الفصل الأول

القوة المادية واتساع السلطان بالفتح والاستعمار١

أيقنت أني ذو حفاظ ماجد
من نسل أملاك ذوي أتواج
جحدر بن ربيعة

أمام مصر — إذا ابتغت فخار الفتوح ومجد السلاح — ميدانان: الميدان الشرقي، من شماليه إلى جنوبيه، والميدان الجنوبي، من شرقيه إلى غربيه، فيمكنها تسيير أعلامها نحو بلاد فلسطين، واليهودية، وفينقية، والجليل، وسوريا، وتتجاوزها زحفًا: إما إلى ما وراء جبال طورس من جهة، وإما إلى ما وراء الصحراء السورية من جهة أخرى، أو يمكنها أن تصعد بتلك الأعلام مجرى النيل من جهة، وتسير بها منصورة في بلاد النوبة تدوِّخها من غربيها إلى شرقيها، أو تجتاز بها القلزم من جهة أخرى، وتقيمها خافقة في سماء العزِّ فوق رُبى اليمن، وغيرها من البلاد العربية الجديرة بالاستعمار.

وتاريخ أيامها الماضية العسكرية، كلما اتقدت روح الفتح في صدور فراعنتها أو أمرائها أو خلفائها أو ملوكها وسلاطينها، إنما هو عبارة عن وثبها بجحافلها، وكتائبها وكراديسها إلى أحد ذينك الميدانين، أو إلى كليهما معًا.

فبينما الأسرة الثانية عشرة الفرعونية — وهي بلا مكابرة خير أسرة جلست على العرش المصري القديم — وجَّهت وجهها على الأخص شطر الميدان الشرقي، وأقامت مظالَّ سلطانها على فيافي شبه جزيرة سيناء وربوع فلسطين، قد تناولت مطامع الأسرة الثامنة عشرة المجيدة الميدانين معًا، وسار فراعنتها؛ لا سيما (حاتاسو) — سميراميس وادي النيل — وطوطمس الثالث — إسكندر الأيام المصرية القديمة ونابوليونها — بجحافلهم المنصورة، تارة إلى ضفاف نهري الفرات والسدنس شمالًا، وإلى اليمن السعيدة وبلاد حضرموت جنوبًا، وطورًا إلى أعماق النوبة، وما وراء الشلال الرابع. بل إن طوطمس الثالث لم يهَبِ الفيافي الليبيبة، وولج بجنوده البواسل الميدان الغربي المخيف، وأخضع لسلطان أحكامه الحكيمة الأمم الوحشية القاطنة ما وراء تلك البيد بقدر ما كان يمكن في تلك الأيام، إخضاع قبائل تنتقل بخيامها ومظالِّها في شاسع أرجاء الصحاري الأفريقية لسلطة منظمة.

واقتفى فراعنة الأسرتين التاسعة عشرة والعشرين خطوات أسلافهم الأماجد؛ فحارب إمزيس الثاني على ضفاف نهر العاصي (الأورنتيس) وفي ضواحي حلب، وقاتل رامزيس الثالث تحت قلاع رفح تارة، وأخرى عند خليج السلوم.

على أن عواهل مصر القدماء كانوا إلى التوسع في الميدان الشرقي أميل منهم إلى التوسع في الميدان الجنوبي: إما لأن البلاد الشرقية كانت معروفة لديهم أكثر من البلاد الجنوبية، وكانوا يعتقدونها أكثر من هذه ثروة وخيرات، وإما لأنهم — لتوقعهم منها شرًّا، لا سيما بعد غزوات شعوبها المختلفة التي قلبت السلطنة المصرية القديمة رأسًا على عقب، وعادت فأغارت على الوادي الخصيب، وقوَّضت معالم الإمبراطورية المصرية الوسطى، وأقامت على عرش فراعنتها الأماجد الأسرتين الهكسوسيتين الخامسة عشرة والسادسة عشرة — كانوا يرون الحرب الهجومية خير أنواع الحرب الدفاعية، وأجداها فائدة، وإما لأن بلاد الجنوب، بعد تزوج أحمس «المخلِّص» من الأميرة نفرتاري النوبية الجميلة، وريثة عرش نپاته، وانضمام بلادها إلى بلاد التاج المصري، وتلقُّب ابنها وولي عهدها «بأمير كوس» — وهو اللقب الذي أصبح ولي عهد الفرعونية المصرية يختص دائمًا به منذ ذلك الحين، كما اختص بلقب «أمير ويلز» ولي عهد المملكة الإنجليزية منذ أن ضم إدورد الأول البريطاني إمارة ويلز إلى أملاك عرشه — باتت معتبرة عضوًا في الإمبراطورية المصرية، وجزءًا متممًا لكيانها، ولو أنها أنجبت فيما بعد ملوكًا أصلهم مصري أغاروا على قطر أجدادهم وجلسوا على عرش عواهلهم.

لذلك، حينما استتبت أقدام الأسرة السادسة والعشرين على عرش القطرين، واتقدت روح الفتح في صدور أكابر فراعنتها، هبَّ نيخاؤ إلى الاكتساح في الميدان الشرقي، بالرغم من أن رحلة عمارته المصرية الفينيقية حول القارة الأفريقية، واشتطاطها سواحلها كافة، من القلزم إلى رأس العشم بالخير، فإلي بوغاز جبل طارق أو «عمد هرقل» — كما كان يدعى ذلك البوغاز في تلك الأيام — فإلى ثغر پلوزا (الفرما)، كان من شأنها أن تفتح أمام مطامعه ميدانًا يشبع اتساعه الشاسع كل جوع إلى الفتح ومجده، والاستعمار وفخره.

ولما آل العرش المصري إلى البطالسة، فإنما كان الميدان الشرقي مطمح أنظارهم ومجال جهودهم، وإنما كانت كتائبهم تسير إلى بطاحه لتبارز كتائب ملوك سوريا وغيرها.

كذلك كان ذلك الميدان عينه، بالرغم من وعورته، محط رحال فروسية الطولونيين المجيدين أحمد وخمارويه، والإخشيد، والفاطميَّين الساطعَيْ الشهرة المعز والعزيز، ومن حذا حذوهما من خلفائهما، وصلاح الدين الأيوبي، البطل الأجَلِّ والسلطان الأكمل، وكبار أبطال السلاطين المماليك المصريين، من قطز وبيبرس البندقداري وقلاوون والناصر، إلى برقوق وبرسباي وقايتباي والغوري المنكود الحظ.

على أن الظلام الدامس الذي انسدلت سدوله على أقطار الميدان الجنوبي، منذ أن أضاعت مصرنا الأسيفة استقلالها على يد ذلك الظالم المجنون قمبيز الفارسي، كان يبرر إلى حدٍّ ما انصراف همم الجالسين على عرشها عن انتشارها فيه، لا سيما بعد أن ذاعت عنه الأنباء الخرافية التي روَّجها كتاب العرب وغيرهم، والتي جعلت المخيلات تتصوره أسود من الناس القاطنين فيه، ومفعمًا أهوالًا تتضاءل أمامها أهوال «بحر الظلمات» الشهير.

ولما أرادت العناية الإلهية أن يئول زمام القطر المصري إلى يد (محمد علي) القديرة، وفتحت همَّةُ هذا النابغة المتفوق وعزيمته آفاقَ آمالٍ جديدة أمام البلاد، فإن الجهود المصرية وُجِّهت شطر الميدان الشرقي أولًا، وسارت فيالق الفاتح الجديد تحت إمرة ولده طوسون، فإمرة ولده (إبراهيم) الهمام إلى البلاد العربية ترغم أنوف الوهابيين، وتحني جباههم أمام الجالس على عرش الأستانة. ولولا أنه تواترت الإشاعات عن وجود مناجم ذهب في مجاهل السودان لما فكر (محمد علي) في فتح أصقاعه، ولما شغل نفسه في تجهيز الحملات إليها، بالرغم من نزوح بقايا الأمراء المماليك الذين قضى عليهم إلى إقليم دنقلا، ورغبته في اجتثاث جرثومتهم ومحق أثرهم.

ومع ذلك، فإنه هو أيضًا حينما اتضح له أن حكاية مناجم الذهب «حديث خرافة يا أم عمرو» حوَّل مطامعه عن الميدان الجنوبي بالمرة، وأخذ يشرئب بها إلى ظروف تمكنه من تسيير ألويته إلى الميدان الشرقي المعتاد.

ولا غرو؛ فرجل مثله مغرم بالمجد والشهرة، رغَّاب في أن تتحدث بسيرته الركبان والألسنة، متحمس للإسكندر القائل وهو على ضفاف الهندس: «ألا كم أقاسي، لكي تمدحوني أيها الأثينيون!» وللبطالسة، المذكرته بمجدهم جزيرة فارو المتقدمة في البحر، شرقي سراية براس التين، رجل مثله، كثير الكلام عنهم، كأن مواطنته لهم توجب شيئًا من القرابة والنسب بينهم وبينه، حتى لقد يروى عنه أنه سمع مرة بعضهم يحكي قصة عن المكدوني العظيم تأخذ بمجامع الانتباه والالتفات، فهتف بخيلاء قائلًا: «وأنا أيضًا من فيلپي!»٢ أي من بلد الإسكندر، رجل مثله يفتخر بأنه وُلد في ذات السنة التي ولد نابليون فيها، ويتلذذ جدًّا لدى سماعه الغربيين يشبهونه به ويلقبونه «نابوليون الشرق»، رجل مثله نرانا — إذا سلمنا بمبدأ القائلين بتعدد الأعمار، وعَود الإنسان بعد موته مرارًا عديدة إلى الوجود الأرضي حتى يبلغ درجة الكمال، فينتقل حينئذ بدون رجعة أرضية إلى عالم أرقى من عالمنا هذا، وهو مبدأ البوذيين — نميل إلى التسليم فعلًا بأنه قد يكون (بطليمس صوطر) أو (بطليمس فيلاذلفس) المجيدين، لأن ملكه كملكهما أعاد الحياة إلى مصر، واختطَّ لها سبيل وجود جديد، ولأنه تحلى مثل كل منهما بمزايا رجولية باهرة، لا بد لها من جعل اسمه ممجدًا كاسميهما على ممرِّ الدهور، رجل مثله لم يكن ليرضيه إلا أن يُسيِّر أعلامه حيث سيَّر أولئك الأماجد أعلامهم، وأن يجعل بلاد السود دون غيرها موطنًا لشهرته، ومجالًا لأعماله، فيهمل الميدان الشرقي الذي كان لا بد لفعاله فيه من الدويِّ في آذان عموم العالم المتمدين، وحمل أقوامه، مانحي الشهرة، وضافري أكاليل المجد الأبدية، وحدهم، على التحدث بها، وتعطير صفحات التاريخ المستقبل بشذا تكبيرهم إياها، وتعظيمهم البطل الذي تمت على يديه.

فمع استمراره على الرغبة في الجنوب، ليتخذ على الأخص من سوده جنودًا للجيش الذي شرع ينشئه على النظام الأوروبي، لم يعِر ميدانه أهمية كثيرة، وإنما أبقاه في قبضة يده؛ لأنه كان من طبيعته ضنينًا بملك آل إليها أن ينفلت منها. ولم يكن اهتمام خليفتيه (عباس) و(سعيد) بذلك الميدان أكثر من اهتمامه، بل إن (سعيدًا) — على ما رأينا — فكَّر وقتًا ما بالتخلي عنه بالكلية.

فلما آل الأمر إلى (إسماعيل)، وكان قد عرف شيئًا عن السودان أيام أن أخمد — وهو ولي العهد، وسردار الجيش المصري — الثورة التي أهاجتها بعض قبائل عربية على حدوده، نظر إلى الميدان الجنوبي بغير العين التي كان جميع أسلافه ينظرون إليه بها، وأدرك في الحال ما لم يدركه جده العظيم والفراعنة الكبار قبله، أنه الميدان الحقيقي الذي يحسن بمصر أن تنشر فيه جهودها الفاتحة الممدنة؛ لأنه الميدان الوحيد الذي لا يزاحمها أحد عليه، بل الميدان الوحيد المحتاج إلى عمل من الخارج يزيح عنه سدول الجهل والوحشية، وينشر فوقه أعلام العرفان والعمران.

فأجال نظره في أطرافه الشاسعة المترامية، وشخص مليًّا إلى بقاعه المتعددة المختلفة، الكثيرة الخيرات بالرغم من الفوضى السائدة عليها، المنتظرة الاستعمار، والطالبة النظام، لتزيد تلك الخيرات مائة ضعف، وتأمل فيما قد تئول إليه مصر من عز وسؤدد لو أتيح لها أن تتوغل، بحدودها الجنوبية، إلى الجنوب تباعًا، وتمدَّ ظل سلطانها بالتدريج من غربي ذلك الميدان إلى شرقيه، متقدمة ومصباح المدنية والعمران في يديها، فتقيم سلطنة عظيمة، تمتد من البحر الأبيض إلى خط الاستواء، ومن بحر القلزم إلى أقصى متاخمات الصحراء، سلطنة تتضاءل أمام اتساعها الذي لا حد له نفس الممالك العثمانية الشاهانية، ولا تضارعها فيه إلا دول معدودة على سطح البسيطة.٣

فوقع في خلده في الحال وجوب العمل على تحقيق هذه الأمنية الجلَّى، للفوز بمجد فذ لا يشاركه أحد فيه، ولرفع منار مصره، بصفتها ممدَّنة الجنوب أجمع، فوق منار كل دولة شرقية سواها، ومتى تحققت تلك الأمنية تمامًا، وأصبحت الخديوية المصرية ثابتة الأركان، من شمالي القارة الإفريقية إلى أواسطها، يمتد سلطانها على واحد وثلاثين درجة من خطوط العرض، وعشر درجات من خطوط الطول، من يدري ماذا يمكن لها حينئذ أن تعمل من الأعمال في مسرح العظمة البشرية، وماذا يمكن لها أن تنال من التحقيقات في ميدان آمالها القومية، وماذا يكون مآل علاقاتها بتركيا، الزاعمة حق السيادة عليها؟!

وكان حكمدار عموم السودان حينما ارتقى (إسماعيل) عرش جده موسى باشا حمدي، وهو رجل مشهور، قمع عدة ثورات محلية في كردوفان وتقلى، وسنَّ قوانين جديدة لجمع الضرائب، فأعطى كل فلاح «سركيًّا» بيده، ليدفع ما جُعل عليه من الأموال على ثلاثة أقساط معينة في السنة، فكلما دفع قسطًا قيد له في «سركيه»، قيده في يومية الصراف، وجعل من الأهالي نظار أقسام ومعاونين، وأمرهم فلبسوا الملابس العثمانية، فحسنت بذلك الحال، وسهل تحصيل الأموال، فأصبح اسمه معروفًا في البلاد، وشخصه محبوبًا من العباد، فأنعم (إسماعيل) عليه برتبة فريق، واستدعاه إليه ليوقفه على حال تلك الديار، فذهب موسى باشا إلى مصر في ١٠ يولية سنة ١٨٦٣، وأدى واجب الشكر لمولاه على النعمة التي أسبغها عليه، ثم أوقفه على حقيقة حال الجنوب، وعاد مزودًا منه بتعليمات إلى الخرطوم، فأخذ يزيد عدد جنده هناك حتى بلغ الثلاثين ألفًا من نظامية وباشبوزق، وسار بالبلاد على أحسن نظام، ممهدًا السبل لتحقيق مرامي مولاه، جامعًا القلوب على حب أحكامه.

وكان على جبال تقلى، في أيام موسى باشا، ملك يقال له «ناصر» اشتهر بالقسوة والوحشية، فكان إذا غضب على شخص وضعه عاريًا مكتوفًا على حجر محمي حتى يموت. ويحكى أن صائغًا من صاغة الأبيض سمع بقسوته، وهو يذيب فضة على النار، فلما سالت قال: «حق هذا السائل أن يُصبَّ في أنف الملك ناصر، جزاء قسوته وظلمه.» فبلغ الخبر الملك ناصرًا، فعزم على الإيقاع به، وأركن إلى الحيلة، فأرسل إليه أربع جوارٍ هدية، وسأله أن يحضر مع الرسول إلى الجبل ليصوغ بعض الحلي لنسائه، ووعده بمكافأة جليلة، فذهب الصائغ فأعطاه بعض الفضة والذهب فصاغها له، ثم أعطاه فضة وسأله أن يذيبها على النار، ولما سالت قال له: «أتذكر أنك اشتهيت مرة في الأبيض أن يُصبَّ مثل هذا السائل في أنفي؟» فسكت الصائغ وألجم لسانه، فأمر ناصر بعض العبيد فقيدوه، ثم أخذ الفضة وصبها في أنفه وهي محماة، فتورَّم دماغه، ومات لساعته، ولكنه ما لبث أن وقع خلاف بين ناصر وابن عم له اسمه آدم دبال، ولما كان أهل ناصر قد سئموه لكثرة ظلمه وقسوته، نصروا ابن عمه عليه، ففر بعائلته إلى موسى باشا في الخرطوم، فأرسله إلى (إسماعيل) بمصر.

ووقع في تلك الأثناء، في بادية كردوفان، حرب شديدة بين عربان حمر وقائدهم الشيخ مكي ود المنعم، وبين عربان الكبابيش، وقائدهم الشيخ فضل الله ود سالم، اشتهرت بحرب «العقال»؛ لأن كلا الفريقين جمع رجاله وأولاده إلى ساحة الحرب، وعقل الإبل، وعوَّل على النصر أو الموت، وتقاتلا طويلًا، مستقتلين، فانتصر الحمر، وغنموا نحاس الكبابيش وأموالهم.

وفي أواخر أيام موسى باشا ثار الجهادية السود في كسلا ثورة أدت إلى سفك دماء كثيرة، واستغرقت عدة شهور، وكان السبب فيها سوء إدارة القواد، وتأخرهم عن دفع مرتبات الجند. وتفصيل ذلك أنه كان في استحكام كسلا آلاي فيه نحو أربعة آلاف من الجهادية السود، ومعهم نحو ألف نفر من الباشبوزق الأتراك والشايقية، وكان المدير على البلد إبراهيم أدهم بك، فخطر له في مارس سنة ١٨٦٥ أن يرسل غزوة على جبال البارية والبازة، فأصدر أمره لأورطة من الجهادية، وبعض الباشبوزق بالتأهب لها، فرفضوا الأمر وقالوا: «لا نسافر حتى نقبض المتأخر من رواتبنا.» فلما بلغ قولهم قومندان الأورطة، واسمه خطاب أفندي، غضب وقال: «أأصبح للعبيد شأن يعصون به الأمر؟ فوالله لأسوقنهم للغزوة بالسياط.» فازداد السود تصلبًا وعنادًا، ولما جاء الميعاد المضروب خرجوا من الاستحكام، ووقفوا عند الباب المسمى باب سبدرات «طابورًا»، وجمعوا أسلحتهم أمامهم كومًا، وأرسلوا يخبرون قومندانهم أنهم لا ينتقلون من مكانهم حتى يقبضوا رواتبهم بتمامها، وإن كان لم يزل ينوي تنفيذ أمره بالسياط — كما قال — فليفعل، فجاءهم خطاب أفندي على جواده، ونادى بهم «سلاح آل»، فهجموا عليه، وأوسعوه شتمًا وضربًا بالعصي، ونساؤهم من ورائهم يشجعنهم ويزغردن لهم، فلجأ خطاب أفندي إلى الفرار، وأخبر المدير بما كان، فاهتم للأمر، وخشي امتداد الثورة إلى الآلاي كله، وكانت الذخيرة بيد ملازم منهم، فأخرجها من يده، وسلمها إلى ضابط من ضباط الباشبوزق الأتراك، وجمع التجار المغاربة وأهل البلد، فسلحهم وضمهم إلى الباشبوزق، وفرقهم على أبراج السور.

أما العصاة فإنهم حملوا سلاحهم، وساروا في وجوههم نحو سبدرات، وكان قومندانهم قد وجه إليها بعض العسكر الباشبوزق بمدفعين، وستين صندوقًا ذخيرة محملة على ثلاثين جملًا ليتقدموا الغزوة، فأدركهم العصاة في الطريق، واستولوا على الذخيرة والمدفعين بعد أن فتكوا بالعساكر، وضربوا قائدهم السرسواري سعيد أغا أبا فلقة، فأثخنوه وتركوه بين حي وميت، ونزلوا في سبدرات.

فعقد المدير ناديًا من الضباط والتجار والأعيان للنظر في أمر الأورطة، فأقروا على أن يرسلوا إليهم رواتبهم المتأخرة، ويتداركوا أمرهم بالتي هي أحسن، حتى تطمئن نفوسهم، ثم ينفذون فيهم رأيهم، ففعلوا. وكان في كسلا إذ ذاك الأستاذ السيد الحسن ابن الأستاذ السيد محمد المرغني، مؤسس الطريقة المرغنية في السودان، فتكفل بالأمر فحملت النقود له، فذهب بها إلى سبدرات، ووزعها على العصاة بالتساوي، فأصاب كلٌّ منهم أربعة ريالات، ثم عنفهم على مسلكهم، وطلب إليهم أن يرجعوا إلى كسلا فرضوا على أن يكون غير خطاب أفندي قومندانًا عليهم، فعاد الأستاذ إلى كسلا وأخبر المدير بما كان، فأرسل إليهم عثمان بك قائمقام العساكر ليقودهم، ويغزو بهم الجبال، فقابلوه بالطاعة، وساروا معه في الغزوة، فأقاموا فيها ثلاثة أشهر، وعاد بهم إلى كسلا.

وكان المدير قد كتب في أثناء ذلك إلى اللواء حسن باشا في الخرطوم يخبره بما حدث، فأرسل حسن باشا الميرالاي عليًّا أبا ودان بك لاستلام قيادة الآلاي، ثم حضر بنفسه على الأثر للنظر في الأمر، فوصل كسلا قبل رجوع الأورطة بشهر. فلما حضرت عقد مجلسًا سريًّا للنظر في أمرها، فاتفق الرأي على أن يوزعوا العساكر على عربان الهدندوة، بحجة جمع الضرائب، ثم يأمروا العربان بالقبض عليهم. فصدر الأمر للأورطة فخرجت إلى الميت كناب بقيادة الميرالاي علي أبو ودان بك، وأمر علي بك ضباطها — وكان أكثرهم من المصريين — بالتفرق بين القبائل لجمع الضرائب، فأدرك العساكر أن في الأمر دسيسة، ورفضوا السفر، ولما أغلظ لهم الضباط في الكلام هجموا عليهم، وقتلوا أكثرهم، وانتشروا في البلدة فنهبوها، وانقلبوا راجعين إلى كسلا.

أما علي أبو ودان بك، فإنه نجا منهم بكل مشقة، وخفَّ إلى كسلا، فوصلها قبلهم، وأخبر اللواء والمدير بما كان. فبعد أن فارقا منزليهما داخل الثكنة، ودخلا ديوان المديرية بعائلتيهما، أخذا يستعدان لملاقاة العصاة. وكان السرسواري سعيد أغا قد شفيت جراحه، فأمراه بالمحافظة على الذخيرة مع عساكره، وجمعا الأسلحة من الأورط الثلاث الباقية في كسلا ووضعاها في الثكنة بدلًا من وضعها في خزينة السلاح، وأدخلا الشايقية الباشبوزق داخل السور، وضماهم إلى المغاربة وغيرهم من سكان المدينة، وفرقاهم على الأبراج، وأمراهم بضرب عساكر الأورطة عند وصولها.

وفي صباح ٥ يولية سنة ١٨٦٥ حضرت الأورطة، سائرة بانتظام عسكري، فأمر اللواء والمدير بعدم التعرض لها، ودخلا ديوان المديرية، فتحصنا فيه، فلما اقترب العصاة من باب الجنائن أطلق عليهم البلوكباشي محمد أغا المردلي عيارًا ناريًّا على خلاف الأمر، فقتل منهم شاويشًا وقال: «هذا ثأر ابن عمي الذي قتل يوم الثورة عند سلب الذخيرة.» ثم أطلق عيارًا ناريًّا آخر فقتل أومباشيًّا، فهاج عساكر الأورطة إذ ذاك، ودخلوا القشلاق، وكان فيه الضباط المصريون وعدتهم ستة وعشرون، فقتلوهم عن آخرهم. أما خطاب أفندي فبعد أن قتلوه وضعوا عليه يبيسًا وأحرقوه بالنار.

ثم اجتمعت عليهم الأورط الثلاث الباقية، وتعصبت للجنسية ضد الأتراك والعرب، وكسر رجالها أبواب الغرف التي وضع فيها سلاحهم، فأخذوه، وتحصنوا في الثكنة، وفتحوا فيها المزاغل وقطعوا السابلة، وانتشر أكثرهم في البيوت، ينهبون ويسلبون.

وكان السيد حسن المرغني قد ذهب إلى «سبدرات»، فأرسل إليه المدير يدعوه، فحضر في اليوم التالي (٦ يولية) إلى «حلة الخلانقة» غربي «الاستحكام»، وكتب إلى العصاة يسألهم الكف عن الحرب، وسلم الكتاب إلى أحد خلفائه، فرفعه على قصبة، ودخل به الاستحكام، وهو ينادي: «جاءكم كتاب السيد الحسن!» فتلقاه العصاة بالقبول، وكفوا عن الحرب، ثم دخل الأستاذ فهرعوا إليه يقبِّلون يديه — يا لقوة المؤثرات الأدبية! — وشكوا إليه أمرهم، فوعدهم بالراحة.

ثم ذهب إلى اللواء والمدير وعقد مجلسًا للنظر في تسكين الفتنة، فقرَّ الرأي المرة الثانية على استخدام العربان للقبض على السود — وكان رأيًا سخيفًا! — فجمعوا جموعًا كثيرة من خيَّالة وقرابة من «الهدندوة» و«الخلانقة» وعرب سبدرات والجادين وبني عامر، ووضعوهم في الخاتمية، ثم ذهب السيد الحسن إلى العصاة، وقال لهم: «قد اتفق الرأي على أن تخرجوا من الاستحكام بجميع أمتعتكم، وتذهبوا إلى حيث تشاءون.»

فشعر السود أن في الأمر مكيدة كالتي كيدت لهم في الميت كناب، فأبوا أن يخرجوا إلا إذا أعطي كل منهم ١٢ طلقة من الذخيرة (الجبخانة)، ليحموا بها أنفسهم إذا غدر بهم، فاتفق رأي الجميع على إجابة طلبهم — وربما رأوا أن في ذلك نجاة لهم من آفتين: آفة السود، وآفة العربان. ولكن سعيد أغا أبا فلقة المولج في حفظ الذخيرة، وصاحب الثار على العصاة، رفض الرأي بتاتًا، وقال: «إني لا أعترف بسلطة أحد منكم عليَّ، وأحسب نفسي مسئولًا عن الجبخانة عند أفندينا رأسًا.» فأجابه المدير واللواء: «إذا نحن لم نعطهم القدر القليل الذي طلبوه من الجبخانة، فلا حيلة لنا في القبض عليهم، بل نخشى أن يهاجموك فيقتلوك أنت ورجالك، ويستولوا على الذخيرة كلها، فبقي أن نختار أهون الشرين، ونعطيهم ما سألوه، ثم ننظر رأينا فيهم.»

قال سعيد أغا: «أأهون الشرين تختارون في تسليمكم جبخانة الحكومة إلى عصاة خونة تمردوا عليها وقتلوا الجم الغفير من رجالها؟ أفي الدنيا شر أعظم من أن يظهر رجال العسكرية الجبن أمام العبيد أولاد الجواري، فيسلموا لهم بمطالب ما أنزل الله بها من سلطان، ويعطوهم الجبخانة ليستخدموها في حربهم؟ أليس الأجدر بنا أن ندعوهم إلى الطاعة، فإن أبوا حاربناهم حتى نفوز أو نموت مشرفين؟ ومع ذلك فاختاروا أنتم لأنفسكم ما تشاءون، أما أنا فقد اخترت الموت على التسليم بمطالب هؤلاء الأجلاف، وإذا هاجموني في محلي وعجزت عن صدهم فإني أركب برميلًا من البارود، وأشعل النار في الجبخانة كلها، فأقتل نفسي ولا أمكنهم من طلقة واحدة منها.»

وبلغ العصاة هذا القول، فتركوا السفر، وانقسموا أربع فرق حسب أجناسهم: الدنكة، والفور، والنوبة، والمولدين؛ فتولى كل فرقة رئيس منهم، وانتشروا في البندر ينهبون ويسلبون، ونزلت فرقة الدنكة على منزل رجل اسمه الحاج أحمد ود عجيب — وكان فيه مطمورة غلة — فقتلوا الحاج أحمد وأخاه، وتقدموا إلى باب المطمورة لإخراج الغلة، وكان للحاج أحمد بنت تسمى آمنة، فلما رأت أباها وعمها مقتولين هان عليها الموت، فأخذت سيفًا ووقفت في الباب، فصدتهم عن الدخول، وقتلت خمسة منهم، فتسلقوا السقف ونقبوه ونزلوا إليها، فقتلوها وأخذوا الغلة.

وكان المدير قد أرسل يطلب المدد من الخرطوم — وكان الحكمدار العام موسى باشا قد توفي فيها منذ بضعة أشهر، وقام بشئون الأحكام مكانه عمر فخري بك — فرفع عمر هذا الخبر إلى (إسماعيل) بمصر، فاهتم (إسماعيل) بالأمر حق الاهتمام، وبعث جعفر باشا صادق واليًا على السودان، فذهب إليه عن طريق كروسكو، واتخذ جعفر باشا مظهر وكيلًا له، وأرسله بجيش ومدفعين إلى كسلا عن طريق سواكن لإخماد الثورة، وبعث بالأوامر المشددة إلى فخري بك ليبادر إلى إرسال النجدات من حاميات البلاد حتى يصل مدد مصر.

