إلقاء القبض على الجاني الأجنبي، وتكاد تحتاج في ذلك إلى استئذان قنصليته، وإحضار أحد قواصيها أو مترجميها ليكون شاهدًا على أن القبض لم يتعد فيه الواجب، ولا سبب إهانة لحضرة المجرم، فإذا قبضت عليه سلمته إلى قنصليته لترى شأنها فيه، سواء أكانت الجناية واقعة من الجاني على أحد الأهالي أم على أحد الأجانب.

ولما كانت نزعات القنصليات ما عرفنا، وكانت محاكمة الجناة أمام أقرب محكمة من محاكم بلادهم الأصلية؛ وكان، من جهة أخرى، يصعب، بل يتعذر إقامة البينات على ارتكاب المتهم للجناية المعزوة إليه، في بلاد تبعد آلاف الأميال عن محل وقوعها، وفي محكمة يأبى شهود الواقعة السفر للمثول أمامها، وتأدية شهادتهم بين يديها، كانت النتيجة مائة في المائة، عادة، تبرئة ذلك الجاني، وعودته إلى القطر، وقد أصبح الخواجا ديمتري نيو بولو، مثلًا، بعد أن كان سبيرو قسطندي؛ والخواجا مرتينو ڨيتش، بعد أن كان الخواجا يني؛ وأنه أصبح ذا لحية كثة، بعد أن كان حليقًا؛ أو حليق الشارب، بعد أن كان يجدله كأنه عنترة زمانه أو أبو زيد الهلالي سلامة؛ كل هذا كان يجري في قطر عشرة في المائة، على الأقل، من التسعين ألف أجنبي أو يزيدون، المقيمين فيه، من أكبر الأشرار العائثين في الأرض فسادًا.

فكانت الحال، إذًا، لا تحتمل؛ وجديرة بأن لا يسكت عليها ذوو الاستقامة من الأجانب أنفسهم؛ فكيف بالحكومة المحلية، وقد بلغت الروح منها الترقوة في هذا الشأن، وعلا ضجيجها من الافتيات على حقوقها والإضرار بها وبرعاياها.

وكان (إسماعيل)، منذ جعلته كارثة كفر الزيات ولي عهد السدة المصرية، قد أقبل يتبحر في علم الحقوق عامة، وعلم الحقوق الدولية خاصة؛ واتخذ الأستاذ پيني معلمًا في ذلك، ومرشدًا ومعينًا، حتى أصبح يدري ما له وما عليه، يوم يقوم على منصة الأحكام، دراية تامة؛٢ فلم يكن والحالة هذه ليستطيع صبرًا على تعدد السلطات القضائية والتنفيذية في بلاده، فأوعز إلى نوبار باشا، وزيره الحكيم، وأكثر رجال دولته ميلًا إلى الأخذ بأسباب المدنية العصرية، وأعرفهم بأساليب السياسة الغربية؛ فوضع ذلك الوزير في سنة ١٨٦٧ مذكرة لمولاه فصل فيها، بإفصاح ولهجة شديدة، عيوب ذلك النظام القضائي، وسوء تأثير مجاريه على نجاح البلاد وتقدمها المادي والأدبي معًا؛ وبرهن على أنه عقبة في سبيل المصالح الأجنبية ذاتها، وفي سبيل استقدام أصحاب الكفاءة من الغربيين لتسليمهم زمام الأعمال والأشغال العمومية التي يحتاج فيها إلى علم وفن متخصصين، لا وجود لهما في دائرة البلاد المصرية.

فأما أنه عقبة في سبيل المصالح الأجنبية، فلأن الأخذ بمبدأ القانون الروماني القائل «إن المدعي يقاضي أمام المحكمة التابع لها المدعى عليه»، ولأن استئناف الأحكام القنصلية أمام المحاكم الغربية في بلاد القنصليات الغربية، موجبان لارتباك التقاضي، وضياع الحقوق، فيما يختص بالأجانب، كما أنهما موجبان ذلك فيما يختص بالأهالي سواء بسواء.

وأما أنه عقبة في سبيل استقدام ذوي الكفاءة من الغربيين، فلأن الحكومة المحلية — إزاء تحيز القنصليات لرعاياها، وأخذها بناصرهم، محقين كانوا أو على باطل؛ ولا سيما إزاء التجاء تلك القنصليات إلى الوسائل والمؤثرات السياسية في تنفيذ أحكام التضمينات الجائرة التي تصدرها؛ وعلى الأخص بعد العبر التي ألقى الماضي دروسها المرة عليها؛ وبعد أن لدغت من الحجر عينه أكثر من مائة مرة، مع أنه كان الأجدر بها أن تأخذ بقول النبي : «لا يلدغ المؤمن من جحر مرتين» — أصبحت لا تستطيع مطلقًا استقدام أجنبي متخصص في علم أو فن، لتستخدمه في مصالحها، خوفًا من أن يسيء استعمال سلاح المطالبة بتعويض وهو السلاح الموضوع في يده من ذلك النظام الجائر.

وختم نوبار باشا مذكرته بأدلة ناصعة تفيد إفادة تامة أن المنتفعين، وحدهم، من ذلك النظام إنما هم الآثمون المجرمون، أولًا، فالمشاغبون المخاتلون بعدهم؛ وقال: «إنه لا يليق، إذًا، أن تبقى الحكومة المصرية والدول الأجنبية محافظة على نظام هذه ماهيته، استبقاء لتجاوزات ضج منها كل الرجال المستقيمة نواياهم، الحقة مطالبهم».

وعلى ذلك، اقترح إبدال النظام السيئ المختل، بنظام آخر يحافظ على روح الامتيازات الممنوحة للأجانب، وينشئ في الوقت عينه ضمانات لحقوقهم خيرًا من التي يتمتعون بها تحت ظل حرفية تلك الامتيازات.

وكان المنتظر أن يقع هذا الاقتراح من الجاليات الأجنبية في القطر موقعه من الحكومة المصرية والمصلحة العامة؛ وأن يقوم أصحاب الحجا وذوو الأفهام، على الأقل، في تلك الجاليات إلى تحبيذه، وتقريب الفوائد الناجمة عن إخراجه إلى حيز الفعل من إفهام قصيري النظر والإدراك من مواطنيهم.

ولكن الواقع خالف المنتظر مخالفة كلية، وجاء معاكسًا له تمام المعاكسة.

فإن أصحاب الامتيازات، على اختلاف جنسياتهم، ما عدا الإنجليز منهم، هبوا هبة واحدة لتقبيح اقتراح نوبار باشا، والتمسك بالقديم المعمول به، وتحذير حكوماتهم من الموافقة على تغييره أو تعديله، بدعوى أن التنكب عنه مفض إلى ضياع حقوقهم وتعريضهم إلى هوى السلطة المصرية الاستبدادية.

لذلك لما عرضت مذكرة وزير (إسماعيل) واقتراحه على الحكومة الفرنساوية — لأنها كانت في ذلك الحين صاحبة أكبر نفوذ في مصر وعينت تلك الحكومة لجنة خاصة مؤلفة من أفاضل رجال التشريع والقانون في باريس لفحص الأمر وتمحيصه، فإن هذه اللجنة بالرغم من الإيضاحات الوافية التي قدمها إليها نوبار باشا في ٣ ديسمبر سنة ١٨٦٧، إذ كان في تلك العاصمة، وبين بموجبها ماهية الضمانات الموجودة لمصالح الأجانب في الإصلاح القضائي المقترح — قررت عدم صلاحية المشروع، ووجوب بقاء القديم على ما هو عليه، فصادقت الحكومة الفرنساوية على قرارها، عقب تقرير عزز الوزير المسيو دي مستييه ذلك القرار به، فظن الملأ، لحظة، أن المشروع المصري ولد ميتًا.

ولكنهم ما لبثوا أن رأوا نوبار باشا يهب ويفند، في رده على المسيو دي مستييه المؤرخ ٢٨ يولية سنة ١٨٦٨، مزاعم هذا الوزير ويدحضها دحضًا تامًّا؛ وما لبثوا إلا وعلموا أن حظ المشروع، لدى الحكومة الإنجليزية، كان غير حظه لدى الحكومة الفرنساوية؛ وأن اللورد ستانلي — وهو الذي أصبح، فيما بعد، اللورد دربي — وزير الخارجية البريطانية قرر بصراحة أن التجاوزات التي تتشكي الحكومة المصرية منها ضارة حقيقه بمصالح كل أصحاب الشأن، وغير قائمة على وفاق دولي ما، أو مستندة إلى معاهدة أو تعهد البتة؛ وأنه وعد نوبار باشا بتعضيد حكومة جلالة الملكة، القلبية، له في كل مجهود يبذله لإزالة الحال المشكو منها، وتقرير الإصلاح المقترح، فيما لو أمكنه الحصول على موافقة باقي الحكومات.

ولما كان هذا الوعد بمثابة تشجيع لنوبار باشا على مواصلة سعيه، فإن (إسماعيل) أمر وزيره ببذل أقصى مجهوده لنيل تلك الموافقة، وزوده بتفويض مطلق ليجري كل ما يراه لازمًا، وأن ينفق كل ما يرى إنفاقه من النقود في سبيل البلوغ إلى الغرض المقصود، وإنما فتح له اعتمادًا لا حد له في الصرف؛ لأن الحكومة العثمانية رأت، في تلك الإثناء، أن تقوم لتعاكس المشروع، وتقضي عليه؛ فأرسلت إلى (إسماعيل) مذكرة تهديدية ورد فيها، ضمن تعبيرات أخرى، الجمل الآتية: «إن سموكم أدرى الناس بأن مصر، فيما عدا بعض الامتيازات المقررة لشخصكم، لا تختلف في شيء ما مطلقًا عن باقي ولايات السلطنة، ولا يجوز لإدارتها الدخول مباشرة في مخابرات مع الدول الغربية، أو ربط علاقات معها رأسًا، فالمخابرات، والحالة هذه، التي تحاول إجراءها لتنال، في مصلحتها، تغيير المعاهدات القائمة، إنما هي، في الحقيقة، تعديات على حقوق الباب العالي، وتجاوزات لا يصح السكوت عليها».

وغاب عن فكر تركيا ما أثبته، فيما بعد، القنصل الأمريكاني إدون دي ليون، في كتابه المسمى «مصر الخديوي» السابق لنا الرجوع إليه مرارًا أن فكرة المحاكم المختلطة فكرة تركية أبديت في الخط الهمايوني المجيدي الصادر سنة ١٨٥٦، وأعلنت إلى الأمير (محمد سعيد) ليعمل بها، فهز (سعيد) كتفيه استخفافًا؛ ولكنه عرضها، مع ذلك، على قناصل الدول العموميين، ليروا رأيهم فيها؛ فرفضوها، لزعمهم أن أناسًا كسكان مصر في ذلك العهد — وليتنا نستطيع أن لا نقول كسكان مصر في هذا العهد، أيضًا — يهمهم أن يعيشوا حياتهم «منفصلين، وأن يدفنوا منفصلين كذلك بعضهم عن بعض، كل في مقبرته، إذا جمعوا معًا ليكونوا محكمة مؤلفة من عدة مسلمين، وأرمنيين، ولاتينيين، ومسيحيين روميين أرثوذكسيين، ومسيحيين روميين كاثوليكيين، وقبطين أرثوذكسيين، وقبطيين كاثوليكيين، وحاخاميين، قد يحتاجون، لكي يمنعوا من أن يخنق بعضهم بعضًا، إلى أن يستعمل معهم، بسخاء، الكرباج،٣ أسمى أدوات القضاء الشرقي»، وغاب عنها أيضًا أن شريف باشا، في ٧ يولية سنة ١٨٦٠، أعاد تلك الفكرة إلى الأذهان، بدعوى أن الدول الموقعة على معاهدة سنة ١٨٤١ قبلت بإنشاء محكمة مختلطة دولية؛ وأنها لم تعارض حينذاك في إخراج اقتراحه إلى حيز الوجود؛ مع أن البلاد لم تكن لتستفيد منه مطلقًا:
  • أولًا: لأن المحكمة التي اقترح إنشاءها لم تكن لتكون من قضاة ثابتين بمرتبات شهرية معلومة مقررة؛ بل من أفراد يختارون للفصل في كل قضية على حدة مقابل إعطاء الواحد منهم خمسة جنيهات عن كل جلسة تعقد للنظر فيها — وهو ما كان من شأنه حملهم على موالاة عقد الجلسات، وتأجيلها إلى ما شاء الله، ليصيبوا المغنم الجميل المخصص لهم، لا سيما إذا ساعدهم على ذلك سعي متقاض سيء النية، يهمه أن لا يبت حكم في قضيته.
  • ثانيًا: لأن التأمين الذي فرض دفعه على المتقاضين لرفع دعاويهم إلى تلك المحكمة كان بالطبع جسيمًا جدًّا، للتمكن من دفع تلك الجنيهات الخمسة إلى كل قاض في كل جلسة من الجلسات التي يُدعى إلى الجلوس فيها مهما كان عددها!٤
ولعل الذي حمل الحكومة العثمانية على عدم المعارضة في مشروع شريف باشا، ارتياح قلبها إلى أنه جعل النظر في استئناف الأحكام التي تصدرها، ابتدائيًّا، المحاكم المختلطة الملتئمة بمصر، على النمط المذكور، من اختصاص محكمة الأستانة الاستئنافية دون غيرها!٥
فأقبل نوبار، إذًا، يدأب ويسعى ليلًا ونهارًا، ويبذل النقود حيث يجب بذلها، وينفقها إنفاقًا حكيمًا، لحمل الصحافة على الانضمام إليه وشد أزره؛ ويزيل ما علق في أذهان رجال بطرسبرج وأثينا من المخاوف، من أن يؤدي الإصلاح المطلوب إجراؤه بمصر إلى زعزعة أركان الامتيازات في باقي أنحاء السلطنة العثمانية، لا سيما فيما كان منها تحت إدارة الباب العالي مباشرة؛ ويعمل — عقب موت المسيو دي مستييه، واستلام المركيز دي لاڨاليت زمام وزارة الخارجية الفرنساوية بعده وقبوله مبدئيًّا إجراء مخابرات بين فرنسا ومصر رأسًا، خارجًا عن اشتراك باقي الدول، بخصوص الإصلاح المطلوب — على تهدئة بال تلك الدول المنزعج، وعلى جمع كلمتها كلها، لا سيما فيما يتعلق بعدم خروج الخديو عن دائرة اختصاصاته وحقوقه في المساعي المبذولة، بعكس ما كان يزعم الباب العالي، حتى تمكن، بعد سنتين من جهود عنيفة وسفرات متوالية إلى أهم العواصم الأوروبية، من حمل الحكومات الفرنساوية والبريطانية والنمساوية والپروسيانية والروسية والإيطالية:
  • أولًا: على تعيين لجنة مؤلفة من قناصلها بمصر وبعض مبعوثين خصوصيين للاجتماع في القاهرة، في شهر أكتوبر سنة ١٨٦٩، والبحث في مسألة الإصلاحات الواجب إدخالها على النظام القضائي بمصر.
  • ثانيًا: على تفهيم الباب العالي بأنه ليس في اجتماع تلك اللجنة وبحثها ما يمس، بأي نوع من الأنواع، بحقوق الدولة السيادية، من جهة؛ وأنه ليس ما يخول الباب العالي الحق في مطالبة الدول بأن كل اتفاق يجري بينها وبين تابعاته من الولايات ذات الاستقلال الداخلي، التي تدفع له جزية، يجب أن يسري على جميع الولايات الشاهانية، من جهة أخرى.