وكان أول من وصل كسلا، مددًا، السرسواري علي كاشف الكردي، ومعه أربعمائة رجل من الباشبوزق، وجاءها من القضارف في أواخر يولية سنة ١٨٦٥، ونزل في ديوان المديرية. وبعد أن وصل ببضعة أيام خرج أحد رجاله بجمله ليرعاه، فلقيه جماعة من السود المتمردين، فسلبوه جمله وسلاحه وذخيرته، فعاد إلى علي كاشف شاكيًا، فغضب علي كاشف، وضرب طبل الحرب، وتهيأ للقتال، وكان السيد حسن المرغني لا يزال مقيمًا داخل الاستحكام، فأتى إليه وسكَّن غضبه، وتكفل له برد الجمل والسلاح، ثم ذهب إلى العصاة وتلطف لهم، فردوا الجمل والسلاح، ولكنهم أنكروا أنهم أخذوا شيئًا من الذخيرة، فصمم علي كاشف رأيه على استرجاعها، ولما لم يردوها خرج إليهم ليلًا في ضوء القمر، وأشعل فيهم النار، فقابلوه بالمثل. ولما ثقل عليه الرصاص عاد إلى ديوان المديرية وتحصن فيه، وفي اليوم التالي فتح السود المزاغل في الثكنة والمنازل التي في جواره، وأخذوا يرمون المارة بالرصاص، فقطعوا السابلة، وحبسوا الناس في منازلهم مدة ستة وعشرين يومًا، حتى حضر آدم بك من واد مدني، فالخرطوم، فبربر، بمدد من الجنود المنظمة، والباشبوزق، فكفوا عن الحرب.

وكان آدم بك من أعظم ضباط الجيش المنظم، وقد تربى في مصر ورافق (إبراهيم) الهمام إلى سوريا، فاشتهر بالبسالة والدربة وحسن السياسة، وكان (إسماعيل) يعرفه، فلما بلغه أنه ندب إلى كسلا كتب إليه بالتركية بتاريخ ٢٢ سبتمبر سنة ١٨٦٥ ينبؤه بإرسال قوة بقيادة وكيل الحكمدارية، ويبلغه ثقته من أن يتمكن هو وذلك الوكيل من إخماد الثورة، ويزوده بتعليمات تقضي باستعمال الشدة مع العصاة وتعقبهم وقتلهم أو أسرهم، وختم كتابه بالجملة التالية: «وإني أعلم بسالتك وحسن سياستك منذ كنت مع المرحوم والدنا في سوريا، فحقق آمالنا بك، وعند انتهاء الثورة احضر إلى مصر، والسلام.»

فلما وصل آدم بك إلى كسلا، أنزل جنده خارج السور تجاه الباب الشرقي، وأخذ بروجية وبلطجية، وذهب رأسًا إلى الثكنة حيث يقيم العصاة، فأمر البروجي فضرب «نوبة جمعية ضباط»، ولما اجتمع الضباط عليه خاطبهم آدم بك قائلًا: «يا أولادي! ما هذا التمرد والعصيان اللذان جاهرتم بهما؟ ألستم أولاد أفندينا الذي شرفكم بخدمته، وأجرى لكم الرزق والخيرات السنين الطوال؟ أيحسن بكم أن تعصوه وتنتقضوا على حكومته، وهو قد عهد إليكم تأييد سلطته في البلاد؟ نعم إنكم مظلومون لعدم أخذكم رواتبكم في أوقاتها، ولكم أن ترفعوا أصواتكم بالشكوى، ولكنكم خرجتم عن حد الشكوى، ووسعتم الخرق، ومع هذا فإني أرجو إصلاح الأمر، وأخذ العفو لكم من وليِّ النعم، فإذا سألوكم بعد الآن فقولوا إنَّا لم نجد ضابطًا عظيمًا من أبناء جنسنا نرفع إليه شكوانا ليبلغها إلى وليِّ نعمتنا، فكان منا ما كان. وأريد منكم الآن أن تخرجوا خارج السور، فتقيموا بين جبل مكرام وجبل كسلا حتى يصل إليكم العفو، ولا تغتروا بقوتكم وكثرة جموعكم فإن «يد الميري طويلة»، فها أنا قد جئت بجيش من العساكر السود والباشبوزق، وجاء قبلي جيش آخر، والمدد آتٍ في الطريق من كردوفان وسنار وبربر ومصر، فإذا تماديتم في العصيان، فإنهم يجتمعون عليكم، ويقتلونكم شر قتلة، فاقبلوا النصح وسلموا أمركم إليَّ، وأنا أدبركم بحكمتي ومروءتي.»

ومع أن آدم بك كان عربي الجنس، أبوه محمد ضو البيت شيخ عربان دار حامد بكردوفان، إلا أنه كان شديد السمرة جدًّا، وعارفًا بأخلاق السود، حتى كان يظن أنه منهم، فاستأنس ضباط العصاة به، واطمأنوا لكلامه، خصوصًا لأنه خاطبهم كأب، فامتثلوا أمره، وخرجوا من الثكنة بجنودهم إلى المكان الذي عيَّنه لهم خارج السور.

وبعد وصول آدم بك بأربعة أيام حضر الصاري ششمه عبد الله باشا من الخرطوم وبربر ومعه ثلاثة أرادي من الباشبوزق، وعسكر خارج السور، فعقد اللواء حسن باشا مجلسًا في ديوان المديرية مع عبد الله باشا هذا والمدير وآدم بك وسائر الضباط والسناجق، للنظر في شأن العصاة، فقرَّ رأيهم على تجريدهم من السلاح، ووكلوا تنفيذ قرارهم لآدم بك، فنفذه، وسلمه العصاة سلاحهم عن رضى، ثم عقد الضباط مجلسًا آخر للنظر فيما يفعلونه بعد، فكان رأي الأكثرية على قتلهم، فأنكر آدم بك هذا الرأي، وقال: «إني حلفت لهم بشرفي أنه لا يقع عليهم حكم إلا إذا صدَّق أفندينا عليه، وعلى هذا سلموني سلاحهم، فالآن نرفع الأمر إلى أفندينا، والذي يأمر به نفعله.»

فأخذ المجلس برأيه، ولكنه أقر على شدِّ وثاقهم إلى أن يأتي الرد بشأنهم من مصر، فأمروا عساكر الباشبوزق فركبوا خيولهم، واحتاطوا بهم من كل جانب، وأخذوا حبالًا من المخازن، وشرعوا في تقييدهم، وإدخالهم في الثكنة، جماعة بعد جماعة، وإنهم لكذلك، وإذا ببلوكباشي من الباشبوزق اختطف بنتًا من يد شاويش من الآلاي ليتمكن من تقييده، فبكت البنت، فسأله أبوها أن يتركها وشأنها، فشتمه البلوكباشي، ورفسه برجله — آه من تعسف أولئك الباشبوزق! — فأخرج الأسود سكينًا من كمه، وطعن البلوكباشي فقتله، وهاج السود كلهم، فأمر عبد الله باشا الباشبوزق فأطلقوا الرصاص عليهم، فقتلوا أكثرهم، وهم لا يستطيعون عن أنفسهم دفاعًا، وقبضوا على الباقين قبض اليد، وزجوهم في السجن.

ثم لم يكن إلا القليل حتى حضر جعفر باشا مظهر وكيل الحكمدارية بجنده، وحقق أسباب الثورة، وكان صاغ يقال له محمد أفندي أبو خطلك قد كشف عن حظه في الرمل، فقيل له إنه إذا بقي مع المدير مات شنقًا، فانضم إلى العصاة، وذلك قبل مجيء آدم بك من الخرطوم بيومين، فأمر جعفر باشا بشنقه فشنق — وهكذا قضى عليه جهله وتصديقه بكلام المنجمين! — ثم شنق بعده يوزباشي اسمه بشير أغا السوداني، وكان قد اتحد مع العصاة بعد رجوعهم من الميت كناب، أما المتمردون الآخرون الذين سلموا من القتل في حادثة البلوكباشي فإن جعفر باشا جعلهم ثلاث فئات؛ فجعل الذين بدأوا بالثورة مع خطاب أفندي ثم عصوا في الميت كناب فئة أولى، والذين عصوا بعد رجوع الفئة الأولى من الميت كناب فئة ثانية، والذين كانوا متغيبين في الجهات خارج البندر، أو الذين كانوا فيه ولم يظهروا العصيان فئة ثالثة. فحكم على رجال الفئة الأولى بالإعدام، فأوثقوهم وصفوهم على خندق حفروه لهم في سفح جبل مكراه، وضربوهم بالرصاص، فسقطوا في الخندق، ثم ردموا الخندق، فكان من الردم تل ظاهر. وحكم على رجال الفئة الثانية بالحبس المؤبد مع الأشغال الشاقة، فاستخدموهم أولًا في بناء المنازل التي خربوها. وأما رجال الفئة الثالثة فنظم منهم ثلاثة بلوكات، وأبقاهم في المديرية.

وأما المدير إبراهيم بك أدهم، فكان قد توفي قبل وصول جعفر باشا إلى كسلا بأيام قليلة، وكانت وفاته بغتة، حتى قيل إنه شرب سمًّا ليتخلص من الإهانة والعقاب. وتوفي بعده عبد الله باشا الصاري ششمه، ثم عثمان بك الذي خلف خطاب أفندي على قومندانية المتمردين، وكان اللواء حسن باشا قد أصيب بإسهال قبل وصول جعفر باشا إلى كسلا، فتوفي بعد وصوله بأيام قليلة. وهكذا انتهت ثورة الجند السود في كسلا، بعد أن جرَّت الخراب على أهلها، وضاع فيها الكثير من النفوس والأموال، ولم تكتفِ بهذا، بل جرَّت وراءها ذيلًا؛ أي حمَّى وبائية نجمت عن فساد الهواء لكثرة القتلى، فمات بها خلق كثير.٤

وعاد جعفر باشا مظهر بعد ذلك إلى الخرطوم، وذهب آدم بك إلى مصر طوعًا للأمر، فأنعم عليه (إسماعيل) برتبة اللواء، وبالنيشان المجيدي الثاني، ولما كان جعفر باشا صادق قد أصيب بمرض، وقفل عائدًا إلى مصر، سمى الخديو جعفر باشا مظهر حاكمًا عامًّا للسودان مكانه، مكافأة له على إخلاصه في خدمته (٥ مارس سنة ١٨٦٦). فجمع جعفر باشا العساكر السودانية من التاكة وواد مدني وكردوفان وغيرها، وأرسلهم إلى مصر، وأتى بعساكر مصرية عوضًا عنهم.

وكان (إسماعيل) — مذ نظر إلى الميدان الجنوبي نظرته الثاقبة التي ذكرناها، ووطَّن عزمه على جعله مجال جهوده — قد رأى في الحال: (أولًا) أن إبقاء أعلام الدولة العثمانية خافقة على جانب لا يستهان به من سواحل بحر القلزم قد يكون من أكبر العقبات في سبيل تحقيق مراميه، وقد يجر إلى مشاكل مع تلك الدولة في غير الوقت المناسب، ويحسن بمصر اجتنابها بالكلية.

فأقبل يبذل المرغبات المالية لتركيا في التنازل له عن ممتلكاتها هناك، مؤكدًا لها في الوقت عينه أن تنازلها له عنها — وهو التابع المخلص لها — لن يخرجها في الحقيقة عن حوزتها، ويكون أقرب إلى «معمورية» تلك الممتلكات عينها، بسبب قربها من مصر وبُعد تركيا عنها، وهي «المعمورية» التي تهم الباب العالي فوق كل شيء، كتأكيده، حتى تمكن في نهاية الأمر من حمل الأستانة على إصدار فرمان في شهر مايو سنة ١٨٦٥ تنازل السلطان بموجبه له عن سواكن ومصوَّع وتوابعهما مقابل سبعة آلاف وخمسمائة كيس؛ أي سبعة وثلاثين ألفًا وخمسمائة جنيه مصري، يدفعها سنويًّا إلى صندق ولاية جدة لتعمير الطريق الموصل إلى مسجد الله الحرام، والقيام بشئون بيت الله، ومع أن ذلك الفرمان قضى بأن التنازل للخديو دون ذريته وخلفائه، فإن (إسماعيل) لم ييأس من جعله وراثيًّا في المستقبل.٥

ورأى (ثانيًا) أنه سواء أنَجحَ في نزع أعلام الدولة العثمانية عن شواطئ القلزم وإحلال أعلامه المصرية محلها بطريقة سلمية أم لم ينجح، لا بد له من إصلاح جنديته وبحريته إصلاحًا كليًّا يجعلهما كفئَيْن لمقابلة الطوارئ، ولم تكن ثورة السود في كسلا التي روينا أخبارها، واضطراب الأحوال في السودان، الاضطراب البادية مظاهره عيانًا في حادثة الملك ناصر وفي حرب «العقال» السابق ذكرهما، وفي حوادث أخرى كثيرة سنأتي على بيانها في حينه، إلا ليزيداه يقينًا في وجوب إجراء ذلك الإصلاح، وثباتًا على السير في سبيله.

وكان التجنيد بمصر، لغاية ما اختمرت فكرته في دماغ (محمد علي)، آفة مجهولة، وإنما ندعوه «آفة»، لا لأنه «آفة» في الحقيقة، فإنَّا وإن كنا ممن يكرهون الجند القائم، ويعدونه ضربة على حياة البلاد الاقتصادية — وطالما كان في الواقع ضربة على الزراعة، لا سيما في أيامه الأولى، ولغاية أواخر القرن الماضي — وكنا ممن يعتبرونه داعيًا إلى تيقظ نيران الأطماع في قلوب رؤساء الأمم، بل في قلوب الأمم عينها، وحاملًا لها على إشهار الحروب، وشن الغارات على من هو دونها بأسًا وقوة، كما دلت الحرب الأخيرة عليه، إلا أننا لا نغفل عما في نظام الجندية من مزايا ومنافع مادية وأدبية، لا سيما في البلاد المتعددة الأجناس والملل والنحل، فإنه لو لم ينجم عنه في مثل هذه البلاد من الفوائد سوى إيجاد رباط أخوة بين أفراد تلك الأجناس والنحل والملل لكفى، فكيف وهو مدرسة تمارين رياضية مقوية للأجسام، وتمارين معنوية مدربة للأرواح، ومغذية لها بألبان فضائل فردية كالهمة والنشاط والترتيب؛ واجتماعية كتضحية الأنانية، وكالمروءة، واحترام القوانين، والولاء للوطن وحبه، وهلم جرًّا. ولكنا دعوناه «آفة»، لأن العقلية المصرية كانت تعدُّه كذلك في أول نشأة نظامه، ولا تزال في ذات عصرنا هذا تعتبره كذلك إلى حد ما.

وربما التمس لها عذر في السابق، ولو أنه لا عذر لها الآن؛ فإن طرق التجنيد ومغبته في بادئ أمره كان من شأنهما إظهاره في مظهر الشيء الكريه جدًّا أمام أعين الفلاحين، فإن (محمد علي) حاول أولًا إيجاد جند من السود، فأخذ يبث البعثات العسكرية في السودان لاقتناصهم، والإتيان بهم إلى أسوان حيث أقام الكولونيل سيڨ، المعروف فيما بعد باسم «سليمان باشا الفرنساوي»، في انتظارهم، ليدربهم ويعلمهم، ويكوِّن منهم جيشًا نظاميًّا مؤلفًا على الطريقة الغربية البونابرتية، ولكنه لم يفلح؛ لأن معظم أولئك السود كانوا يهلكون أولًا فأولًا: إما بسبب المشاق التي كانوا يتحملونها أثناء المجيء بهم من بلادهم، وسوء تأثيرها على صحتهم، وإما بسبب عدم اعتياد طقس مصر، وتغير المناخ عليهم.

فحاول (محمد علي) إذًا تكوين جيش نظامي من مماليكه الخاصة وأتباعه المخلصين له، ولكنه لم يفلح أيضًا لداعي حقدهم على معلمهم الفرنساوي، ونفورهم من التعلم على يديه نفورًا ذهب بأحدهم إلى محاولة الفتك به. فإن سيڨ كان يومًا يعلمهم الرماية بالبنادق، فما كان من ذلك الواحد إلا أنه صوب بندقيته نحوه وأطلقها عليه، فمرت الرصاصة بالقرب من جبهته، وذهبت بجزء من قبعته، وهو واقف لا يبدي حراكًا، مع علمه أنه مرمى بندقية ذلك المملوك، وبالرغم من أن عينه كانت في عينه، ولكنه بعد أن أظهر للجميع شجاعته، وعدم مبالاته بالموت على تلك الكيفية وثب على المملوك واغتصب بندقيته منه بعنف، ووقف مكانه في الصف وصوبها إلى المرمى وأطلقها، فأصابته في وسطه، فرد حينئذ البندقية إلى الرجل وقال له بانفعال: «هكذا تكون الرماية يا حمار! فتعلم.»٦

فطرب المماليك لشجاعة الفرنساوي الجسور؛ لأن الشجاع يطربه عمل الشجاعة حتى لو بدا من خصمه، وباتوا أكثر انقيادًا له، فتسنى لسيڨ جعل صف ضباط وضباط مهرة منهم. أخيرًا تحوَّل (محمد علي) إلى فكرة إنشاء الجيش المرغوب فيه من أبناء مصر أنفسهم، بالرغم من أن المحيطين به أنكروا على المصريين استعدادهم العسكري، ورموهم بالجبن وخور العزائم.

ولكنه لعلمه أن المصريين يكرهون الابتعاد عن أهلهم، والتغرب عن أوطانهم، ويكرهون بالتالي الجندية التي تضطرهم إلى ذلك، أقبل يجمعهم ويجنِّدهم بالقوة والعسف، وأخذ يخطفهم زمرًا زمرًا من قراهم ونواحيهم، ويرسلهم أفواجًا أفواجًا إلى الصعيد حيث كان سيڨ — وقد اعتنق الدين الإسلامي، لإزالة أكبر فارق بينه وبين جنوده، وأصبح «سليمان بك» — يعلمهم ويدربهم، وما زال (محمد علي) مقيمًا على طريقة تجنيده هذه حتى تكوَّن لديه ذلك الجيش الزاهر، الذي مكنه (أولًا) من الاستغناء عن جنده غير النظامي، والدائم التمرد من الألبانيين، والمكدونيين، والأتراك، والدالاتية، والباشبوزق الآخرين، ومكنه (ثانيًا) من الفوز على جميع أعدائه، وإذلال سلطان تركيا نفسه.٧

غير أن الفلاحين المصريين في تلك الأيام حين رأوا أن المجندين، أيًّا كانوا، لا يعودون أبدًا إلى أوطانهم، ويموتون حتمًا في دار الغربة، سواء أكان في المورة، أو في ربوع سوريا والأناضول، ازدادوا كراهة للجندية ورغبة في الفرار من وجهها. وإذ علَّمتهم الأيام أن بعض العاهات الطبيعية تكون سببًا في عدم تجنيد المصابين بها، أقدموا على اقتلاع أعينهم اليمنى، أو بتر إبهام أيديهم اليمنى أو سباباتها كذلك لكي ينجوا من التجنيد، ومن لم يجد منهم شجاعة في نفسه للإقدام على أحد هذين العملين كان يفر من بلده، ويذهب هائمًا على وجهه إلى أن يقضي الله أمرًا كان مفعولًا.

فاضطر (محمد علي) أولًا إلى تجنيد ذات العور ومقطوعي السبابات أو الأباهم في آلاي خاص بهم. وثانيًا إلى تعقب أثر الفارين وإدراكهم، ولو اعتصموا بأعماق الكهوف والصحارى، أو التجأوا إلى عبد الله باشا والي ولاية عكا، وهذا هو السبب في أن الحرب نشبت فيما بعد بينهما،؛ لأن عبد الله باشا أبى إرجاع الهاربين المصريين إلى حكومتهم، بالرغم من إلحاح (محمد علي) الكثير، فلما بلغت روح المكدوني منه الحلقوم، بعث يقول له: «وإني سآتي لأخذهم بنفسي، وسأرجع بهم وبواحد زيادة عليهم.» وإنما قصد بذلك الواحد عبد الله باشا عينه، وفي الحال سيَّر جيشه إلى سوريا، وكان من أمر حروبه هناك، وبره بتهديده ما كان!٨
وبما أن أمر تقديم الأنفار للجندية كان منوطًا بمشايخ البلدان، وكانوا هم المسئولين عن العدد المطلوب منهم، فحدِّث ولا حرج عن المظالم والمغارم التي كان التجنيد يسببها في عموم أنحاء البلاد.٩

على أن (محمد علي) بعد فراغه من حروبه، وعقب فرمان سنة ١٨٤١ المحظر عليه زيادة عدد جنوده على ١٨ ألفًا، سرَّح معظم ما بقي من جيوشه، ولم يعد يلتفت كالسابق إلى تعزيز جنديته، لا سيما أن الكبر قد أناخ عليه بكلكله، وقعد بكثير من همته الشماء.

وكان رأي (عباس) خليفته في التجنيد غير رأيه، لميل قلبه إلى الأرناؤوط والأتراك، ورغبته فيهم دون العنصر المصري، فأقبل يزيد عدد أولئك الأجانب، ويحلهم من الثكنات العسكرية محل الجنود المصريين، ويسلحهم بالمسدسات الأمريكية بدل البنادق، حتى أربى عددهم لديه على ثمانية آلاف. وكان جل قصده أن يتكوَّن لديه منهم العدد المعين للجيش المصري برمته، ولكنه عقب نشوب الحرب بين روسيا والدولة العلية في سنة ١٨٥٤ — وهي المعروفة بحرب القرم — واضطراره إلى إنجاد تركيا بالمدد المصري المطلوب منها، اضطر إلى تجنيد جنود مصريين، فبالغ في ذلك حتى قال بعض المؤرخين، ومنهم إدون دي ليون، إن عدد جيشه ما بين جند نظامي وباشبوزق وغيرهم، أربى في وقت من الأوقات على مائة ألف، ولكن تلك الجنود لم يكن مُعتنى بأمر إطعامهم، ولا كانت الوقايات الصحية متوفرة حولهم، وكلا الأمرين زاد في نفور الناس من الجندية.١٠
فلما آل الأمر إلى (سعيد) — وكان مغرمًا بالعسكرية غرام الملك «الصول» الپروسياني بجيشه المهندم — بالغ أولًا في الاعتناء بأمر طعام الجند وحفظ صحتهم، فحسَّن مآكلهم ونوَّعها، ونظَّم المستشفيات العسكرية تنظيمًا أصبحت معه الإقامة فيها طيبة، والمعالجة متقنة، والشفاء ميسورًا، ثم حسَّن الملبس أيضًا — ولو أنه لم يكن رديئًا في عهد سلفه — وتفنَّن فيه تفننًا عجيبًا، متخذًا لتفننه نبراسًا تنوع الأزياء في الجندية الفرنساوية. وبعد أن أوجد هذه المحببات ألغى أمر الاقتراع، وجعل التجنيد عامًّا وواجبًا على كل شاب يبلغ السادسة عشرة من عمره بدون استثناء، على أن تكون الخدمة العسكرية سنة واحدة لا غير، ولكيلا يكون لمشايخ البلاد سبيل إلى الجور والتعسف، نزع منهم مسئولية التجنيد، وأوجد جدولًا عامًّا للمواليد في عموم أنحاء القطر، لتكون الدعوة إلى العسكرية في حينها أمرًا يتم من تلقاء ذاته، فضجت البلاد في بادئ الأمر وتململت؛ لظنها أن هذه إساءة جديدة تصاب بها، ولكنها انتهت إلى الطاعة والامتثال، بل إلى الارتياح، حينما رأت التجنيد يعمل بانتظام، وبدون مظالم أو محاباة، ورأت أن (سعيدًا) إن احتمل بنفس متفكهة ثورة النسوة عليه بسبب قراره، لم يسمح لأي كان من أعيان البلاد وسراتها بالفرار من نفاذ ذلك القرار في أولاده وذويه، وأظهر من الشدة والصرامة في معاملة المخالفين ما ذهب بالرغبة في المخالفة من صدور الجميع.١١

غير أنه لم يكن في الاستطاعة في بادئ الأمر استخدام جدول المواليد والاعتماد عليه إلا بمساعدة مشايخ البلدان أنفسهم، فلشعور هؤلاء بأن الفرصة آخذة بالتملص من أيديهم انكبوا على اغتنامها، والانتفاع منها جهد طاقتهم، لا سيما أن رؤساءهم الأشد بهم التصاقًا متأثرون بشعورهم ذاته، وراغبون أشد الرغبة في أن يصيبوا نصيب الأسد في اقتسام أسلاب الفلاحين البائسين.

فأدَّى ذلك مع تقلب أهواء (سعيد) التقلب المشهور عنه، لا سيما في أواخر أيامه، وتشتت قوى ذهنه عن دائرة الاهتمام بأي أمر كان يشرع فيه إلى هبوط عدد جنديته إلى ٧٥٠٠ عسكري، وصيرورتها جندية مظهر أكثر منها جندية عمل.

ولا أدل على تقلب هوى (سعيد)، وتشتت قوى ذهنه من واقعة قصَّها عليَّ ابن أحد الرجال الأكثر التصاقًا به، لأنه كان مربي (طوسون) ابنه، قال: «كان (سعيد) ذات يوم بمصر، فأرسل إلى أبي وهو بالإسكندرية يستدعيه إليه مع ابنه الأمير (طوسون) ليكونا بمعيته، فقام أبي مع الأمير الصبي، وتوجه إلى مصر، وصعد إلى القلعة، وأبلغ سمو الوالي أنه صدع بأمره، وأصبح تحت تصرفه، فلم يجبه (سعيد) بشيء، ولم يستدعه، ولا استدعى (طوسون)، ثم عاد هو نفسه بعد ثلاثة أيام إلى الإسكندرية دون أن يرى ابنه أو يأمر أبي بشيء، فاحتار والدي فيما يصنع، وبعد أن بقي في القلعة عدة أيام في انتظار عودة سمو الوالي، ورأى أن الانتظار لا يجدي نفعًا، رجع هو أيضًا إلى الإسكندرية بالصبي الأمير، وعاد إلى ما كان عليه، ولم يدرِ أحد ماذا كان سبب استدعائهما إلى مصر.»١٢
فأعاد (إسماعيل) الجندية إلى عددها ونظامها في أيام (إبراهيم) الهمام أبيه،١٣ ورأى أن يقتدي بجده في إنشاء مدارس خاصة بها وعلى أنواعها، فأسس في العباسية مدرسة للبيادة أقام فيها خمسمائة طالب، ومدرسة للخيالة أقام فيها مائة طالب، ومدرسة للمدفعية أقام فيها مائة طالب أيضًا، ومدرسة هندسة عسكرية جعل فيها أربعين طالبًا، وعهد بإدارة هذه المدارس إلى الماچور سليمان بك، وكان قد تخرَّج من مدارس باريس ومتز العسكرية، وأنشأ مدرسة لأولاد رجال كل فرقة من فرق جيشه، يتعلمون فيها من سن ست إلى سن تسع عشرة ما يحسن أن يتعلمه أمثالهم، ولم يكتفِ بذلك، بل أسس مدرسة لكل أورطة من أورطه لتعليم رجالها القراءة والكتابة، وأنشأ في القلعة مدرسة كبيرة للصف ضباط أقام فيها نيفًا وخمسمائة متعلم، وذلك زيادة على المدرسة التي أنشأها في القلعة لأولاد حرسها، وأمَّها ثمانمائة منهم.

وما فتئ يزيد عدد جنوده بالتدريج بين مصريين وسود، حتى استكمل منهم ثمانية عشر آلايا بيادة، منها آلايان سودانيان، في كل آلاي ثلاثة طوابير، وأربعة طوابير بندقيين موزعة على الآلايات، وأربعة آلايات مسلحة بالرمح والقرابين، في كل آلاي ستة كراديس، وأربعة آلايات مدفعية، في كل آلاي ست بطاريات: بطاريتان راكبتان، وأربع بطاريات بيادة، وثلاثة آلايات حاميات مدفعية، وثلاثة طوابير عمال عسكريين، فبلغت قوة الجيش العامل المتدرب — إذا جمعت — ستين ألفًا، وبلغ الاحتياطي ثلاثين ألفًا، وغير النظامي ستين ألفًا، وسُلِّحت البيادة ببنادق ريمنجتن، بعد بنادق شاشپو، وحفظ منها ما أناف على ٢٠٠ ألف بندقية احتياطيًّا. أما المدفعية فسُلِّحت بمائة مدفع من مدافع كروپ، وخمسين مدفعًا خفيفًا من معامل أرمسترونج، وسلِّحت الحاميات بمدافع وهرندرف ٨٫١٠ بوصة، و٣٠٠ مدفع خفيف، وأنشئت بالقرب من مصر معامل للبارود والخرطوش، فبلغ من كثرة الذخيرة المصنوعة فيها والمستوردة من الخارج أن (إسماعيل) أرسل جانبًا منها إلى الأستانة، تبرعًا منه ومكرمة.

وجعلت مهمة الجيش في بادئ الأمر، زيادة على المحافظة على الأمن العام، حفظ الحدود من إغارات العربان والحبشان عليها، ثم استعملوه في الفتوحات والاستكشافات والحروب التي سيأتي بيانها.

رأى أيضًا أن يقتدي بجده العظيم في الاستعانة بضباط غربيين على تدريب جنوده التدريب العسكري العصري المطلوب، ولكنه — لكيلا تتخذ الدول الأوروبية من ضباطهن الذين قد ينتدبون لتلك المهمة وجهًا لإيجاد نفوذ لهن على البلاد، أو تنشأ منافسات بينهن إذا فضلت في الطلب إحداهن على الأخرى — عهد بتلك المهمة السامية إلى ضباط أمريكيين من الذين اشتهروا في الحروب الأهلية، فوقع اختياره في الأول على ضابط يقال له «مط»، كان قد حضر إلى القطر لأشغال خاصة به، فانخدع (إسماعيل) فيه وظنه كفأ للمهمة، فكلفه بإحضار ضباط بمعرفته ليقوموا معه بها، ولكنه ما لبث أن تحقق قلة جدارته، فصرفه وأحضر الجنرال ستون مكانه.١٤

فجاء هذا بالجنرال لورنج، والكرنيل داي، والميچر لنج، والكرنل جريفر، والضباط كلستن، وريد، وپراوت، والكرنلين پردي وميش، والميچر دنيش، وغيرهم، وبزمرة مختارة من أفاضل الرجال؛ منهم الميكانيكيون والمهندسون الحربيون والجيولوجيون كمتشل، والجغرافيون كلوكت وفيلد وغيرهما. وانكب الجميع على عملهم بهمة شماء وقلوب مخلصة، وكان نظام الجيش وتدريبه وتعليمه على الطريقة الفرنساوية في بادئ الأمر، ولكن بعد انكسار فرنسا في سنة ٧٠ وظهور تفوق التعليم الألماني، أحل هذا محل ذاك، وأخذ الاعتناء بالمدفعية يزيد على الاعتناء بغيرها، فأصبح ضباطها أكفأ من ضباط البيادة والخيالة، ولو أنهم جميعًا كانوا بيضًا من المصريين والأتراك والشراكسة، حتى ضباط الأورط السودانية.

على أن المصريين الصميمين كانوا أيضًا أكفأ من الشراكسة والأتراك، وذلك لأن هؤلاء — وجميعهم من أولاد البكوات والباشوات، الشاغلين مناصب الحكومة الرفيعة، وأصحاب السرايات الفخمة، الغاصة بالجواري والسراري والعبيد — كانوا أولاد بيئة أصلية غير صالحة لجعلهم جنودًا ذوي طباع عسكرية صحيحة؛ لأن أول خطواتهم في الحياة كانت داخل دور الحريم، ولما يشبون ويترعرعون، لم يكونوا يقدمون ولا يجبرون على الإقدام على أي تمرين عضلي، فما كان عند بعضهم من قوة في العضلات إنما كان هبة محضة من لدن الطبيعة، وبما أن معظمهم — بحكم بيئتهم — كانوا شديدي الميل إلى الباه، فإن ذات الأقوياء منهم كانوا لا يلبثون بعد حين حتى ينهزلوا ويضعفوا.

نعم إن أهلهم كانوا يرسلونهم منذ تجاوزهم سن الصبوة إلى المدارس الإعدادية ليمكثوا فيها عدة سنوات متتالية، ولكنهم بسبب الترف المحيط بهم، وتدليل أهلهم لهم، قلما كانوا يمتازون على أقرانهم من أولاد الفلاحين والحضريين المصريين بسوى المصروف الكبير والبلادة العظمى، فكانوا يُنقلون والحالة هذه إلى المدارس العسكرية عملًا بمبدأ تحويل التلامذة البلداء إليها، فيتخرجون منها بعد ٤ أو ٥ سنوات ضباطًا عجرفتهم وخيلاؤهم كبيرتان، على قدر رفعة مولدهم ونبل أحسابهم، ومعلوماتهم قليلة، وآدابهم لا تداني الرفعة، ولا عن بعد، بخلاف أولاد الفلاحين والحضريين المصريين، فإنهم لشظف العيش الذي اعتادوه واعتاده أجدادهم قبلهم، كانوا أقوياء البنية، قنوعي المعيشة، بعيدين — بسبب ضيق ذات أيديهم — عن مسببات الأسقام والضعف، وكانوا يمتازون في المدارس عادة على أقرانهم أولاد الأغنياء بالذكاء والنباهة والاجتهاد، ولكن ذلك لم يكن يجديهم نفعًا؛ لأن ذات الداخلين منهم المدارس العسكرية مباشرة كانوا، بسبب مواهبهم هذه عينها، يبقون في دور التعليم سنة زيادة على أقرانهم البلداء، ثم يدخلون الجيش بعد تلك السنة الإضافية في الوظيفة عينها المعطاة إلى زملائهم البلداء قبل سنة. نعم إن الحكومة في السنة الإضافية التي كانوا يمكثونها في المدارس أكثر من زملائهم البلداء كانت في الأول تمنحهم المرتب المربوط لهؤلاء في الجيش، ولكنها قطعته عنهم فيما بعد، وميزت بذلك الأغنياء على المجتهدين المتنورين.

فأصبح أولئك، لهذا ولمميزاتهم البلادية الأخرى، يعتقدون أنفسهم من طينة أرقى من طينة زملائهم أولاد المصريين الصميمين، ولم يكن يرجى تقويم معوجهم، وهم في وظائفهم:

  • أولًا: لأنه إذا سهل إصلاح ناقص يعرف أنه ناقص، فمن المتعذر كلية إصلاح ناقص يرى نفسه كاملًا.
  • ثانيًا: لأن آمالهم في الترقي والتقدم لم تكن مبنية على رقيهم في المعارف والمعلومات، وتقدُّمهم في معارج الكمال والكفاءة، بل على حكايات وقصص تروى لهم عن أبطال وقائعها المدهشة أنهم مدينون بتقدمهم إلى مجرد الحظ والسعد والمقدور، فكانت حياة آمالهم، والحالة هذه، مفسدة في الحقيقة لاجتهادهم وجهودهم.

فكانوا إذًا يعاملون العساكر الموضوعين تحت إمرتهم معاملة السيد للخدم والعبيد، ويعاملون زملاءهم المصريين معاملة يشتمُّ منها رائحة الغطرسة والاحتقار تحت كساء الأدب المتشامخ.

أما الصف ضباط فكانوا كلهم أو جلهم مصريين، ويعاملون جنودهم كما يعامل الإخوان إخوانهم.١٥

وأشار ستون باشا على (إسماعيل)، فحمله على تأسيس مدرسة أركان حرب، أقام فيها عشرين طالبًا.

وكانت هيئة أركان الحرب بعد انسحاب پلانا Planat باشا الفرنساوي اسمًا على غير مسمى؛ وذلك لأن ميول الباشوات، قوَّاد فرق الجنود الأرفعين، لم تكن تقبل أن يكون لوظائف تلك الهيئة العسكرية السامية من وجود فعلي؛ لاعتقادهم بأنه يجب أن يكونوا الكل في الكل، وإبائهم أن يقاسمهم أحد سلطتهم.
فأراد ستون باشا أن يغير هذه الحالة، ويجعل الاتصال بين الجيش وهيئة أركان حربه متينًا فعالًا، فبذل في ذلك جهده، ولكنه لم يتمكن من بلوغ أربه، بالرغم من أن ثقة الخديو به بلغت بسموِّه أنه لنقص وجده ذات يوم في مصلحة التلغرافات هدَّد رجالها بوضعهم تحت إدارة الحربية؛ أي تحت إدارة ستون باشا.١٦

فلم تستمر قيادة الجيش منفصلة عن رياسة أركان الحرب فقط، بل إن قسم المهمات عينه تحت رياسة أفلاطون باشا بقي منفصلًا عنها، وما هو أدهى، بقي منفصلًا عن قيادة الجيش ذاتها، فأدى الانفصالان إلى ضعف في نظام القوة العسكرية المصرية، ظهر جليًّا بنوعٍ خاص في الحملة على الحبشة.

وليت الأمر اقتصر على مجرد الانفصال، ولكنه تعدَّاه إلى قيام كراهة ونمو شعور امتهان في نفوس ضباط الجيش وقواده لضباط هيئة أركان الحرب؛ وذلك بسبب تبعية هؤلاء الضباط لرؤسائهم الغربيين الذين كان الشراكسة والأتراك يكرهونهم:

  • أولًا: لكونهم أجانب جنسًا ودينًا.
  • ثانيًا: لأنه لم يكن يمكن إجراء الإصلاح الذي جيء بأولئك الغربيين من أجله إلا إذا علت كلمتهم على كلمة العناصر الشرقية، وفاق نفوذهم على نفوذها.

غير أن الجنرال ستون والزمرة التي أحضرها معه تمكَّنَا — بالرغم من ذلك جميعه — من القيام بأعمال خطيرة في المضمار الذي استدعيا للعمل فيه، وفي مضمار الرحلات العلمية، والاستكشافات الجغرافية، والأبحاث الچيولوچية التي تألق بها سنا مُلك (إسماعيل).

أما في المضمار العسكري، فإن جميع الطوابي القائمة على سواحل البحر الأبيض المتوسط من خليج السلوم إلى العجمي، ومن العجمي إلى أبي قير ورشيد ودمياط، وطابيتي الناضورة والديماس بالإسكندرية رُمِّمت وحصِّنت، وأوجدت مطبعة وليتوغرافيا تامتان، كاملتا الأدوات في وزارة الحربية، ونشِّط تعليم الجنود والضباط تنشيطًا عجيبًا، فبرع المتعلمون على الأخص في الرسم الخطي، والتوبوغرافي، والخرطي براعة أدَّت بالجنرال (ستون) إلى الاعتراف بأن استعداد المصري في هذا الفن وفي الرياضيات على العموم يفوق متوسط الاستعداد الغربي، وأصبح معظم الضباط، لا سيما ضباط هيئة أركان الحرب وضباط النشأة الجديدة، يتكلمون الإنجليزية علاوة على الفرنساوية، أما الجنود فعلِّموا الاشتغال في صنع ملابس وأحذية وخلافها لأنفسهم، ثم عُدِّلت مدة الخدمة العسكرية فجعلت قصيرة، وتقرر تسريح نصف القوة بعد تمرينها، والإتيان بغيرها مكانها، على الطريقة الپروسية بعد واقعة بينا سنة ١٨٠٦، لكي يكثر عدد المتمرنين في البلاد، ويكونوا تحت طلب الحكومة إذا ما دعت إلى حشدهم الطوارئ، لهذا الغرض جعلت هيئات الجيش بحيث تسع ثمانين ألف عسكري يحشدون في ظرف شهرين.

على أنه لم ينجم عن هذا جميعه، ولا عن التحسين المستمر الذي بات الخطة المتبعة، ولا عن الطريقة التي سير عليها في ترقية الضباط بالامتحان، إصلاح تام بمعنى الكلمة كله؛ لأن انفصال هيئة أركان الحرب عن الجيش انفصالًا كليًّا حال دون تمكن الأمريكيين من تنظيم ذلك الجيش تنظيمًا صحيحًا، ودون اتخاذ كتائب وفرق من الآلايات طبقًا للمتبع في الجيوش الغربية.

هذا ما كان من أمر إصلاح الجندية.

أما البحرية، فإنها بعد كارثة ناڨارين التي ذهبت بعمارة (محمد علي) لم تعد إلى بجدتها القديمة أبدًا. وبالرغم من أن الباشا العظيم أعاد على يدي سيريزي بك المهندس البحري الفرنساوي الشهير جانبًا كبيرًا منها إلى الوجود لشعوره بالاحتياج إليها في حروبه مع الدولة العثمانية — والكل يعرف أن (إبراهيم) الهمام توجه بحرًا مع جميع أركان حربه إلى يافا ليقابل فيها جيشه الزاحف إلى سوريا عن طريق العريش، وأن معظم المدفعية المصرية التي دكت أسوار عكاء دكًّا نقلت على ظهور السفن الحربية، وبالرغم من أن (محمد سعيد) تربى تربية بحرية، لتعلق فكر والده العظيم بإعادة بحريته إلى أحسن مما كانت عليه أيام بهجتها وعزها القديمين بعامل اقتناعه بحقيقة قول تميستكل، البطل اللاتيني القديم من أن «البر لمن ملك البحر»، فإن البحرية المصرية إما لأنها كانت بنت العجلة التي لم تدع مجالًا ووقتًا كافيًا لجفاف الأخشاب المستعملة في بنائها، فباتت تلك الأخشاب عرضة للتسوس بسهولة، بفعل المياه والرطوبة، وإما لأن معالم عمارات الدول المتمدينة جمعاء تغيرت بعامل البخار مذْ حلَّ في الملاحة محل القلوع، دون أن تتغير معالمها هي، ما فتئت آخذة في الانحطاط، وذاهبة إلى البوار رويدًا رويدًا، حتى كادت تبيت في خبر كان، في أواخر أيام (سعيد)، ولولا أن هذا الوالي أنشأ أسطولًا بخاريًّا نيليًّا ليكون دومًا تحت طلبه إذا ما احتاج إلى نقل جنوده البرية عليه من جهة إلى أخرى بسرعة في البقاع التي لا سكة حديدية فيها، لصح القول أنه ترك البحرية المصرية لخلفه أثرًا بعد عين.

فتناول (إسماعيل) باهتمامه الفائق الأسطول الخشبي غير المدرع، المخلف عن جده، وأقبل يصلح مختله، ويجدد معداته، ويحسن معالمه، حتى جعله سلاحًا يعتد به، وعدة يهاب مفعولها.

ثم شرع ينشئ جواري أخرى طبقًا لمقتضيات الأيام، فعمر فرقاطتين — إحداهما «اللطيف» صاحبة حادثة الشحط في قناة السويس قبل افتتاحها، والتي احترقت فيما بعد وهي في البحر على بعد ٦٠ ميلًا من السويس — وكورڨتتين وسلوپين وأربع مدفعيات، وعشر بريديات، وثلاثة يختات، ومائة وخمسة عشر مركبًا شاطئيًّا.

وأوصى — كما سبق القول — معامل طولون على بناء ثلاث فرقاطات مدرعة، مقدمة لابتناء غيرها إذ آنس عن بنائها سكوتًا، ولكنه ما رأى — بعد حادثته مع تركيا بسببها — أن تقوية عمارته قد تدخله في مشاكل كان في غنى عنها، لنفاذ مشاريعه وبلوغه مراميه، وقد لا يجد تعضيدًا من دول الغرب في حلها لمصلحته، وطبقًا لرغائبه، إلا وحوَّل بحريته كلها من حربية إلى تجارية، فضمها إلى الباقي من الشركة «العزيزية»، وأنشأ من كلتيهما البحرية الخديوية التي أخذت تسيِّر مراكبها على البحرين الأبيض والمتوسط، وعلى النيل في فصل الشتاء، فأنشأت خدمة أسبوعية بين الإسكندرية والأستانة خصت بها عشرًا من سفنها، وخدمة خمسة عشر يومية بين السويس وأقصى الممتلكات المصرية في شرق أفريقيا، على المحيط الهندي، خصت بها عشر سفن أخرى، وخدمة ثالثة، خمسة عشر يومية أيضًا، من شهر نوفمبر لغاية شهر مارس على النيل بين القاهرة وأسوان، وبسبب عدم وجود عدد كافٍ من المصريين الخبيرين في الفنون البحرية استُخدم فيها عدد كبير من الأجانب، فكان معظم الربانين وكل رؤساء الدفة منهم، كما أن جميع المهندسين كانوا من الإنجليز.

فلما جعل (إسماعيل) إصلاح جنديته وبحريته في مأمن من الطوارئ، وأوجد عنده الاختيار زمرة من الرجال الأفاضل الذين يركن إليهم في المهمات العلمية الشائقة، أقبل ينفذ أغراضه التوسيعية الرافعة، ودخل بقدم ثابتة في سبيل تحقيق الشطر الثالث من خطته.

ففي سنة ١٨٦٥ احتلت عساكره المصرية فاشودة احتلالًا رسميًّا، فسدت بذلك طريق النيل الأبيض في وجه أصحاب الزرائب في بحر الغزال وخط الاستواء.

وأصحاب الزرائب تجار — منهم كثيرون أوروبيون — كانوا يذهبون بعصابات مأجورة منهم إلى بلاد (السود)، فيحفرون خنادق يضعون داخلها بضائعهم وأسلحتهم ورجالهم، ويحيطونها بزرائب من شوك، ثم يشرعون في جمع السن والريش، مقايضة بالخرز والحراب والأساور، وغيرها من الأشياء المرغوب فيها في تلك الجهات، ويخزنون ما يجمعونه في زرائبهم، ويبقون على ذلك إلى أن يلقوا فرصة في البلاد، فيهاجمون أهلها ببنادقهم، فما يسمع السود صوتها إلا ويفرون كالأنعام، مملوئين رعبًا وخوفًا، فيغنم التجار، ويسبون ويعودون إلى زرائبهم.

وكان التجار الأوروبيون قد باعوا زرائبهم إلى وكلائهم العرب منذ سنة ١٨٦٠، فوضع جعفر باشا صادق — حاكم السودان السابق ذكره — الضرائب على الزرائب، ثم احتكرها من الحكومة السيد أحمد العقاد، شريك السيد موسى العقاد — وكلاهما من أشهر أصحابه — بخمسة آلاف جنيه في السنة، على أن لا يتجر بالرقيق، ولا يغزو بلاد العبيد، ولكنه لم يفِ بوعده وتعهده، وما زال رجاله يتجرون بالرقيق، ويغزون العبيد، حتى أصبحت بلاد خط الاستواء وبحر الغزال فوضى، وأهلها في غاية الضيق والشدة.

فرأى (إسماعيل) أنه لا يمكن إصلاح الحال، وإبطال تجارة الرقيق معًا، إلا إذا ضم بلاد بحر الغزال وخط الاستواء إلى أملاكه السودانية، فعوَّل على ذلك وبادر إلى تنفيذه.

«وانتدب في سنة ١٨٦٩ السير صموئيل بيكر باشا لتلك المهمة، وكان قد ذهب إلى السودان في أيام موسى باشا حمدي قاصدًا اكتشاف منابع النيل الأبيض على نفقته الخاصة، والقيام بمفرده بالعمل الخطير الذي كانت الجمعية الجغرافية الإنجليزية قد أرسلت الرحالتين سبيك وجرانت سنة ١٨٥٨ لإتمامه عن طريق زنجبار، فاكتشف الرجلان بحيرة ڨكتوريا نيانزا في ٢٨ يولية سنة ١٨٦٢، وسمياها على اسم ملكتهما، أما بيكر، فإنه فضَّل الذهاب عن طريق الخرطوم ليستطرد الاكتشاف من جندوكورو بالبر — حيث كانت وصلت في سنة ١٨٤١ آخر حملة أرسلها (محمد علي) للوقوف على منابع النيل — وذلك على رجاء أن يلتقي بالرحالتين المذكورين، فيكون نجدة لهما، ويشاركهما في فخار الاكتشاف، فخرج من الخرطوم في ١٨ ديسمبر سنة ١٨٦٢ بمركبين كبيرين وذهبية، ومعه خمسة وأربعون رجلًا مسلحون بالبنادق، وخمسون من الخدم والبحارة، وتسعة وعشرون من الجمال والخيل والحمير، ومقدار كبير من الحبوب، وبضعة صناديق من أساور النحاس والخرز الملون، الرائجة هناك بدل العملة، فوصل جندوكورو في ٢ فبراير سنة ١٨٦٣ وحطَّ رحاله، وأخذ يتأهب للسفر برًّا، وإذا بالرحالتين سبيك وجرانت قد أقبلا في ١٥ منه، فأخبراه باكتشاف بحيرة ڨكتوريا، وأنه لا يزال أمامه بحيرة أخرى ليكتشفها، أخبرهما الأهلون بها. وأعطياه خريطة سيرهما، وجميع ما علماه عنها، ثم استطردا السفر شمالًا إلى أوروبا، وسار بيكر جنوبًا في البر الشرقي بقصد اكتشاف تلك البحيرة، فأتى عليها في ١٤ مارس سنة ١٨٦٤ بعد معاناة مشقات كبيرة وأخطار جمة، لا سيما بسبب تجار الرقيق المنتشرين في تلك البلاد، وقد أتاها أولًا من الجنوب، ثم جال فيها بمراكب السود، فأتى شماليها، ورأى مصب النيل الآتي من بحيرة ڨكتوريا، ومخرج النيل الأبيض الذاهب شمالًا، وسماها إدوارد نيانزا على اسم ولي عهد بريطانيا العظمى في ذلك الحين، ثم عاد إلى جندوكورو، وسار منها بذهبيته ومركبيه حتى وصل الخرطوم في ٣ مايو سنة ١٨٦٥، فأقام فيها إلى ٣٠ يونية، وخرج منها في ذلك اليوم إلى بربر، فسواكن، فبلاد الإنجليز، فوصلها في أكتوبر سنة ١٨٦٥.»‏١٧
وقد رأينا كيف قام هذا بمأموريته، وكانت بلاد خط الاستواء لا تزال مأجورة للسيد أحمد العقاد في الخرطوم، فألحق ببيكر صهره وابن اخته أبي السعود العقاد للنظر في مصالح تجارته، ولكن الرجلين لم يتفقا معًا، واضطر بيكر إلى رفع شكواه من أبي السعود إلى المراجع العليا بمصر، واتهامه إياه بمعاكسته، والعمل في الخفاء على تقوية دعائم النخاسة والإتجار بالرقيق، فأدَّى ذلك بالحكومة إلى استدعاء أبي السعود إلى القاهرة ومحاكمته.١٨

وقد رأينا أيضًا أن (إسماعيل)، بعد استعفاء بيكر باشا، عين الكرنيل جوردون مكانه، ووعدْنا بالتكلم عن أعمال هذا الرجل الطائر الصيت في هذا الباب.

«فالكرنيل جوردون ولد في مدينة ولويتش ببلاد الإنجليز سنة ١٨٣٣، وانتظم في سلك العسكرية سنة ١٨٥٢، وكان ميالًا بالطبع إلى لقاء الأهوال والصبر على المكاره مما اتصل إليه بالإرث عن آبائه وأجداده المعروفين بالبسالة والبأس في الحروب السكوتلاندية، وحضر حصار سپاستوپول سنة ١٨٥٥ فشهد له بالدربة والإقدام. وفي سنة ١٨٦٠ سافر إلى الصين، ودخل الجيش، فواقعَ عدة وقائع دلت على شجاعته وتمام براعته في الفنون العسكرية، فنال من إمبراطور الصين لقب «ساري عسكر». وفي سنة ١٨٦٥ عاد إلى الجيش الإنجليزي، فرقي فيه إلى رتبة كرنيل.»١٩
ثم عين في لجنة الطونة، فتعرَّف نوبار باشا به في الأستانة، وسأله عما إذا كان يعرف رجلًا يريد أن يخلف السير صموئيل بيكر على رأس المهمة السودانية المعهود بها إليه، فقدَّم جوردون نفسه، على أن تجيز له حكومته القبول، فخوبرت الحكومة البريطانية في شأنه، فأجازت له الخدمة تحت اللواء المصري، فحضر إلى القاهرة، وما لبثت أخلاقه القويمة المستقيمة والحادَّة معًا أن اكتسبت له احترام الجميع وإجلالهم، وكراهة البعض، وكان (إسماعيل) يجله جدًّا ويقول: «إني أشعر حينما أحادثه أني أمام رجل حق ترغمني رجوليته على احترامه.»٢٠
فسار جوردون من مصر، ومعه أبو السعود البادي ذكره إلى الخرطوم، فأخذ منها جنودًا، في جملتهم إبراهيم أفندي فوزي — الذي صار فيما بعد إبراهيم باشا فوزي، المشهور بحوادث أسره عند الدراويش، وبتاريخه الذي كتبه عن السودان المعاصر — وسار جنوبًا، وبعد وصوله جندوكورو بشهرين اكتشف ثلاث زرائب لتجار الرقيق على بحر الزراف، فهدمها، وأعتق الأرقاء الذين وجدهم فيها، وما لبث أن وجد في أبي السعود ذات الروح الخائنة التي كانت قد اتضحت لبيكر باشا، فسجنه وأهانه، ثم أقصاه عن حملته.٢١

وفي ١١ سبتمبر سنة ١٨٧٤ جاءه خمسة وعشرون رئيسًا من رؤساء السود، وقدَّموا له الطاعة، وشكروه على مطاردته تجار الرقيق في بلادهم، وفي الشهر التالي ضبط يوسف بك، مدير فاشودة، زمرة من النخاسين ومعهم ١٦٠٠ رقيق، و١٩٠ رأس بقر أتوا بها من بحر الزراف.

ورأى جوردون أن هواء جندوكورو غير صحي، فنقل مركز حكومته إلى اللادو، وذلك في ٢١ فبراير سنة ١٨٧٤، وامتدت حكومته من ملتقى نهر سوباط بالنيل الأبيض إلى بحيرة ڨكتوريا نيانزا، وأهم ما اشتغل به تأسيس نقط عسكرية قوية على النيل لأجل حماية البلاد من تجار الرقيق، وحفظ النظام والأمن، فلم تنتهِ سنة ١٨٧٤ حتى كان قد أسس عشر نقط على النيل الأبيض، وجعل فيها ٦٤٠ من العساكر السودانية، و١٥٠ من العساكر المصرية، و٦٥٠ من الباشبوزق والدناقلة والجعليين، ثم أسس نقطة في مرولي على نيل ڨكتوريا، ونظم في جيشه عددًا كبيرًا من الأرقاء الذين حررهم من الزرائب.

وكان بيكر باشا قد أحضر باخرتين قطعًا من مصر بقصد بنائهما وتنشيط الملاحة في البحيرات، ولكن انقضت مدته ولم يتمكن من بنائهما، فلما تم لجوردون تأسيس النقط العسكرية، حمل قطع الباخرتين في البر إلى جنوب شلال الفولا، قرب الدفلاي، وبناهما هناك، وسمى الكبيرة منهما «الخديوي»، والصغيرة «نيانزا»، فبقيتا بين الدفلاي وبحيرة ألبرت نيانزا إلى قيام الثورة المهدية.٢٢
وممن صحب جوردون إلى خط الاستواء أو انضموا إليه بعد ذهابه الكرنيل لنج — وهو من الضباط الأمريكان في الجيش المصري، وقد قال (إسماعيل) فيه: «إنه عمل مع عسكريين في أيام قلائل لمصلحة مصر أكثر مما فعل السر صموئيل بيكر بجيش في أربع سنوات، وبنفقة بلغت مليوني ريال ونصف مليون.»٢٣ — والدكتور أمين المعروف بأمين باشا، وچيسي، والكرنيل براوت الأمريكاني، وعبد العزيز بك ابن لينان باشا الفرنساوي.
أما الدكتور أمين، فاسمه الأصلي إدوارد شنيتز، وقد ولد في ٢٨ مارس سنة ١٨٤٠ في مدينة أوپلين، من أعمال سيليزيا، ببروسيا،٢٤ وتلقى العلوم في فيينا وباريس، ونال شهادة دكتور في الطب، ثم دخل خدمة الدولة العلية في إسكودار، وبقي إلى أن سمي جوردون حاكمًا على خط الاستواء، وكان الدكتور أمين يعرفه من الأستانة، فذهب إلى الخرطوم، واستأذنه في السفر إليه، فأذن له، وحال وصوله منحه لقب «بك»، وعينه حاكمًا على اللادو.

وأما چيسي، فكان ضابطًا إيطاليًّا، شديد العارضة قوي الإرادة، رافق الجيش الإنجليزي إلى حرب القرم بصفة مترجم، ثم انضم إلى جوردون في خط الاستواء.

واستعان جوردون بأولئك الضباط على درس البلاد وتمهيدها وضمها إلى الأملاك المصرية، فعند وصوله إلى جندوكورو، أرسل الكرنيل لنج إلى كباريقا ملك يونيورو لكشف خبره، فوجد أن جميع المتشردين من تجار الرقيق قد اجتمعوا إليه، ووجده على عصيانه، فلم ير الوقت ولا الظروف مناسبة لقتاله، فتركه وشأنه، وذهب إلى متاسي، ملك أوغنده، فإذا به لا يزال على ولائه، فعاد بالخبر إلى جوردون، فأرسل جوردون أمين بك إلى ذلك الملك للمحافظة على مودته، وأرسل چيسي إلى بلاد بحر الغزال لكشف خبرها، ولما عاد أرسله بمركبين إلى بحيرة ألبرت نيانزا لاستطلاع حالها وحال القبائل المقيمة على سواحلها، وذلك في مارس سنة ١٨٧٦، فطاف چيسي البحيرة، وقضى في طوافه تسعة أيام، فوجد طولها ١٤٠ ميلًا وعرضها ٥٠ ميلًا، ووجد القبائل القاطنة حولها معادية للحكومة.

أما عبد العزيز لينان بك، فإنه قُتل في ثورة أثارها السود على العساكر وهم ينقلون قطع الباخرتين المار ذكرهما إلى الدفلاي، فأخذ جوردون بثأره. وترى تفاصيل ذلك مبينة بشرحٍ وافٍ في الكتاب المعنون «جوردون في السودان»، وهو مجموع رسائل وكتب بعث جوردون بها وهو في تلك الأصقاع السحيقة إلى أخته بإنجلترا.٢٥

وبقى جوردون مجدًّا في تنظيم البلاد وإصلاح شئونها بلا مساعدة مصر إلى سنة ١٨٧٦، فاستعفى، وعاد إلى القاهرة، ومنها إلى بلاد الإنجليز، تاركًا پراوت، من أركان حربه، وكيلًا مكانه على خط الاستواء، ثم ذهب الكولونيل پراوت، فناب عنه أمين بك، فبقي إلى أيام الثورة المهدية، ثم انقطعت أخباره.

وكان حاكمًا على السودان في مدة ولاية جوردون على خط الاستواء إسماعيل باشا أيوب، فجرت في عهده حوادث جمة ذات بال، أهمها فتح بحر الغزال، وبلاد النمانم، وسلطنة دارفور، وضمها إلى أملاك الحكومة المصرية على يد الزبير رحمت باشا.