فلما تم ذلك، أعلم الخديو مجلس النواب في اجتماعه المنعقد في شهر فبراير سنة ١٨٦٩ وبشرهم باجتياز حكومته العقبات القائمة في سبيل إرضاء الحكومات الغربية، مبدئيًّا، بإجراء الإصلاحات القضائية المطلوبة.

وفي ٢٨ أكتوبر من ذات سنة ١٨٦٩ اجتمعت اللجنة الدولية بمصر في دار نوبار باشا وتحت رياسته، فإذا بها مشكلة من كل من الهرفون شراييز معتمد دولة النمسا والمجر وقنصلها العام بالقطر المصري؛ والهرفون تيريمين معتمد الاتحاد الألماني الشمالي وقنصله العام لدى الحكومة المصرية ومعه الدكتور نيرنز نائب قنصل ذلك الاتحاد بالقاهرة؛ والكرنل ستانتن معتمد بريطانيا العظمى وقنصلها العام في القطر المصري ومعه السير فيليب فرنسيس القاضي بالمجلس الأعلى البريطاني في الأستانة؛ والمسيو دي مرتينو معتمد دولة إيطاليا وقنصلها العام بالقطر المصري ومعه السنيور چياكوني المستشار بمحكمة استئناف بريشيا؛ والمسيو دي لكس قنصل روسيا العام بمصر؛ والمسيو ارتير تريكو قنصل فرنسا بالقاهرة ومعه المسيو پيتري القنصل القاضي ووكيل القنصلية الفرنساوية بالإسكندرية.

فقدم نوبار باشا إليها المسيو پاتر نستروبك، والمسيو كيسل المحاميين، بصفتهما مستشاري الحكومة المصرية في المسائل القانونية؛ واقترح عليها تعيين المسيو مونوري المحامي الفرنساوي، كاتبًا لأسرار الجلسات؛ فقبل اقتراحه، واستلم الرجل مهام وظيفته، وفتحت الجلسة في الحال.

فأفصح نوبار عن غرض الاجتماع، وأنه ليس من السياسة على شيء؛ وبين الضرورة الداعية إلى إجراء الإصلاح القضائي المرغوب فيه؛ وسأل. إذا كان لا يحسن، والحالة هذه، إشراك قناصل الدول، التي لا ممثل لها، في المباحثات المزمعة، فاقترح قنصل الإتحاد الألماني الشمالي استدعاء قنصل اليونان العام، على الأقل، بسبب عدد اليونان الكبير، المقيمين بالقطر؛ ولكن المسيو تريكو قال: إن المندوبين غير مختصين باستدعاء أحد، وأن مخاطبة قنصليات تلك الدول، وأخطارها بانعقاد اللجنة، وإلفات نظرها إلى المناقشات الدائرة، لشأن من شئون الحكومة المصرية، فصودق على رأيه، وبوشرت الأعمال.

فقرر المندوبون، أولًا، أن الآراء إنما تكون استشارية، لا تقيد دولهم في شيء؛ ثم سلم نوبار باشا كل واحد منهم نسخة من المشروع ليكون قاعدة للمناقشات التالية، فرغب مندوبو بروسيا إليه بأن يعطي كلًّا من المندوبين نسخة، أيضًا، من التقرير الذي ردت به اللجنة الفرنساوية بباريس على اقتراح الحكومة المصرية، فأجاب نوبار بالإيجاب، وتأجلت الجلسة إلى يوم السبت ٦ نوفمبر، للمناقشة في صوابية إحلال قضاء واحد مشمول بالضمانات الكافية محل القضاءات السبعة عشر الموجودة في القطر.

وفي جلسة ٦ نوفمبر بحثت اللجنة، أولًا، فيما إذا كان يحسن أن يقدم بأعمالها تقرير عام، أم يكتفي بتقرير فردي يقدمه كل مندوب عن رأيه إلى دولته، فبعد ما دارت المناقشة في ذلك بين الأعضاء، قرر مندوبو النمسا والمجر وبريطانيا العظمى وإيطاليا والروسيا وجوب وضع تقرير عام يوقعه الجميع، ورأى مندوبا الاتحاد الألماني الشمالي أن لا يكون، هناك، شغل عام، وذهب مندوبا فرنسا إلى أن اللجنة لجنة تحقيق، وأن لا داعي، بالتالي، إلى أخذ الأصوات في هذه المسألة ولا في غيرها.

ثم سأل نوبار باشا الأعضاء عما رآه كل منهم في المشروع الذي أعطيت إليه نسخة منه في الجلسة الماضية، فأجل مندوب النمسا والمجر رده ريثما يصل زميله الهرفسكوه من أوروبا، وقال مندوبا الاتحاد الألماني الشمالي إنه يجب معرفة ما هي الأدواء المشتكى منها في النظام القضائي القنصلي، قبل البحث عن الأدوية التي يجب أن تعالج بها، وانبرى المسيو چياكوني فأوضح أن النظام القضائي القنصلي لا يجوز في شيء على المعاهدات الامتيازية والعادات، ولكنه يوجب عراقيل في سبيل العدالة وانتشار قوى المدنية في القطر المصري، كما أن نظام المحاكم المصرية يوجب مثلها وأكبر شأنًا، وأبان، بالتالي، أن الطريقة الوحيدة لإصلاح ذلك هي ما تقترحه الحكومة المصرية من إنشاء محاكم في بلادها على النمط الأوروبي، ومن سن تشريع يتناسب مع التشريع الغربي، ثم تكلم بما يفيد أنه درس المشروع درسًا تامًّا، واقترح تعديلات جمة معقولة عليه — أخذ فيما بعد بمعظمها — وتلا السنيور چياكوني الكرنل ستانتن؛ فقرأ، باسمه واسم زميله، مذكرة ذهبا فيها إلى أن نوبار باشا اختار الطريق القويم لإصلاح الخلل الموجود في القضاء بمصر، سواء أكان قنصليًّا أم أهليًّا؛ وأنهما — مع إبدائهما بضع ملحوظات خاصة بكيفية انتخاب القضاة الغربيين في المحاكم الإصلاحية المنوي إنشاؤها، وموضوع الرياسة، وعلنية الدفاع فيها، والمحاماة أمامها — يريان من واجبهما تعضيده في أمر إيجاد الأدوية اللازمة، حالما يتوسع في شرح مشروعه المجمل، ثم قام المندوب الروسي، ومع اعترافه بصوابية إبدال النظام القضائي القنصلي المتعدد بنظام قضائي موحد، قال: إنه يجب، قبل قبول اقتراحات الحكومة المصرية، البحث في مقدار الضمانات التي تقدمها، وصلاحيتها؛ فتقرر مدة معينة تشتغل فيها المحاكم الجديدة، على سبيل التجربة. أما المندوبان الفرنساويان، فأصرا على وجوب بحث ماهية الأدواء، قبل الافتكار بما يكون الدواء.

وبما أن أغلبية المندوبين أجمعت على أن توحيد القضاء خير من بقائه موزعًا، متضاربًا، وطلبت من الحكومة المصرية تقديم مشروع مستوف، تام الإيضاحات، ومبين الضمانات كلها، ارفضت الجلسة على أن يقدّم نوبار باشا تلك الإيضاحات في الاجتماع التالي.

وفي يوم السبت ١١ ديسمبر انعقدت الجلسة في دار نوبار وتحت رياسته؛ وقد انضم إلى اللجنة عضوان جديدان: هما الهرفون فسكوه أندپتلنجن المندوب النمساوي الثاني، وكان مستشارًا في مجلس الإمبراطورية الأوليكي الأعلى؛ والمسيو أوبرملر المندوب الروسي الثاني، وكان نائب قنصل روسيا بالإسكندرية، فأفاض نوبار باشا في بيان الأضرار الناجمة عن نظام القضاء القنصلي، والملازمة له ملازمة لا سبيل إلى تجريده منها، مهما كانت شخصية القناصل؛ وشرح مشروع الحكومة شرحًا وافيًا؛ وأجاب على ما أبداه المندوبون الإيطاليون والبريطانيون من التعديلات.

فأجمعت آراء الكل، ما عدا المندوبين الفرنساويين، على وجوب تقديم لائحة ترتيب المحاكم المنوية، مفصلة بالتدقيق، لإمكان المناقشة فيها، وأما المندوبان الفرنساويان، فقالا: إنه يجب على كل مندوب أن يقتدي بالإيطاليين والبريطانيين، ويقدم ملحوظات شخصية على المشروع الأصلي، لتزداد الحكومة المصرية تنورًا، فقال نوبار: إن الحكومة المصرية إنما تقابل، بكل ارتياح وسرور، كل ما من شأنه زيادة اطمئنان الغربيين إلى المحاكم الجديدة؛ ووعد بتقديم لائحة ترتيب لها، مفصلة تفصيلًا تامًّا، في الجلسة التالية.

هذه الجلسة عقدت في يوم الأربعاء ١٥ ديسمبر سنة ١٨٦٩، مشكلة كسابقاتها وفي المكان عينه، فقدم المندوبان الفرنساويان تقريرهما فيها، وتلياه، فإذا به يحبذ النظام القنصلي القضائي، ويدفع كل عيب عنه؛ ويرى أن الأهالي إنما استفادوا من وجوده؛ وأن من لحقهم ضرر منه، في الحقيقة، إنما هم الأجانب؛ ولكنه اعترف، مع ذلك، بأن توحيد القضاء خير من إبقائه موزعًا؛ وتناول مشروع الحكومة، فمحصه، وحبذ ما رأى تحبيذه فيه، وانتقد ما رأى انتقاده، وعلى الأخص في باب الضمانات المقدمة والمطلوبة، وأهم ما ورد فيه وجوب حضور مندوبين خصوصيين، تعينهم الدول غير القضاة، جلسات المحاكم، لإبداء آرائهم في القضايا المعروضة عليها؛ وإنشاء محكمة تمييز، فوق محكمة الاستئناف، تكون تحت رياسة وزير الحقانية — وبما أن هذه الوزارة لم تكن موجودة، فإن التقرير أشار بإنشائها — وتوحيد القانون في المواد التجارية والمدنية على السواء.

ثم قدم نوبار باشا لائحة ترتيب المحاكم الجديدة، التي وعد بها، فأجمعت الآراء على أن تبحثها اللجنة، مجتمعة، في الجلسة التالية، بعد مناقشة دارت على اقتراح قدمه المسيو تريكو، وعضده فيه زميله الفرنساوي، مؤداه تكوين لجنة خاصة لدرس تلك اللائحة، وتقديم تقرير عنها.

وفي جلسة ٢١ ديسمبر سنة ١٨٦٩ — وقد انضم إلى أعضاء الجلسات السابقة المستر تشرلزهيل معتمد الولايات المتحدة الأمريكية وقنصلها العام بالقطر المصري، بناء على تعيينه من قبل دولته — انتقد مندوبا النمسا والمجر كيفية وضع اللائحة الترتيبية للمحاكم الإصلاحية، المقدمة من نوبار باشا؛ لأن فيها حشوًّا أو تقصيرًا؛ وعرضا لائحة من صنع الهرفون فسكوه إجمالية ومفيدة، فبعد مناقشة لمعرفة أي اللائحتين تعرض للبحث، وفيما إذا كان يحسن تعيين لجنة لتحضير لائحة ثالثة تجمع بين آراء المندوبين كافة، تناول نوبار باشا بكل بساطة اللائحة التي جهزتها الحكومة المصرية، وقرأ: «هيا! لنتناقش، فليس الأمر كما ترون صعبًا!» فدارت المناقشة، إذًا، على مواد تلك اللائحة، فحذف منها اختصاص المحاكم بالنظر في القضايا القائمة بين أجنبي وأجنبي من جنسيتين مختلفتين، ولو أن جميع المندوبين أجمعوا على ترغيب حكوماتهم في تقرير اختصاص تلك المحاكم بذلك؛ وعدلت تسمية المدن التي تنشأ فيها؛ وقرر بعد مناقشة حادة إنشاء محكمة تمييز؛ ولما اتضح أن السير في المناقشات، على ذلك النمط، يطيل المباحث، ويستغرق زمنًا طويلًا، اتفقت الآراء على تعيين لجنة لترتيب مواد اللائحة، طبقًا لمنطقية تفرع الأفكار من نصوص كل مادة، فانتخب كل من حضرات المندوبين فرنسيس، وفسكوه، وچياكوني، وپييتري أعضاء لتلك اللجنة، تحت رياسة نوبار باشا.

وفي جلسة ٢٧ ديسمبر سنة ١٨٦٩، طرحت اللائحة، كما عدلتها اللجنة، على بساط البحث أمام اللجنة العامة، فناقش المندوبون موادها في تلك الجلسة وفي جلسة ٢٨ ديسمبر التالية؛ فاتضح أن كثيرين منهم، على ما لديهم من المعلومات وبالرغم من حسن نياتهم، كانوا متشبعين تشبعًا تامًّا بمؤثرات مصالح الرعايا الغربيين الوهمية، لا الحقيقية، وعوامل الرغبة في المحافظة على الامتيازات القنصلية؛ بصفة أن معظمهم أعضاء في الجسم القنصلي العام، فنجم عن ذلك أن المباحث جرت في طريق وعر، شائك، وأن مهمة نوبار باشا ظهرت محفوفة بمثبطات أكثر وأكبر مما كان يتوقع.