والزبير هذا ولد في جزيرة واوسي بالسودان، من قبيلة الجميعاب المقيمة على النيل الكبير بين جبل قرى وجبل الشيخ الطيب في ٨ يولية سنة ١٨٣١، ودخل مكتبًا في الخرطوم فتعلم القراءة والكتابة، وحفظ القرآن، وتفقَّه على مذهب الإمام مالك، ولما بلغ الخامسة والعشرين من عمره تزوج بابنة عم له، واشتغل بالتجارة، ثم حدث بعد سنتين أن ابن عم له يدعى محمد عبد القادر دخل في خدمة علي أبي عموري، من أهالي نجع حمادي، ومن التجار الكبار الذين كانوا يتجرون في جهات بحر الغزال، وسافر معه خلسة، فأخذت الزبير الشفقة عليه لاعتقاده أن بلاد بحر الغزال كثيرة الأخطار بعيدة الشُّقة، فلحقه بقصد إرجاعه، فأدركه في رحلة ودشلعي على النيل الأبيض، مسيرة يوم من الخرطوم، وأخذ يثبط عزمه عن السفر، فأقسم ابن عمه أن لا يعود إلى الخرطوم قبل أن يتم سفرته، فشق ذلك على الزبير، وأقسم له بالطلاق أنه إن لم يرجع عن عزمه سافر معه، فلم يزل ابن عمه مصرًّا على السفر، فسافر الزبير معه برًّا بقسمه، ودخل صحبته في خدمة أبي عموري، فسار بهما الرجل من ودشلعي في ١٤ سبتمبر سنة ١٨٥٦ قاصدًا بحر الغزال، والزبير يستعيذ بالله من ذلك السفر، ويتوقع منه الشر والأخطار، فجاء بأحسن ما كان يتمنى، وكان السبب في بلوغه مقامًا لم ينله أحد في السودان قبله، ولا ناله بعده سوى (محمد أحمد المهدي)، وَعَسَىٰ أَن تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ.

فما زال الرجل سائرًا بهما حتى حطَّ رحاله في زريبة علي أبي عموري المعروفة باسم عاشور، على اسم شيخ البلد، حيث أقام الزبير مساعدًا مخدومه على تجارته بضعة أشهر، ولكن أهل تلك البلاد ما لبثوا أن هاجوا على التجار، طمعًا في أموالهم سنة ١٨٥٧، فجمعوا جموعهم من كل الجهات، وهاجموا الزرائب، فقتلوا بعض التجار وسلبوا أموالهم، وهاجموا كذلك زريبة أبي عموري، فقام الزبير في رأس رجاله، وأشعل النار في المهاجمين، وهزمهم شر هزيمة، بعد أن قتل منهم خلقًا كثيرًا.

فلما سمع التجار في تلك الجهات بانتصاره عليهم جاءوه، والتفوا حوله، وأحبه أبو عموري؛ إذ رأى أن سلامته كانت على يديه، وجعل له قسمًا من أرباحه، ولما هدأت البلاد تركه في محله وكيلًا عنه، وسار إلى الخرطوم، فغاب ستة أشهر، وعاد ببضائع جديدة، فوجد عند وكيله من المحصولات البلدية ما لم يكن يجمعه هو في سنين، فزادت رغبته فيه، وعرض عليه الشركة بالنصف، فأبى، وعزم على إنشاء محل تجاري لنفسه.

وبهذا العزم رجع إلى الخرطوم سنة ١٨٥٨، وكان قد جمع من تجارته مع أبي عموري نحو ألف جنيه، فاشترى بها بضائع وذهبية، واكترى بعض الأنفار على عادة التجار، وسلَّحهم بالبنادق، وسار بهم والبضائع في الذهبية إلى مشرع الريك، ومنها برًّا إلى بلاد قولو، وكان عليها ملك يقال له كواكي، فرحَّب به وأكرم مثواه، فأخذ يتجر في بلاده حتى اجتمع عنده من سن الفيل، وريش النعام، وغيرهما من خيرات البلاد شيء كثير، فأرسلها مع ابن عمه محمد أحمد رحمت إلى الخرطوم، فباعها، وعاد إليه ببضائع البدل، فسافر بها في سنة ١٨٥٩ إلى بلاد النمانم الواقعة إلى الجنوب الغربي من بلاد قولو، وكان عليها سلطان يقال له السلطان تكمة، فقدَّم له الزبير هدية فاخرة، واستأذنه في الاتجار في بلاده، فأذن له — وكانت كثيرة الجواميس والفيلة، ولا قيمة لسن الفيل فيها لكثرته، ولم يكن النمانم يعرفون الحمير، ولا الجمال، ولا الخيل، وكان مع الزبير حمار جميل، فأهداه إلى السلطان، فاستغرب هيئته وظنه رجلًا ممسوخًا فلم يقبله، ولكنه احتسب للمهدي نيته، وكافأه عليها بتزويجه أكبر بناته المدعوة (رانبوه)، فعلا مقامه بتلك المصاهرة في عيون أهل البلاد، وزادت تجارته رواجًا وتحسينًا، واجتمع عنده في وقت قصير شيء كثير من سن الفيل والخرتيت وغيرهما.

وفي شهر مارس ١٨٦٢ استأذن السلطان تكمة في العود إلى الخرطوم، وسار بسلعه يقصد تلك العاصمة، فمر بصاحبه أبي عموري، فوجده متأهبًا للسفر بتجارته هو أيضًا إلى تلك الجهة، فاتفقا على الذهاب معًا، ولكنهما تخلصا من مشقة نقل البضائع بالبر، بنيا مركبين، ووسقا فيهما بضائعهما ورجالهما البالغ عددهم ٢١٤ نفرًا، وسارا في نهر نبقو، أحد فروع بحر الغزال، الذي لم يسلكه أحد قبلهما، وهما يقصدان مشروع الريك، فما مخرا فيه ١٣ يومًا بلياليها إلا واتسع مجرى النهر حتى صار أشبه ببحيرة واسعة منه بنهر، وخفي عليهما المجرى الأصلي، فتاها برجالهما خمسة وسبعين يومًا، ثم وقع لهما ولمن معهما من الحوادث الغريبة والعجيبة ما هو أشبه بروايات السندباد البحري البغدادي منها بوقائع حقيقية. وأخيرًا أتيا مشرع الريك في ١٩ يولية سنة ١٨٦٣، وأقلعا بالمراكب منها إلى الخرطوم فدخلاها بمن بقي من رجالهما، وعددهم ستة، في ١١ سبتمبر سنة ١٨٦٣.‏٢٦

فلبث الزبير فيها بضعة أشهر ريثما باع تجارته واشترى بثمنها تجارة أخرى وأسلحة وذخائر، وفي ٢٩ أبريل سنة ١٨٦٣ برح الخرطوم إلى بلاد النمانم، فوصلها في ٢٥ يولية سنة ١٨٦٤، وقدم هدايا نفيسة للملك تكمة، فسرَّ بها، وأولم له وليمة فاخرة، ذبح فيها عددًا وافرًا من الوحوش، ومائة كلب من أسمن الكلاب المعدة لأكله.

فعاد الزبير إلى دار زوجته رانبوه، وشرع في بيع بضائعه، وكانت العادة في تلك البلاد أن يبيعوا في الأسواق أصحاب الجنايات؛ كالسارق والزاني، ويذبحونهم كالغنم، ويبيعون لحومهم طعامًا، فافتدى منهم من وجده أهلًا لحمل السلاح، حتى اجتمع عنده نحو خمسمائة رجل، فسلَّحهم بالأسلحة النارية، وعلَّمهم حملها واستعمالها، فأوجس الملك تكمة شرًّا، وخاف منه على مملكته، واستشار كهانه، فأقروا على قتله، فعلمت بذلك امرأته رانبوه ابنة الملك، وأخبرته به سرًّا، ونصحته بالرحيل من بلاد أبيها.

فاهتم بالأمر، وتزلف إلى الملك تكمة بالهدايا، واستأذنه في السفر إلى بلاد ملك يقال له دوبه بلغه أن فيها سنَّ فيل بكثرة، فأذن له ظاهرًا، وأوعز في السر إلى جيشه أن يكمنوا له في الطريق، ويقتلوه هو ورجاله. فما ابتعد قليلًا عن بلاده إلا واعترضه جنوده الذين كانوا في الكمين، فأصلاهم نارًا حامية لم يطيقوها، فانهزموا ودخل الزبير بلاد الملك دوبه، وكان عدوًّا لملك النمانم، فلما علم بما جرى خرج لمقابلته في مسيرة أربع ساعات من عاصمته، وأنزله في جواره على الرحب والسعة، وبنى له خصًّا مربعًا منيعًا من الخشب، وأمدَّه من الحبوب والمئونة بما يكفي رجاله مدة طويلة.

فأرسل الملك تكمة جيشًا جرارًا بقيادة عمه مغبوه إلى بلاد الملك دوبه، اهتزت له البلاد في أبعد أعماقها، واستولى الرعب على الملك وقومه، ففروا هاربين خلسة تحت جنح الظلام.

فلما رأى الزبير منهم ذلك، أخذ ينظر في أمر نجاته، وإذا برسل من لدن الملك تكمة وردوا عليه، وقالوا له: «إن حرمة المصاهرة، وسابق المودة تمنعان الملك من محاربتك، ولكنه يرغب إليك أن تخرج من جميع بلاد الملك دوبه التي أصبحت تحت سلطانه، وتذهب إلى حيث تشاء ولك الأمان.» فأجابهم إلى ذلك وخرج إلى بلاد قولو، وكان ملكها قد غدر بأخيه منصور وقتله، فلم يشك بأن الزبير قادم للأخذ بثأره، فلم يسمح له بالبقاء وتهدَّده، وكان الفصل شتاء، فطلب الزبير إليه أن يمهله إلى أن ينقطع المطر، فأبى، فناجزه الحرب، وجرت بينهما عدة وقائع دموية انتهت بقتل الملك، وأخْذ ابنه أسيرًا، وامتلاك الزبير بلادهما، وجميع البلاد المجاورة لها إلى بحر العرب، فاتخذ عاصمة (بابه) التي سميت بعد ذلك «بديم الزبير» مركزًا له، وصار فيها ملكًا، تتقاطر إليه الناس من كل الجهات للانتظام في خدمته، وكان أول ما سعى إليه فتح طريق التجارة بين بحر الغزال وكردوفان، فأوفد في مارس سنة ١٨٦٦ رسلًا بهدايا إلى مشايخ عربان الزريقات الواقعين في طريق التجار، فجاءه ثمانون شيخًا منهم، وعاهدوه على فتح الطريق، وتأمين القوافل والتجار من مسلمين ومسيحيين، فجعل لهم مقابل ذلك جُعلًا معلومًا يتقاضونه من التجار، فكثر زود الناس وراجت التجارة لقرب تلك الطريق وسهولتها، وفي سنة ١٨٦٩ قدم من الخرطوم رجل من متخلفي حجاج العرب، يقال له الحاج محمد البلالي، يقصد احتلال بحر الغزال، ومعه سرية مؤلفة من ٢٠٠ من العساكر المنظمة السودانية، عليهم صاغ اسمه محمد منيب، و٤٠٠ من العساكر الباشبوزق، عليهم سنجق يدعى كوشوك علي، و٦٠٠ من الخطرية، فطاف بلاد بحر الغزال، ودخل زرائبها، وقرأ لأصحابها فرمان الحكومة بتسميته مديرًا على بحر الغزال، فمنهم من أطاع وسلَّم، ومنهم من عصى فحارب أو فرَّ.

ثم وجَّه حملته على الزبير، فجمع الزبير جيوشه، ومن لجأ إليه من أصحاب الزرائب المجاورة له، وكَمَنَ للبلالي في خور على الطريق، فلما اقترب من الكمين أشعل النار في جيشه، فقتله وقتل بعض عسكره، وأسر الباقي، ولكنه أصيب في ذلك اليوم برصاصة في كُراعه الأيمن، ورجع محمولًا إلى مركزه، فبعث بخبر ما كان إلى جعفر مظهر باشا حاكم السودان إذ ذاك، وانتشر خبر انتصاره على البلالي في أقاصي السودان، فزادت شهرته، وازداد نفوذه.

فلم يرُق انتظام ملكه للسلطان تكمة، فأرسل في أوائل سنة ١٨٧٢ عمه (مغبوه) بجيش جرار لمناصبته العداء، فأغار على مملكته، وبعث يقول له إنه لا يسمح بتأسيس مُلك في جواره، فإما أن يعود تاجرًا كما كان، وإلا أعاده بالقوة إلى تجارته. فوقعت الحرب بينهما ودامت سنة كاملة، جرت فيها عدة وقائع شديدة، وفي آخرها قُتل السلطان تكمة وعمه مغبوه، ودان للزبير ثمانية من كبار ملوك النمانم كانوا في حروب مستمرة بعضهم ضد بعض، يصيد فيها بعضهم البعض صيد الطيور، وجاءته الأقوام من مسافات بعيدة، مقدمين الطاعة، وطالبين عمالًا من قبله، فأجابهم إلى ذلك.

وكانت الرزيقات، في أثناء حربه مع النمانم، قد نقضوا العهد، وقطعوا الطرق، وقتلوا بعض التجار، فلما انقضت الحرب أنفذ إليهم رسلًا يسألهم عن سبب ذلك، فأجابوا بالشتم والسباب، وأقسموا أن لا يدعوا مسافرًا يمر إليه عن طريق بلادهم إلا قتلوه وسلبوه ماله.

وكان على دارفور إذ ذاك سلطانٌ يقال له إبراهيم، فأرسل الزبير إليه كتابًا في يونية سنة ١٨٧٣ أخبره بما أتاه الرزيقات من نكث العهد، وقطع السابلة، والتمس مساعدته عليهم، فلم يجبه السلطان على كتابه، ولا انتهى الرزيقات عن التعدي، فساق الزبير جيشه إلى بلادهم ليحاربهم، فتجمعوا لقتاله، فجرت بينه وبينهم عدة وقائع من ١٠ يولية إلى ٢٨ أغسطس سنة ١٨٧٣ وكان النصر فيها كلها له، وفي الأخيرة منها انهزم الرزيقات شر انهزام، وقُتل منهم خلق كثير، وأصبحت بلاد «شكا» كلها في يده.

وكان الرزيقات قد استخدموا فقيهًا من فقهاء التعايشة يقال له عبد الله محمد آدم تورشين، ليقرأ لهم الأسماء في خلوته، لعلها تقبض على سلاح الزبير، فلا تنطلق ناره في ساحة الحرب، وتعهدوا له ببقرة من كل مراح.

كيف يذهب هنا الفكر إلى ما يرويه الرومان الكاثوليك عن سقوط السلاح من أيدي جنود نابليون الأول في حرب روسيا سنة ١٨١٢ انتقامًا من الله لتعديه على البابا بيوس السابع؟!

فوقع (عبد الله) أسيرًا في يد المنتصر في حلة السروج، بين شكا وداره، فأمر الزبير بقتله، فقال له اثنا عشر عالمًا كانوا بمعيته، مهمتهم تنبيهه إلى معوجٍّ يرونه في أحكامه: «إن الشرع لا يسمح بقتل أسير الحرب المسلم، والسياسة تنكر قتل رجل يعتقد الناس صلاحه؛ لأن قتله ينفِّر القبائل من القاتل.» فامتنع الزبير عن قتله، ولكنه ندم فيما بعد على امتناعه؛ لأن عبد الله ذاك عاش ليكون من أعظم البلايا على السودان؛ فإنه أصبح عبد الله التعايشي، خليفة المهدي المشهور، وصاحب الفظائع والأهوال التي لا تزال المخيلة ترتعد لمجرد ذكرها.

ولما دخل الزبير بلاد الرزيقات فرَّ اثنان من مشايخ هؤلاء العربان، ولجآ إلى السلطان إبراهيم في الفاشر، فبعث إليه الزبير بكتاب في ٨ سبتمبر سنة ١٨٧٣ يسأله تسليمهما إليه، ويحذِّره من استماع أقوالهما لئلا يقع في حرب مع «الدولة المصرية ذات السطوة الغالبة، والمدد غير المنقطع».

فما كان من السلطان إبراهيم — وكان قد حقد على الزبير لدخوله بلاد الرزيقات التي هي جزء من أملاكه — إلا أنه، بدلًا من أن يجيبه على كتابه، أرسل إلى بعض مشايخ الرزيقات خطابًا مشحونًا شتمًا وسبابًا له، يقول فيه: «لا تظنوا أني أترك البلاد لهذا الطاغية الجلابي، وها أنا أعدُّ الجيوش للزحف عليه وطرده بالخزي والخسران.»

فلما اطلع الزبير على خطابه هذا كتب إليه في ١٢ نوفمبر سنة ١٨٧٣ يؤاخذه، ويحمِّله تبعة كل ما يُسفك من دماء المسلمين، فيما لو عمد إلى حربه. وبعد أن أفهمه أنه لا يخافه ولا يهابه، قال: «أما إذا كنتم تودُّون خروجنا من بلاد شكا، لأنكم تحسبونها قسمًا من بلادكم، فاعلموا أن ذلك إنما يكون بالتراضي والسلم بينكم وبين سمو ولي نعمتنا الخديو المعظم؛ بأن تضمنوا لنا نفقات الحملة على الرزيقات التي بلغت نيفًا وعشرة آلاف كيس، فإذا اتفقتم مع سموِّه على ذلك، وكتب لنا أمرًا لرفع أيدينا، عدنا إلى حيث كنا نجمع جيوشنا امتثالًا لأمره، وإلا فلا يخطر ببالكم خروجنا من هذه البلاد.»

وكتب في أثناء ذلك إلى حكمدار الخرطوم، إسماعيل أيوب باشا، يعلمه بحاله وانتصاره على الرزيقات، ويسأله أن يرسل من يتولى حكومة البلاد التي فتحها في بحر الغزال ودارفور بالنيابة عن خديو مصر، وقال في الختام: «فإذا ما وصل الحاكم واستلم البلاد عدتُ إلى تجارتي تاركًا كل ما أنفقت من الأموال في الفتح هدية لحكومتي السنية، وانتظرت مكافأتها الأدبية حسبما تقتضيه عدالتها وكرمها.»

فجاءه الجواب بتاريخ ٢٢ نوفمبر سنة ١٨٧٣ بما مؤدَّاه: «عرضنا كتابكم على الجناب العالي الخديو، فشكر ولاءكم، وامتدح رغبتكم في وضع البلاد التي فتحتموها بين يديه ليولي عليها من يشاء، وقد أنعم عليكم بالرتبة الثانية مع لقب «بك»، وولاكم أمر البلاد، على أن تدفعوا لخزينته جزية سنوية قدرها خمسة عشر ألف جنيه.» فقبل الزبير الجزية، وتولى أمر البلاد رسميًّا.

ولكن السلطان إبراهيم لم يُطِق على بقائه في بلاد شكا صبرًا، فأصدر أمره إلى مقدوم الجنوب في داره، واسمه أحمد شطه، ومقدوم الشرق، واسمه سعد النور، فأخذا في حشد الجيوش وجمع العدة لإخراجه منها، وكان الزبير يراقب حركات المقدومَيْن وسكناتهما، ويبلغها إسماعيل باشا أيوب في الخرطوم، فيدفعها إلى الخديو في مصر.

فأقرَّ الخديو على اغتنام الفرصة التي كانت تترقبها حكومته منذ فتح كردوفان، وأرسل إلى الزبير ٢٨٠ من العساكر المنظمة، وثلاثة مدافع نجدة، وأمر إسماعيل أيوب باشا فجهَّز جيشًا مؤلفًا من نحو ثلاثة آلاف وستمائة مقاتل من الجنود السودانية، والمصرية، والباشبوزق الشيقانية، والأتراك، والمغاربة، والمتطوِّعة، وأربعة مدافع جبلية وساروخين، على أن يزحف بها إلى دارفور من الشرق، والزبير يزحف إليها من الجنوب، فيتمَّا الفتح.

ولكن الفتح كله تم على يد الزبير، ولم يكن لجيش الشرق أي عمل فيه؛ فإن أحمد شطه وسعد النور لما أتمَّا استعداداتهما زحفا بجيش يزيد على ثلاثين ألف مقاتل قاصدين شكا، فجرت بينهما وبين حاكمها واقعتان كانت العاقبة في كلتيهما للزبير، وقُتل المقدومان في الثانية، وانهزمت جيوشهما، فتقدم الزبير إلى داره واحتلها، وبنى فيها استحكامًا منيعًا، وبعث إلى السلطان إبراهيم بكتاب في ١٨ فبراير سنة ١٨٧٤ ينبئه بما كان، ويحمله من جديد مسئولية الدم المهراق، ويُشهد الله بينهما، وكتب إلى علماء الإسلام في دارفور يسألهم عما دعا سلطانهم إلى المحاربة وهلاك عساكر المسلمين من الطرفين.

فلم يجبه أحد، ولكنهم أخذوا في حشد جيش جديد للأخذ بالثأر، فجمع رجل يقال له الشرتاي أحمد نمر — وكان كبير البرقد — شتاتَ جيش المقدوم أحمد شطه، وأتى وحصر الزبير في الاستحكام الذي بناه، وأخذ يشاغله حتى تصل الجيوش التي يعدها السلطان إبراهيم، فصبر الزبير عليه حتى علم أن الجيوش آتية نجدة له، فأمر (رابحًا) — أحد قواده، وقد اشتهر فيما بعد أمره شهرة كبيرة — فخرج إليه بفرقة من الجيش، فقتله هو ومن معه، وغنم ما عنده من خيول، ودروع، وخوذ، ومواشٍ.

وفي ١٦ أغسطس سنة ١٨٧٤ بعث الزبير بكتاب إلى السلطان إبراهيم يدعوه للتسليم إلى السلطة الخديوية؛ حقنًا لدماء المسلمين، ورغبة في ترك خزائنه وأمواله له، وبقائه مكرمًا مبجلًا عند الجميع، وإلا فالقتال.

فلما وصل السلطان إبراهيم كتابُهُ، طار صوابه، وجهز جيشًا عرمرمًا ينيف على المائة ألف مقاتل، بينهم عدد كبير من الفرسان المدرَّعين، والمشاة المسلَّحين بالبنادق، وعقد لواءه لعمه الأمير حسب الله، وجملة من الرؤساء والمقدومين، فوصلوا داره في ٢٥ أغسطس سنة ١٨٧٤، وحصروا القوات المصرية في الاستحكامات من الجهات الأربع، وكتبوا إلى الزبير كتابًا يقولون فيه: «لقد دخلت بلادنا، وقتلت وزيرنا أحمد شطه، ثم الشرتاي أحمد نمر، فاخرج الآن من بلادنا لنشيِّعك بالسلامة والأمان.» وأرسلوا الكتاب مع ثلاثة رسل، فكتب الزبير إليهم: «إني دخلت بلادكم عنوة، ولست أنوي الخروج منها إلا بقَدَر من الله، فإذا كنتم قد جئتم لحرب، فتقدموا لها، وإلا فعودوا من حيث أتيتم!»

ورأى الرسل بعض عساكر النمانم الذين كانوا في جيش الزبير الخاص قد اجتمعوا على جثة آدمي يقتسمونها فيما بينهم، فأخذ بعضهم الرأس والكُراع، وبعضهم الفخذين، وبعضهم الصدر، وشرعوا يشوونها على النار، ويأكلونها، فاقشعرَّت أبدانهم، فعادوا وأخبروا بما كان مما رأوا وأجيبوا به.

فاعتمد الفور على الحرب، ونزلوا ضمن دائرة مرمى الرصاص، وأخذوا يناوشون الزبير القتال كل يوم من قبل طلوع الشمس إلى ما بعد نصف الليل، وكان معه زهاء ١٢٠٠٠ مقاتل مسلحين بالبنادق، فأصلاهم نارًا حامية، صبروا عليها سبعة أيام، ولكنها أهلكت منهم خلقًا كثيرًا، وفي اليوم الثامن نقضوا خيامهم، ونزلوا بعيدًا عن مرمى الرصاص، غير أنهم لم يزالوا على حصر الزبير ومن معه ومناوشتهم القتال الليل والنهار، حتى كاد يفرغ الزاد من المحصورين، وإذا برئيس يقال له الملك أحمد أتى من معسكر الفور طالبًا ابنته — وكانت قد وقعت في أسر الزبير في واقعة أحمد شطه — وقدَّم عشر أواقٍ ذهبًا فدية لها، فأخذ الزبير يسأله عن قوة جيش الفور وحركاته، وإذا بالحرس الذين كان قد وضعهم في مأذنة جامع داره لمراقبة حركات العدو يشيرون إليه بالصعود إليهم، فصعد، فرأى الفور في حركة وجلبة، فنزل إلى الملك وقال له: «إذا كنتَ تذهب وتأتيني بالخبر فإني أسلمك بنتك بلا مقابل.» وأقسم له قسمًا غليظًا، فرجع الملك إلى قومه — وحبُّه الأبوي تغلَّب في فؤاده وضميره على كل عاطفة سواه — وقال لهم: «إن الزبير طلب عشرين أوقية ذهب فداء ابنتي، ولم يكن معي سوى عشر أواقٍ.» فقالوا: «خذ هذه عشر أخرى، وبادر وأحضر ابنتك؛ لأن الجيش يستعد للهجوم على السور غدًا من جميع الجهات.» فأخذ الذهب وسار إلى الزبير بالخبر ليلة الخميس ٣١ أغسطس سنة ١٨٧٤.

وكان الفور في تلك الليلة قد شربوا الخمر، وأكلوا لحم الضأن والإبل، وناموا نوم الراحة، فانتهز الزبير هذه الفرصة الثمينة، وخرج إليهم بثمانية آلاف رجل بهيئة مربع، وزحف في جنح الليل حتى صار على قيد مائة متر منهم، فأمر عساكره، فصبوا عليهم الرصاص كالمطر الوابل، فقاموا مذعورين إلى سلاحهم، وصوبوا على الهاجمين نيرانهم، فأصابت الزبير رصاصة طائشة في يده اليمنى جرحته جرحًا بليغًا، ولكنه لم يعبأ بها، بل بقي يشدِّد قومه، ويصب الرصاص على الأعداء حتى اضطرهم إلى تولي الأدبار منهزمين، وقد امتلأت الأرض من قتلاهم، وفيهم أربعون رجلًا من أولاد السلاطين.

فجمعت الغنائم، فكان فيها نحو ألفي درع، وألفين وسبعمائة خيمة، وثمانية مدافع قديمة مكتوب على بعضها اسم (سعيد باشا)، وشيء كثير من الأسلحة والذخائر الحربية، ومن الحبوب والزاد ما كفى الجيش أربعة أشهر.

غير أن الأمير حسب الله عاد فجمع شتات جيشه، وهاجم الزبير في السور في ٨ سبتمبر سنة ١٨٧٤، فدام القتال بين الطرفين أربع ساعات متوالية، حتى كثرت القتلى في جيش الفور فانهزموا شر هزيمة.

فلما بلغ السلطان إبراهيم خبر انكسار عمه الأمير حسب الله استعظم الأمر جدًّا واستكبره، وصاح بقومه صيحة عامة، فجرَّد منهم جيشًا كثيفًا بلغ عدده نحو مائة وخمسين ألفًا، بينهم ثلاثون ألف فارس، وعدَّة رجال مسلحين بالبنادق، وثمانية مدافع، وعزم على الخروج إلى الحرب بنفسه، فخلَّف على الفاشر ابنه الأكبر (محمد الفضل)، وطلب من رجال دولته أن يجعل كلٌّ منهم ابنه الأكبر خليفة عنه مع ابنه محمد الفضل، ففعلوا، فزحف بجيشه على داره، فوصلها في ضحى ١٦ أكتوبر سنة ١٨٧٤، واحتاط السور من الجهات الأربع، وهاجم مَن فيه بجميع جيوشه هجمة واحدة، فأمطروه نارًا حامية ثبت رجاله عليها حتى الساعة الواحدة بعد الغروب، وفي اليوم التالي أعاد الكرَّة على السور من قبل طلوع الشمس، فما كانت الساعة الرابعة من النهار حتى رُدوا على أعقابهم، فاستراحوا إلى ما بعد الظهر، ثم عادوا إلى الهجوم بعزم صادق مستقتلين وثبتوا، والرصاص يحصدهم حصد الزرع، إلى أن فصل الليل بينهم وبين أعدائهم، فرجع الفور، وقد قُتل منهم في ذلك اليوم خلق كثير، فيهم البعض من أولاد السلطان إبراهيم وأولاد أخيه وأعمامه وعماته.

وفي الليل أتى الزبير كتاب من السلطان، مملوء شتمًا وسبابًا وتهديدًا، وقد أقسم فيه بالله العظيم إنه لا بد من إعادة الكرَّة عليه في الصباح، ودخوله الاستحكام عنوة، وتأدية صلاة الجمعة في مسجد داره، وفي الساعة الخامسة من الليل أطلق على السور خمسة وأربعين مدفعًا، فلم يجبه مَن فيه، وشرعوا يستعدون للغد، فلما أصبح الصباح وانكشف معسكر الأعداء، وإذا به خالٍ من الجيوش، فخرج الزبير بنفر من رجاله يستطلع الخبر، فوجد أن الأعداء قد هربوا بالفعل، ولم يكن هناك خدعة؛ لأن رجال الفور لم يعودوا يستطيعون مهاجمة السور، فهجروا السلطان، فتبعهم ليجمع شتاتهم، ويسير بهم إلى جبل مرة ليمتنع فيه، فجمع الزبير ما خلَّفه في معسكره، وشرع في الاستعداد للحاق به.