ولكنه تجلد وتقوى؛ ونمت عزيمته على قدر ارتفاع العقبات والصعوبات أمامها؛ وتدرع بحكمة ولطف وسعة صدر، حيث كانت هذه الصفات واجبة؛ وبروح منكتة انتقادية، حيث كان يستحب دحض المزاعم بملحة أكثر منه ببرهان وحجة؛ وأظهر من تفتق الذهن وحضوره ما كان لا بد له معه من التغلب على كل مقاومة، وأشد ما دارت المناقشة فيه كان:
  • أولًا: على مسألة إنشاء محكمة تمييز، فوق المحكمتين الابتدائية والاستئنافية، فقرر إنشاؤها مبدئيًّا، على أن يعين قانون المرافعات، فيما بعد، دائرة اختصاصاتها.
  • ثانيًا: على مسألة الرياسة في المحاكم العتيدة، وهل تكون لمصري أم لأجنبي، فقرر، في النهاية، رأي المسيو چياكوني: بأن تكون لمصري، على أن لا يرأس سوى الدوائر التي يقاضي أمامها الأهالي بعضهم بعضًا، واجتماعات المحكمة العمومية، وفي الرسميات؛ وأن تكون لأجنبي، فيما عدا ذلك، على أن يدعى الرئيس الأجنبي وكيلًا، لا رئيسًا، وحفظ نوبار باشا للمصريين الحق في الرياسة، مطلقًا، حالما يوجد بينهم من يكون لها كفئًا.
  • ثالثًا: على مسألة كيفية اختيار القضاة الأجانب وتعيينهم: هل يكون ذلك من حقوق الحكومة المصرية، أم من حقوق الحكومات الأجنبية؛ وهل تضمن للقضاة المعينين مراكزهم في بلادهم يعودون إليها إذا غادروا خدمة الحكومة المصرية، أم لا، فقرر بأن الاختيار والتعيين يكونان للحكومة المصرية، على أن لا تستدعي إلا من توافق حكومته على تعيينه، بعد أن تطلب من وزارة الحقانية، في كل دولة، بيانًا بأسماء القضاة المشهورين باللياقة والكفاءة؛ وأن الحكومة المصرية لا تدخل، مطلقًا، في أمر ضمانة حفظ مراكز المعينين لهم في بلادهم.
  • رابعًا: على مسألة تخويل الحق للأفراد في التماس محاكمة أي قاض من القضاة الأجانب؛ وهل تكون محاكمته بمعرفة أعضاء أعلى محكمة مختلطة، أم بواسطة محلفين ينتخبون من أفراد الجاليات، حفظًا لثقتها في القضاء الجديد، ففوض نوبار الرأي في ذلك للمندوبين، لعدم وجود مصلحة للحكومة المصرية في الشأن مطلقًا، ولكنه قال: إن السنيور چاكوني، صاحب الاقتراح، يبالغ في الأهمية التي يعلقها على قلق الجاليات واضطرابها المحتملين؛ لأن ذينك القلق والاضطراب ناجمان، في الحقيقة، عن جهل الجاليات ماهية المباحث الدائرة، وأثبت كلامه بأن ما قررته اللجنة، منذ البداية، من عدم اختلاطها بالخارج وجعل مداولاتها وأبحاثها أمرًا سريًّا، اتقاء لكل تشويش أدى، بعكس المقصود، إلى اضطراب حبل الطمأنينة في صدور تلك الجاليات الغربية، وإقدامها على ضروب من الحدس والتخمين جعلت كل من يقابله من ذوي الخوف على مصالحهم يبدي له اعتبارًا من نوع ما يأتي: «إذا قد عزمتم على جعلنا أتراكًا؟» أو «هكذا قررتم أن تسلموا زمام التحكم فينا للأتراك»؛ وأدت إلى إقلاق عقول بعض المندوبين أنفسهم، كما هو المشاهد من إقبالهم على بث مخاوفهم في الجلسات. على أن ذينك القلق والاضطراب يزولان متى علمت حقيقة المباحث ومراميها، والنتائج التي تؤدي إليها.

    فقرر، بعد ميل معظم المندوبين إلى تحكيم أعضاء أعلى محكمة مختلطة في الطعون التي تقدم ضد القضاة، أن يحفظ البت نهائيًّا في الأمر إلى نصوص قانون المرافعات المزمع وضعه.

  • خامسًا: على مسألة تعيين نيابة عمومية، على ما هي عليه في أوروبا، لدى المحاكم الجديدة أم عدم تعيينها، فقرر تعيينها؛ وأن يكون، مبدئيًّا، اختيار رئيسها ورجالها — ومعظمهم من الأوربيين — كاختيار رجال القضاء.
  • سادسًا: على مسألة اختصاص المحاكم الجديدة؛ وهل تحكم في القضايا بين أجانب من جنسيات مختلفة أم لا، فاشتد البحث في ذلك بين السنيور چياكوني، القائل باختصاصها، والمسيو پييتري، القائل بعدمه، فانضم المسيو تريكو إلى زميله، وقال بأن القنصليات الفرنساوية ترى نفسها مختصة بالنظر في ذات المنازعات القائمة بين الرعايا التابعين لها على عقارات موجودة في بلاد الدولة العلية، بما فيها القطر المصري: فلا ترى أن تتخلى عن النظر في القضايا الشخصية المرفوعة من أجنبي على فرنساوي، فسأله الكرنل ستانتن: «بموجب أي قانون ترى نفسها مختصة بذلك؟» فأجاب: «بموجب الأمر العالي الصادر من ملك فرنسا سنة ١٧٧٨» فقال نوبار باشا: «إنه لم يكن، في ذلك العهد، من ملك عقاري للأجانب في بلاد السلطنة العثمانية؛ بل لم يكن لهم حق اقتناء ملك عقاري فيها على الإطلاق؛ وأن (محمد علي) الكبير كان أول من منحهم عقارًا، حتى الكنائس، ليحبب إليهم النزوج إلى القطر والإقامة فيه، لعماره»، فقال السنيور چياكوني: «ما عدا كنيسة القديس مرقص والقديسة كاترينا، بالإسكندرية: فإنها كانت، منذ زمن مديد، ملك البندقيين!» فقال نوبار: «إن هذا الاستثناء يؤيد القاعدة!» ثم أثبت، بأدلة قاطعة، أن تعرض القنصليات للحكم في القضايا العقارية، تجاوز، لا حق، فوافقه على ذلك المندوبان الإنجليزيان، وختم نوبار البحث في هذه المسألة برجاء قدمه إلى المندوبين بأن يعلموا دولهم بكيفية دخول ذلك التجاوز في نظام الامتيازات القنصلية، وصيرورته بغير حق جزءًا منها.
  • سابعًا: وأخيرًا، على مسألة تنفيذ الأحكام التي تصدرها المحاكم الجديدة. هل يُكتفى بإخطار القناصل بها، وإحاطتهم علمًا بيوم التنفيذ وساعته، بدون أن يكون لهم حق في المعارضة في التنفيذ، كما أشار السنيور چياكوني، أم يجب أن تشترك في التنفيذ السلطتان المحلية والقنصلية، كما أشار المسيو پييتري؟ فاحتدم، هنا، الجدال بين الأعضاء احتدامًا عنيفًا، وأبدى المندوبان الفرنساويان من السخافة في الرأي، والتعنت، العجب العجاب، حتى لقد يخيل للمطلع على المناقشة أن يتساءل: «كيف أمكن لعقلي رجلين من ذوي النباهة كالمسيو تريكو والمسيو پييتري، أن لا يفهما الإيضاحات والبيانات الجلية المقدمة من نوبار باشا؟» وبعد أخذ ورد طويلين، أجمعت الآراء على أن رأي السنيور چياكوني أحرى بالاتباع من رأي المسيو پييتري.

وفي جلسة ٢٩ دسمبر سنة ١٨٦٩ طرح نوبار باشا على بساط البحث مسألة الإصلاح الجزائي، وطلب الاهتمام بها؛ وبين ماهية الضمانات التي ترى الحكومة المصرية أن تقدمها، لتسكن القلوب إلى إجراء ذلك الإصلاح.

فأجمع رأي المندوبين على أن الحال القضائية بمصر أحوج إلى الإصلاح الجزائي منها إلى الإصلاح المدني، ما عدا المندوبين الفرنساويين؛ فإنهما زعما أن إجراء أي تعديل كان في النظام القضائي الجزائي يعد تعديًا على الامتيازات؛ وأنهما لا يستطيعان، والحالة هذه، إقراره ولا المناقشة فيه، ولو أنهما يحضران المناقشة، لإبلاغ حكومتهما ما يدور فيها.

فشرع في بحث مواد المشروع الذي جهزه نوبار باشا، وما بدئ فيه إلا وانبرى السنيور چياكوني، وأثبت بأفصح بيان، وجوب إجراء الإصلاح الجزائي لنيل غرضين لا بد من توخيهما في وضع نظام أي عدالة جزائية كانت وهما: حماية الهيئة الاجتماعية من الآثمين، بضرب سريع على يد المذنب يكون عبرة لمرتكبي الجرائم؛ وتقديم الترضية الكافية للمجني عليهم، والنظام القضائي القنصلي خلو منهما؛ لأن التحقيق فيه يعمل كتابة، ويرسل إلى المحاكم الجزائية في البلاد الغربية لتحكم فيه؛ مع أن المجمع عليه في التقنين الأوروبي هو أن التحقيق كتابة أمر لا يجب أن يؤبه به، ولو قامت القنصليات بإرسال شهود كل واقعة إلى الخارج، لتكلفت نفقة فوق حد الطاقة، كما حدث له في سنة ١٨٦١؛ إذ كان قاضيًا إيطاليًّا بمحكمة الإسكندرية القنصلية وأرسل شهود متهم تسكاني إلى أوروبا، عملًا بالنظام التسكاني: فكلفه مجرد إرسالهم، ما عدا المصاريف الأخرى، عشرة آلاف فرنك؛ وكما كان يحدث للقنصلية الإنجليزية حينما كانت تحاكم الجناة بمصر أمام محكمة الجزاء بمالطة، فإنها كانت تعطي الشاهد أحيانًا ثمانين فرنكًا في اليوم، فوق مصاريف سفره في الدرجة الأولى، ذهابًا وإيابًا ناهيك بما قد رسخ في الأذهان من أن العدالة الخارجية لا ضمانة فيها للترضية الكافية، الواجب تقديمها لمصالح المجني عليه؛ وأن الجناة، المرسلين ليحاكموا أمامها، كثيرًا ما يعودون وقد برئت ساحتهم، لعدم توفر أدلة الإدانة أمام ذلك القضاء، مع كثرة توفرها حيث ارتكبوا جناياتهم، فلا دواء، والحالة هذه، لهذا الخلل إلا بإنشاء محاكم جزائية مختلطة منظمة، كالتي تقترح الحكومة المصرية إنشاءها؛ وبتقرير هيئة محلفين، يؤخذون من بين وجوه الجاليات الأجنبية وسراتها، ليساعدوا القضاء في مهمته.

فقال المسيو پييتري: أن لا شيء يزعج الجالية الغربية أكثر مما لو قيل لها إنها ستحاكم أمام محاكم القطر الجزائية، بدلًا من أن تحاكم أمام قنصلياتها، وأعلن الهرفون شراييز أحد المندوبين النمساويين أن ما يخاف منه، في الحقيقة، هو أن لا تكون الحكومة المصرية مخلصة في تنفيذ ما قد يعقد من الاتفاقات بينها وبين الحكومات الغربية في هذا الموضوع.

فنهض نوبار باشا، وبدد ذلك الخوف بحجج قاطعة؛ وأظهر أن مصلحة الحكومة المصرية ومصلحة الدول الغربية متفقتان تمام الاتفاق في تنفيذ كل عقد يعقد بين الفريقين في موضوع الإصلاح المرغوب فيه من الفريقين على السواء؛ ودحض مزاعم المسيو پييتري قائلًا: إن الجالية الغربية ستحاكم أمام محاكم منظمة على الطريقة الأوروبية، مشكلة معظمها من قضاة ينتخبون في أحضان الهيئة القضائية الغربية، في بلاد الغرب عينها، وأمام محلفين من وجوه رجال الجالية ذاتها، ولو أن الأحكام ستصدر متوجة باسم خديو مصر، لا أمام محاكم محلية محضة.

فأبى المسيو تريكو إلا الاستمرار على التمسك بحرفية الامتيازات، مؤكدًا، مع ذلك، أن القناصل لا يرغبون في شيء أكثر من تخليهم عن السلطة القضائية، على شرط أن يعطوا الضمانات الكافية لتسكين ضمائرهم.

فعادت اللجنة، حينئذ، إلى بحث مشروع الحكومة المصرية الجزائي ليتم وقوفها على مقدار الضمانات المقدمة فيه وماهيتها، وأهم ما دارت عليه المناقشة كيفية تكوين هيئة المحلفين؛ غير أن الآراء أجمعت، في نهاية الأمر، على ترك شأن تكوينها إلى نصوص قانون المرافعات الجزائية، والاكتفاء بوجوب تقرير تلك الهيئة، مؤقتًا، بصفة ضمانة للمتهمين.

فأكد نوبار باشا أن الحكومة المصرية ستجهز قانون عقوبات وقانون تحقيق جنايات تأمين، وستعرضهما على المندوبين: إما ليدرسوهما، وإما ليرسلوهما إلى حكوماتهم، فتشبث المسيو تريكو بأنه لا صفة للمندوبين الفرنساويين لفحص مثل هذين القانونين، فقال نوبار: «لا بأس، فالمندوبون الآخرون لا يرون هذا الرأي».

وأجمعت الآراء هذه المرة، بعد أخذها من جديد، على وجوب وضع تقرير إجمالي بنتيجة المباحث، يوقعه المندوبون، ويرسلونه إلى حكوماتهم، ولكن المندوبين الفرنساويين خالفا الإجماع، واحتفظا دون غيرهما برأيهما الأصلي.

وفي جلسة ٥ يناير سنة ١٨٧٠ قرأ نوبار باشا مذكرة وضعها الكرنل ستانتن، مفادها تأجيل ترتيب المحاكم الجزائية سنة بعد ترتيب المحاكم المدنية، ليتخذ من سير هذه مشجعًا على إنشاء تلك، أو مثبطًا له.

وكانت قد وقعت في أيام يناير الأولى حركة ضوضائية بالإسكندرية اضطرب لها الأمن العام — فقال نوبار بعد فراغه من تلاوة تلك المذكرة: «إن هناك خطرًا في التأجيل، وأن الأفضل إجراء الإصلاحين المدني والجزائي معًا».

فعارضه المسيو تريكو وقال: «بل الأفضل تأجيل إنشاء المحاكم الجزائية إلى أن تثبت المحاكم المدنية كفاءتها، وتجعل القلوب ساكنة إلى ما تقدِّمه لها من ضمانات، وأن الذنب في الحوادث الأخيرة على رئيس البوليس» فردَّ عليه نوبار باشا بأن البوليس بوليس القنصليات، في الحقيقة، لا بوليس الحكومة؛ وأن الذين قاموا بالحركة الإثمية الأخيرة إنما كانوا أوروبيين؛ أي: أن رئيس البوليس لم يكن يستطيع أن يقبض عليهم ويجري التحقيق معهم إلا بتصريح من قناصلهم؛ وأن إلقاء اللوم، والحالة هذه، على البوليس المصري أمر لا يتفق مع الإنصاف.

فأعاد المسيو چياكوني كرَّته؛ وأعلن انضمام المندوبين الإيطاليين إلى رأي الكرنل ستانتن، إذا لم يؤخذ برأيهما المؤيد لرأي نوبار باشا في وجوب إجراء الإصلاح الجزائي حالًا، فلم يبقَ سوى المندوبين الفرنساويين أحد إلا ووافق على ذلك، وارفضت الجلسة بعد أن نيط بلجنة مؤلفة من السير فرنسيس والسنيور چياكوني والمسيو پييتري، تحت رياسة نوبار باشا، تجهيز مشروع التقرير الواجب وضعه بأعمال اللجنة حتى ذلك العهد.

وفي جلسة ١٧ يناير سنة ١٨٧٠ قرئ مشروع التقرير هذا؛ فوقعه الجميع، ما عدا الدكتور نيرنز، وكان مريضًا، والهر فسكوه، وكان قد سافر، ثم قال نوبار باشا: «إن الحكومة المصرية ستجهز قانونًا للمرافعات ريثما تأتي تعليمات للمندوبين الفرنساويين والنمساويين من لدن دولهم، تصرح لهم بالمناقشة فيه».

وما لبثت اللجنة أن حررت التقرير، وبينت فيه ما آل إليه مشروع الإصلاح المقترح من الحكومة المصرية، فيما يتعلق بترتيب المحاكم الجديدة، والقضاء في الأمور المدنية، والتجارية، بعد تعديله وتحويره، فإذا به ما يأتي:
  • أولًا: استبدال الحالة القضائية الفوضوية ذات الجهات الاختصاصية المتعددة بسلطة واحدة تكون مختصة بالفصل فيما بين الأهالي والأجانب على السواء، تسلم مقاليدها إلى ثلاث محاكم ابتدائية تنشأ بالإسكندرية ومصر والزقازيق (أو الإسماعيلية) ومحكمة استئنافية عليا تجلس بالإسكندرية، ومحكمة تمييز فوقها، تشكل مثلها.
  • ثانيًا: جعل أغلبية القضاة فيها كلها من أرباب القضاء والقانون الغربيين، تدفع الحكومة المصرية لهم مرتباتهم، ولا تملك حق عزلهم أو تأديبهم، بل يفوض ذلك إلى الهيئة التي سيخولها هذا الحق القانون النظامي الأساسي المزمع وضعه.
  • ثالثًا: تخويل هذه المحاكم حق الاختصاص بالنظر في جميع القضايا التجارية والمدنية، والقضايا العينية العقارية، والقضايا الشخصية عينها إلا ما كان منها قائمًا بين أجنبيين من جنسية واحدة، وفي جميع المنازعات، الناجمة عن الرهون التي تسجل في مصلحة أجنبي على الأعيان الثابتة، أيًّا كان مالكوها وواضعوا اليد عليها، حتى لو كانت وقفًا.
  • رابعًا: أن يكون أعضاء كل محكمة ابتدائية خمسة: ثلاثة أجانب ووطنيان، وأعضاء المحكمة الاستئنافية العليا سبعة: أربعة أجانب وثلاثة وطنيون.
  • خامسًا: أن يكون الحق للدول الموقعة على مشروع الإصلاح القضائي هذا، بعد مرور خمس سنوات على تحقيقه، أن تعدله بالاتفاق مع الحكومة المصرية، إذا رأت موجبًا لتعديله، أو تلغيه، وتقرر العود إلى الحال السابقة، إذا اتضح لها أصوبية ذلك.
وقررت اللجنة، فيما يختص بالإصلاح الجزائي، ما يأتي:
  • أولًا: أن تحكم المحاكم الجديدة في قضايا المخالفات البسيطة، أو تنتدب قاضيًا منها للحكم فيها، على أن يكون هذا القاضي أجنبيًّا، إذا كان المخالف أجنبيًّا؛ وأن تستأنف الأحكام متى قضت بحبس.
  • ثانيًا: أن وحدة القضاء في باب الجنايات والجنح أمر ضروري لتأمين عموم المصالح، مهما اختلفت جنسيات أصحابها، على أن يسبقها بحث دقيق في الضمانات الناجمة عن تشريع تام يشمل القانون الجزائي وقانون تحقيق الجنايات.
  • ثالثًا: أن يجري الإصلاح القضائي في الأمور المدنية والإصلاح القضائي في الأمور الجزائية معًا؛ وإلا فتنشأ المحاكم الجزائية بعد مرور سنة على تأسيس المحاكم المدنية التجارية وعملها، وظهور صلاحيتها للجميع، ظهورًا لا ريب فيه.

ثم أسرع كل من المندوبين وأرسل نسخة من هذا التقرير إلى دولته؛ واستعد نوبار باشا للسفر إلى الأستانة لينال المصادقة على المشروع من الباب العالي.

وما لبث أن ورد على الخديو تلغراف من باريس يفيد تشكيل لجنة هناك، تحت رياسة وزير الخارجية — وأن المسيو دي لسبس، المعروف بميله الكلي إلى تعضيد الإصلاح المبتغى، عضو فيها — للنظر فيما إذا كان يصح التسليم بالمبادئ التي ارتكنت عليها لجنة القاهرة لاعتبار الإصلاح واجبًا أم لا.

وورد بعد ذلك بأسبوع على الكرنل ستانتن نبأ من الحكومة البريطانية يفيد أن هذه الحكومة رأت، بعد الفحص، وجوب إجراء إصلاح لتوحيد القضاء بمصر، ولكنها لا تستطيع قبول ما قررته لجنة القاهرة، كليًّا أو جزئيًا، إلا بعد الاطلاع على القوانين الموعود بوضعها، وقبولها.

فبلغ ستانتن ذلك بكتاب إلى نوبار باشا؛ وأعلم هذا الوزير الخديو؛ فقابل (إسماعيل) المعتمد الإيطالي في القطر؛ وألح عليه في إبلاغ ذلك إلى الحكومة الإيطالية؛ وطلب استصدار قرار منها شبيه بقرار الحكومة البريطانية، فصدع دي مرتينو بالطلب؛ وأجابت الحكومة الإيطالية طبق المرام؛ ثم شكلت، هي أيضًا، لجنة لدرس المسائل المقدمة إليها من لجنة القاهرة.

وحوالي العشرين من شهر مارس سنة ١٨٧٠ وصل نوبار باشا إلى الأستانة؛ وقابل عالي باشا مرتين متواليتين، فقال له الصدر الأعظم: إن الباب العالي لا يرى اعتراضًا على موضوع الإصلاح؛ وإنه مستعد لمساعدة جهوده، بحيث يضمن نجاحها؛ على أنه يرى، ضمانة لحقوق السلطان السيادية، أن تصدر إرادة «سلطانية» أولًا، تمنح الحكومة المصرية اختصاصات ومزايا جديدة خاصة بالغرض الذي تسعى إليه، تخولها حق مخابرة الدول في شأنه.

ولكنه عاد بعد ذلك ورفض المشروع برمته رفضًا باتًّا، وأعلن نوبار بعدم رضا الباب العالي به مطلقًا.

فوقع هذا الرفض موقع الاستغراب من عموم سفراء الدول بالأستانة، فاستفسروا؛ فقيل لهم: إن الباب العالي يعترض:
  • أولًا: على أن يكون القضاة الأجانب في المحاكم المبتغاة أكثر عددًا من القضاة الوطنيين.
  • ثانيًا: على اختصاص تلك المحاكم بالنظر في القضايا التي قد يكون للإدارة المصرية فيها دخل.
  • ثالثًا: على اختصاصها، أيضًا، بالنظر في القضايا المرفوعة بشأن أعيان ثابتة؛ وأن الباب العالي إنما ينظر إلى المشروع برمته، من الوجهة السياسية، فلا يرى أن يكون لمصر مركز استثنائي فيما يتعلق بالنظام القضائي: فإما أن يتناول الإصلاح السلطنة كلها، وإلا فإنه لن يتناول إقليمًا منها دون غيره.

فأسف السفراء لذلك، ولكن نوبار باشا، الخبير بأحوال الأستانة، أظهر لهم أنه لا ييأس مطلقًا من نيل مبتغاه، بالرغم من نزاهة عالي باشا الشاذة، ومن معاداته الشخصية للخديو.

في الوقت نفسه، وكأن الأقدار أرادت أن تهون على الحكومة المصرية وقع الرفض العثماني، ورد عليها من حكومات روسيا وبروسيا والولايات المتحدة ما يفيد قبول هذه الدول الإصلاح القضائي مبدئيًّا؛ ولو أنها أبدت تحفظًا فيما يختص بالضمانات المقترحة وقبول باقي الدول ذات الشأن بها.

وكانت حركة الأفكار في الجاليات الغربية بالقطر قد قامت على قدم وساق، فاجتمع لدى المسيو موشكور، نائب الأمة الفرنساوية بالإسكندرية، وجوه الفرنساويين القاطنين الوادي الخصيب، وتداولوا في الواجب عمله، فأجمع رأي أغلبيتهم على استحسان المشروع الإصلاحي، عامة، بعد إدخال بعض تعديلات عليه، ولكن فئة منهم ذهبت إلى عكس ذلك؛ وما علم أعضاؤها بتكوين اللجنة بباريس لمراجعة أعمال لجنة القاهرة وقراراتها، وتمحيص غثها من سمينها، إلا وأرسلوا إلى رئيسها الرسالة التالية: «نحن الفرنساويين نرانا مضطرين إلى التأكيد أن هذا الإصلاح المزعوم سوف يكون خرابًا لنا!»

وكان نوبار في تلك الأثناء قد سعى وهو عالم أن سعيه ليرتجى، فأوقفه عالي باشا على الشروط والتعديلات التي يرى الباب العالي وجوب إدخالها على المشروع، ليحوز قبوله، فما زال الوزير المصري برجال الديوان حتى حملهم على الاعتقاد بأن الإصلاح القضائي الراغبة الحكومة المصرية في إدخاله إنما هو شأن من شئون القطر المصري الإدارية المحضة؛ ومع أنه سلم، مبدئيًّا، بتعديل الأوجه الثلاثة المعترض من الباب العالي عليها التعديل المطلوب من رجال الأستانة، وقبل أن يعتبر تعيين القضاة الأجانب شيئًا مؤقتًا، فقط، ريثما يتسنى وجود قضاة أهليين من ذوي الكفاءة المعترف بها؛ وأن يعدل رأي رجال لجنة القاهرة بألا يختص غير المحاكم الجديدة بالنظر في التجاوزات التي قد تقع من قضاتها وهم مباشرون شئون وظائفهم، عاد بكيفية حكيمة، ونال مصادقة الديوان العثماني على مشروع موفق بين مطالبه وما ذهبت إليه مطالب رجال الهيئة السياسية الغربية في الأستانة عينها، وحاوٍ لجميع الاشتراطات التي وضعتها لجنة القاهرة؛ ثم تمكن بدهائه وحذقه من جعل الصدر الأعظم عينه يسلم نسخة من ذلك المشروع إلى كل فرد من أفراد تلك الهيئة، لكي يرفعه إلى دولته؛ وسافر إلى العواصم الأوروبية لينال مصادقتها أيضًا عليه.

وكان قد سبقه إليها منشور أرسله عالي باشا إلى سفراء الدول العلية في تلك العواصم أوضح لهم فيه مصادقة الباب العالي على المشروع القضائي المصري، بشرط أن لا تكون المحاكم الجديدة مختصة بنظر القضايا التي تنجم بين الأهالي وبعضهم؛ ولا بالحكم على الموظفين فيما قد يصدر عنهم من تجاوزات لحدود وظائفهم، وطلب إلى أولئك السفراء تعضيد نوبار باشا في مساعيه.

وحوالي منتصف شهر مايو سنة ١٨٧٠ كانت اللجنة الفرنساوية — بعد سلسلة مفاوضات دارت بين نوبار باشا وبين المسيو دوڨرچييه رئيسها، والمسيو إميل أليڨييه رئيس الوزارة الفرنساوية، القائم بشئون وزارة الخارجية مقام وزيرها المتغيب — قد فرغت من أعمالها بباريس، ووضعت مشروعًا من عندياتها أبلغته الحكومة الفرنساوية الحكومات الغربية الأخرى لتوقفها على آرائها في الموضوع.

وأهم ما جاء فيه: جعل عدد قضاة محاكم أول درجة سبعة، منهم أربعة أجانب؛ وعدد مستشاري محكمة الاستئناف أحد عشر، منهم سبعة أجانب؛ وضم محلفين وطنيين، ومحلفين أجنبيين من التجار إلى القضاة المشكلة منهم الجلسات التجارية، وأن يكون لهم صوت في المداولات؛ ووجوب مخابرة الحكومة المصرية الحكومات الغربية في كل تعديل يراد إدخاله فيما بعد على القوانين التي سيتفق عليها؛ وتأجيل العمل بالإصلاح الجزائي مؤقتًا؛ والموافقة فيما عدا ذلك على ما أقرته لجنة القاهرة.

فوافقت عليه بأكمله حكومتا بطرسبرج وڨيينا؛ ورأت حكومة برلين، بعد مقارنته بالمشروع المصري الذي عدلته لجنة القاهرة الدولية، أن محكمة التمييز أصبحت غير مرغوب فيها، مذ جعل عدد قضاة أول درجة خمسة وعدد قضاة الاستئناف ثمانية في كل جلسة، لوجود الضمانة الكافية للمتقاضين في عدد القضاة هذا الكبير؛ وقالت: إنها تفضل أن يكون عدد مستشاري جلسات محكمة الاستئناف فرديًّا عنه زوجيًّا، اجتنابًا لكل عرقلة في التصويت.

وأما حكومة إيطاليا فأحالت المشروع الفرنساوي إلى لجنتها المشكَّلة تحت رياسة الكاڨاليير ديزمبروا، والتي كان أحد أعضائها السنيور چياكوني.

فرأى (إسماعيل) أن الوقت بات مناسبًا للاتفاق مع الدول على تعيين لجنة دولية يكون رأيها تنفيذيًّا، تمحص المشروع الواجب تنفيذه، مستخلصة إياه من المشاريع الثلاثة الموضوعة على بساط البحث، وهي: «المصري» الذي عدلته لجنة القاهرة و«العثماني»، و«الفرنساوي» — وكيفية جعله إلزاميًّا للجميع، ومنح نوبار باشا، لتحقيق هذا الغرض، سلطة مطلقة، ولكن الدول المختلفة رأت، قبل موافقة الخديو على ما يروم، وجوب اطِّلاعها على التشريع الذي ستحكم المحاكم الجديدة بمقتضاه؛ وطلبت نشر القوانين التي وعد بها؛ أي: القانون المدني، والقانون التجاري، وقانون المرافعات المدنية والتجارية، قبل الإقدام على أي إجراء يكون؛ وتركت جانبًا، مؤقتًا، قانون العقوبات وقانون تحقيق الجنايات، لاتفاقها على تأجيل الإصلاح الجزائي إلى حين.

ورأت الحكومة الإيطالية فوق ذلك، وأخذًا بإشارة لجنتها، وجوب اتفاق الحكومة الخديوية مبدئيًّا مع الدول على تحديد عدد القضاة، ودرجاتهم، وعدد الموظفين الذين سوف تطلبهم من كل واحدة منها، وذلك حسمًا لمنافسات قد تنجم عن اتخاذ قواعد أساسًا لذلك التحديد، غير الثلاث الآتية، وهي: أهمية الدول سياسيًّا؛ عدد أعضاء جالية كل منها؛ عدد قضايا كل جالية.

غير أن الخديو، لما عرض عليه السنيور دي مرتينو، قنصل إيطاليا العام بالقطر المصري، رغائب دولته، رأى تعديل القاعدة الأولى، واتخاذ قلة أهمية الدول السياسية بدلًا من أهميتها المطلقة أساسًا لتحديد عدد القضاة، وذلك توصلًا إلى ملاشاة كل تزاحم على النفوذ قد يقع في خلد الدول الكبرى الإقدام عليه، بواسطة تفوق عدد قضاة إحداها على عدد قضاة غيرها، ورأى ترك أمر تحديد عدد الموظفين من كل دولة وتعيينهم إلى هيئات المحاكم عينها، بدون تداخل أية دولة فيه.