وفي ٢٣ أكتوبر سنة ١٨٧٤ خرج بالجيوش مقتفيًا أثره حتى أدركه في اليوم التالي في بلدة منواشي الواقعة على مسيرة يومين إلى الجنوب الشرقي من الفاشر، ومعه من العساكر نحو ثلاثين ألفًا وثمانية مدافع.

فرتَّب السلطان عساكره ميمنة وميسرة وقلبًا، وكان هو ومن معه من الأبطال المعدودين من أقاربه وغيرهم مع المدافع في القلب، وما طلعت شمس الأحد ٢٥ أكتوبر سنة ١٨٧٤ حتى نشبت الحرب، فأطلق الفور على رجال الزبير أحد عشر مدفعًا، فما أجابوهم، بل ساروا سيرًا حربيًّا منظمًا قاصدين القلب، فهجمت عليهم عساكر ميمنة الفور وميسرتهم، واشتد القتال، ولكنه ما مضى إلا خمس دقائق حتى انجلت الحال عن تقهقرهم إلى الوراء. عند ذلك هاجم السلطان ومن معه في القلب، فهزموا مقدمة الزبير ودخلوا القلعة، واشتبك القتال بالسيوف والحراب، وكنت ترى السلطان يجول في وسط المعمعة، ويقاتل كأنه الأسد، غير أنه لم يكن إلا القليل حتى خرَّ قتيلًا هو ومن معه من الفرسان والشجعان، وفيهم الكثير من أولاده وأكابر دولته، وانكشفت الحرب عن النصر المبين للقوة المصرية.

فأخذ الزبير جثة السلطان، وكفَّنها بالأنسجة الفاخرة، ودفنها في جامع منواشي باحتفال عظيم؛ إجلالًا لمقامه، وإقرارًا ببسالته، ثم دفن القتلى من أولاده وأكابر دولته، وعفا عن جميع الأسرى، وسمح لهم بالذهاب إلى حيث شاءوا، وقد غنم في هذه الواقعة المدافع الثمانية، وسبعة وعشرين حمل جمل جبخانة، ما عدا الأسلحة النارية وغيرها.

وبعد أن استراح أربعة أيام في بندر منواشي، سار بالعساكر إلى الفاشر، فدخلها في ٣ نوفمبر سنة ١٨٧٤ قبل طلوع الشمس، فوجد عائلة السلطان وأهالي الذين تركهم بالفاشر قد فروا منها، ولم يبقَ فيها سوى التجار وبعض العلماء، فأمَّنهم على أموالهم ودمائهم، وأحسن معاملتهم، فلما بلغ الأهالي ذلك أخذوا يَفِدُون إليه ليلًا ونهارًا، مقدِّمين الطاعة والامتثال، ولم يكن إلا أيام قليلة حتى دانت له جميع أهالي السلطنة، وطلب منه عبد الله التعايشي أرضًا في قيجة، غربي الكلكة، فأعطاه إياها على أن يكفَّ عما كان به من التدجيل، فرضي.

أما إسماعيل أيوب باشا المهاجم لدارفور من الشرق، فإنه أبطأ في سيره جدًّا، وعند وصوله إلى فوجة كتب إلى الزبير، وهذا إذ ذاك في داره، يقول: «إني جئتك بنجدة، فتشدَّد!» فبعث الزبير إليه يقول له: «إذا كنت قد جئتني بنجدة، فلماذا هذا الإبطاء في السير، والعدو محدق بنا بجيوش لا عداد لها؟» فأجاب: «ما أنا أمرتُك بالتقدم إلى داره، ولا أفندينا، فإذا استطعت أن ترفع الحصار وتنجو بجيشك إلى هنا فافعل، وإلا فدبِّر أمرك بما تراه صوابًا!» وبقي في فوجة حتى انقضت الحرب، وبعد دخول الزبير الفاشر بعث إليه بالخبر، فلقيه الرسول في طريقه إلى داره، فانثنى إذ ذاك عنها، ووجَّه الجيش إلى عاصمة دارفور، فدخلها في ١١ نوفمبر سنة ١٨٧٤، فأكرم الزبير لقياه، وأطلق له مائة مدفع ترحيبًا به.

وكان المتخلفون من جيش الفور، لما تحققوا موت السلطان إبراهيم في منواشي، قد ولوا عمه حسب الله سلطانًا عليهم، وذهبوا إلى جبل مرة وتحصنوا فيه، فلما حضر إسماعيل أيوب باشا إلى الفاشر سلمه الزبير إدارة البلاد، وجهز جيشًا مؤلفًا من ١٢٠٠٠ مقاتل، فيهم ٤٠٠ من العساكر المنظمة، و٢٠٠ فارس من عساكر الحكومة، وزحف على جبل مرة، فلما رأى الأمير حسب الله قوَّته، سلَّم بلا قتال، وكان معه بعض أولاد السلطان إبراهيم وعمتهم الميرم عرفة، وغيرهم من أولاد السلاطين، ونحو ألف ومائتي رجل من كبراء البلاد وأعيانها، فجاء بهم جميعًا إلى الفاشر بعد أن تغيَّب عنها في تلك المهمة ستة وتسعين يومًا.

وكان الأمير حسب الله قد سأله بعد التسليم أن يساعده على توليه البلاد، ليحكمها تحت طاعة الحكومة الخديوية، فيدفع لها مائة ألف جنيه جزية سنوية، فأعجب الزبير هذا الرأي، واعتقده الصواب الذي فيه راحة البلاد والحكومة معًا، فعرضه على الحكمدار، وأسنده بكل قوته، ولكن الحكمدار رفضه بتاتًا، فوقع بين الاثنين جدال طويل أفضى إلى النزاع، وأرسل الأمير حسب الله والأمير محمد الفضل ابن السلطان إبراهيم وكثيرون غيرهما من أولاد السلاطين إلى مصر، وأمر الزبير بالذهاب إلى داره، والإقامة فيها بعساكره إلى أن يصدر إليه أمر آخر بالرجوع إلى بحر الغزال.

فذهب، وإذا بكتاب أتاه وهو فيها، من عبد الله التعايشي، يقول فيه: «رأيت في الحلم أنك المهدي المنتظر، وأني أحد أتباعك، فأخبرني إن كنت مهديَّ الزمان لأتبعك!» فكتب الزبير له: «استقم كما أمرتك، أنا لست بالمهدي، وإنما أنا جندي من جنود الله أحارب من طغى وتمرد!»

ولم يمضِ شهر حتى ورد عليه كتاب من إسماعيل أيوب باشا يقول: «إن بوشا أخا الأمير حسب الله شق عصا الطاعة، فجمع بقية أولاد السلاطين في جبل مرة، وملأ البلاد عيثًا وفسادًا.» وأمره بالخروج إليه، وإخماد ثورته، فصدع بالأمر وسار إلى جبل مرة في ٣ أغسطس سنة ١٨٧٥، وشهر على بوش حربًا عوانًا مدة خمسة عشر يومًا، فترك بوش الجبل واعتصم بالفرار، فغادر الزبير ابنه سليمان مع ١٢٠٠ جندي في الجبل، وتتبَّعه حتى أدركه في صرف الجدار قرب كبكبية، فأوقع به واقعة شديدة، انتهت بقتله وقتل أخيه سيف الدين وسبعة وعشرين رجلًا من كبراء جيشه.

ثم توغل الزبير بجنده في بلاد المغرب، فدانت له ديار نامه، والمساليت، وقمر، وسلا، حتى أتى الترجة الفاصلة بين دارفور وودداي، فأقام فيها أيامًا للراحة، بعزم الدخول في دار ودداي، وإخضاعها للحكومة الخديوية، وكان عليها إذ ذاك السلطان علي ابن السلطان محمد شريف، فبعث إليه الزبير بكتاب يدعوه إلى الطاعة، ثم دخل بلاده وتوغل فيها، حتى صار على مسيرة يومين من عاصمته، فورد عليه كتاب منه يدل على قبوله الدخول في طاعة الحكومة الخديوية، وقد تعهد بدفع مبلغ معلوم جزية سنوية، على أن يبقى سلطانًا على بلاده، ووجَّه إليه أحد وزرائه بهدايا كثيرة للمفاوضة معه في هذا الشأن.

ولكن قبل وصول الوزير ورد على الزبير كتابٌ من إسماعيل أيوب باشا بناء على إرادة سَنيَّة، يلح عليه بالرجوع إلى دارفور في الحال، فرجع إلى الفاشر متأسفًا على ما فاته من فتح ودداي، فأخبره الحكمدار أن سلطان ودداي أرسل وزيره أحمد تنقة إلى مصر عن طريق سيوه متشكيًا للجناب الخديو، فأمر جنابه العالي برجوع الزبير، ولكنه أنعم عليه برتبة اللواء الرفيعة مع لقب «باشا»، وشرع إسماعيل أيوب باشا، بعد دخوله الفاشر، في بناء حصن منيع للعساكر على التلة الغربية منه، فبنى سورًا مربعًا متينًا من الطوب سمكه ثلاثة أقدام، وطول الضلع الواحدة منه مائتا قدم، وأقام في أركانه الأربعة أبراجًا، على كل ركن برجًا، جعل فيها المدافع، وحفر من وراء السور خندقًا بلغ عمقه خمسة عشر قدمًا، وأحاطه بزريبة من شوك، وبنى من داخل السور ديوانًا للحكومة، ومنزلًا للحاكم، وثكنة للعساكر المنظمة، وأما العساكر غير المنظمة فأقرَّها خارج السور، وهدم المنازل التي في جواره، فجعل الأرض التي حوله في غاية الانكشاف إلى مسافة بعيدة، فجاء حصنًا منيعًا جدًّا، ثم وزَّع منشورًا في كل البلاد، ودعا الناس إلى الفاشر لأخذ الأمان، فطفقت الوفود تأتيه من الجهات الأربع، فيؤمِّنهم ويُرجعهم إلى بلادهم، ثم أمر فعمرت سوق كبيرة في الفاشر، وعاد الناس إلى معاطاة أشغالهم كالعادة.

وبعد أن تمهدت البلاد جعلها أربعة أقسام؛ وهي: مديريات الفاشر، وداره، وكلكل وكبكبية، وإدارة أم شمقة، وأقام في كلٍّ من مركزَي داره وكلكل حصنًا كالذي أقامه في الفاشر، ورتَّب في كل مديرية أورطتين من العساكر المنظمة، وستة سناجق من الباشبوزق الشايقية والأتراك والمغاربة، وبطارية بستة مدافع. وأما إدارة أم شمقة، فرتَّب فيها بلوكين من العساكر المنظمة، وسنجقًا واحدًا من الباشبوزق، لقربها من الأبيض.

ثم شرع في وضع الضرائب على الأهلين، فجعل على كل نفر خمسين قرشًا في السنة، ما عدا أهل اليسار، فإنه جعل عليهم ضرائب أعظم على نسبة يسارهم، فقبلوها مرغمين؛ لأنهم كانوا قد سئموا عيشة الاضطراب والقلق التي وصلوا إليها في آخر سلطة الفور، وتاقوا إلى السكينة، ولكن لم يطل الأمر حتى انتشر الباشبوزق في أنحاء البلاد، وتقاضوا الضرائب من الأهالي بالعنف والقوة، فاستعظموا ذلك، وفضَّلوا العودة إلى ما كانوا عليه قبلًا.

وكان عندهم من أولاد السلاطين الأمير هارون الرشيد ابن الأمير سيف الدين ابن السلطان محمد الفضل، فبايعوه سلطانًا عليهم في أوائل سنة ١٨٧٧، وثاروا ثورة عامة، وحاصروا حاميات الفاشر وداره وكلكل، والذي حصر الفاشر الملك سعيد كبير البرتي، والمقدوم آدم، مقدوم الشمال سابقًا، فهاجماها مرتين، وكادا يستوليان عليها، لولا أن العساكر حاربوا حرب الأسود، فصدوهما، ولكنهم لم يقووا على رفع الحصار، فأرسل حسن باشا حلمي الجويسر، مدير الفاشر، في طلب المدد من الخرطوم، فأتاه عبد الرازق باشا بجيش كبير، فتصدى له العصاة في بروش، بين أم شمقة والفاشر، فقتل منهم خلقًا كثيرًا، ودخل الفاشر فرفع عنها الحصار، وأرسل الجنود إلى داره وكلكل، فرفعوا الحصار عنهما أيضًا.

ثم أخذ حسن باشا عسكرًا من الفاشر، وخرج لمطاردة الأمير هارون، فأدركه في الطينة على مسيرة يوم ونصف من الفاشر، فأوقع فيه واقعة شديدة، ثم لحقه إلى بيرمرتال، فقتل من عسكره خلقًا كثيرًا، وهزمه إلى نيورنا وسط جبل مرة. وكان إسماعيل أيوب باشا، مذ دخلت سنة ١٨٧٧، قد عاد إلى مصر، متخليًا عن حكم السودان، بعد أن أمَّن السبل، وأنشأ المحطات في طرق القوافل بين الخرطوم ودارفور، وبين بربر وسواكن، ومع ذلك فإنه لم يكن محبوبًا في السودان، وقد وصفه بعضهم بقوله: «كان رجلًا جبارًا، يُعنى بالعسكرية، ويهمل الرعية، ويقبل كل هدية!»

فلم يَرَ الخديو رجلًا يولِّيه بالسودان، على اتساع أطرافه وكثرة مشاكله، أفضل من جوردون، فأرسل يستدعيه تلغرافيًّا من بلاد الإنجليز، فحضر في أوائل فبراير سنة ١٨٧٧، وكانت مديريات السودان لا تزال مستقلة بعضها عن البعض، فطلب جوردون ضمها كلها تحت إدارته، فأجابه (إسماعيل) إلى ذلك، وأصدر له فرمانًا بتاريخ ١٧ فبراير بالولاية على جميع بلاد السودان المصري مع دارفور، وخط الاستواء، وسواحل البحر الأحمر، وهرر، ومنحه السلطة العسكرية والمدنية كلها عليها، وأعطاه سلطانًا على القتل والعفو، ومنع دخول أحد إلى السودان إلا بإذنه، وعهد إليه بمنع تجارة الرقيق، وتحديد التخوم بين السودان والحبشة.

فسار جوردون إلى الخرطوم بعزم وطيد لإصلاح البلاد، وفض مشاكلها، ووضع نظام عام يكفل لها الراحة، ويرقِّيها في معارج المدنية والعمران، ولكنه لم يلبث أن رأى خطورة المركز الذي تولاه، وتعذُّر النجاح في المهمة الملقاة على عاتقه؛ نظرًا لعدم تيسُّر الأيدي اللازمة للعمل، واتساع أطراف السودان، ومشقة السفر في بلاده برًّا وبحرًا، مع قلة الجيوش اللازمة لحمايته بعد أن ذهب قسم منها لمساعدة الدولة العلية في حرب الروس، ونهكت القسم الآخر حرب الحبشة، وسيأتي ذكرهما في حينه.

فقضى جوردون في السودان أزيد من سنتين، وهو يتنقل من مكان إلى مكان، آونة بالبر وأخرى بالبحر، متممًا كل ما أمكنه من الإصلاح، حتى أعياه التعب، وقاومته السياسة، فاضطر إلى الاستعفاء. وكان أهم ما اشتغل به في هذه المدة إخماد ثورة الأمير هارون الرشيد في دارفور، وحركة صباحي في كردوفان، وتمرُّد سليمان الزبير في بحر الغزال، ومنع تجارة الرقيق، والنظر في مد سكة حديد السودان، وإصلاح ذات البين بين الحبشة ومصر.

أما الأمير هارون، فإنه كان قد عاد إلى الحركة في أوائل سنة ١٨٧٩، فسار جوردون إلى الفاشر، وما لبث أن رأى أن دارفور لا يصلح حالها إلا إذا حكمها رجل من أهلها تحت طاعة الحكومة، على نحو ما أشار به الزبير من قبل، فبعث إلى مصر في طلب الأرشد من أولاد السلطان إبراهيم، وعزل حسن حلمي باشا عن الفاشر، وسمى مساداليه بك — وهو ضابط إيطالي — مديرًا على دارفور، وكان مديرًا على داره، وجعل المقدوم رحمه قومو — وكان قد أطلقه من سجن سواكن سنة ١٨٧٧ عند مروره بها — معاونًا له، إلى أن يجيء ابن السلطان إبراهيم من مصر، ولكن هذا الشاب التعس الحظ لم يصل إلا إلى دنقلة، حيث فاجأته منيته، فعهد جوردون إلى مساداليه في إخماد حركة هارون، فاستعان الإيطالي عليه بسلاطين بك — وكان قد خلفه على مديرية داره — فعمل الاثنان معًا، وانضم إليهما النور بك عنجرة مدير كلكل، فقضى الثلاثة على الرجل بمهاجمتهم إياه بالتتابع، وتم قتله على يدَي مدير كلكل في مارس سنة ١٨٧٨.

وأما الصباحي — وقد كان أحد قواد جيش الزبير، وانفصل عنه بعد ذهاب الزبير إلى مصر لمقابلة الجناب العالي، وعرض حقيقة حال دارفور على سموه، والنظر معه ومع رجال حكومته في تنظيم البلاد التي تم فتحها على يديه، والبلاد التي يمكن إلحاقها بحكومته في المستقبل، فأبقاه (إسماعيل) بمصر في ظل ساحته حتى ينظر في أمره، وكانت تلك القاضية؛ لأن الرجل لم يرجع إلى السودان بعد ذلك، وقضى نحبه بمصر في أيامنا هذه — فإنه ألَّف عصابة من أربعمائة رجل، وأغار على الأرضية في كردوفان، فقتل مأمورها، وفرَّ إلى جبال النوبة، فعلم به جوردون وهو ذاهب إلى دارفور المرة الثانية في مارس سنة ١٨٧٩، فأرسل من الأبيض نفرًا من العساكر، فطاردوه وأتوا به أسيرًا، فحوكم في مجلس عسكري، وحُكم عليه بالإعدام.

وأما سليمان الزبير فإنه بعد ذهاب أبيه إلى مصر خرج بالجيش، وعدده أربعة آلاف مقاتل إلى شكا، وأقام فيها إلى أن حضر جوردون إلى دارفور أول مرة، وأرسل إليه أمرًا لمقابلته مع جيشه.

فصدع بالأمر واجتمع عليه في شهر أغسطس سنة ١٨٧٧، وكان أحد سناجق الجيش — ويقال له السعيد بك حسين — قد وشى بالزبير أبيه إلى جوردون قائلًا إنه أوصى ابنه، إذا هو لم يرجع سريعًا من مصر، أن ينهض بثورة على الحكومة، فرأى جوردون أن يفرِّق جيش سليمان، فأعطى سعيد بك ألف رجل وسماه مديرًا على شكا، وأعطى الباقي للنور بك عنجرة، من سناجق جيش سليمان، وأرسله إلى كبكبية، وأمر سليمان فرجع إلى شكا بقلة وذلة.

وفي أواسط سبتمبر وافاه جوردون إليها فطيَّب خاطره، وأنعم عليه بالرتبة الثانية مع لقب «بك»، وسماه مديرًا على بحر الغزال، فسُرَّ سليمان بهذا الالتفات، وذهب إلى ديم أبيه القديم، وكان الزبير قبل قيامه منه لحرب دارفور قد خلَّف إدريس أبتر، من تجار الدناقلة، وكيلًا عنه في بحر الغزال براتب معين، فقضى أربع سنوات في إدارة بحر الغزال لا يشاركه أحد فيها.

فلما حضر سليمان وجد أن إدريس أبتر قد أخلَّ بالإدارة، واستبد بالعباد، ولم يهتم إلا بانتفاعه الشخصي، فأعلن سيلمان عن محاكمته في مجلس قضائي، ففرَّ الرجل إلى الخرطوم، ووشى به إلى جوردون بأنه يريد الاستقلال في بحر الغزال بحجة أنها بلاد أبيه، وليس للحكومة حق فيها. ويظهر أن جوردون أصغى إلى وشايته، فأنعم عليه بلقب «بك»، وأعطاه مدفعين، ومائتين من العساكر المنظمة، وسماه مديرًا على بحر الغزال. فلما وصل إدريس أبتر إلى ديم قنده، المعروف أيضًا باسمه، كتب إلى رؤساء الزرائب يخبرهم بتعيينه مديرًا على بحر الغزال، ويأمرهم بالحضور إليه، وكتب إلى سليمان يدعوه للتسليم.

فغضب سليمان من ذلك، وكتب إليه في الجواب يقول: «إن ولائي للحكومة يمنعني من الخروج عن طاعتها، إلا أن شرفي لا يسمح لي بالتسليم إلى من كان خادمي وخادم أبي من قبلي، ولا يمكنني أن أأتمنك على نفسي وأموالي بعد الذي رأيته من خيانتك وإنكارك للجميل؛ لأنك لو كنت أمينًا وذاكرًا للجميل لحفظت عيشنا وملحنا وتربيتنا لك، فلا تنتظر مني التسليم، ولو أرسلت الحكومة إليَّ رجلًا غيرك، ولو عبدًا، لسلَّمت وذهبت معه إلى جوردون، وأطلعته على جلية أمري، وبيَّنت له نفاقك والسلام!»

فتيقَّن إدريس أبتر من هذا الجواب أن سليمان لا يسلِّم إليه إلا بالقوة، فترك جنده في عهدة أخيه عثمان، وطاف في الزرائب يحرِّضهم على محاربة ابن الزبير، وكان عثمان أخو إدريس رجلًا فظًّا عاتيًا، مكروهًا من جميع «البحَّارة»، وكان يرسل الشتائم إلى سليمان وأتباعه، ويتهدَّدهم بالقتل وأنواع العذاب، فجرَّد سليمان رجاله، ورجال الزرائب الذين من حزبه، وهاجمه في ديم قنده، فقتله وقتل أكثر الجهادية والجلابية الذين معه، وغنم أسلحتهم وذخائرهم، وعاد بالغنائم والأسرى إلى مركزه، فلما بلغ إدريس أبتر خبر الواقعة انقلب راجعًا إلى الخرطوم، وأخبر جوردون بما كان.

فجهز جوردون سرية من العساكر، وعقد لواءها لچيسي باشا، ومعه يوسف باشا الشلالي، فأقلعا من الخرطوم في يولية سنة ١٨٧٨، وسارا في النيل الأبيض حتى وصلا (أورنبك) بطريق (شامبي) في سبتمبر سنة ١٨٧٨، فوجد البلاد مغمورة بالمياه بسبب الأمطار، فأقام في (أورنبك) نحو ثلاثة أشهر حتى جفَّت الأرض، فسار قاصدًا ديم سليمان، ومعه ٣٠٠ من العساكر المنظمة، و٧٠٠ من الباشبوزق، وثلاثة مدافع، وكان على طريقه في نقطة (الدمبو) رجل من مشاهير «البحَّارة» يقال له علي بك أبو عموري، ومعه نحو ألف رجل مسلحين بالبنادق، فدعاه للانضمام إليه، فأجابه بعد تردد؛ لأنه لم يكن يود محاربة سليمان، ولكن كان له محل تجاري في الخرطوم، وآخر في مصر، فأجاب الدعوة مضطرًّا لتجارته، واجتمع علي وچيسي في جور غطاس، وساروا كلهم حتى نزلوا في (قندة)، في أواسط ديسمبر سنة ١٨٧٨.

وكان سليمان لمَّا علم بقدوم چيسي قد أخذ في حشد الجيوش، حتى اجتمع عنده نحو عشرة آلاف مقاتل، فسار بهم إلى (قندة)، ونزل بالقرب من معسكر چيسي، ولما كان صباح ٢٨ ديسمبر سنة ١٨٧٨ حمل على المعسكر حملة صادقة، وكان چيسي قد أمر جنوده، فبنى كلٌّ منهم متراسًا علوُّه متر ونصف متر؛ ليقيه من الرصاص، فأصلوا رجال سليمان نارًا حامية، فثبتوا برهة، ثم انقلبوا راجعين إلى معسكرهم، فبنوا حصنًا منيعًا من الأخشاب والتراب، ونزلوا فيه، ثم جدَّدوا الهجوم على چيسي في ١٢ يناير سنة ١٨٧٩ وفي ٢٩ منه، فلم يظفروا بطائل.

وفي ١١ مارس سنة ١٨٧٩ وصل چيسي مدد من الذخائر والعساكر، فزحف بجيشه حتى صار قريبًا جدًّا من معسكر سليمان، وأقام تلًّا من التراب وجعل عليه المدافع والسواريخ، وشرع يرمي بمقذوفاتها ذلك المعسكر، وكانت بيوته كلها من قش، فاشتعلت النار فيها، فذعر سليمان وارتد إلى (ديمة).

وبقي چيسي في (قندة) حتى جاءه مدد آخر من جوردون، فزحف بجميع جيشه على ديم سليمان، ووصله في ٤ مايو سنة ١٨٧٩، فخرج عليه سليمان من الديم، وحاربه مستقتلًا مدة ساعة، ثم انهزم راجعًا إلى الديم، فتبعه چيسي على الأثر وأخرجه منه، واستولى على جميع ما فيه من الأمتعة والأموال، وسار سليمان شمالًا حتى وصل (غرة) غرب الكلكتة، من أعمال دارفور، فأقام فيها.

وكان جوردون، لمَّا حضر المرة الثانية إلى دارفور، وعرج على (شكا) في ٧ أبريل سنة ١٨٧٩، وجد فيها بعض التجار الجعليين يهرِّبون الأسلحة إلى سليمان في بحر الغزال، فألغى المديرية وشتَّت التجار، وأمدَّ چيسي ببعض الذخائر، ثم توجه إلى الفاشر للنظر في ثورة هارون، فلم يلبث أن أتاه خبر من چيسي باستيلائه على ديم الزبير، وفرار سليمان إلى (غرة)، فخاف جوردون أن ينضم سليمان إلى هارون، فيصعب عليه إذلالهما معًا، فعاد إلى (الطويشة)، وكتب إلى چيسي — فترك الجيش بقيادة ساتي بك في ديم الزبير، ووافاه إلى (الطويشة) ومعه يوسف باشا الشلالي في ٢٥ يونية سنة ١٨٧٩، وهو يوم تعس (لإسماعيل) — فأمره بمطاردة سليمان إلى (غرة)، وعاد يوسف باشا الشلالي إلى الخرطوم، فقاد چيسي العساكر من داره، وأخذ معه بعض مشايخ الزريقات والمغاربة أصحاب الثأر على الزبير، وسار حتى وصل الكلكتة، فأرسل رسلًا بكتاب إلى سليمان يدعوه إلى التسليم.

وكان قد بلغ الزبير خبر خروج ابنه على الحكومة بسبب إدريس أبتر، فكتب إليه في ٢٠ ديسمبر سنة ١٨٧٨ يأمره بالرجوع في الحال إلى الطاعة وطلب العفو، وإلا كان الله ساخطًا عليه، وهو كذلك! فلما وصل كتابه إلى سليمان — وكان قد خرج من بحر الغزال — استوعبه وصدَّقه، فلما دعاه چيسي إلى التسليم مال إليه.

ولكن رابحًا خادم أبيه الأمين عارضه، فانقسم الجيش بهما إلى حزبين: حزب مال إلى التسليم، ورئيسه سليمان؛ وحزب أعرض عنه، ورئيسه رابح. فلما كان صباح ١٤ يولية سنة ١٨٧٩ أتى سليمان إلى چيسي مسلِّمًا، ومعه ٧٠٠ رجل، فيهم ثمانية من أقاربه، وكان في جيش چيسي كثير من الدناقلة الذين يكرهون سليمان والجعليين، فوشوا بالتعيس إلى چيسي قائلين إن تسليمه هو وأقاربه إنما هو خدعة، فصدق چيسي الوشاية، واتخذها مسوِّغًا لقتلهم. فناداهم إلى خيمته ثاني يوم التسليم، وسقاهم القهوة، وكان قد أوعز إلى بعض الجند، فاحتاطوا بالخيمة، ثم خرج منها، فدخل بعضهم وأوثقوا سليمان وأقاربه، وجعلوهم صفًّا واحدًا خارج الخيمة، ووقفوا خلفهم ورموهم بالرصاص، فانكبوا على وجوههم قتلى. وبعد ساعة أتى قناوي بك أبو عموري، فكفَّنهم وحفر لهم حفرة ودفنهم فيها.

فالخيانة والغدر ليسا من خصائص الشرقيين وشيمهم دون سواهم، كما يزعم الغربيون!

وبعد أن فرغ چيسي من أمر سليمان، عاد إلى ديم الزبير، فنظم فيه مديرية وجعل ساتي بك مديرًا، والزبير ود الفحل وكيلًا له، ومحمود المحلاوي مفتشًا لمنع تجارة الرقيق، وقسم البلاد إلى ثمانية أقسام، وجعل في كل قسم منها نفرًا من الباشبوزق والبازنجي، وجعل في ديم الزبير أورطة جهادية، وقفل راجعًا إلى الخرطوم.

ثم نظم ساتي بك أورطة جديدة من أهالي البلاد، وجاء موسى بك شوقي قومندانًا للعساكر من الخرطوم، ومعه ستة عشر كاتبًا للقيام بأشغال المديرية، وبعد وصولهم بثلاثة أشهر حضر لپتون بك — وهو من البحَّارة الإنجليز — مديرًا على بحر الغزال، وقومندانًا للعساكر من قبل جوردون، وعاد موسى بك شوقي إلى الخرطوم، وبقي لپتون في بحر الغزال إلى أن قام المهدي، فاضطر إلى التسليم إلى أحد أنصاره.