وفي أوائل شهر يولية سنة ١٨٧٠ تم طبع القوانين المصرية المختلطة، فوزعها نوبار باشا على الدول المختلفة، حالًا، إجابة لرغبتها، فحرر اللورد جرانڨل، وزير الخارجية الإنجليزية، إلى المركيز دي لاڨاليت، سفير فرنسا في لندن، في ٢٢ يولية سنة ١٨٧٠، أنه، بعد اطلاعه عليها، يوافق تمام الموافقة على إنشاء الهيئة القضائية الجديدة المرغوب فيها بمصر، وعلى شكلها المبين في المشروع الفرنساوي، ودائرة الاختصاص المعينة لها؛ وأنه كلف سفراء بريطانيا العظمى لدى الدول المختلفة، وبالأستانة ومصر، بتسليم تلك الحكومات نسخة من كتابه إليه، لإعلامها باتفاق إنجلترا وفرنسا على الأمر، لكي يسعى الخديو، حالًا، إلى إحراز قبول السلطان بالإصلاح القضائي كما قرر بالمشروع الباريسي؛ ويعلن السلطان قبوله إلى الدول، فتقدم الحكومة المصرية على اتخاذ التدابير والإجراءات اللازمة لتكوين تلك المحاكم وإنشائها.

ولكن الحرب كانت قد نشبت بين فرنسا وألمانيا، وأصبح الزمن غير مناسب للمفاوضات، فعدل الخديو عنها، مؤقتًا، وأخذ يفكر في إصلاح آخر يقوم مقام الإصلاح القضائي ولو جزئيًّا.

فوقع في خلده إنشاء بلدية بالإسكندرية، يخول لها حق النظر المطلق، قضائيًّا، في جميع أمور التنظيم والإيجارات في الثغر، مع توسيع دائرة محاكم التجارة، وجعلها مختصة بالنظر في أمور لا تكون تجارية بكل معنى الكلمة، وأقدم يجس نبض القناصل في ذلك، فوافقه بعضهم؛ وأبى البعض الآخر، ومن ضمنهم معتمد إيطاليا، إلا أن يكون كل إصلاح قضائي يجري في البلاد شاملًا عامًّا، لا جزئيًّا خاصًّا.

فحوالي أواخر شهر ديسمبر سنة ١٨٧٠ — وكان فوز ألمانيا على فرنسا بكيفية نهائية ساحقة بات أمرًا مؤكدًا، ونزول فرنسا على الشروط الألمانية أمرًا لا يحتمل ريبًا مطلقًا — رأى نوبار أن الوقت قد حان مرة ثانية لإعادة المفاوضات في الإصلاح القضائي إلى مجاريها السابقة، لا سيما إزاء كثرة تردد الإشاعات عن قرب اجتماع أوروبا في مؤتمر عام قد يتناول بحث مسائل شرقية أخرى.

فأرسل في ٢ يناير سنة ١٨٧١ كتابًا في شكل مذكرة، إلى عموم معتمدي الدول في القطر، يطلب فيه مصادقة حكوماتهم على القوانين المصرية المختلطة التي عرضت نسختها على كل واحدة منها؛ وأن تكون تلك المصادقة إما مباشرة، وإما بواسطة معتمدي الدول مجتمعين بهيئة لجنة خاصة، أو بواسطة مندوبين تنتدبهم الدول لذلك الغرض، وأرسل نسخًا من ذلك الكتاب إلى وزارات الخارجية كلها.

فأسرعت بروسيا، وأجابت أنها تصادق على القوانين المذكورة، وتصرح لمعتمدها في القطر المصري بالعود إلى تناول مباحث لجنة القاهرة الأولى؛ ولكن إيطاليا أبت أن تبدي رأيها النهائي، قبل أن تفرغ لجنتها من فحص المشروع والتشريع المسنون له؛ وأبت إلا الوقوف مقدمًا على الشكل الذي سوف يتخذه تنفيذ التعهدات المتبادلة؛ أي: على كيفية تشكيل المحاكم العتيدة.

فرأى نوبار باشا أن يرد على هذا الإباء ردًّا طويلًا، أثبت فيه أنه لم يكن في وسع الحكومة المصرية أن تعبر عن فكرها في هذا الشأن بأحسن مما عبرت عنه إذ قالت أنها ستختار قضاة أوروبيين، وتستشير في تعيينهم بكيفية شبه رسمية حكوماتهم المختلفة لتحيط اختياراتها بأكثر مما يمكن من الضمانات؛ وأن القواعد التي تريد الحكومة الإيطالية أن تتخذ أساسًا لتحديد عدد القضاة ودرجاتهم لقواعد لا يصح العمل بمقتضاها: (أولًا) لأنه من شأنها جعل المحاكم العتيدة دولية أكثر منها مصرية؛ و(ثانيًا) لأنها ستثير حتمًا منافسات دولية، ترى مصر أنها في غنى عنها؛ وأن الحكومة المصرية فكرت لاجتناب تلك المنافسات في تشكيل محاكم أول درجة من قضاة يؤخذون من سويسرا والبلچيك وهولندا، وتشكيل محكمة الاستئناف من مستشارين يؤخذون من الدول العظمى؛ لأن معاملة هذه الدول على قاعدة المساواة أمر ممكن، في هذه المحكمة العليا، بسبب كثرة عدد أعضائها.

فأقرت إيطاليا هذا المبدأ، ولو أنها لم توافق على أن يكون عدد مستشاري الاستئناف الغربيين سبعة فقط؛ واطلعت الحكومة المصرية على التقرير الذي وضعته لجنتها في فلورنسا، فإذا به تقرير ضافٍ وافٍ، تناول كل دقائق المشروع وتعديلاته، وما اقترح له، والمشروعين العثماني والفرنساوي؛ ومحص ذلك جميعه تمحيصًا مستوفيًا؛ واستنتج نتائج، واستنبط آراء أقر معظمًا فيما بعد، لوجودها قرينة الصواب، وبنت الحكمة والتبصر، فأمرت الحكومة المصرية بترجمته إلى الفرنساوية، لتستفيد ويستفاد مما جاء فيه.

غير أن الباب العالي كان قد أظهر استياء لا مزيد عليه من عرض القوانين المصرية على الدول لنيل تصديقها عليها، لاعتباره ذلك افتياتًا على حقوق الدولة: (أولًا) لأن العرض يقتضي أن القوانين جديدة، وغير قوانين باقي السلطنة، ولا حق في وضع قوانين جديدة إلا للسلطة صاحبة السيادة العليا؛ و(ثانيًا) لأن العرض يقتضي أن موافقة الدول الأجنبية عليها تكفي لكي تجري تلك القوانين في القطر المصري، مع أنه لا حق لمصر في إجراء قوانين تكون غريبة عن قوانين الدولة العلية؛ فأرسل بهذا المعنى كتابًا كله خيلاء إلى الحكومة المصرية، أنذرها فيه بأن أمر «الإصلاح» إنما هو من الشئون السلطانية لا من الشئون الداخلية المصرية؛ وأنه يرى بناء على ذلك أن تتنكب الحكومة الخديوية عنه، وتتركه لحكمة الباب العالي، ليجري ما يراه فيه.

ولكي تكون معاكسته للمشروع مكسوة الظواهر برداء ينخدع له الصواب، أعلن الدول أنه مشتغل، هو نفسه، في وضع قانون قضائي لعموم السلطنة، وأنه سيفرغ من وضعه في ظرف ستة شهور؛ فما على مصر، والحالة هذه، إلا انتظار صدوره للعمل به أسوة بباقي الممالك الشاهانية.

فأرسل الخديو في بادئ الأمر مصطفى رياض باشا وزير حقانيته إلى الأستانة لإزالة سوء الفهم الواقع؛ وأعلم الحكومة الإيطالية بالمعارضة المبداة من قبل الديوان العثماني، لتعمل على رفعها.

ولكنه اتفق أن عالي باشا، الصدر الأعظم، مرض في الأثناء، المرض الذي قضى فيه نحبه، فلم تتمش المخابرات إلا بطيئة، وبدا من إنجلترا عينها ما جعل الملأ المصري يوجس خيفة على مشروعه القضائي.

فتوالت الأشهر بدون جدوى؛ واجتهد الباب العالي، لا سيما بعد موت عالي باشا، في حمل الحكومة المصرية على طرح مشروعها في زاوية الإهمال؛ محتجًّا، من جهة، على ما ألزم الخديو به نفسه للدول من عدم إدخال أي تغيير على القوانين المختلطة مدة خمس سنوات؛ وخوف (إسماعيل)، من جهة أخرى، بما قد ينجم — على زعمه — عن المشروع من نتائج وخيمة على الأهالي والحكومة وعلى حقوق مصر واستقلالها، وتمسك — تبريرًا لسلوكه — بما آلت إليه الحكومات الأجنبية، إلا الإيطالية، من الجمود إزاء المشروع، حتى إن فرنسا عينها، لانشغالها بمداواة جروحها ورتق خروقها عن الاهتمام اهتمامًا زائدًا بالشئون الخارجية، امتنعت من إرسال تعليمات بخصوصه إلى سفيرها في الأستانة.

ولكن همة (إسماعيل) لم يثبطها قيام تلك العراقيل في سبيل إصلاحه المرغوب؛ ولو أن المقربين إليه، حتى الحكومة الإيطالية صديقته الحميمة، أوشكوا أن يخافوا على عزيمته الملل والتعب، ويخشوا إقلاعه عن رأيه، وإنما كان السبب في تجلده وعدم خور همته ما كان قد وطن النفس عليه توطينًا صادقًا من القضاء على قيد الامتيازات الأجنبية التي كانت — في عرفه — أشد ما يثقل عاتق الحكومة المصرية وأشد ما يقعد بمصر عن بلوغها استقلالها.

فرد في ١٣ يونية سنة ١٨٧٢ على الصدر الأعظم ردًّا بليغًا ذكر فيه: «أن الباب العالي عينه كان قد وافق على جعل حد سير المحاكم الجديدة خمس سنوات؛ وقال: إنه لم يفتأ معترفًا بأن سن القوانين حق مقدس من حقوق السلطنة المطلقة، الخاصة بها دون سواها؛ وأنه لذلك لم يقع في خلده أبدًا أن يسن قوانين؛ وأن القوانين المختلطة التي ستطبقها المحاكم الجديدة إنما هي، في الحقيقة، القوانين السارية بالقطر المصري في كل آن؛ أي أنها، إذًا، قوانين السلطنة عينها، ثم ذكر الباب العالي بأن المشروع تحت التداول والأخذ والرد منذ أكثر من خمس سنوات باطلاع الديوان السلطاني وموافقته؛ وذكره بكل ما حصل في الشأن؛ وأن الآراء كلها أجمعت على أن القضاء، كما هو بالقطر المصري، ليس بقضاء؛ وأنه ما دام لا يوجد في قطر من الأقطار قضاء منظم، تصدر الأحكام عنه للجميع، بكيفية واحدة على السواء، فالتقدم والرقي والإتجار والمدنية تبيت كلها أمورًًا متعذرة، إن لم تصبح في دائرة المحال؛ وأنه لا يرى، إذًا، كيف يمكن أن تنجم عن تنظيم القضاء في بلاده النتائج الوخيمة التي يخوفه منها الباب العالي؛ وأن نواب الدول الذين تباحثوا في المشروع، في كل لجنة شكلت لذلك الغرض، أبدوا من شعائر الاحترام لاستقلال القطر، والحقوق التي يعتبرها الجميع مقدسة، ما حمل الباب العالي عينه على إقرار المشروع، بعد إدخال بعض تعديلات عليه؛ وأنه لم يعد يبقى لنفاذه إلا رغبة الدول في الاطلاع على القوانين التي سوف تطبقها المحاكم العتيدة؛ وأنه لو كان في إبداء هذه الرغبة ما يجور على استقلال الحكومة وحقوقها، أو ما يفيد تداخلها في شئون تشريع القطر، لما أبديت ولما قبلت؛ وأن نتيجة كل ما تقدم أن تنفيذ المشروع إنما يقصد به في الحقيقة حصول الأهالي والكل، سواء بسواء، على حقوقهم الضائعة؛ وحصول الحكومة المصرية على الطمأنينة والحماية اللازمتين لها».

ولعلمه أن وجوده بشخصه، في الأستانة، يفعل ما لا يفعل خير الأدلة والبراهين في قضاء لبانته، أكثر من كل مكاتبة مهما كانت فصيحة، عزم على السفر إلى الأستانة؛ وسافر إليها في أواخر شهر يونية عينه، مصطحبًا وزيره الحكيم نوبار باشا.

فاغتنمت إيطاليا فرصة وجوده في تلك العاصمة، وفاتحت خارجيات الدول الكبرى في أمر تعضيد مساعيه لدى الباب العالي، بواسطة سفرائها بالأستانة؛ والعمل، في الوقت ذاته، على منع كل تأثير على الخديو من شأنه دفعه إلى المطالبة بتطبيق النظام القضائي الذي تطبقه الدولة العلية في ممالكها، ببلاده.

فأجابت النمسا وفرنسا وألمانيا إيطاليا إلى طلبها؛ وكلفت كل منها سفيرها لدى الحكومة العثمانية بالعمل على إقناع الباب العالي بوجوب المصادقة على مشروع الإصلاح القضائي بمصر. أما الحكومة الروسية فامتنعت، في بادئ الأمر، لقلة مصالحها في القطر، وأما إنجلترا فقالت: «إن الظروف في تركيا، لا سيما بعد حرب القرم، لم تعد، كما كانت في الماضي، موجبة لتداخل الدول كثيرًا في شئونها الداخلية؛ وأنه يحسن، والحالة هذه، بالدول الانتظار ريثما تفرغ الأستانة من وضع القوانين التي وعدت بإنجازها في ستة أشهر، والالتفات فقط إلى أن لا تدخل فيها ما يكون مغايرًا أو مبطلًا للمصالح الأجنبية المعمول بها».

فأدى سعي الخديو، من جهة، السعي السابق لنا ذكره في غير هذا الفصل، ومساعي سفراء الدول الأربع المشتركة. من جهة أخرى، إلى نزول تركيا عن إصرارها؛ وقبولها تطبيق القوانين المطروحة أمام الدول لتصدق عليها، تطبيقًا مؤقتًا، في القطر؛ ورضاها التام عن النظام القضائي العتيدة إقامته.٦

فرأى (إسماعيل) أن يطرق الحديد وهو سخين، فشرع يفاوض الدول برغبته في أن يبت — وهو مقيم بالأستانة — في المسائل المختصة بالمشروع، والتي لا تزال على بساط المناقشة، فتزود الدول سفراءها هناك بالتعليمات والسلطة اللازمة لذلك؛ لأنه وإن يكن اهتمام الباب العالي بتلك المسائل بات سطحيًّا، إلا أن المناقشة فيها بالأستانة عينها، وهو فيها، ذات فائدة كبرى، لتمكين المتخابرين من الحصول بسهولة على موافقة الديوان، فيما لو نجمت مسألة يحتاج فيها إلى إحراز تلك الموافقة؛ وأنه إذا رأت الدول أن الأمر يقتضي اشتراك متخصصين فيه فلتسرع بإرسالهم إلى الأستانة، لأنه لم يعد في استطاعته المكث فيها إلا قليلًا؛ ولفت نظرها، في الوقت ذاته، بمذكرة أرسلها لكل منها وزيره الحكيم نوبار، إلى أن أهم ما يجب اتفاقها عليه إنما هو الإصلاح القضائي الجزائي، الذي قد يتراءى لبعضها تأجيله إلى أجل غير مسمى، وإلى أهم ما تراه الحكومة المصرية في ذلك الإصلاح؛ أي: اتفاق الدول على جعل المحاكم الجديدة مختصة بالحكم جزائيًّا في كل ما كان مخلًّا بنظامها وتنفيذ أحكامها، أو حاطًّا من كرامتها؛ وفي كل ما يقع مغايرًا للقانون من قضاتها وموظفيها.

فما كان من الجنرال أجنا تتيف، السفير الروسي في الأستانة، إلا أنه استدعى السفراء لديه، بصفته أقدمهم عهدًا، لمطارحة أفكارهم في المشروع المرغوب فيه، فاجتمعوا في ٦ أغسطس سنة ١٨٧٢؛ وشرح لهم نوبار باشا — وكان قد استدعي إلى ذلك الاجتماع أيضًا — كل سوابق المسألة، وبعد مفاوضة تناولت أمر رد القضاة والمترجمين والترجمات؛ وأمر حلول تراجمة القنصليات محل مترجمي المحاكم في القضايا التي يطلب ذوو الشأن فيها ذلك؛ وأمر ترك تعيين رؤساء الجلسات لجمعيات القضاة العمومية؛ وأمر حضور مندوبين خصوصيين من لدن الدول سير المحاكمات الجزائية — وقد عارض (إسماعيل) فيما بعد فيه معارضة شديدة وأبى قبوله إباء كليًّا، لئلا يقود إلى تجاوزات من نوع المشتكى منها في نظام القضاء القنصلي — وأمر تخلي السلطة المصرية عن المحكوم عليه من المحاكم الجديدة إلى قنصلياتهم لتنفيذ العقاب فيهم بمعرفتها — ورفض بتاتًا — وأمر جعل المحاكم عينها، بعد مضي سنة على تأسيسها، مختصة بالنظر في الجزاءات على أنواعها؛ وأمر تكوين لجنة المحلفين في القضايا المختلطة بواقع النصف من الأهالي والنصف من الأجانب، بدلًا منها من جنسيات المتهمين، ارفضَّ الاجتماع على أن يبلغ السفراء مضمونه إلى دولهم.

ثم حرر نوبار باشا مشروعًا للإصلاحين المدني والجزائي، على قاعدة ما اتفق عليه في تلك الندوة، أهمل فيه، سهوًا، ذكر اللغات القضائية، ووجوب تسجيل العقود الناقلة للملكية والرهون لدى المحاكم الجديدة مع إخطار المحاكم الشرعية بها، وأمورًا أخرى أقل منها أهمية؛ وأهمل، عمدًا، إنشاء محكمة التمييز؛ وقبل الخديو، إرضاء لبعض الدول، أن لا يعهد بالنظر في الأمور الجزائية إلى المحاكم الجديدة إلا بعد مضي خمس سنوات على تأسيسها.

فأبدت فرنسا وإنجلترا والنمسا وإيطاليا بعض اعتراضات على ذلك المشروع؛ وأهمها الاعتراضات الإيطالية على ما أهمل نوبار باشا ذكره سهوًا؛ واعتراض فرنسا على تخويل المحاكم المختلطة النظر في الأمور الجزائية، حتى فيما يتعلق بما كان مخلًّا بنظامها وتنفيذ أحكامها، أو حاطًّا من كرامتها، أو مرتبكًا من قضاتها وموظفيها — وهم يؤدون وظائفهم — من مغاير لقوانينها.

فأجاب نوبار إيطاليا أن السهو سيتدارك؛ ولكنه أجاب فرنسا أنه لا سبيل إلى إنشاء المحاكم المختلطة إذا لم تمنح حق النظر في النوع الأخير من التجاوزات المستوجبة الجزاء: لأنه لن يوجد في العالم قضاة يريدون أن يكون النظر فيما قد يمس كرامتهم — وهم يؤدون وظائفهم — موكولًا إلى غيرهم، وأثبت رأيه بأدلة قاطعة.

فتصلبت فرنسا في رأيها؛ فألح نوبار على الجنرال اجنا تتيف بجمع السفراء ليروا رأيهم في الأمر، فاجتمعوا في ١٦ نوفمبر سنة ١٨٧٢ وقرروا تعيين لجنة لفحص ماهية الضمانات التي تقدمها الحكومة المصرية، لتطمئن الحكومات الأجنبية إليها، وتعتقد أنه لن يقع تجاوزات على حقوق الأجانب، فيما إذا منحت المحاكم المختلطة حق النظر في نوع الجزاءات المطالب نوبار بها، والتي أكد أنه لا سبيل إلى إنشاء المحاكم بدونها.

ففي اليوم الحادي عشر من شهر يناير سنة ١٨٧٣ التأمت اللجنة المرغوب فيها بالأستانة، مشكلة من السير فيليب فرنسيس القنصل البريطاني، والمسيو تريكو القنصل الفرنساوي، والكاڨاليير چاكوتي المستشار بالمحاكم الاستئنافية الإيطالية، وفون جللت القنصل الألماني، وفون پرجير سكرتير الوكالة النمساوية، والمسيو چنسن سكرتير الوكالة البلچيكية، والمستر جودناو معتمد الولايات المتحدة، والمسيو كون مستشار وكالة هولندا ومدير إدارتها القنصلية، والمسيو هترڨو القنصل الروسي العام وأحد أمناء الحجرة الإمبراطورية الروسية، والكونت برنيكوف القائم مقام مستشار الوكالة السويدية النروجية، ونوبار باشا، ومعه المسيو مونوري مستشاره القضائي.

وانضم إليها في ثالث جلساتها الدون درتارڨت فريري كاتب الپروتوكول في الوكالة الإسبانية؛ وانعقدت تحت رياسة السير فيليب فرنسيس، بصفته أقدم القناصل عهدًا، ست مرات؛ أي: في ١١ و١٥ و١٨ يناير، وأول وسادس وثامن فبراير سنة ١٨٧٣.

فطرح عليها نوبار باشا، في أول جلساتها، المشروع الذي وضعته الحكومة المصرية وشرحه شرحًا وافيًّا في مذكرة قدمها لكل من المندوبين ومعها قائمة ببيان أنواع التجاوزات المطلوب ترك الحكم الجزائي فيها للمحاكم الجديدة.

فدار الكلام على كيفية وجوب السير في فحصها، وهل يقتضي تعيينها، تجاوزًا تجاوزًا، أم يفضل تعيينها، فئة فئة؛ وأية سلطة تكون مختصة بالنظر فيما قد لا يذكر منها: المحاكم الجديدة، أم القنصليات؛ فأظهر المسيو تريكو، منذ ذلك الحين، من الخشونة في المباحث، عملًا بالتعليمات الواردة إلى سفارة فرنسا بالأستانة من وزير الخارجية الفرنساوية، ما تمتعض له النفوس لدى اطلاعها عليه؛ تلك الخشونة بلغت درجة الوقاحة في الجلسة التالية، وزاد في سماجتها ما بدا من شكل تعنت صاحبها فيها.

على أن الرئيس طلب إلى كل من المندوبين إبداء رأيه في المذكرة ذات قائمة التجاوزات التي سلمت إليهم، فكان السنيور چاكوني أولهم تكلمًا، وأهم ما يستوقف اليوم الانتباه في أقواله ما ورد فيها من أن الغرض الذي يرمي إليه نوبار باشا من الإصلاح القضائي إنما هو توحيد العنصرين الأجنبي والأهلي بمصر؛ وأنه هو، چاكوني، على أمله في أن هذا التوحيد سيتم يومًا ما، لا يرى أن الوقت المناسب لذلك قد حان؛ بل يرى أفضلية بقاء العنصرين منفصلين الواحد عن الآخر، لأسباب أبداها؛ أوجهها قلة ثقتهما المتبادلة.

وتلاه المسيو هتروڨو؛ فطلب وضع قائمة أعمال لكل جلسة حتى تسهل المناقشة؛ وأيده المسيو تريكو في طلبه.

فوضعت في الحال؛ ودارت المناقشة طويلًا:
  • أولًا: في ما هي الجرائم والجنح التي ترتكب ضد رجال القضاء، وهم في حال تأدية وظائفهم في الجلسات وخارجًا عنها؛ وما هي التي ترتكب ضد عمال القضاء في غضون تأديتهم وظائفهم.
  • ثانيًا: في ما هي الجرائم والجنح التي ترتكب ضد نفاذ الأحكام، وعمال الضبط والربط الذين يحضرون تنفيذها.
  • ثالثًا: في ما هي الجرائم والجنح التي ترتكب من رجال القضاء وعماله — وهم يؤدون وظائفهم — أو ترتكب منهم كنتيجة تجاوزهم في تأدية وظائفهم، فوُفي البحث في البابين الأولين؛ وأجلت بقية البحث في الباب الثالث إلى الجلسة التالية.

وفي الجلسة التالية، بعد أن دحض نوبار باشا زعمًا زعمه الهرجلت، وأيده فيه المسيو هتروڨو بوجوب حفظ النظر في جزاء من يقتل أحد رجال القضاء العتيد، للقنصليات، استؤنف البحث في الباب الثالث السابق ذكره، ووُفي؛ ثم انتقلت اللجنة إلى فحص ماهية الضمانات التي تقترح الحكومة المصرية تقديمها، ليطمئن الغربيون ويسكنوا إليها، فتناقشت طويلًا في الموضوع، وأهم ما يستلفت اليوم النظر في تلك المناقشة أمران:

(الأول): تشدد نوبار باشا في أن يكون للأهالي نصيب في العضوية، سواء أكان في لجان المحلفين، أم في محكمتي الجنح والجنايات؛ وتشدد المسيو تريكو في أن لا يكون لهم ذلك النصيب مطلقًا، وإغراقه في هذا التشدد إلى حد إعلان أن عدم وجود العنصر الأهلي في جميع الهيئات القضائية الجزائية شرط لا يمكن لدولته أن توافق بدونه على جعل المحاكم الجديدة مختصة بالنظر في ذات التجاوزات الجزائية الجزئية المطلوب اختصاصها فيها؛ كما أنها ترى هذا الرأي أيضًا فيما لو رفضت الحكومة المصرية إعطاء الضمانات المطلوبة منها كافة.

و(الثاني): حيرة المندوبين في الذي يجب عمله إذا رأت قنصلية ما أن التهمة الموجهة إلى متهم غير داخلة ضمن الجرائم أو الجنح المفوض الحكم فيها إلى المحاكم الجديدة؛ وانغلاق عقول أولئك الرجال الأفاضل دون الإيضاح الجلي البين المقدم من الموسيو مونوري في الموضوع، ولولا أنه يجب على المؤرخ أن يراعي عقلية كل جيل لإبداء حكمه عليه، وأن العقلية الغربية في تلك الأيام كانت متأثرة بقلة الثقة في عدالة الشرق والشرقيين، تأثرًا بليغًا، ومشغولة بمخاوف كبيرة من تداخل الإدارة المصرية في شئون القضاء المختلط — مع أنه لم يكن من مسوغ لانشغالها — لحكمنا على أولئك المندوبين بالغباوة المطبقة، وعلى مداولاتهم بالهتر الكلي، وانقضت هذه الجلسة الثالثة، بعد تعيين لجنة لتحرير الاقتراحات التي تقرها الحكومة المصرية، والاقتراحات التي ترفضها.

وفي الجلسة الرابعة أعلن المسيو مونوري أن الحكومة المصرية أقرت ذات الاقتراحات التي كانت رفضتها سابقًا بعد إدخال بضعة تعديلات عليها بموافقة أعضاء اللجنة، فتمكنت اللجنة، بذلك، من وضع بيان بالضمانات المطلوبة والمعطاة كلها، ثم قرأ ما حررته اللجنة، وهو الذي نراه اليوم في القانون المختلط، في باب اختصاص المحاكم، وباب التحقيقات الجزائية والتنفيذ.

فوافق المندوبون عليه؛ وقرر توزيع نسخة منه على كل مندوب ليبدي، بعد فحصه، الملحوظات التي يرى إبداءها بشأنه؛ وكلف الرئيس حضرات المندوبين تريكو وچانسن ومونوري بتجهيز مشروع تقرير عام، يكون عمل اللجنة قاعدته.

وفي الجلسة الخامسة أراد المسيو هيتروڨو الرجوع عما تم، فعدل السير فيليب فرنسيس ونوبار باشا رأيه؛ وبعد ملاحظة أبادها المسيو كين على ذكر اختصاص المحاكم بالنظر في المخالفات البسيطة، وسحبها حالًا، عقب شرح أبداه المسيو تريكو والمسيو مونوري والسنيور چياكوني، وتأكيد صدر من نوبار باشا بأنه ما دامت الدول قد صدقت على ذلك الاختصاص، لما صدقت على الإصلاح القضائي المدني، فلا يهمه أتذكر المخالفات أم لا تذكر في الموضوع الذين هم في صدده، أقبل المندوبون يفحصون تقرير اللجنة، بندًا بندًا، فأدى فحصهم إلى مناقشة هامة فيمن يصح ومن لا يصح قبول شهادته من الشهود؛ وانتهى بهم الأمر إلى تقرير المادة الموجودة الآن في القانون الخاصة بمن يجوز رده من الشهود؛ وذلك بالرغم من اعتبارات في منتهى الوجاهة، أبداها السير فيليب فرنسيس تأييدًا لمبدأه القائل بجواز سماع شهادة الأهل والأقارب، وعلى ذلك ارفضَّ الاجتماع.

وفي الجلسة السادسة استؤنف فحص تقرير اللجنة، فأعاد المسيو هيتروڨو البحث في احتمال تعدي المحاكم الجديدة، في تحقيقاتها الجنائية، على حقوق القنصليات، فأدى ذلك إلى مناقشة، نجم عنها النص الخاص الموجود في القانون المختلط، المحظر على قاضي التحقيق بالمحاكم المختلطة التداخل في تحقيق الجنايات والجنح العادية؛ وصدق، فيما عدا هذا، على تقرير اللجنة، ثم تلى مشروع التقرير العام الذي كلف بوضعه المندوبان تريكو وچانس بمساعدة المسيو مونوري؛ وارفضَّ الاجتماع.

وعقد المندوبون، بعده، اجتماعًا أخيرًا في ١٥ فبراير سنة ١٨٧٣ صادقوا فيه على محاضر الجلسات الست، وعلى التقرير العام، ووقعوه، ثم شكروا الرئيس، السير فيليب فرنسيس، عملًا باقتراح المسيو تريكو؛ ورفعوا تقريرهم العام إلى سفراء دولهم لدى الباب العالي، فأرسله السفراء إلى حكوماتهم، وأرفقوا به اللائحة النهائية التامة التي وضعها نوبار باشا عقب تلك المداولات لترتيب القضاء المختلط.

فصادقت على الإصلاح نهائيًّا: بريطانيا العظمى في ٢٦ مايو، وإيطاليا في ١٩ يونية سنة ١٨٧٣؛ ومع أن مدير شركة ترعة السويس بعث إلى وزير الخارجية الفرنساوية كتابًا بتاريخ ١٨ مارس سنة ١٨٧٣ يرجوه فيه، باسم الشركة ومصالحها، واسم المائتي ألف أجنبي الموجودين في القطر، بالمساعدة على إنهاء المخابرات، وتأسيس القضاء المختلط بالقطر، رحمة بمصالح الجميع، أبت فرنسا إلا خلق عراقيل جديدة، بشأن اختصاص المحاكم العتيدة في النظر في التفليسات — لزعمها أن التفليسات داخلة في نظام الأحوال الشخصية، المحظر على تلك المحاكم النظر فيه — وبشأن كيفية تعيين رجال القضاء.