أما چيسي باشا فقد اعترضه السد في الطريق، وهو راجع إلى الخرطوم، وفرغ منه الوقود والزاد، حتى أكل رجاله بعضهم بعضًا، وأشرفوا على الهلاك، وإذا بباخرة قاصدة خط الاستواء أقبلت عليه، فرجعت بهم إلى فاشودة، فسار چيسي منها بمن بقي من رجاله، وفيهم قناوي بك أبو عموري، إلى الخرطوم، وقام منها قاصدًا مصر عن طريق سواكن، فوافته المنية في السويس في ٣٠ أبريل سنة ١٨٨١.‏٢٧

أما مدُّ السكة الحديدية، فقد تكلمنا عنه في غير هذا المكان، على أن جوردون كان على رأي القائلين بمدها في طريق سواكن وبربر، لا في طريق النيل، والاكتفاء بمد فروع منها عند الشلالات؛ لأن النيل بين الشلالات صالح للملاحة، فلا يفتقر إلى سكة حديدية، ولكن (إسماعيل)، لعلمه أن الاكتفاء بمد سكة حديدية بين الخرطوم والبحر الأحمر إنما يحوِّل عن مصر تيار تجارة السودان، أبى إلا أن يمدها على النيل؛ لكيلا ينفصل جزء سلطنته الجنوبي عن جزئها الشمالي. فيا ليت ماليَّته مكَّنته من تنفيذ رغبته!

وأما تحديد التخوم بين السودان والحبشة فكان قد أصبح من أهم المشاغل والأمور، ولكن لا سبيل إلى إدراك أهميته إلا بعد الوقوف على مجاري الحوادث التي أدت إلى قيام مسألة ذلك التحديد. ولإيقاف قرائنًا عليها نقول:

تقدم أن الدولة العثمانية تنازلت لمصر عن سواكن ومصوَّع في سنة ١٨٦٦ مقابل زيادة في جزيتها السنوية، فمذ أصبحت مصوَّع بيد مصر أخذت تسعى في تأييد المواصلات بينها وبين كسلا، وأول ما فتق لها وصلُ هذين البلدين بخط حديدي يمر في (سنهيت) التي اعتبرها (إسماعيل) داخلة في فتح جدِّه لكسلا.

فعارضه الملك ثيودورس — نجاشي الحبشة — في ذلك، وزعم أن (سنهيت) ملك حبشي، ولكن ثيودورس هذا ما لبث أن جرَّ على نفسه حربًا مع الإنجليز، فطلب أعداؤه من (إسماعيل) أن يأذن لهم باجتياز بعض الأرض المصرية الواقعة على بحر القلزم، فلم يكتفِ (إسماعيل) بإجابتهم إلى ذلك، ولكنه، لاستيائه من ثيودورس، وضع الأسطول المصري كله الذي كان في البحر الأحمر تحت تصرفهم، وأرسل إلى مصوَّع وضواحيها زهاء ثلاثة آلاف عسكري، كانوا قد عادوا من الحملة الكريتية، وكلَّف حاكم مصوَّع بمساعدة الإنجليز في كل ما يرغبون.

فانتهت تلك الحرب بقتل ثيودورس، سنة ١٨٦٨، وصيرورة عرش الحبشة بعده إلى يوحنا، وكان هذا في بادئ أمره تلميذًا في دير، ولكنه ما لبث أن تركه وترأس منسرا، وأخذ يقطع الطرق، ثم اشتد ساعده، وزاد بطشه، وعلا نفوذه، حتى تمكَّن من تبوُّء كرسي الحكم في مقاطعة البحري، والتغلب على رئيس يقال له الرأس باريو، كان من أهم رءوس الجيوش. ولما قدم الإنجليز لحرب النجاشي ثيودورس ساعدهم يوحنا، وكان اسمه في ذلك الحين «الرأس قاسة»، مساعدة فعالة، فترك له اللورد نيبير أوڨ ماجدالا — بعد قهره النجاشي وقتله إياه — اثني عشر مدفعًا، وألفي بندقية، وميرة كثيرة ليتساعد بها على القيام في محل ثيودورس. وبعد انسحاب الجيش الإنجليزي تخلف عنده بريطاني يقال له چون تشارلز كركهام، وكان قد حارب في القرم والصين مع برجوڨاين، وورد، وجوردون، فعضده في التغلب على خصم له يدعى جوباسي، فعلت منزلته عنده. وبما أن يوحنا هذا لم يكن من آل بيت الملك أبى كثيرون من رؤساء الأحباش الاعتراف به، وأخذوا يناوئونه العداء، وأهمهم رأس قبيلة القالا، فانشغل في قتالهم دهرًا.

وكانت الجنود المصرية مذ بدأت بفتح أقاصي السودان قد توغلت في فتوحاتها على ما رأينا، حتى بلغت خط الاستواء، فوقع في خلد (إسماعيل) أن يجعل النيل كله مصريًّا؛ لاعتقاده تحقيق ذلك أمرًا حيويًّا لبلاده، فأخذ يعمل على الإحاطة بالحبشة من جميع الجهات لجعلها في معزلٍ عن الخارج، وخنقها بين حلقات ممتلكاته، في تداني هذه بعضها من بعض، لا سيما بعد أن تم له امتلاك السودان برمته؛ غربيه وشرقيه وجنوبيه. فسيَّر إلى جوف بلاد الحبشة — لمعرفة أحوالها، واستمالة بعض كبار رءوسها — رجلًا سويسريًّا يقال له متزنجر، كان قنصلًا لدولتي إنجلترا وفرنسا في مصوَّع، فتوغل هذا فيها، وغاب خبره حينًا، ثم عاد حاملًا شيئًا من محاصيل البلاد، وزيَّن للخديو التغلب عليها وامتلاكها، مغتنمًا لذلك فرصة قيام الفتنة بين أمرائها وملوكها، وضرب الخلل أطنابه في جوانبها، وأقسم له بأغلظ الأيمان إنه يملكها ويدوِّخها بنفر من العسكر المصري، وشيء يسير من النفقة.

فأعجب الخديو برأيه ومال إليه، وما زال متزنجر يتردد على الأبواب السَّنية حتى ولَّاه (إسماعيل) المحافظة على فرضة مصوَّع، مفتاح أرض الحبشة البحري، وحلَّاه برتبة الباكوية — وكانت رتبة سامية، ولم تزل كذلك، حتى جعلها الاتجار بالألقاب والنياشين، في عهد عباس الثاني، مبتذلة محقرة — فسار متزنجر إلى مقر وظيفته الجديدة — وهو مقره القديم — وأخذ يقرِّب إليه بعض مشايخ السواحل، ويستميلهم بالنقود والهدايا، ويدفع بهم إلى دس الدسائس وإيقاظ الفتن كلما نامت ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا.

فلما كانت سنة ١٨٧٢ اغتنم متزنجر فرصة ذهاب يوحنا إلى محاربة القالا في الجنوب، واستولى على (كرن) عاصمة البوغوس — واسمها الحبشي (سنهيت) — بألف وخمسمائة رجل، واستمال رأسًا يقال له النائب محمد، كان يكره يوحنا، فاشترى منه مقاطعة (آيلت) الواقعة بين الحماسين ومصوَّع، وأدخله تحت ولاء الخديو مقابل مرتب سنوي يدفع له.

ولم يكن يوحنا بغافل عن مساعي مصر ورغائبها، وكان يراها ترمي شباكها حوله بعين متخوفة وقلب مضطرب، فلما وجدها باحتلالها (سنهيت) ومشتراها (آيلت) تدنو من قلبه هبَّ منذعرًا، ووقع في خلده في بادئ الأمر أن يستظل في حماية الدول الغربية، بأن يمثِّل لها التقدم المصري في صورة غزو إسلامي لبلاد مسيحية، يستدعي أن تقابله المسيحية بصليبية جديدة، فأرسل صديقه چون تشارلز كركهام إلى الملكة ڨكتوريا وباقي عواهل أوروبا في تلك المهمة، ولكنه لم يجد من أحد منهم أذنًا صاغية، وعاد رسوله بخفي حنين؛ لأن أيام الصليبيات انقضت بدون أمل في رجوعها مطلقًا.

فعزم يوحنا على تولي أمر الدفاع عن نفسه بنفسه؛ لذلك قلَّد كركهام — ما دام حيًّا — رياسة مقاطعة من ضمنها (جندا)، الواقعة جنوب (آيلت)، وخليج أربى — وكان المصريون قد استولوا عليه أيضًا لفتح ثغر زولا — فرفع كركهام الراية الإنجليزية عليها؛ ليحميها من تعديات مصر حماية فعالة.

ولكنه حدث في سنة ١٨٧٤ أن الأمير أحمد، سلطان هرر — وهرر كانت سلطنة إسلامية مستقلة شرقي الحبشة، أسسها غزاة العرب بعد قيام الإسلام بقليل، وحكمتها أسرة من أهلها — مات وتولى السلطنة بعده الأمير محمد، وأن هذا السلطان الجديد استبد بالأهلين استبدادًا لم يعد لهم معه طاقة على حكمه، فاستنجدوا (بإسماعيل) وسألوه أن يرسل من قبله واليًا يتولاهم بدل سلطانهم، فأسرع (إسماعيل) إلى إجابة سؤالهم، وأخذ يسعى في شراء زيلع وبربرة، ميناءَي هرر، من الدولة العلية، وما لبث أن نجح في سعيه، وتنازل الباب العالي عنهما في يولية سنة ١٨٧٥ مقابل زيادة ١٣٣٦٥ جنيهًا على جزية مصر السنوية، فامتد سلطان مصر على ساحل القلزم الغربي عامة، من خليج السويس إلى تچوره، وتجاوزه إلى رأس جردافوي على المحيط الهندي، متناولًا بذلك ذات الأرض السومالية القصية.

وإنما رمى (إسماعيل) في هذا المشترى إلى غرضين: (الأول) إتمام تطويق بلاد الحبشة من كل جانب، حتى من حيث لم يكن ليخطر لأحد على بال؛ لينال منها ما يريد، و(الثاني) تحقيق تحويل مجرى تجارة النيل الأعلى والبلاد الواقعة على البحيرات إلى المحيط الهندي، تحويلًا يكون كله في مصلحة مصر.

ولكي تدل المظاهر دلالة واضحة على حقيقة النيات أوفد من جهته في السنة عينها بعثةً تحت رياسة ماكيلوپ باشا مدير المنارات المصرية، ومعه فديريجو باشا البحري، والضابطان وورد، ولونج، إلى نهر جوبا؛ ليفتح الطريق بين الهند وخط الاستواء، ورافقهم بسبعمائة أسرة سودانية موالية لتقيم على طول طريق الاتصال بين ينابيع النهر العظيم وسواحل المحيط الكبير، وجهز من جهة أخرى في سبتمبر من السنة نفسها حملة مؤلفة من خمسة أورط من المشاة المصريين، وبلوكين من الباشبوزق، وثلاثمائة جمل ومدفعين جبليين، وعدة سواريخ حربية، وعقد لواءها لرءوف باشا الذي كان حاكمًا على (جندوكورو) حينما وصلها جوردون أول مرة.

أما بعثة ماكيلوپ، فإنها نجحت فيما انتدبت لأجله نجاحًا بشَّر بقرب تحقيق الآمال المعقودة عليه، ولكن مصالح مصر هناك ما لبثت أن تضاربت مع مصالح الزنزبار، واصطدمت بالمصالح البريطانية في عدنه، فهبَّت إنجلترا إلى الممانعة والمعارضة، وانتهى الأمر بينها وبين الحكومة المصرية على أن بريطانيا تعترف بملكية الخديو لجميع البلاد الواقعة لغاية الدرجة العاشرة، وأن الحكومة المصرية تعتبر جميع الموانئ، ما عدا زيلع، حرة ومفتوحة الباب للاتجار.

وأما حملة رءوف باشا، فإنها احتلت مدينة هرر في ١١ أكتوبر سنة ١٨٧٥، وقبض قائدها على السلطان محمد وقتله خنقًا، وقتل معه خمسة وعشرين شيخًا من الزعماء؛ ليأمن كل اضطراب في المستقبل، ورفع العلم المصري في سماء تلك الأصقاع السحيقة.٢٨ وقد استمرت مصر قابضة على زمام الأحكام في تلك البلاد إلى أن كانت الثورة المهدية، ولم يعد في الاستطاعة إبقاء الجنود المصرية فيها، فأخلتها لأهلها في مارس سنة ١٨٨٤، فآلت إلى الأحباش في عهد الملك منليك.

فزاد انتقال ملكية زيلع وبربرة إلى الخديوية المصرية، واحتلال الجنود المصرية هرر، في مضايقة النجاشي يوحنا ومخاوفه؛ لأنه أصبح يلمس بيده التهديد الصادر عن مصر، ويراه يتناول جهات متعددة حوله.

ولم يكن القوم في العاصمة المصرية، لا سيما المحيطون بالخديو، يخفون مقاصدهم، بل كانوا يجاهرون بها على رءوس الأشهاد، فيتتبعون سير الفتوحات المصرية في الجنوب والغرب والشرق، ويقولون بأعين تتألق فيها نيران الآمال والمطامع: «إن الأمور سائرة على ما يرام، وقد حان وقت الإقدام والعمل، أَمَا وقد اشترينا زيلع واحتللنا هرر، فإن اكتساح الحبشة بات أمرًا لازمًا ولم يعد منه مناص.»

غير أن الأمريكان ما فتئوا يشيرون بالامتناع عن مناوأة الحبشة العداء، والحرص من الاشتباك معها في حرب؛ إما لأنهم لم يكونوا يرون بعين الارتياح حلول الهلال الإسلامي، ولو كان بشير التمدين والعمران، محل الصليب المسيحي، ولو استظل تحت جناحيه التأخر والهمجية، وإما لأنهم كانوا يعتقدون أن مصر عاجزة عن فتح الحبشة، ويعتبرون أن اكتساح قوة مصرية لتلك المملكة ضرب من المحال، وإما لأنهم كانوا يتوقعون أن تؤدي الحرب بين الدولتين الإسلامية والمسيحية إلى تداخل دولة مسيحية غربية — كإنجلترا مثلًا — في الأمر تداخلًا تكون عاقبته انخذال مصر.

ولكن الراغبين في تلك الحرب من رجال الحزب العسكري المحيطين بالخديو، كانوا يسفِّهون آراءهم هذه، لا سيما الأخير منها، ويقولون بحق: «إن الدول الغربية اليوم إنما هي في جانب التمدين، لا في جانب التدين، فلا يهمها إسلام أو مسيحية، وإنما يهمها أن يسود العمران المعمور، وتنتشر المدنية بنعمها الشتى فوق ربوع العالم.»

وكانت الأخبار التي تذاع يوميًّا، تارة عن تعمير مراكب وتجهيزها في مرافئ القلزم، وطورًا عن فتح دارفور ورفع الأعلام المصرية على ضفاف نهري السوبط والنيل الأزرق، أو في سماء خط الاستواء، وعلى سواحل المحيط الهندي — تزيد في حماسة القلوب والتهاب الأرواح، وتحمل على توقُّع إجراء تطلبه النفوس.

وإن القوم لكذلك، وإذا بنبأ ذاع في الأندية الخاصة بأن الأميرالاي أرندروپ والقائمقام درهلز أقبلا يشتريان جزمًا طويلة وزمزميات وأشياء أخرى من التي يُحتاج إليها في الحملات البعيدة، وما هما إلا يومان وفشا خبر سفر أرندروپ ودرهلز، ومعهما القائمقام رشدي ابن مدير أسوان التركي، واقتفاء الميجور دنيسون الأمريكي أثرهما ليلًا.

وكان أرندروپ ملازمًا في المدفعية الدانماركية، جاء إلى مصر طلبًا للصحة والعافية، فتعرَّف به الجنرال ستون الأمريكاني، وأعجب بأخلاقه وشمائله، فحمله الخديو على استخدامه في جيشه في وظيفة نائب أميرالاي، وما لبث أن رقِّي إلى رتبة أميرالاي، وعُهدت إليه قيادة الحملة التي أُعدت، فانضم إليه فيها الكونت زيشي النمساوي — وكان قد نوى تعيينه حاكمًا على أحد الأقاليم المنتظر فتحها — وأراكيل نوبار ابن أخي نوبار باشا — وكان في السابق محافظ مصوَّع، وطالما فكَّر في نيل فخار الفتح ومجده، ومنى نفسه بأكاليل الانتصار، أسوة بأبطال الأزمنة اليونانية، والرومانية القديمة، فكان من أكبر أنصار الحملة وأنشط العاملين على بعثها، بل كان هو الذي شكلها بأمانيه وأحلامه.

ولكي يختلط الأمر على النجاشي، أرسل أرندروپ إليه كتابًا في ١٩ أكتوبر سنة ١٨٧٥يهدئ خاطره، ويسكن مخاوفه، ويفهمه أن غرض حملته إنما هو تحديد التخوم بين الدولتين، لا التعدي والامتلاك، وكان يوحنا قد استولى على الحماسِين، وأقام فيها قوة للمحافظة عليها، فانسحبت في أوائل أكتوبر حالما سمعت بمجيء أرندروپ، ولجأت إلى داخلية البلاد، تاركة فرقة فقط للمراقبة.

ومع أنه لم يصل أرندروپ مددٌ — بالرغم من أنه كان ينتظره — لكي يزحف إلى الأمام، فقد سار هذا الضابط بجيشه الصغير نحو (أسمرة) و(جودوفولاسي) و(عدى حواله)، وإذ لم يجد إلا مقاومة ضعيفة من الفرقة الحبشية المتروكة للمراقبة عند مقاطعة الحماسين، اتخذ (عدوة)، إحدى عواصم يوحنا، وجهةً لسيره، وانطلق يجدُّ نحوها غير مبالٍ بالأخطار، وغيرَ عاملٍ أدنى حسابٍ لقوى خصمه، بالرغم من أنه كان يجدر به أن يتيقظ ويحتاط.

فإن الأسلحة النارية من جهة لم تكن تعوز الأحباش؛ لأنه علاوة على ما ترك لهم منها اللورد ناپيير، وما سبق إدخاله منها بكثرة إلى بلادهم بواسطة زوجة متزنجر الحبشية، أيام أن كان زوجها قنصلًا لإنجلترا وفرنسا في مصوَّع، فإن الحكومة الفرنساوية، في خريف هذه السنة ١٨٧٥، أهدت إلى النجاشي عدة أسلحة نارية مختلفة، وأوصلها إليه في (عدوة) المسيو دي سارزاك، القنصل الفرنساوي بمصوع، الذي اجتاز للقيام بمهمته هذه صفوف أرندروپ نفسها دون أن تستطيع تلك الصفوف، بسبب صفته الرسمية، أن توقفه وتستولي على الهدية، مع أنه كان يحق لأرندروپ أن يعتبرها صادرة عن نية عدائية ورامية إلى تعضيد الحبشان على مصر، فيصادرها، أو على الأقل يؤجل وصولها إلى المرسلة إليه حتى تضع الحرب ضده أوزارها. ومن جهة أخرى، فإن صحافيَّيْن إنجليزيَّيْن كانا قد رافقا حملته مذ أوغلت في بلاد الأعداء، وخدماه بضع خِدَم أثابهما عليها بمبلغ ٢٠٠ ريال، اختفيا بغتة في جهة الأحباش دون أن يعلم بتأكيد: أفعلا ذلك من باب الخيانة، وليطلعا النجاشي على تصميمات الحملة المصرية، أم وقعا بالرغم منهما في الأسر؟٢٩

مهما يكن من الأمر، فإن يوحنا علم في ٢١ أكتوبر بزحف المصريين نحو (أسمرة)، فاستنفر في الحال عموم المقاتلين من رعاياه في سائر أنحاء مملكته، فتقاطروا إليه أفواجًا أفواجًا.

فسار من (عدوة) في ٣٠ أكتوبر إلى مقابلة عدوِّه بجيش يعد بعشرات الآلاف، وكان أرندروپ قد تقدَّم نحو بلدة يقال لها (تزاتزيجا) حيث انضم إليه ألف سوداني من حامية (سنهيت) وحيث حشد قواه، فإذا بها تبلغ ألفين وخمسمائة جندي مسلحين ببنادق رمنجتن، وبطاريتين من المدافع الجبلية، وست بطاريات سواريخ، وجماعة من الخيالة، فسار بها إلى (ديباروا) و(عدَّى ماچنتا) و(جودوفولاسي)، وهاجم نقطة جيش بالقرب من (ماچنتا) ليلًا، فانهزمت، ولم يُجرح من المصريين سوى اثنين. ولما كانت جبال الأسمرة وعرة، وتسيير المؤن فيها عسيرًا، اختير للسير بعد ذلك طريق (قياخور) و(جودوفولاسي)، فأقيم القائمقام رائف بك في ممر قياخور بأربع جماعات من البيادة، ومدفعين جبليين، وضم إليه الضابط درهلز بجماعتين من البيادة، ومدفعي ساروخ، ولكن هذا الضابط سار بعد ذلك إلى مركز في الأمام يقال له (تزاناتجلي)، وأقام في (ساجاينت) على مسيرة يومين جنوب (قياخور).

أما أرندروپ فتحصَّن في (جودوفولاسي)، وسيَّر الكونت زيخي بست جماعات من السود، ومدفعين وساروخين للاستطلاع، فتقدَّم الكونت في جهة (عدَّى حواله) على بعد عشر ساعات من (عدوة)، رائدًا مستكشفًا، فتأكد من قيام يوحنا بجيشه من عاصمته، وسيَّره إلى الحرب، فأخبر بذلك أرندروپ.

فزحف هذا بكل قوته إلى (عدى حواله)، وبلغها في ٥ نوفمبر، فوجد زيخي مقيمًا على بعد ثلاثة أميال إلى الأمام في وادي قوندت بجماعتين من السود تحت قيادة الميجور إجلير، بالقرب من نهر يقال له المأرب، ولكن النقطة التي اختارها لكمينه لم تعجب الضابط دنيون، وعدَّها معرضة لأخطار جسيمة، فخالفه أرندروپ في رأيه، ووافق على بقاء زيخي فيها، ثم استدعى النائب (محمد)، وأرسله في ٦ نوفمبر إلى الملك لفتح باب مخابرات معه.

فرأى الرجل أن يتجاوز التعليمات التي أُعطيت إليه، فيخدع يوحنا، ويدخل في خدمته، ويسرق أسرار حركاته وسكناته، ويرافقه إلى قتال المصريين، ثم يتخلى عنه في الساعة المناسبة تخليًا ينجم عنه سحقه. فبرز أمامه بلباس عسكري مصري، وادَّعى أنه أهين وامتُهن، فغضب وخرج للانضمام إلى بني جنسه تحت راية ملكه؛ لكي يكفِّر، وهو يقاتل إلى جانبه، عن الذنب الذي ارتكبه في انضمامه إلى أعدائه.

فلم تنطلِ الحيلة على النجاشي، وأمر بالنائب ومن معه، فكُبلوا بالحديد، وزُجوا في أعماق السجون.

ولما استبطأ أرندروپ عودتهم، اختلف بين أن يظن فيهم شرًّا، أو يعتقد وقوعهم في مكروه، فأقبل يبثُّ الرواد لاستطلاع الأخبار، وبعث يستدعي مؤخرته من (جودوفولاسي).

هذا ويوحنا يمكر به ويخدعه، فيتقدَّم تارة ثم يختفي، ثم يظهر فجأة، ولا يلبث أن يعود إلى الاختفاء؛ لإطماع عدوِّه في نفسه، حتى انطلت حيلته على المتحمسين في الجيش المصري، فأشاروا على أرندروپ أن يتخلى عن خطة الحرص الزائد، ويتدرَّع بالجسارة اللازمة، ويسير هو إلى ملاقاة الخصم المحجم عن التقدم، فانقاد أرندروپ إلى تحريضاتهم، وترك أعالي (عدى حواله) المنيعة، ونزل إلى (قوندت) مجتهدًا في التقدم سرًّا، ليسبق الملك القادم في وادي مأرب، ويباغته.

وحدث أن فرقة حبشية من مقدمة النجاشي كانت قد اقتربت من (قوندت) بنيَّة الاستيلاء عليها، فاعترى أهلها الرعب، وطلبوا حماية الجيش المصري، فأسرع المصريون إلى حمايتهم، وانقضُّوا على رجال تلك الفرقة وأثخنوا فيهم، فجرحوا عدَّةً، وقتلوا آخرين، وتناول جنود من جماعات السود قتيلًا، فمثلوا به وخصوه، طبقًا لعاداتهم المتبعة في حروبهم مع الحبشان، فاستشاط أرندروپ غضبًا، واتخذ إجراءات صارمة لمنع العود إلى تلك الفظاعة.

ولكن المناوشة التي وقعت بين رجاله ورجال متقدمة النجاشي فتحت عينيه إلى خطورة مركزه وضعفه، فخاف على قوة زيخي — الواقفة على انفراد بعيدًا — أن يتمكن العدو من قطعها عنه، والعمل على إفنائها قبل تمكُّنه من إنجادها، فأرسل في ١٤ نوفمبر القائمقام رشدي مع نصف جماعة إلى جنوب (عدى حواله) لحماية الطريق الموصلة إلى الهضبة التي تخلَّى عنها، وأرسل دنيسون بقوة مثلها لحماية الجانب الثاني، ونزل هو على رأس أربع جماعات بمدفعين جبليين لينضم إلى زيخي في الوادي.

فلما جنَّ الليل، وصل جيش يوحنا، واحتشد على ضفة المأرب اليسرى، وسطعت أنوار معسكره على مسافة أميال عديدة في وسط الظلام الحالك المحيط.

وقضى القائدان ليلتهما في استعداد للهجوم صباحًا، فأرسل أرندروپ أمرًا مشددًا إلى روشتان بك في (عدى حواله) بأن يتقدم عند طلوع النهار بخمس جماعات ومدفعين جبليين وساروخين والأثقال إلى (قوندت)، وأن يعسكر هناك، وأمر دنيسون ورشدي بالرجوع أيضًا إلى (عدى حواله) في الفجر، وأن يستلم دنيسون القيادة العامة هناك، ويقيم في انتظار الأوامر، وبعد أن ترك جماعة في (قوندت) لحفظها، ريثما تصلها جنود روشتان بك، وأقام جماعة أخرى للمحافظة على الممر بين الجبال، ومنع العدو من مؤخرته، سار بثماني جماعات من البيادة، وأربعة مدافع جبلية وساروخين، ليباغت الملك في معسكره.

ولكن يوحنا لم يكن بالرجل الذي يؤخذ على غرة، فإن حياته وهو لص وقاطع طريق كانت قد علَّمته دوام اليقظة، وكانت الطبيعة من جهة أخرى خصته بمواهب حربية نسبية، جعلته عدوًّا مهيبًا، فكأنه أدرك ما وقع في خلد أرندروپ من أمر مباغتته، فحرك جيشه من مكانه، وانثنى به إلى موقع وافق من نفسه هوى؛ لأنه كان يقصد هو أيضًا أن يباغت عدوه.

وفي الواقع، فإن الجيشين بعد مسير ساعة أو ساعتين تلاحما فجأة على ضفاف المأرب، وتهاجما في بادئ الأمر، بعجة غير نظامية، وكانت المدفعية معتمد أرندروپ في عشمه بالفوز، فتمكنت من اتخاذ موقفها، ولكن طبيعة المكان الذي اختاره النجاشي للقتال حصرت مدى نيرانها، وجعلتها عديمة الجدوى. أضف إلى ذلك أن البيادة المصرية، ولو أنها أطلقت نيران بنادقها في الخلاء المفتوح، ففتكت بالأعداء في بادئ الهجوم فتكًا ذريعًا، إلا أنها لم تعرف كيف تنتفع من مواقع الأماكن، ولا كيف تستخدم ضفة النهر استخدامًا مجديًا نفعًا، فزحف الأحباش على رجال السلاحين، وسيوفهم مشهرة، وهم ألف على كل عشرة مصريين، وانقلبوا عليهم من كل جانب، وضغطوا عليهم بين صفوفهم المتتابعة ضغطًا شديدًا، فما هي إلا نصف ساعة حتى قتلوهم إلى آخر واحد منهم، دون أن يوقف الأيدي المرفوعة — للفتك والجزر — تضرعٌ أو استرحامٌ من واقف أو جاثٍ على ركبتيه.

مسكينة تلك القوة! هذا الموت الفظيع كان مقدورًا لها، ومن لم يمت منها بالرصاص مات بالسيف، ومن لم يمت بالرمح مات بالنبوت! وخصى الأحباش بعد ذلك الجثث، ليحمل كل فائز من أولئك الهمجيين ما يستطيع من مخاصي أعدائه، فيعلِّقها على باب بيته دلالة على انتصاره، وعلامة على الفخر الذي أحرزه بقتل رجال الأعداء، وهذه هي عادتهم منذ زمان بعيد، كما كانت عادة هنود أمريكا الحمر أن يعلقوا على أبواب أكواخهم جلود رءوس أعدائهم المسلوخة عن جماجمهم بشعرها!

وبينما جمهور قوات النجاشي يقضي هذا القضاء المبرم على أرندروپ ومن معه، اندفعت فرقة حبشية أخرى لمهاجمة جنود روشتان بك؛ لأن هذه — وقد سمعت ضوضاء القتال وضجته — كانت قد أسرعت إلى نجدة رفاقها، ونزلت من الجبل بجلبة وضوضاء، مختلطة الحابل بالنابل، جمالًا وخيلًا ورجالًا، وانتشرت بياده ومدفعية وحيوانات أثقال، من (عدى حواله) إلى (قوندت)، فداهمها الأحباش فجأة.

ولكنها لم تنذعر، واستفاد روشتان بك من المنحدر الذي كان وراءه ليجمع شمل قواه بسرعة حوله، واختار لمدفعيته موقعًا مشرفًا على ميدان القتال بأسره، فدارت المعركة بين الطرفين بحدَّة، وتراوحت النتيجة بينهما برهة.