فاضطر نوبار إلى دحض زعمها الخاص بالإفلاس بكتاب فصيح تاريخه أول أبريل سنة ١٨٧٣؛ ولكنها أصرت عليه؛ وفاتحت في الشأن الحكومات الأخرى، فمالت النمسا والروسيا إلى سحب بعض ما سلم به مندوباهما في الأستانة؛ ونجم عن ذلك صعوبات وعراقيل جديدة، رأى الخديو معها أن يبعث إلى نوبار باشا بالامتناع عن إجراء أي عمل في شأنها، حتى يقدم سموه إلى الأستانة بنفسه.

ثم سافر إليها سفرته الشهيرة في يونية سنة ١٨٧٣؛ وأقام هناك الإقامة التي رأيناه ينال في خلالها كل ما أراد نيله من مراميه؛ وأهمها التصريح له بسن جميع القوانين واللوائح الداخلية، التي يراها صالحة للبلاد ولازمة لها، فكان ذلك بمثابة مصادقة رسمية صريحة من لدن السلطنة العثمانية على القوانين المختلطة التي وضعتها الحكومة المصرية وكانت لا تزال شبهة، في موافقة الحكومة العثمانية عليها، معلقة في أذهان الدوائر السياسية الغربية، في الأستانة وأوروبا، بسبب الإبهام والغموض الواردين في ترجمة الكتاب المرسل من الصدر الأعظم إلى الخديو بتاريخ ١٣ جمادى الأولى سنة ١٢٨٩ / ١٩ يولية سنة ١٨٧٢ من التركية إلى الفرنساوية.

ولكن الصعوبات التي أنشأتها الحكومة الفرنساوية بشأن دعاوى الإفلاس ما فتئت، بالرغم من ذلك، قائمة؛ والمفاوضات التي أوجبتها بين الدول سائرة، وبلغ النزاع أشده بين الحكومتين المصرية والفرنساوية في شهر نوفمبر سنة ١٨٧٣، إذ جاهر نوبار باشا للقنصل الفرنساوي العام بالقطر المصري بعدم تمكن حكومة الخديو من تغيير شيء مطلقًا فيما أقره مندوبو الدول، وصدق معظمها عليه في شأن قضايا الإفلاس.

وربما كان السبب الذي حمل نوبار باشا على المجاهرة بذلك القول أخبار السوء المبالغ فيها، الواردة عن فرنسا في الجرائد الأجنبية، والتي جعلت القوم بمصر يعتقدون ذلك البلد ممزقًا تمزيقًا على أيدي الأحزاب القائمة فيه عقب انخذال فرنسا في الحرب السبعينية.

فما كان من القنصل الفرنساوي إلا أن أجاب على قول نوبار باشا «بأن مصر هي الراغبة في إجراء الإصلاح القضائي، لا فرنسا؛ وأن هذه الدولة إزاء ذلك الرفض لا ترى سوى الامتناع عن المخابرات، حتى تأتيها خارجية مصر باقتراحات يمكنها قبولها».

فلما علمت نتيجة تصويت ٢٠ نوفمبر سنة ١٨٧٣، وتأكيد الملأ من قيام حكومة منظمة بفرنسا، عاد نوبار إلى مخابراته؛ وحاول الاتفاق مع المعتمد الفرنساوي على تعديل يوفق بين طلبات الفريقين، ومع تمسك المعتمد الفرنساوي بالتعليمات الواردة إليه من الخارجية الفرنساوية، رأى من الواجب عليه تفهيم تلك الوزارة بأن البقاء على الحال القضائية المعمول بها في ذلك الحين أمر محال وضار، الضرر كله، بالمصالح الفرنساوية ذاتها؛ لأنها حال فوضى حقيقية.

وكانت حكومتا النمسا والولايات المتحدة قد اقتدتا، في الأثناء، بحكومتي إنجلترا وإيطاليا؛ وصادقتا على آخر لائحة وضعت لتنظيم المحاكم الجديدة، مشترطتين موافقة مجلس نوابهما عليها؛ واتبعتهما، بعد قليل، الحكومة الألمانية أيضًا في أبريل سنة ١٨٧٤؛ كذلك كانت عقول الجالية التجارية الفرنساوية بدأت تتفتق إلى فهم المضار الناجمة للمصالح الفرنساوية عن استمرار حكومة ڨرسايل معارضة في الإصلاح، ومنفردة في عنادها عن باقي الدول؛ فلم يحجم المعتمد الفرنساوي عن إعلام رئيسه، وزير الخارجية، بذلك، بل إنه أرسل إليه في ٢٥ يناير سنة ١٨٧٤ عريضة مؤرخة ١٥ يناير عينه قدمها إليه نائبا الأمة الفرنساوية بمصر، المسيو موسو، والبارون ديلور دي جلئون، موقعة منهما ومن عدة فرنساويين مشتغلين في مشروعات أشغال عمومية هامة، يلتمسون فيها بإلحاح موافقة الحكومة الفرنساوية، السريعة، على الإصلاح، لئلا تتعطل مصالحهم ومصالح باقي أفراد الجالية.

فإزاء ذلك جميعه، رأى وزير الخارجية الفرنساوية، قبل الإقلاع عن خطته والانضمام إلى الدول المصادقة، أن يعين بالاتفاق مع زميله، وزير العدلية، لجنة خصوصية لفحص الموضوع تحت رياسة المسيو ڨنت، وكيل وزارة العدلية هذه، فعينت؛ وبعد أن باشرت عملها، وقامت بمهمتها قيامًا دقيقًا، رفعت في يونيه سنة ١٨٧٤ إلى وزير الخارجية الفرنساوية تقريرًا بليغًا يعبر عن رأي ثمانية من أعضائها التسعة، ويشير على الحكومة الفرنساوية بقبول الإصلاح القضائي، في الحال التي وصل إليها، أسوة بباقي الدول، واجتنابًا لبقاء فرنسا وحيدة في مضمار، المضار فيه كثيرة وكبيرة، والفائدة معدومة.

ولكن بالرغم من ذلك، وبالرغم من أن الخديو — لاعتقاده أن الطريق مهدت نهائيًّا، وأن تشغيل المحاكم الإصلاحية بات مستطاعًا — أقبل يخاطب بعض الدول في شأن القضاة اللازمين لها، وطلب إلى حكومة إيطاليا إرسال الكاڨالييرچيا كوني ليكون المستشار الإيطالي في محكمة الاستئناف العتيدة، استمرت الحكومة الفرنساوية على مخاوفها، وعلى معارضتها في أمر التفليسات، وأضافت إلى ذلك تشددًا في تعيين قاضيين من جنسيات الدول السبع، الممثلة في لجنة القاهرة سنة ١٨٦٩ لدى محاكم أول درجة، عدا المستشار المرغوب في تعيينه، من جنسية كل منها، في محكمة الاستئناف، وإن لم يمكن، فتعيين فرنساويين عضوين في النيابة العمومية.

فرأى الخديو، عملًا بنصيحة السنيور چياكوني الذي كان قد قدم القطر في شهر يولية من السنة عينها، أن يلغي النص الخاص بالتفليسات من لائحة ترتيب المحاكم وقائمة اختصاصاتها، لكي يجرد المعارضة الفرنساوية من سلاحها؛ وأن يجيب الحكومة الفرنساوية إلى مطالبها المشتركة مع مطالب الحكومة النمساوية، وأعني بها: بقاء القناصل وأتباعهم خارجين عن دائرة اختصاص المحاكم الجديدة، وكذلك معاهد العبادة والعلم؛ والفصل في القضايا القائمة، قبل استتباب تلك المحاكم، بطريقة استثنائية يتفق عليها فيما بعد؛ وجلوس قاض أو مستشار من جنسية المدعى عليه دائمًا في الجلسات التي تنظر قضيته أمامها؛ ولكنه، مع وعده بزيادة عدد القضاة الفرنساويين، فيما لو أنشئت دوائر جديدة في المحاكم العتيدة، خلاف المنشأة بموجب لائحة الترتيب، رأى نفسه مضطرًا إلى عدم إجابة الحكومة الفرنساوية إلى طلبها، المقصود منه تعيين قاضيين تابعين للدول السبع المذكورة في محاكم أول درجة.

فرفع المعتمد الفرنساوي إلى وزارة الخارجية، بڨرسايل، المذكرة المرسلة إليه من شريف باشا، والمبين فيها كل ما قبل الخديو به حسمًا للنزاع؛ ونصحه مرة أخرى بالإقلاع عن المعارضة، وقبول الإصلاح، فأجاب الوزير بالمصادقة على ما ورد في مذكرة شريف باشا، ووعد بعرض ما جاء فيها ولائحة ترتيب المحاكم الإصلاحية على الجمعية الأهلية العمومية حالما تجتمع لتصدق عليهما معًا، فأمضى المعتمد الفرنساوي مع شريف باشا في ١٠ نوفمبر سنة ١٨٧٤ محضرًا ذكرت فيه التعديلات المتفق والمصادق عليها؛ وأرسله، ممهورًا بإمضائه وإمضاء الوزير المصري، إلى الخارجية الفرنساوية، فأعلمت هذه الوزارة، بما جاء فيه، عموم المعتمدين الفرنساويين، بمنشور أرسلته إليهم؛ وأبلغت الحكومة الفرنساوية الحكومة المصرية في ديسمبر سنة ١٨٧٤ مصادقتها على مشروع الإصلاح القضائي، مؤقتًا، حتى ترى الجمعية العمومية الأهلية رأيها فيه.

ولكنها عادت، بعد ذلك بقليل، وفتحت باب مشكلة جديدة بخصوص مقاصد الحكومة المصرية الاحتمالية في أن ترفع إلى المحاكم العتيدة ما قد يشجر من منازعات بينها وبين أعضاء الجاليات الأجنبية بشأن الرسوم والأموال والضرائب؛ وكلفت معتمدها بالإسكندرية بالحصول على ضمانة أكيدة تقي اتخاذ الخديو تلك المحاكم وسيلة لعسف يوقعه على الغربيين في باب المطالبة بالأموال الأميرية؛ فلم تلتفت الحكومة المصرية إلى هذا التمحك الجديد؛ وأعلن شريف باشا المركيز دي كازو، المعتمد الفرنساوي بالقطر، بأن الخديو، بعد مصادقة برلمانات معظم الدول على الإصلاح القضائي، وحضور معظم القضاة المعينين للمحاكم الجديدة، لم يعد يرى بدًّا من إقامة هذه المحاكم؛ وأنه عين يوم ٢٨ يونية سنة ١٨٧٥ لإجراء تلك الحفلة الرسمية؛ ويوم ١٨ أكتوبر التالي لبدء التقاضي أمام الهيئة الإصلاحية الجديدة؛ وأنه يرجو أن الجمعية الأهلية العمومية الفرنساوية تكون قد تمكنت، هي أيضًا، قبل تاريخ ٢٨ يونية المذكور، من اعتماد الإصلاح حتى لا تحرم مصر مساعدة أنوار معارف رجال القضاء الفرنساويين، قبل شروع تلك المحاكم بمباشرة أعمالها.

فأعاد وزير الخارجية الفرنساوية الكرة، وطلب من معتمد فرنسا بمصر الضمانة السابق طلبها منه بشأن الأموال والضرائب والرسوم الجمركية، فعادت المفاوضات بشأنها بين هذا المعتمد وشريف باشا، فأكد فيها الوزير المصري بناء على أمر صريح من (إسماعيل) اختصاص المحاكم الجديدة بالنظر في المنازعات التي قد تنجم بين المصالح الأميرية المصرية والأجانب بخصوص الرسوم الجمركية والأموال والضرائب المقررة والتي ستقرر؛ وعزم الحكومة المصرية الأكيد على عدم قبول تداخل القنصليات في ذلك جميعه.

فلما رفع المركيز دي كازو هذا التأكيد إلى الدوك ديكاز، وأعلمه أيضًا بتحديد يوم ٢٨ يونية سنة ١٨٧٥ لترتيب المحاكم، سُقط الدوك في يده، وامتعض قلبه، وعاودته مخاوفه السابقة، فرأى أن يوقف مصادقة الحكومة الفرنساوية على مشروع الإصلاح القضائي حتى يعيد فحص الاحتياجات التي يتحتم عليه أخذها مبدئيًّا لئلا تضام المصالح الفرنساوية.

ولكي يصل إلى هذا الغرض بكيفية أكيدة صحيحة رأى أن يستشير في الأمر محكمة إكس الاستئنافية لاعتقاده أنها، بصفتها المحكمة التي تستأنف أمامها أحكام محاكم مصر القنصلية، أدرى الهيئات النظامية كلها بالمصلحة الفرنساوية الحقيقية بالقطر المصري، فانتدبت محكمة إكس لجنة من مستشاريها لفحص الموضوع وتمحيصه وتقديم تقرير ضافي الذيول إليها تبني عليه إجابتها على الوزارة.

فاجتمعت تلك اللجنة وتباحثت؛ ثم كلفت المسيو رولان، أحد أعضائها، بوضع التقرير الذي أدت مباحثها إلى الاتفاق عليه، فوضعه وقدمه إلى المحكمة؛ وإذا به يطعن على المشروع طعنًا مرًّا؛ ويشير بطرحه جانبًا، كلية، وعدم العدول عن النظام القضائي القنصلي (١٧ يونية سنة ١٨٧٥)؛ وبنى رأيه هذا على السببين الآتيين:
  • أولًا: أن العداء والخصام القائمين منذ الأزل بين الأجناس الإسلامية والأجناس المسيحية لا يزالان مستمرين على شدتهما الأصلية.
  • ثانيًا: أن الوحدة بين تلك الأجناس في المدنية والعادات والعقلية الدينية غير موجودة بتاتًا، فلا يحسن، والحالة هذه، تقرير محاكم واحدة لها جميعًا؛ لا سيما أن الأسباب التي قضت بإيجاد نظام الامتيازات لا تزال موجودة كما كانت.٧

ولما كان هذان السببان لا يخرجان في الحقيقة عن أنهما مجرد تأكيدين، لا حجة تؤيدهما، انبرى رجال فرنساويون عديدون من أرباب التقنين والقانون إلى دحضهما وإبطالهما.

على أن الأمور كانت، أثناء كل هذه المباحث والمفاوضات العقيمة، تجرى مجراها حثيثًا: فإن القضاة والمستشارين الواقع اختيار الحكومة المصرية عليهم، كانوا، بموافقة دولهم، قد أمّوا القطر المصري مقرّ وظائفهم الجديدة؛ واجتمعوا كلهم، ما عدا الفرنساويين، بالإسكندرية في الثلث الأخير من شهر يونية سنة ١٨٧٥.

فاستدعاهم الخديو إلى الحفلة الحافلة التي عين لها يوم ٢٨ منه؛ واستدعى إليها أيضًا جميع قناصل الدول ومعتمديها ما عدا المعتمد الفرنساوي، فأسرع جمعهم وأم سراي رأس التين رسميًّا.