غير أن باقي قوى الملك ما لبثت أن فرغت من مجزرة أرندروپ، وتحولت هادرة، كمياه غدير متدفق، إلى مقاتلة جنود روشتان بك، فطوَّقها من كل جهة، من الجبهة والجانبين والخلف، واندفعت عليها، والألوف فيها تزاحم الألوف، فما هي إلا ساعة حتى داستها دوسًا وهرستها هرسًا، جاعلة إياها كومًا واحدًا لا يعرف أحد فيه، كوم لحم بشري دامٍ!

على أن قُوَّادَها لم يروا هذا المنظر الفظيع؛ فروشتان بك أصيب في أول القتال بجرح في رأسه، فربطه بمنديل واستمر يشجع رجاله ويقاتل قتال الأبطال حتى أصيب برصاصة أخرى، فلم يغادر مكانه، وبينما هو يلفظ نفسه الأخير بزفير، أمر جنوده بالحمل على العدو برءوس الحراب وصدِّها، فمات وجنده يأتمر بأمره، ويحمل حملة عنيفة.

وأراكيل بك نوبار جُرح جرحًا خطيرًا في مبدأ التلاحم، فلم يثبِّط الدم السائل منه بغزارة همَّته، وما انفك يقاتل كليثٍ، حتى تيقَّن أن الآمال كلها ضاعت، فتسلق صخرة عالية، وشرب جرعة، ثم أطلق مسدسه على نفسه، وخَرَّ قتيلًا.

ويروى عن أرندروپ، لما أحاط به الأعداء، أنه فرَّغ أولًا مسدسه على أقربهم إليه، ثم امتشق حسامه، وقاتل قتالًا مروعًا، حتى جدَّل على كوم من حبشان، قطع صارمه أعمارهم، فسقط معه ثمانمائة رجل، وسقط ألف مع روشتان بك، ووقعت المدفعية والأسلحة برمتها في أيدي الأحباش، وسبعون ألف ريال، وكلُّ من لم يُقتل — وكانوا قليلين — من ضمنهم ثلاثون أسود، صرخوا مذ أحاط بهم الأعداء «ماريكوني»؛ أي خذوني، فنجوا بذلك من الموت والخصي معًا.

وإزاء هذه الخسائر المصرية الفادحة لم يفقد الأحباش سوى ٣٥٠ رجلًا بين جريح وقتيل!

أما رشدي ودنيسون فإنهما — امتثالًا للأوامر الصادرة إليهما — كانا قد أقاما على قمة الجبل (بعدى حواله) يترقبان، فأتاهما في صباح المعركتين حبشي مصادق، وأخبرهما بانتشاب القتال، فأرسلا يستطلعان، وإذا بعسكري مصري فاز بنفسه من القوتين المسحوقتين أتى وأخبرهما بما حصل، فأخذا يستعدَّان للقتال، وتحصنا بسور بنوه بسرعة، فظهر العدو أمامهما بقوة، مرتين أو ثلاث مرات في ذلك النهار المشئوم، دون أن يشتبك معهما في حرب، فما زادهما ذلك إلا حماسة في استعدادهما وعزمهما. وإنهما لكذلك، وإذا بعسكري ممن مُثِّل بهم وأمكنهم الفرار قد أتى في حال يرثى لها، ثم أعقبه آخرون، فأخبروا بالكارثة المخيفة والمصيبة الجلَّى، وألقوا الفزع في قلوب الجنود، ففَرِقوا على أنفسهم، وسُقِطوا في أيديهم، ولولا عزم القائدين وحزمهما لفروا هاربين، ولكن دنيسون ورشدي قوَّيا عزائمهم وحملاهم على التترس والتحصن، وما وافى الليل إلا وأتاهم الجند الذي كان وضعه أرندروپ، المنكود الحظ، على جبل قوندت، وكانوا قد رأوا المعركتين والكيفية الدموية التي انتهيتا إليه، فأسرعوا للانضمام إلى قوة دنيسون الوحيدة الباقية.

فلما بزغ الصباح علت تهاليل الأحباش بالفوز الذي أوتوه، فكانت كأنها زئير أسودٍ عاجَّة، وشابهت ما انشق عن صدورهم منها في هجماتهم القتالية في اليوم البارح، وكانت زمرة آتية من (قياخور) بمؤن للجيش، فخاف سائقو القطعان فيها، وهربوا، ولم يبلغ (عدى حواله) سوى نصف القادمين.

ثم تعاقبت الأخبار على دنيسون مضطربة، مزعجة، فعزم على التقدم بقوة إلى شفا الجرف ليتحقق صحتها بنفسه؛ لذلك أمر جماعتين ومدفعين بالسير إلى الأمام، فرفض الجند الطاعة من شدة خوفهم، وإذا بطلبٍ من الملك يوحنا وصل إلى دنيسون يسأله التسليم بمن معه، وإذا بألفي حبشي أو ثلاثة آلاف ظهروا وراء القوة المصرية، مهدِّدين مواصلاتها، ليعززوا طلب ملكهم. وكان نص هذا الطلب كالآتي: «إذا سلَّمتم أوصلتكم إلى حدودكم بأمان، إلا إذا فضلتم البقاء في بلادي.»

فأجاب دنيسون: «إن التسليم غير ممكن، إلا إذا وافق عليه القائد المصري الغائب في (آسا)، وإني لمبلغه طلب الملك في الحال.» وإنما أجاب بذلك ليكسب وقتًا.

وكان يوحنا قد عهد إلى دجاش هاتلو، حاكم الحماسين، وجنوده، في مهمة القضاء على القوة المصرية المعسكرة في (عدى حواله)، ولكنه بعد فوزه على أرندروپ، اتضح له من الأوراق التي استولى عليها أن دجاش هاتلو خائن اتفق عليه مع أعدائه، فحبسه، فأدى ذلك إلى امتناع جنود حاكم الحماسين عن القتال، واستراحتهم على أسلحتهم أربعًا وعشرين ساعة.

فاستفادت القوة المصرية المعسكرة في (عدى حوالة) من هذه الفرصة غير المنتظرة، وأخذت تنسحب من مراكزها انسحابًا في منتهى الصعوبة في طرق وعرة شائكة، وليس مع كل جندي من جنودها سوى بقسماطتين أو ثلاث بقسماطات، فمرت بجودوفولاسي، والرعب يملؤها، وهي تتوقع هجوم الأعداء عليها في كل وقت، ولولا أن رشدي ودنيسون هدَّدا بمسدساتهما الجنود لفروا ذعرًا.

ومع ذلك فإن الأحباش — وكانوا يتعقبونهم من كثب — أسروا سبعة وستين متأخرًا منهم قبل وصول القوة إلى (قرع) و(قياخور)، ولكن هذه القوة تمكنت في ١٨ نوفمبر من البلوغ إلى ممر قياخور، بعد تكبد مشقات لا تحصى، ومتاعب لا توصف، فانضمت هناك إلى قوى رائف بك، واستلم هذا الضابط القيادة العامة، فأشار دنيسون عليه بوجوب إخطار الميچور درهلز بساجانييت بضرورة انضمامه إليه وانتظاره في مكانه، فأبى، فطلب دنيسون منه أن يخطره على الأقل بنكبة أرندروپ؛ ليكون على حذر ويتخذ الاحتياطات اللازمة لنجاته، فأجابه إلى ذلك، وأصدر أمره إلى درهلز بالانسحاب إلى مصوع.

وكان درهلز قد سمع بما أصاب القائد العام، فارتد إلى مصوع عن طريق (عدى رسو) و(أركيكو)، وأصبح في مأمن من الطوارئ.

واستمر رائف على الانسحاب، ولكن جيشه تاه في سهل (حاله)، وضل الجنود طريقهم بين التلال، وأنهكهم التعب، وإنهم لفي حالة خور نفوس، وإذا بصيحة راعٍ علت في الفضاء المحيط، فظنوها صيحة الأحباش، واعتقدوا أن هؤلاء الأعداء المهيبين أوشكوا أن ينقضوا عليهم، فاعتراهم رعب طائش، فألقوا بسلاحهم وملابسهم، والتمسوا الحياة من الفرار.

ولكن الضباط تمكنوا في الليل من جمعهم والسير بهم إلى (عدى رسو) باجتياز جبل بمبا، وبعد قطع مسافة مائة وخمسة عشر ميلًا، هناك اطمأن الجند وناموا، ثم ساروا إلى (نيغص) فناموا فيها، وفي صباح اليوم الثاني ساروا إلى مصوع، وكان رشدي ودنيسون، بعد ما تأكدا من زوال كل خطر، قد سبقاهم إليها؛ ليخطرا العاصمة المصرية بما حدث.

أما النجاشي، فإنه سار في ١٧ نوفمبر إلى (عدى حواله) حيث كانت معسكرة القوة المنسحبة، فإذا بتلك البلدة قد احترقت عن آخرها دون أن يُعلم من أحرقها، وبينما هو مقيم فيها، يستمري لذة نصره، أتاه خبر القضاء على متزنجر وقوته، ونبأ فشل الحملة التي زحفت من (المتمة) إلى الحدود الحبشية، فزاد بذلك سروره. أما متزنجر بك، فإنه كان يتوقع تعيينه هو نفسه قائدًا للحملة التي وُضعت تحت قيادة الأميرالاي أرندروپ؛ لأنه كان يعتبر ذاته أكفأ الناس للقيام بالمهمة المعهود بها إلى ذلك الدانمركي: (أولًا) لوقوفه أكثر من غيره على أحوال الحبشة ودخائلها. (ثانيًا) لسابقة خدماته في ذلك الميدان. فلما خابت آماله، وعقد لواء الحملة لأرندروپ، أخذ يفكر في عمل يعمله من تلقاء نفسه، يعود بالفخر العظيم عليه، ويعلي منزلته علوًّا كبيرًا في عينَي الخديو، فجمع زمرة من الأتباع والموالين له، واستأجر الأدلاء والخبراء من الحبشان أنفسهم، ونزل في خليج أنثلا، ودخل الحبشة أثناء تقدم حملة أرندروپ، وغرضه البلوغ إلى سهول الملح، أو مضيق صنافة، فلازم الأدلاء ركابه خديعة منهم ومكرًا، حتى قادوه إلى شواطئ بحيرة يقال لها «أدسه» في بلاد قوم يدعون «التلتلز». فنصب التعس هناك خيامه، ولما جنَّ الليل أوقد أتباعه النيران للاصطلاء والطبخ، واستعدوا للمبيت، وكان سيدهم قد اصطحب معه في حملته هذه المشئومة امرأته الحبشية، وأولاده وبناته، وجملة من الخدم والحواشي، كأنه ذاهب بهم إلى عرس أو وليمة أعدت لهم على الرحب والسعة، لا داخل في بلاد أعداء يعد ملكهم أنه أهين في كرامته، وامتهن في حقوقه! فأكلوا وناموا والطمأنينة في قلوبهم، والأماني ترقص في أحلامهم.

وإذا بجماعة من الأحباش دبوا إلى مخيمهم في منتصف الليل، وأعملوا السيوف فيهم، فهبوا من نومهم مذعورين، وأرادوا الدفاع عن أنفسهم فلم يمكنهم الخوف من ذلك، فأثخن الحبشان فيهم قتلًا وطعنًا حتى أفنوهم أو كادوا، ودخلوا على متزنجر في سرادقه، كأنهم شياطين الجحيم في ذلك الليل البهيم، فذبحوه مع امرأته وبناته وأولاده ذبح الخرفان، وذبحوا جميع حاشيته وأتباعه، وأخذوا كل ما وجدوه من سلاح ومؤن وذخيرة وخيام ودواب.

وأما الحملة من (المتمة) فإنها تألَّفت من ست جماعات مصرية، قامت إلى التخوم الحبشية الشمالية الغربية في غضون سير حملة أرندروپ إلى حدودها الشمالية الشرقية؛ لتحويل جانب من قوة النجاشي إليها، وتمكين أرندروپ من القيام بمهمته، ولكن قوة الأحباش كانت أكبر من أن تجزئها قوة صغيرة كهذه، فصدَّ يوحنا حملة (المتمة) وهو يدير رحى القتال في (قوندت).

وكانت العاصمة المصرية، منذ أن فشت فيها أخبار الحملات على الحبشة، باتت شائقة للوقوف على تفاصيل حركاتها، ومتوقعة أن يكون النصر قرينها، بذات السهولة التي اقترن بها في الحملات السودانية. وبما أن الألسنة تذيع عادة الأنباء التي ترتاح إليها القلوب، فإن الإشاعات عن نصر ساحق أحرزته حملة أرندروپ طفقت تنتشر أولًا في الأوساط الرسمية، فتثير شعور فرح أو شعور حسد حسبما كانت الأذن السامعة أذن صديق أم أذن حسود، ثم انتشرت في الأندية والمجتمعات عينها، وأبهجتها.

ولكن الأنباء الصحيحة ما لبثت أن وردت، فقلبت شعور الفرح إلى شعور كدر وغم، وشعور الحسد إلى شعور شماتة وتهكم. على أن الدوائر الرسمية أظهرت رغبتها في التكتم وإخفاء الحقائق؛ لأن النكبة كانت من شأنها أن تنفِّر النفوس الغربية من الحكومة المصرية سياسيًّا وماليًّا، فأيام الشدائد المالية كانت أخذت تطل من الآفاق، وحوادث الصعوبات مع فرنسا بشأن الإصلاح القضائي، كانت قائمة على قدمٍ وساق، تزداد تعقدًا كلما اجتهد في الوصول إلى حلها.

وغلبت على تلك الدوائر الفكرة بوجوب المبادرة إلى تجهيز حملة أخرى، تحاط جميع مسببات الفوز وتسييرها في الحال للاقتصاص من الأحباش، والانتقام لمجد مصر المهين، بحيث تبلغ الغرب في آنٍ واحد أنباء كسرة أرندروپ، وأنباء فوز الحملة المرسلة للثأر لها فوزًا ساحقًا، فتستمر الثقة بمصر تامة، بل تزداد رسوخًا.

فعبئت أربعة آلايات من البيادة؛ أي ٩٦٠٠ عسكري، وآلاي من السواري؛ أي ٨٠٠ فارس، وخمس فرق من الفارين، وبطاريتا ميدان؛ إحداهما من نحاس، والأخرى من صلب، وكلٌّ منهما مركَّبة من ست قطع، وبطاريتا جبل، وبطارية ساروخ، يجرُّها جميعها ٣٣٤ بغلًا، ويقوم بخدمتها ٤٧٤ مدفعيًّا بضباطهم وعددهم أربعة وعشرون. وأضيف إلى هذه القوة آلاي بيادة من السود، وهيئة أركان حرب مؤلفة من رئيس وأمير لواء وثلاثة أمراء آلاي وستة قائمي مقام ويوزباشيين وثلاثة ملازمين أول وعشرين ملازم ثانٍ وأربعة عشر عسكريًّا، فبلغ مجموع الحملة: ١١١٢٠ عسكريًّا، و١٠٥٨ حصانًا، و١٢٠٤ بغال، وحسب أنه بانضمامه إلى بقايا حملة أرندروپ يتكوَّن منه جيش قدره ١٢٠٠٠، ولم تكن بالقوة التي يستهان بها، على شرط عقد لوائها إلى رجل ذي كفاءة تامة، ولكن الصعوبة كلها كانت في اختيار ذلك الرجل وتعيينه؛ فالخديو — لعلمه بأن ليس بين كبار ضباطه من أتراك وشراكسة من يصلح للقيادة العامة، ولعدم وجود ضباط مصريين في هيئة العسكرية العليا — كان ميالًا إلى عقد لواء الحملة لضابط من كبار ضباط الأمريكان، المتكونة منهم هيئة أركان حرب الجيش: كالجنرال ستون، أو الجنرال لورنج؛ لوثوقه الكلي بهم، وركونه إلى جدارتهم. وكان يعضده في ميله هذا، ويقوي عزمه عليه، الرجال — وعلى رأسهم نوبار باشا، وزير الخارجية في تلك السنة — الراغبون في الفرنج، المقتنعون بوجوب استخدام معارفهم ومعلوماتهم وكفاءتهم، العاملون على بثهم في جميع المصالح لكي ينظموها من جهة، ويعلموا المصريين من جهة أخرى كيف يستغنون عنهم في القريب العاجل.

غير أنه كان هناك حزب آخر — وعلى رأسه شريف باشا وإسماعيل صديق باشا — يكره الفرنج ويمقتهم، ويستنكر وجودهم في مصالح البلاد، واشتراكهم في شئونها، ويبذل جهده في إقصائهم، وإبعاد أيديهم عن الأعمال التي استقدموا للقيام بها، ولولا أنه كان منقسمًا على ذاته إلى قسمين: «التركي»، وزعيمه شريف باشا، و«المصري»، وزعيمه إسماعيل صديق باشا، وأن التركي نفسه كان منقسمًا إلى قسمين: «الشركسي»، و«التركي»، وكل من القسمين يكره الآخر، ويدس له الدسائس، بينما الشراكسة لا يقبلون الأتراك، والأتراك يمجون الشراكسة — لمَّا جعل للرجال الراغبين في استخدام الفرنج مركزًا، ولا أبقى لهم مكانًا.

ذلك الحزب المعادي للغربيين ما فتئ يقبِّح (لإسماعيل) تعيين أمريكي على رأس الحملة المعدَّة، ويتخذ من الكارثة التي محقت أرندروپ حُجَّة لتسفيه آراء القائلين بعدم استغناء الحال عن الفرنج، ومرغِّبًا لتعيين ضابط شرقي هذه الدفعة، ولو من قبيل الاختبار والتجربة، ليقود أعلام مصر الإسلامية إلى الأخذ بالثأر من الحبشة المسيحية، للمصريين الذين قتلوا في (قوندت)، حتى تغلَّب رجاله على جهود خصومهم، وميول (إسماعيل) عينها، وحملوا الخديو على تسليم لواء الحملة إلى السردار راتب باشا.

وراتب هذا شركسي من أنسباء شريف باشا، والمعروف عنه أنه أبيُّ النفس، شجاع، لا يحتمل التصغير، ولا يهاب الموت، ويُروى — لتأييد ذلك عنه — أن (محمد سعيد باشا) — وقد كان راتب مملوكه، وهو الذي رباه في كنفه، وأرسله على نفقته الخاصة إلى فرنسا ليتعلم في مدارسها الحربية — غضب عليه ذات يوم، وهو أميرالاي، فاستدعاه إليه، وبعد أن أشبعه لومًا وتأنيبًا وزجرًا اندفع في تيار سخطه عليه إلى حد بعيد فرفع يده — وكانت لضخامتها تعد مخلوقة لصفع الفيلة — ولطمه بها على خده، وطرده من أمامه، فخرج راتب إلى حجرة مجاورة، وتناول مسدسًا، وأطلقه على نفسه من جهة فمه بقصد الانتحار لعدم رغبته في الحياة بعد الإهانة التي لحقته، ولعدم تمكنه من التفكر في الانتقام لنفسه من مولاه وولي نعمته، فخرقت الرصاصة خده، ونفذت من تحت قاعدة أنفه من الشمال، دون أن تصيب منه مقتلًا، فحُمل داميًا إلى بيته، وما نَقِهَ من جرحه أو كاد إلا وفرَّ إلى الأستانة، خوفًا من بطش (سعيد) به، مع أن (سعيدًا) — وكانت تعجبه جدًّا أعمال الشجاعة ومظاهرها، ولم يكن من طبعه يدري ما هو الحقد — كان قد أكبر عمله، وأعاد رضاه عنه في سره إليه، ولم يكن منتظرًا سوى شفائه لإعلاء منزلته والزيادة في تقريبه من نفسه، ولم يعد من عاصمة الإسلام إلا بعد وفاة مولاه، فاتخذه (إسماعيل) سردارًا لجيشه. وراتب هذا قصير القامة، أسمر اللون سمرة شديدة؛ لأن أمه كانت جارية سوداء، وهو بسبب كثرة انهماكه في الملاذ الجسدية نحيف نحيل ناشف، كأنه جسم مصبر، أو إحدى موميات العصور الخالية.٣٠

على أن (إسماعيل) وإن انقاد إلى مؤثرات حزب شريف وإسماعيل صديق، وعيَّن راتب باشا نهائيًا قائدًا عامًّا للحملة الحبشية، لم يكن بالرجل الذي يعمي نفسه عن الأخطار التي قد تنجم لجيشه عن مثل ذلك التعيين، فرأى أن يخفف من وطأتها، ويزيل من شرها بضم الجنرال لورنج الأمريكي وبعض ضباط آخرين من كبار ضباط أركان الحرب زملائه الأجانب إلى الحملة: الأول بصفة رئيس أركان حرب للجيش، والباقون بصفتهم ضباطًا تابعين له؛ ليجد راتب في حكمتهم ودرايتهم العسكرية ما يتمكن به من القيام قيامًا محمودًا بالمهمة المعهود بها إليه.

فارتاح حزب نوبار إلى هذا التعيين الأخير، واعتقدوه كافلًا لسلامة الحملة، لتيقُّنهم من أن راتب باشا سينقاد حتمًا إلى مشورات لورنج وزملائه ونصائحهم، ويأخذ بها، فلا يرتكب شططًا، ولا يلقي بنفسه في تهلكة، ولم يتكدر من التعيين عينه حزب شريف وإسماعيل صديق، لتيقُّنه من أنه لن يكون للورنج وزملائه أقل نفوذٍ على السردار، وأن راتب باشا سيهمل نصائحهم وإرشاداتهم، ويضرب بها عرض الحائط، مع بقاء المسئولية في حال وقوع نكبة عليهم شخصيًّا.

ولكي يُظهر (إسماعيل) بجلاء أن غرضه من تسليم القيادة العليا إلى شرقي، وتسليم رياسة أركان الحرب إلى غربي، إنما هو أن يعمل العنصران معًا، كلٌّ على قدر طاقته، وبنسبة مواهبه، على ما فيه خير البلاد، جمع كبار ضباط الحملة من العنصرين ثلاث مرات متوالية عنده؛ ليلقي عليهم تعليماته الأخيرة، وذلك بحضور ابنه الأمير حسين ناظر حربيته (وهو المغفور له سلطاننا الكامل حسين الأول المبكي عليه كثيرًا)، ونوبار باشا، وشريف باشا، وصديق باشا، وغيرهم.

ففي أول اجتماع أفهمهم أن سلامة الجيش قائمة على اتحاد القيادة العليا وهيئة أركان الحرب اتحادًا تامًّا في جميع الشئون، ولاضطراره إلى التغيب في الاجتماع الثاني بسبب وفاة أخيه الأمير مصطفى فاضل في الأستانة يوم ٣ ديسمبر سنة ١٨٧٥، أناب عنه ابنه الكامل في بذر بذور الإخاء بين العنصرين. وفي ثالث اجتماع سلَّم بيده لراتب باشا تصميم خطة للحملة وضعه الجنرال ستون، وأفهمه جليًّا أن الغرض منها إنما هو استرجاع مهابة مصر في أعين السودان وأوروبا، وأنه يلزمه، والحالة هذه، محاربة النجاشي، ومواقعته في ميدان مفتوح، والانتصار عليه، حتى لو اقتضت الحال ذهابه بالجيش إلى عاصمته، على أن يكون ذلك قبل شهر مايو سنة ١٨٧٦.

وطلب نوبار باشا إلى الخديو أن يوصي راتبًا وباقي قواد الحملة بمراعاة شروط الحرب وأصولها المتفق عليها عند الأمم المتمدينة: فيمنعون الجيش عن ارتكاب أي عمل وحشي، ويحملون الجند على تجنب الإساءة إلى غير المحاربين من الجيوش، فلا يقطعون زرعًا، ولا يتلفون ضرعًا، ولا يحرقون بيتًا، ولا يعملون — بالاختصار — عملًا فظًّا لا تجعلهم المقتضيات الحربية في اضطرار إلى ارتكابه.

فلم يكتفِ (إسماعيل) بتوصية سرداره بذلك جميعه، بل إنه جعله مسئولًا مسئولية شخصية عن كل مخالفة في هذا السبيل، ثم استدعى الجنرال لورنج وجمع يده أمام نوبار باشا إلى يد راتب، وقال لهما: «إني أرغب إليكما أن تعملا معًا كأخين، وتراعيا الله والبلاد في العساكر المسلمة أعمارهم إليكما.» وأوصى راتب بالإصغاء إلى نصائح لورنج والعمل بها.٣١

ومن ثم سافرت الحملة إلى السويس، وخرج الأمير حسين ونوبار باشا وغيرهما من ذوي المقامات الرفيعة إلى محطة مصر لتوديع القواد، فأقلَّهم القطار إلى ذلك الثغر القلزمي، حيث استقلوا «الدقهلية» إحدى البواخر الخديوية، فذهبت تمخر بهم عباب البحر وعجاجه — لأن الأيام كانت شتاء — حتى بلغت بهم مصوَّع في ١٤ ديسمبر سنة ١٨٧٥.

ولكي تتكون عند القراء فكرة صحيحة من صعوبات تلك الحملة، يكفينا أن نذكر هنا أن الكلام على ظهر «الدقهلية» في رحلتها كان يدور بين المسافرين عليها بالعربية والإنجليزية والألمانية والفرنساوية والتركية والتليانية والنروجية وغيرها، كأن تلك السفينة برج بابل ثانٍ، وذلك بسبب اختلاف جنسيات الضباط المتألفة منهم هيئة القيادة، وجنسيات تابعيهم وخدامهم.

فإلى جانب راتب باشا السردار الشركسي، كنت ترى الجنرال لورنج والكرنيل داي واليوزباشي پورثر وغيرهم من الأمريكان، ونائب الأميرالاي علي بك الإيطالي المعتنق الإسلام، واللفتننت كرنل البارون فون مكلين المهندس النمساوي الألماني، والميچور تورن هايسن النمساوي أيضًا الذي كان مع الإمبراطور مكسمليان المنكود الحظ، وكان يحسن التكلم بست لغات، واللفتننت كرنيل دريك والميچور لمسن والميچور لوشي المهندسين، والميچور ولسن الجراح، ورشيد باشا وعثمان رفقي باشا، وكلاهما شركسي، وخورشد بك أمير الآلاي السوداني، وعثمان بك نجيب وعثمان بك غالب الشركسيين أيضًا، والكونت سرماني الطلياني، ومحمد بك جابر الأميرالاي المصري البحت، وصبري أفندي رئيس المدفعية والقائمقام إبراهيم لطفي، وكان يحسن التكلم بالإنجليزية، ورفعت أفندي رئيس كتاب السردار، وآخرين لا نريد أن ننزل بالتاريخ إلى حد الاهتمام بذكر أسمائهم، من مِلل وأجناس مختلفة.

وبينما الجيش معسكر في مصوع يستكمل معداته، ومعسكر النقل يقام في (أركيكو) على بُعد بضعة أميال إلى جنوب مصوع، إذا بكتاب من الجنرال كركهام، تاريخه ١٨ ديسمبر سنة ١٨٧٥، وصل إلى القيادة المصرية في ٢٢ منه، يفيد رغبة النجاشي في تسليم مائة أسير وخمسة من المصريين إلى محافظ مصوع — وكان المحافظ شابًّا في مقتبل العمر يقال له أحمد بك، ويهابه الكل بالرغم من صغر سنه، ومن أنه كان غرًّا جاهلًا، لا يدري شيئًا لكونه ابن أخت المفتش المخيف إسماعيل صديق باشا، ناظر المالية المصرية، وكان قد أخلف على تلك الوظيفة أراكيل بك نوبار التعس الطالع ابن أخي نوبار باشا — ولم يمضِ يومان حتى وصل أولئك الأسرى، وإذا بسبعة وثلاثين منهم مخصيون! ثم وصل كركهام بعد أيام قليلة، يحمل رسالة من النجاشي إلى الملكة فكتوريا، فما كان من الحراس المقامين على مدخل المعسكر المصري إلا أنهم قبضوا عليه، وزجوه في حفرة قذرة، ثم حُكم عليه بالسجن فيها، فأقام المسكين في قاعها أيامًا، ناقمًا، متململًا، شاتمًا، ثم أُطلق سراحه إلى مصوع بعد أن أقيمت لإكرامه وليمة فاخرة، أبى أن يتناول فيها زادًا، أو يشرب سائلًا؛ لخوفه من أن يكون قد وُضع له في شيء من ذلك الموتُ سمًّا.

وما أقام الجيش في مصوع أيامًا إلا ووردت إلى راتب باشا إفادة برقية من الخديو تنبِّئه بأن ثالث أنجاله الأمير حسن، الملازم الأول في فرقة الهوسار الألمانية، نال إجازة من الإمبراطور ولهلم الأول، ليتمكن من الانضمام إلى الحملة المصرية، وأنه قادم إليهم عن قريب ملتحقًا بهيئة أركان الحرب، ولو أنه لا يتقلد علامتها. وكان الأمير حسن في الثانية والعشرين من عمره، قصيرًا، سمينًا، وبالرغم من ذلك فارسًا مكملًا، ويحسن التكلم بالتركية والعربية والفرنساوية والإنجليزية والألمانية.

فوصل إلى مصوع في المحروسة حوالي آخر شهر ديسمبر، ومعه ياوره يوسف بك، وطبيبه بدر أفندي، فقوبل مقابلة فخمة، ونزل في سراي المحافظ، وما ارتاح من عناء السفر إلا وأراد الجنرال لورنج عملًا بكتاب فرنساوي أتاه من الخديو، مكتوبًا بخط يده، أن يشغله تحت إدارته في الأركان، ويلقي إلى عهدته مهمة خاصة، ولكن راتب باشا عملًا بكتاب آخر أتاه، مكتوبًا من الخديو نفسه بالتركية، أبى إلا إبقاءه بجانبه، زيادة في المحافظة عليه والاعتناء براحته. وكان الأمير عينه أميل إلى الإقامة بجانب راتب باشا منه إلى الاشتغال مع الجنرال لورنج، لأن هذا بصفته رجلًا جدِّيًّا كان، بعامل طبيعته وعامل اعتباره الحملة أمرًا جديًّا في طياته مسئولية كبرى، من شأنه استخدام كفاءات الأمير المختلفة في أعمال ذات بال، بينما السردار لم يكن يهمه من وجود الأمير بجانبه إلا أن يجمع حوله أسباب الملاهي، وأنواع الملذات، فيفوز بارتياحه إليه، ورضاه عنه.