فاستقبل شريف باشا وزير الحقانية والتجارة وفودهم، وأكرم وفادتهم؛ ثم سار بهم إلى قاعة الاستقبال الكبرى حيث كان قد سبقهم الأمير (محمد توفيق باشا) ولي العهد ووزير الداخلية، ومنصور باشا صهر الخديو، وإسماعيل صديق باشا وزير المالية، ونخبة من كبار أرباب المناصب العليا، وما انتظم عقدهم فيها إلا ودخل عليهم (إسماعيل) مصحوبًا برجال معيته السنية؛ فحياهم ببشاشته المعهودة، ثم خاطبهم قائلًا:

يا حضرات السادة، إن تعضيد صاحب الجلالة السلطان الأعظم، مليكي الأكرم، ومضافرة الدول المريدة الخير، يمكناني من إقامة معاهد الإصلاح القضائي، وإجلاس المحاكم الجديدة على منصاتها، وإني لسعيد برؤيتي رجال القضاء المتفوقين الأكارم الذين أكل إليهم بوثوق تام عهده إحقاق الحق مجتمعين حولي؛ فإن المصالح كافة ستجد في أنوار معارفكم طمأنينة كاملة: فتقابل قراراتكم من الجميع بالاحترام والطاعة. إن هذا اليوم أيها السادة سيكون من أيام التاريخ المصري المعدودة؛ ولسوف يعد فاتحة عصر مدنية جديد، وإني لمقتنع أن مستقبل العمل العظيم الذي أنشأناه معًا قد أصبح بعون الله تعالى أمرًا مضمونًا!

فرد شريف باشا على سموه باسم القضاء الجديد وكأنه لسان حاله، فرجا منه أن يقبل تهانئه على عمل الرقي العظيم الذي تم على يديه، وشعور شكر القضاة الجزيل على الثقة التي تفضل وعهد بمقتضاها إلى إخلاصهم مصالح البلد الكبرى ومستقبله، وأكد له أن الهيئة القضائية المصرية الجديدة تقدر مهمة إحقاق الحق التي عهد سموُّه بها إلى حكمتها وإخلاصها وشرفها حق قدرها، لاعتبارها إياها ميزة من أهم ميزات سلطته السامية، تفضل وخصها بها؛ وأنها تعد نفسها سعيدة أن مثل هذه الثقة الكريمة النبيلة قد وضعت فيها؛ فتستمدَّ من أفكار سموه الصاعدة الممدَّنة ما تستعين به على القيام بمأموريتها الرفيعة، القيام الأمثل، مع تقديم عملها الفعال لإنجاح جهوده المثابرة؛ لأنها ستتطلع حتمًا إلى مجد نقش اسمها على صفحات قلوب الأجيال التالية، بأنها كانت ممن تم على أيديهم العمل العظيم المرتبطة سعادة مصر به، والذي يعتبر بلا ريب من أسنى مفاخر ملك سموه.

ورغم ذلك جميعه استمرت فرنسا على ممانعتها وترددها وامتناعها، وكتب وزير خارجيتها في أول يولية سنة ١٨٧٥ إلى سفراء فرنسا لدى حكومات ألمانيا وإنجلترا والنمسا وإيطاليا وروسيا يبلغهم الخلاف ذا الشأن الخطير، على زعمه، القائم حديثًا بين الحكومة الفرنساوية والحكومة المصرية؛ ويكلفهم باستطلاع آراء تلك الدول في موضوعه، فرأت الحكومات التي خابرها أن يؤجل فتح المحاكم إلى أول يناير سنة ١٨٧٦؛ وأجاب (إسماعيل) أنه لا يأبى ذلك، فأخطر نوبار باشا المعتمدين الأجانب في ١٤ أكتوبر سنة ١٨٧٥ بذلك التأجيل المطلوب؛ ورجا أن تتمكن الجمعية الأهلية العمومية الفرنساوية من المصادقة على الإصلاح في غضون المهلة الجديدة.

وفي ١٣ نوفمبر سنة ١٨٧٥ رفعت الغرفة التجارية بمرسيليا إلى وزارة الخارجية الفرنساوية عرضًا التمست فيه باسم أشهر المحلات التجارية في ذلك الثغر مبادرة الحكومة الفرنساوية إلى المصادقة على مشروع الإصلاح القضائي بمصر؛ وأرفقت بعرضها كتابًا طلب تجار مرسيليا إليها رفعه إلى الخارجية وتقريرًا إضافيًّا صادرًا من الغرفة التجارية عينها تأييدًا لالتماسها، ولكن فرنسا استمرت مع ذلك مقيمة على ترددها.

فلما رأت الحكومة المصرية منها ذلك، ووجدت أن استمرارها على تلك الخطة قد يؤدي إلى تأجيلات ومماطلات جديدة، أنذرتها بأنها ستقرر إقفال محكمتي التجارة الموجودتين بمصر والإسكندرية؛ فلا يعود للفرنساويين سبيل إلى مقاضاة الأهالي أو الأجانب على السواء في المواد التجارية مطلقًا.

ومحكمتا التجارة بمصر والإسكندرية كانتا محكمتين مختصتين بالنظر في القضايا التجارية المرفوعة من الأجانب على الأهالي، وبالعكس، والمرفوعة من أجانب على أجانب غيرهم، وكانت كل منهما مشكلة من رئيس وطني قلما كان يدري شيئًا من شئون التجارة أو قوانينها، ومن محلفين وطنيين، ومحلفين أجنبيين لا يدرون شيئًا بالمرة من القوانين، ويحكمون في الغالب إما طبقًا للبداهة والعادات، إذا كانوا نزهاء، وإما طبقًا للأهواء، إذا كانوا ممن تلعب الرشوة بضمائرهم.

وكانت الأحكام الصادرة من إحدى المحكمتين تستأنف أمام الأخرى؛ فتتشكل هذه حينذاك من الرئيس عينه وأربعة محلفين وطنيين، وأربعة محلفين أجانب.

وكان لدى كل محكمة: مترجم وباشكاتب وكتاب ومحضرون معينون كلهم من لدن الحكومة المصرية، ويتقاضون رواتبهم منها متى تقاضوها. كذلك كانت وزارة الحقانية تعين أيضًا رئيس كل محكمة من المحكمتين بالراتب الذي تراه.

ولا أدل على قلة مبالاة أولئك الرؤساء بالمهمة المعهودة إليهم مما رويناه عن علي شريف باشا وحصانه فيما سبق؛ كما أنه لا أدل على قلة درايتهم في الغالب من معرفة أن رئيس المحكمة التجارية بالإسكندرية، وقت ترتيب المحاكم المختلطة، كان ديمتري بك بشارة؛ في حين أن مترجمها، في بعض عهده، كان بطرس غالي باشا، الوزير المصري الشهير، الذي قتله الورداني في ٢٠ يناير سنة ١٩١٠؛ والفرق بين مدارك الرجلين ومعارفهما وتفتق ذهنيهما كالفرق بين الليل والنهار! وأن سلف ديمتري بك المذكور كان رجلًا تركيًّا يقال له: الألفي بك، يكاد لا يعرف القراءة.

وكان المحلفون في تينك المحكمتين ينتخبون من بين أربعة وعشرن تاجرًا بمصر، ومن عدد أكبر من هذا بالإسكندرية، تكتب أسماؤهم في كشف تقدمه المحافظة إلى وزارة الحقانية؛ فتعين هذه اثني عشر منهم محلفين أصليين واثني عشر آخرين نوابًا عنهم في حال غيابهم أو اعتذارهم. أما المحلفون الأجانب فكانت الحكومة تنتخبهم من بين عدة من وجهاء تجار الجاليات الغربية، تقدم القنصليات كشوفًا بأسمائهم إلى الوزارة عينها.

وهذه هي القاعدة المتبعة الآن في المحاكم المختلطة في انتخاب المحلفين، سواء أكانوا من الأهالي أم من الأجانب؛ ولا شك في أنها من بقايا النظام القديم، والتعديل الوحيد الذي أدخل عليه هو أن التجار الواردة أسماؤهم في الكشوف هم الذين ينتخبون الآن المحلفين، والمحكمة التجارية المختلطة هي التي تصادق بعد ذلك على انتخابهم، لا الحكومة المصرية كما كان سابقًا.

فلما وصل إنذار الحكومة المصرية إلى الخارجية الفرنساوية، وعلمت هذه من جهة أخرى أن امتناع فرنسا عن الموافقة، بعد موافقة باقي الدول، إنما يضر في الحقيقة بفرنسا والمصالح الفرنساوية وحدها دون غيرها، عرضت المسألة على الجمعية العمومية — وكانت لا تزال منعقدة — وطلبت إليها بت الرأي فيها.

فبالرغم من أن بعض الخطباء، من محبي الكلام لبهجته، وجدوا الفرصة سانجة ليغرقوا في إعجابهم بمفاخر فرنسا الماضية، وبما كان لها من الأهمية في المسائل الشرقية على الأخص في أيام فرنسيس الأول ولويس الرابع عشر، وليتذرعوا بذلك الإعجاب إلى الإصرار على رفض المشروع، بالرغم من أن فئة عديدة من نواب الأمة انضمت إلى أولئك الخطباء وقاومت المشروع مقاومة عنيفة، فإن أغلبية الجمعية العمومية رأت في نهاية الأمر وبعد جدال شديد أن تقرر الواقع وتصادق عليه، في أواخر ديسمبر سنة ١٨٧٥.

فيتضح من تفصيلات ما ذكرنا أن أمر توحيد الشرائع والقوانين والمحاكم ليس من مبتكرات اليوم؛ وأن الحكومة المصرية قد رمت إليه منذ نيف وخمسين عامًا، وكادت تبلغ بغيتها منه، بفضل اجتهاد الخديو (إسماعيل) ونوبار باشا وزيره الحكيم لولا معارضة الحكومتين التركية والفرنساوية، وحيلولتهما بينها وبين أمنياتها، وتمكنهما في نهاية الأمر من عدم إدخال الإصلاح إلا مبتورًا: الشيء الذي قيد المستقبل في نصف دائرة الفوضى القضائية القديمة؛ وجعل مصر ترزح حتى يومنا هذا تحت ثقل التجاوزات الامتيازية الموجبة حتمًا ثقل تجاوزات قوانين الأحوال الشخصية.

فلما وافى أول يناير سنة ١٨٧٦ افتتح رياض باشا — وكانت وزارة الحقانية المصرية قد عهدت إليه — عهد العدالة الجديد في القطر المصري، افتتاحًا رسميًّا حقيقيًا، بتقليده قضاة محكمة الإسكندرية الابتدائية المختلطة وظائفهم، تقليدًا علنيًّا، على أن يكون بدء أعمالهم في أول فبراير التالي، لكي تتمكن الحكومة الفرنساوية في هذه المهلة من الموافقة على القضاة الفرنساويين الذين يختارهم الخديو، ويتمكن هؤلاء من الوصول إلى مقر وظائفهم.

وما وافى الخامس عشر من شهر فبراير سنة ١٨٧٦ إلا وكان كل القضاة في أماكنهم؛ وأخذت المحاكم الإصلاحية تقيم معالم العدالة على قاعدة القوانين الجديدة. غير أن القضاة الفرنساويين لم يحضروا إلا بعد ذلك ببرهة.

هكذا زالت آخر عقبة من السبيل المؤدي إلى الاستقلال، بزوال سلطة القنصليات الأجنبية المدنية من جانب السلطة المصرية المحلية؛ ولولا تعنت فرنسا وتصلبها، الذي لا مبرر له غير مخاوف سخيفة لا يأبه التاريخ لها، لزالت سلطة القنصليات عينها الجنائية أيضًا ولباتت دولها القائمة في جسم دولتنا المصرية في خبر كان منذ نيف وخمسين سنة.

على أننا نستطيع أن نقول بحق إن (إسماعيل) بعد أن أزال سلطة شركة السويس التجاوزية على ضفاف القناة؛ وأبطل حقوقها المثقلة عواهن الحكومة المصرية بمقتضى الامتياز الممنوح من سلفه لتلك الشركة؛ بعد أن غير مجاري الوراثة، من الأرشد فالأرشد في أسرة (محمد علي) إلى الابن البكر فالابن البكر من ذريته؛ بعد أن أبدل صفه «الوالي» الحقيرة، التي كان يشترك فيها مع باقي ولاة الدولة العثمانية بلقب «خديو» الفخيم؛ بعد أن نال جميع الحقوق الملكية المناسبة لذلك اللقب الجديد، والتي أصبح بموجبها مستقلًّا تمام الاستقلال في بلاده، وحمل الحكومات الأجنبية على اعتماد تلك الحقوق اعتمادًا دوليًّا؛ بعد أن أزال جزءًا كبيرًا من السلطة التجاوزية التشريعية والتنفيذية التي أوجبها في بلاده نظام الامتيازات الجائر؛ بعد أن نقل الحدود المصرية نحو الجنوب إلى ما يقرب من خمس عشرة درجة، ونحو الغرب والشرق إلى ما يقرب من درجة ونصف — وهو ما سنفصله في الباب الثالث التالي — أصبح محقًّا في أن يعتبر أن الخطة التي وضعها لنفسه لما ارتقى عرش أبيه وجده قد تحققت؛ وأنه بلغ في أول يوم من سنة ١٨٧٦ أوج عزه وذروة مجده!

ولكي يكون آخر عمل يعمله في ذلك السبيل الذي وضعه لنفسه مشعرًا بحقيقة مراميه، فإنه، في هذا اليوم عينه؛ أي: أول يناير سنة ١٨٧٦، أمر باستبدال التاريخ القبطي المعمول به في دوائر الحكومة الرسمية بالتاريخ الغريغوري المعمول به في عموم الدول الغربية المتمدينة؛ كأنه يريد أن يفهم أوروبا وأمريكا معًا أن مصر — منذ أن توج الإصلاح القضائي، على الطريقة الغربية، مساعي مليكها الحثيثة غير المنقطعة نحو إقامتها مستقلة في المركز اللائق بها في مصاف الدول — قد أصبحت في الواقع، لا في التعبير المجازي فقط، «قطعة من أوروبا» كما أكد هو نفسه.

١  أهم مصادر هذا الفصل: «محاضر المندوبيات المختلفة التي التأمت بمصر وباريس، وفلورنسا، والأستانة العلية ما بين سنة ١٨٦٩ وسنة ١٨٧٣»، و«مخابرات خاصة بالإصلاح القضائي»، و«الامتيازات والإصلاح القضائي بمصر: ضرورته، وجوب إجرائه حالًا»، و«الإصلاح القضائي بمصر» لجاتسكي، و«الإصلاح القضائي بمصر والامتيازات»، و«الامتيازات» لپليسييه دي روزاس، و«الإصلاح القضائي بمصر: رسالة إلى جاتسكي» لڨنكل، و«نوبار باشا» لهولنسكي.
٢  انظر: «مصر» لمالورتي ص٨٣ حاشية ٣٦٨.
٣  انظر: «مصر الخديوي» لإدون دي ليون ص٣٠٠.
٤  انظر في الكتاب عينه الصحف التالية لغاية ص٣٠٥.
٥  انظر: «مصر الخديوي» لإدون دي ليون ص٣٠٣.
٦  انظر: الكتاب المرسل من الصدارة العظمى إلى الخديو في ١٣ جمادى الأولى سنة ١٢٨٩.
٧  انظر هذا التقرير في مجموعة المخابرات والوثائق الخاصة بالإصلاح القضائي، بمكتبة محكمة الاستئناف المختلطة بالإسكندرية.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