لذلك أخذت الأيام — ريثما تستكمل معدات النقل — تمر بمصوع للأمير والسردار، ولا سيما لأولهما: إما في الخروج إلى الصيد والقنص، وإما في الانكباب على لعب الشطرنج، ولما كان أمر تجهيز معدات النقل موكولًا إلى المحافظ أحمد بك — وهو الشاب الغر الذي قلنا عنه، والذي كان إلى تهيئة معدات يوم صيد وقنص للأمير في الأدغال والجبال المجاورة أميل منه إلى الاشتغال بتسهيل مهمات الجيش — فإن اليوم طفق يتلو اليوم، والأسبوع الأسبوع، والعمل نائم، ووسائل النقل تهيأ ببطء بالرغم من أن الحاجة إلى الإسراع كانت شديدة، وأن الحض عليه كان لا يفتأ متواصلًا من المرجع الأعلى بمصر.

وبما أنه ليس أدعى من الكسل والبطالة إلى التهاون في الواجبات وإهمالها، وليس أنجع منهما «بيئة» لإنماء مكروبات الفساد المادية والأدبية معًا، فإن النفور الذي ما انفكت حلقاته متماسكة بشدة بين هيئة الجيش العامل، وهيئة أركان الحرب ما لبث أن اتسع من جهة بشكل مقلق بين رجال الهيئتين، وطفقت القيادة العليا تظهر جهارًا من الاستخفاف بإرشادات أركان الحرب، وتقيم في سبيل عملهم من العقبات ما كان لا بد معه من الانتهاء إلى قارعة، ومن جهة أخرى، فإن الجنود أنفسهم لما وقفوا على حقيقة العلاقات بين الهيئتين، ولحظوا مظاهر الامتهان لرجال أركان الحرب بادية على جميع معاملات رجال القيادة العليا وضباط الجيش لهم، شرعوا يعتقدون أن أفيد وسيلة يتقربون بها إلى إرضاء رؤسائهم عنهم إنما هي أن يشاطروهم ذلك الامتهان للغربيين، فيجعلوا مراراته أشد وقعًا على أنفسهم، فأخذ ذات الديدابانات يهملون تقديم السلام إلى الجنرال لورنج وضباطه، بينما هم كانوا يتفانون سلامًا وتعظيمًا للأمير مرءوس الجنرال لورنج اسمًا، ولغيره من الضباط الشراكسة والأتراك الأحط مقامًا ووظيفة في الجيش من أولئك الأمريكيين، وأخذ البيطريون المنوطة بهم خدمة الخيول لا يلتفتون إلا إلى خيول الأمير وحاشيته، ويهملون بالمرة خدمة خيل رئيس أركان الحرب وضباطه، فأصبح العمل على الجنرال لورنج وزمرته من أشق الأعمال، بل أصبحت الحياة ذاتها مرة المذاق عليهم إلى حدٍّ أخذ يفوق الطاقة، رويدًا رويدًا، حتى أدى بالجنرال يومًا، بعد أن سئم التشكِّي للسردار من قلة أدب العساكر وقَحَتهم، ووقاحة الديدبانات، إلى الانقضاض على أحد هؤلاء وإشباعه لكمًا ولطمًا ورفسًا.

على أن ذلك لم يُجدِ نفعًا، كما أن إلحاحه المتوالي وإلحاح ضباطه — لولا التحريضات المتتابعة من مصر — ذهب أيضًا أدراج الرياح، فإنه حينما بلغ الجيش مصوع، أي في أواسط شهر ديسمبر سنة ١٨٧٥، لم يكن قد جمع بعدُ من الجمال سوى ٣٠٠ جمل، وقلة هذا العدد — لنقل مهمات جيش زاد، بعد انضمامه إلى ما بقي من حملة أرندروپ، على اثنى عشر ألفًا — ظاهرة للعيان. أضف إلى ذلك أن ذات الجمال المجموعة لم تكن من الجنس العربي الجيد، بل كانت من الجنس المصوعي الضعيف الذي لا يتمكن من نقل ما ينيف على نصف حمل الجمل المصري، ومع ذلك فإن أحمد بك محافظ مصوع ما فتئ يتوانى في زيادة ذلك العدد، حتى مضى شهر، وأصبح التعوق موجِبًا وبالًا، فهمَّ حينئذ وجلب إلى المعسكر من الجمال والبغال ما رآه راتب باشا كافيًا لتبرير البدء بالزحف، ولو أن أركان الحرب لم يكونوا على رأيه.

فسار الجيش من معسكره في ١١ يناير سنة ١٨٧٦، ولكنه حدث — كما كان منتظرًا — أن قلة الاعتناء بالجمال وراحتها، وقلة الانتباه إلى مقدار قوة كلٍّ منها، بحيث لا يحمل زيادة على طاقته، أدَّتا إلى تقطع حبال التحزيم، وسقوط المهمات، وتلف جانب منها، وإلى تشتت الجمال في الفلوات، وفوق التلال والجبال، فأدى ذلك إلى تعبٍ عظيم ومشقة كبرى في جمع شملها، وإعادة تحميلها.

وكان قد رسم تقدُّم عثمان باشا رفقي إلى جهة يقال لها (بعرزة) للاستطلاع، وهي محلة تبعد عن مصوع مسيرة يوم للمجدِّ المسافر، ويومين للراكب البطيء، فزحف إليها بمقدمة الجيش، ولكن سوء تفاهم أوقعه أحمد رفعت أفندي كاتب السردار عمدًا بين راتب باشا والجنرال لورنج، أدَّى إلى اضطراب في الأوامر الصادرة، أوجبَ إبدال عدَّى راسو (أو عدرسه) من (بعرزة)، ونجم عنه ضياع أسبوع على تقدُّم الجيش الذي لم يصل إلى الهضبة المطلة على وادي (قرع) إلا في ضحوة يوم الأحد ٣٠ يناير سنة ١٨٧٦.

وفي الغد قدم المعسكر الرأس ليج، حاكم (عدَّى حواله) الذي عزله النجاشي، وأخبر القيادة العليا المصرية وهيئة أركان الحرب بحركات الملك يوحنا، ولما كانت التعليمات المعطاة لراتب باشا تقضي بالاشتباك مع النجاشي في معركة مفتوحة، وكسرِهِ كسرة تؤدِّبه تأديبًا شديدًا، ويدوي صداها في العالم، ثم الرجوع إلى مصوع، فإذا تعذر ذلك الاشتباك لركون يوحنا إلى خطة الحيطة والحرص، فالزحف إلى (عدوة) عاصمته ومقاتلته فيها، ثم العودة إلى مصوع، فإذا تعذر هذا وذاك، فالإقامة على هضبة (قرع)، واحتلال الجيرة، وانتظار تعليمات جديدة؛ فإن السردار رأى بعد مداولة مع الرأس ليج المذكور، أن يختار موقعًا موافقًا ويتحصن فيه، ويجمع كل قوته إليه، ليكون على استعداد لمقابلة الطوارئ.

فأصدر أمره إلى رشيد باشا بالتقدم والانضمام إلى بقية الجيش — وكانت قوة رشيد مؤلفة من ٥٤٢٦ من البيادة، وبطاريتين فيهما ٣٩٤ مدفعيًّا، و٥٦٦ خيالًا، ولا تزال مقيمة بالقرب من مصوع — ولكنه أصدر إليه هذا الأمر بدون أن يضع أي وسيلة من وسائل النقل تحت تصرفه، أو يهيئ له أسباب الحصول عليها، وبالرغم من أن وسائل نقل المأكولات إلى الجيش كانت قليلة، وأن مجيء تلك القوة كان من شأنه زيادة عدد الأفواه الآكلة، ما بين بشر ودواب، على قلة الموجود مما يؤكل.

وفي الحقيقة، فإن أكبر مصاعب هذه الحملة المشئومة إنما نجم عن قلة الاهتمام بوسائل النقل على العموم، واختلال الإدارة القائمة بها، إما لعجز في كفاءة الرجال الذين نيطت بهم، وإما لأن رؤساء هؤلاء الرجال والمكلفين بالتوسط بينهم وبين مصادر تلك الوسائل لم يمكنوهم من القيام بمهمتهم القيام الواجب.

وكان رئيس حركة النقل أحمد عرابي بك، المعد في الأيام التالية لإضرام نار الفتنة العسكرية المعروفة في التاريخ باسمه، وقد كان فكر الضباط الأمريكيين فيه حسنًا جدًّا، ويقول الكرنيل داي في مؤلفه المعنون «مصر الإسلامية والحبشة المسيحية» إنه كان يكون ضابطًا من خيرة الضباط في قطر غير القطر المصري، فاستُبدل وأقيم مكانه شاكر الشركسي، وما لبث هذا أيضًا أن استُبدل وجُعل محله الميچر لوشي الأمريكي، ووُضع كلا سلفيه تحت إدارته ضد رغبته، لأنه كان رجلًا عاقلًا يفهم أن تصغير روح ضابط بوضعه تحت إمرة من هو أقل منه درجة، لا سيما إذا كان هذا الرئيس الأقل منه درجة أجنبيًّا، ليس خير ما يتخذ من الإجراءات لجعل الأمور تتمشى في مجراها الأمثل.

وفي اليوم الثاني من شهر فبراير نقل المعسكر إلى وادٍ غير الأول، وشرع في التحصن، لشيوع الأنباء باقتراب النجاشي، ولكن قلة مواد الطعام، وندرة وصول حتى القليل منها إلى القوة المتقدمة، اضطرت القيادة العليا إلى تقليل عدد البيادة بين يديها، والاستعاضة عنها بزيادة في عدد المدفعية، فصدرت الأوامر إلى بطارية مستوردة من معامل كروب — كانت لا تزال بمصوع — بالإسراع إلى (قرع)، وكلَّف دنيسون بالإتيان بها، فسار بها توًّا، ولكنه، وهو يجتاز بها جبل بمبا، قابل رشيد باشا الراجع من (قياخور) إلى عدَّى راسو (عدرسه)، عملًا بالأمر الوارد إليه بالرجوع بسبب قلة الطعام، فأخذها منه بالرغم من امتناعه، وعاد بها إلى (بعرزه)، وحجته في ذلك أن السكة وعرة، وأن البطارية قد تصاب بعطب لو استمرت على سيرها إلى (قرع)، مع أن معظم الوعر كان قد اجتيز، وأن الرجوع بالبطارية كان يقتضي المرور بها ثانية في الشعاب والمسالك التي أتى بها منها بكل صعوبة، علاوة عن أن علي سامح أفندي رئيس فرق المهندسين والحفارين كان قد أنجز عملًا ممدوحًا في تمهيد الطريق وتسهيلها، وجعلها صالحة لمرور المدفعية. وأول تحصين أقيم كان من النوع المعروف «بالبلوك هوس» في اللغة الإنجليزية، وهو بناء شبيه بحصن يحيط به خندق ومتاريس، أقامه في مضيق قياخور القائم مقام درهلز والكرنل لوكت، بأمر من الجنرال لورنج، وتحت مسئوليتهما، وكان عبارة عن أربعة جدران، لا سقف يغطيها، مفتوحًا لضرب العدو، ومبنيًّا مع ذلك بحيث لا يرى المقيمون فيه العدو القادم لقتالهم، فكأنه بني — والحالة هذه — ليكون مرمًى لمقذوفات الأعداء، لا معصمًا منها.

ثم أقيم حصن آخر في (قرع) جعلوه على شاكلة قلعة، وخندقوا حوله خندقًا على أعظم ما يكون من العمق، مع أن البقعة التي اختاروها له لم تكن تغني شيئًا، ولا كانت واقعة في جهة يمكن الاستفادة منها حربيًّا، وهم لو أحسنوا التصرف لبنوه قرب المضيق الذي هناك، بحيث يحمونه، ويحفظون الآبار التي حوله في آن واحد.

ولما استقر بهم المقام، عهد برياسة فرع المهمات إلى علي الروبي أفندي، وقد اشتهر فيما بعد في حوادث الثورة العرابية، وكان ضابطًا من أحسن الضباط، وامتدحه رؤساؤه وزملاؤه الأمريكيون، وامتاز في هذه الحملة دون غيره من ضباط الجيش — ما عدا الكونت سرماني — بأنه كان يرى من الواجب عليه إحاطة علم رئيس أركان الحرب بكل ما يجريه ليكون على بينة منه.

على أن تعيينه رئيسًا لذلك الفرع لم يعنِ — كما كان يجب أن يعني — وضع وسائل النقل تحت تصرفه، فاستمر أمرها فوضى كما كان، وما فتئت البغال والحمير، وعددها نيف وألف ومائة، في مجيئها من مصوع وذهابها إليها، وتحمل فوق طاقتها أحمالًا قلَّما احتيج إليها، كتِبنٍ وخيامٍ وأثقالٍ مختلفة، مع أن المطلوب إنما كان تحميلها بقسماط ومآكل أخرى، كان الجيش في أشد الافتقار إليها، ومع بهاظة الحمل كان العساكر والصف ضباط الآتون برفقتها يركبونها أيضًا، فيرهقونها، ناهيك بفتك الذباب المدعو «تسلتساليا» بها فتكًا ذريعًا.

ولما طال المطال بالجيش في حصن وادي (قرع) دون أن يظهر الحبوش إلى المناوشة والقتال، ودون أن ترد أخبار عن حركات النجاشي، أخذ السردار ورئيس أركان الحرب يفكران في أمر الزحف إلى (عدوة) للإيقاع به فيها، ولكنهما اختلفا على الطريق التي يسيران منها، فذهب السردار انقيادًا إلى مؤثرات النائب (محمد)، رجل ثقته — وكان قد نجا من سجن النجاشي — إلى تفضيل طريق قودوفولاسي-قوندت على ما سواها، ورأى لورنج عملًا بنصائح قسيس فرنساوي كاثوليكي يقال له ديڨلو من جمعية التبشير بالإيمان، وأحد كهنة الإرسالية العازارية في تلك البلاد، أن الأوفق الزحف بالجنود من الطريق المجتازة للمقاطعة الحبشية، التي استعمرتها تلك الإرسالية، لما قد يجدونه فيها من أسباب الرخاء وأنواع المساعدة. ولكن بما أن لورنج نفسه كان كاثوليكيًّا، فأدلَّاء النائب محمد لم يتعبوا كثيرًا في إقناع راتب بأن غرض خصومهم الأدلاء الأحباش الكاثوليكيين من المرور بالجيش في مقاطعة العازاريين إنما هو محض انتفاع أهل تلك المقاطعة بالريالات المصرية التي تصرفها الجنود والخزينة في ابتياع مأكولات وخلافها منهم، وأن رئيس أركان الحرب إنما يعضدهم في تفضيله طريقهم على طريق قودوفولاسي-قوندت، لكونه كاثوليكيًّا مثلهم، فكفى ذلك لكي تكثر حول الأدلاء والقس ديڨلو الإهانات التي لا مبرر لها، والاضطهادات السمجة. ولكي يقضي أدلاء النائب محمد على جهود مزاحميهم قضاء مبرمًا، أذاعوا كذبًا نبأ قرب دنو النجاشي من حصن (بعرزه) لمهاجمة من فيه، فأصدر السردار أمره إلى قائد الجند هناك بمنع خروج الخيالة من الحصن، وبالثبات على الدفاع عنه إلى النهاية. ومع إقدامه على إقامة ديدبانات فوق الآكام المحيطة، وأمام الخنادق، وبالرغم من علمه علمًا يقينًا أن النجاشي على بعد يومين على الأقل، لم يفكر في تمرين جنوده التمرين اللازم لجعلهم على استعداد لمقابلة الطوارئ، ولا أمر بإجراء الاستطلاعات التي كانت الظروف تقتضيها لدرء كل مباغتة، والوقوف على حركة العدو، فنجم عن ذلك أنه خيِّل لبعض الجنود ذات ليلة أنهم يسمعون دبيبًا، ويرون أشباحًا، فظنوا أنفسهم مبيتين، فهبُّوا إلى سلاحهم مذعورين، وأطلقوه في الفضاء على العدو الموهوم، فأصابوا عدة من زملائهم المنتشرين خارج الحصن، وسببوا فزعًا عامًّا للحامية كلها.

وبعد أيام قدم إلى المعسكر دچاش يقال له (ولده ميخائيل) مع ابنَي أخيه، وجماعة من أعوانه وأتباعه، فاستُقبلوا استقبالًا شائقًا، وقدِّمت إليهم القهوة على صوانٍ فضية من مظال الأمير حسن، فلخوف ذلك الرئيس الحبشي من أن يكون وُضع له سم فيها، أبى أن يشربها إلا بعد أن ذاقها أحد الحقيرين من أتباعه دون أن يصاب بسوء، وأنعم الأمير عليه بلقب «باشا» ورتبة «فريق»، وأنعم كذلك برتب مختلفة وهدايا نفيسة على ولدَي أخيه. وأهم ما استلفت الأنظار في هؤلاء القادمين كثرة القمل المالئ بملابسهم، حتى لقد لاحظ أحد الضباط الأمريكيين أن مهمة بعض رجال حاشية الدچاش كانت منحصرة في الشخوص إلى قميص هذا الرئيس وردائه، لالتقاط تلك الحشرات المقرفة، وطرحها على الأرض كلما لمح ظهورها، دون أن يثير ذلك اشمئزازًا في أحد، كأنه من مستلزمات الحياة اليومية ومظاهرها.

وما مضت أيام قلائل على قدوم أولئك الأحباش إلا وطفقت الرسائل تخرج من خيام السردار والأمير بواسطتهم إلى الرءوس والأمراء الحبوش، مستميلتهم إلى ولاء مصر، وممنيتهم بالأماني الكثيرة والأموال الجمة، ولكي يجعلهم راتب يذوقون شيئًا من حلاوة تحقيقها طفق يفكر في مكافأتهم مقدمًا على الأعمال التي كان يطلبها منهم، ووقع في خلده مرة إعطاء خمسمائة ريال، من المعروفة بريالات ماريا تريزا، إلى أحد رجال (ولده ميخائيل) تشجيعًا له من جهة، ومن باب المكافأة من جهة أخرى، على أمانته وإخلاصه في خدمة المصالح المصرية، وكاد يفعل ذلك، لولا تداخل ضابط عالٍ في الأمر، وتفهيمه السردار أن المبلغ إنما يحق لذلك الحبشي حينما تظهر نتيجة مساعيه.

على أن نتيجة التراسل بواسطة رجال (ولده ميخائيل)، كانت قيام التصور في مخيلة راتب أنه أصبح يحكم الديار الحبشية بأسرها من عقر خيمته، وابتهاجه بما آلت إليه سياسته الحكيمة، وأبلغه إياه دهاؤه السياسي.

غير أن استغراق السرادر في أحلامه، وتغذِّي فؤاده بالأماني العقيمة، لم تحولا دون إرساله الضابط أرجنس الأمريكاني إلى الاستطلاع والاستكشاف، صحبة القس ديڨلو وأحد أحباشه المخلصين، فتقدم ذلك الضابط الجسور، بالرغم من خوفه من الخصي فيما لو وقع في أيدي الأعداء، واجتاز صفوف الأحباش، وما زال سائرًا حتى بلغ مكانًا لا يبعد عن (عدوه) إلا ثلاثين ميلًا. ولما وقف على كل ما كان رئيس أركان الحرب راغبًا في الوقوف عليه، عاد إلى المعسكر المصري، بعد أن انقاد إلى نصيحة دليله الحبشي، وذبح بضع دجاج ونثر دمها وريشها في الطريق، ليحمل النجاشي على اعتقاد وجود سحر فيها، فيمتنع عن طرقها.

وأتى الواقع مصدِّقًا لقول الحبشي، فإن النجاشي اعتقد أن سحرًا عُمل له، وبدلًا من تقدُّمه في الطريق التي عاد أرجنس منها، عدل عنها إلى طريق (قوندت-أسمرة)، فسار في ٢١ فبراير من (عدَّى حواله) إلى (ماي جوردا)، و(قودوفولاسي)، و(ترايبين)، وعسكر فيها ريثما تجتمع عليه بقية جيوشه.

فوجدته هناك طلائع المصريين في ٢٥ فبراير، وكان فعل الدليل الحبشي قد حوَّل أنظار القيادة العامة إلى عدم إمكان مجيئه إلا من تلك الطريق، وإذا بالجزء المهم من جنوده قد نزل في (ماي قوردا) و(قودوفولاسي)، و(عدَّى حواله)، و(عدى ماجسا). ولمَّا كان الغد زحف النجاشي إلى (عدَّى برو)، وأرسل قسمًا من خيَّالته إلى (تساتزيجا)، فلما بلغت ميمنته (عدَّى نتزو)، اختار من بين بيادته وفرسانه مائتي مقاتل، وأرسلهم إلى الأمام بمثابة طليعة، لتنسُّم الأخبار، واستطلاع الأحوال.

وكانت الأنباء عن تقدمه، وضخامة جيشه، وتنوع حركاته، قد بلغت المعسكر المصري، فأخذ القلق مأخذه من القيادة العليا، وأركان الحرب فيه، وطفق بعضهم يبدي المخاوف على سلامة جناح الجيش، ويرتئي الانسحاب، ويقول بلزوم إجرائه! كأنهم إنما أتوا إلى ذلك المكان وتحصنوا فيه لمجرد نزهة عسكرية. ومما زاد الطين بلة أن الشقاق على اللازم عمله بلغ أشده بين السردار ورئيس أركان حربه، وأدى إلى عزم هذا على التخلي عن كل مسئولية، وترك راتب باشا وشأنه يخرج كيفما يريد من المأزق الذي بات فيه.

ولكن ضميره لم يطاوعه على البقاء على عزمه، فكلف الكونت سرماني بالقيام إلى الاستطلاع في ٢٦ فبراير، صوب الجهة التي بلغ نزول الملك فيها، فسار سرماني حتى بلغ كرباريا، حيث علم أن بيادة الأحباش في (عدَّى برو)، وأن معسكر النجاشي العام في (أبامتي)، فعاد بنبأ ذلك إلى جهة الاختصاص، فرأى الكرنيل داي أن يستوفي التفاصيل ويستوعبها، وحبَّب استطلاع سرماني في استطلاع ثانٍ، فعارض راتب فيه، وذهب إلى عدم فائدته، ولكن الأمير نفسه وافق عليه، وحض لورنج على إجرائه، فخرج أرجنس وولسن بألف أو ألف ومائتي فارس، وتوغلا في السير توغلًا بعيدًا، لم يمكنهما من العود في الميعاد المضروب، فطار القلق عليهما وعلى القوة التي معهما في عموم المعسكر، وصعد الأمير حسن باشا ذاته على أكمة ليستطلع، فرأى غبارًا عن بعد، فتخيله دخان قتال تصوَّره قائمًا بين الكشافة والحبشان، فأسرَّ إلى راتب بظنونه، فأمر السردار فدق نفير النجدة، فبرز طابور ومدفعان، وخرج وأركان حربه، وخرجت هيئة أركان الحرب بأسرها وراءه، وتبعهم القواد وياورانهم، وكان مئات من الرجال في السهل بدون انتظام؛ منهم من يبحث عن العدو، ومنهم من يستعد للهرب منه بدون أن يدري أحد، ما عدا راتب والأمير، لمَ هو هنالك، وإلى أين هو ذاهب.

وبينما هم كذلك خيَّم المساء عليهم، فجمع السردار زمرة من الرجال المنتشرين في السهل، واستعد لمعركة دفاعية، ولكي يكون على بيِّنة من أمره صعد على صخرة مرتفعة، وأخذ يُجيل نظرَه في جهات الأفق الأربع، وهو في منتهى الحيرة، لا يدري ما العمل. أما باقي الخارجين، بل ذات الذين بقوا في الحصن، فإنهم استمروا في هياج كبير، ودام الهرج والمرج بلا معنى، وبدون غرض معلوم، حتى عادت القوة المستطلعة بعد الغروب بساعة، ولو داهم الحبشان الجيش المصري في ذلك الوقت لأفنوه عن آخره؛ لأنه كان كقطيع غنم ليس من راعٍ على رأسه.

على أن رضا راتب باشا بخروج قوة أرجنس إلى الاستطلاع إنما كان عقب أن تأكد من وصول عثمان بك باثنين وعشرين جماعة إلى (قياخور). وقد تركنا عثمان بك هذا، وهو يأخذ من دنيسون بطارية كروب بالقوة، ويعود بها إلى هذه البلدة، فوافته إليها بطاريات كروب الأخرى، ولما بلغ السردار خبر اجتماعها، أمر بالسير بها إلى (قرع)، ورسم بزحف عثمان بك إلى (قياخور)، فوصلت البطاريات (قرع) في ٢٥ فبراير، وشرع عثمان بك في تنفيذ الأمر المعطى إليه.

غير أن العدوَّ شرع يهدد الخطوط ما بين (عدَّى راسو) و(قياخور)، وكان راتب ولورنج معًا يظنان في بادئ الأمر أن «البلوك هوس» الذي أقيم بالقرب من هناك كافٍ للدفاع عن المضيق، ولكن لورنج ما لبث أن أدرك أن «البلوك هوس» لا قيمة له في الدفاع عن المؤن والذخيرة المارة بسهل (حالة)، فما زال براتب حتى حمله على إرسال قوة في ٢٤ فبراير إلى وادي (قياخور) لمراقبة الطرق المؤدية من الغرب إلى ذلك السهل. ولما وصل هناك عثمان بك في ٢٦ منه بفرقته، وضعت القوة كلها التي اجتمعت هناك تحت إمرته، وكلف بالمحافظة على الوارد من (عدَّى راسو). فطفق يحسن التحسينات التي أقامها رائف بك، ووضع المدافع بحيث تحمي مدخل الوادي من الغرب، واستخدم فرسانه في سهل (حالة) لمنع نزول العدو على وسائل النقل الخاصة بالجيش.

أما النجاشي، فإنه مع بقائه في (أبامتي) أمر جيشه بالارتداد إلى (ترامني)، كأنه يرغب في تضليل أفكار خصومه، ثم عاد فتقدَّم في أول مارس لغاية (تزاتزيجا)، وشرع يهدد بالهجوم تهديدًا جديًّا، فخاف راتب أن يحدق الخطر به من كل جانب، وأراد الانسحاب لينجو، فعارضه لورنج في ذلك، وطلب إليه إجراء استطلاع آخر على شكل مظاهرة، والقيام بمناورة تهديدية لحركات الملك، يكون الغرض منها حشد الجيش كله في (قرع).

ولكن راتبًا لم ينصَع إلى طلبه، وترك يوحنا يقوم بنفاذ الخطة التي رسمها لنفسه، بدون معاكسة، الأمر الذي جعل كل الخط من مصوع إلى (قرع) مضطربًا مزلزلًا، وأدَّى إلى عود قيام النزاع بين الجيش وهيئة أركان الحرب، فطفق رشيد باشا وعثمان بك على اختلافهما مع بعضهما، لا يطيعان أمرًا يرد لهما من الجنرال لورنج، واشتدت مضايقة السردار لهذا القائد الأمريكي إلى حد لم يعد يستطيع معه إرسال أي كتابة أو أمرٍ إلا عن طريق رفعت أفندي رئيس كتاب القيادة. ولم يكتفِ رشيد باشا باحتقار الأوامر الواردة من لورنج، بل أخذ يوجِد كل ما استطاع إيجاده من العراقيل في سبيل الميچر لوشي رئيس قسم النقل، غير مبالٍ بالمضارِّ التي تعود على الجيش برمته من جراء ذلك.

وكانوا قد سلَّموا القيادة (ببعرزة) إلى الميچر فيلد، لتكون عينه ساهرة على المهمات، ولكن لورنج — بعدما اشتدَّت الأخطار حولها بسبب حركات النجاشي — رأى أن يعزز نقلها بجنود تحافظ عليها أثناء اجتيازها سهل (حالة)، فأصدر أمره لذلك، ولكن (راتبًا) أبى الموافقة؛ لئلا ينقص عدد الجنود الموجودين معه في الحصن.

وبينما القواد المصريون في هذا الاختلاف وهذه المنازعة كان النجاشي يتقدم نحو الجيش المنكود الحظ المسلمة أزمته إليهم بخطى الثعالب وعزم الأسود، حتى أصبح على بعد بضع ساعات من (قياخور)، و(عدَّى راسو). ولما علم راتب بذلك زادت مخاوفه، فبادر إلى عقد مجلس حربي سري، أبعد عنه كل الضباط الغربيين للمداولة في الأمر، فلم يقرَّ ذلك المجلس على رأي، وكان العدو الزاحف باستمرار في تلك الأثناء قد أضحى على بعد ثلاث ساعات من (قياخور).

والنجاشي، والربوع حوله كلها عيون وآذان ترى وتسمع وتحيطه علمًا بماجريات الأمور عند أعدائه، قد تمكن من الوقوف على تشتت فرق المصريين، ما بين (بعرزه) و(عدى راسو) و(قياخور) و(قرع)، فعزم على الانقضاض بغتة على قوتهم الكبرى في (قرع) وسحقها؛ لتبيت باقي الفرق تحت رحمته، فإما أنها تسلم، وإما أنه يبيدها، وليس لها من بين يديه مفر، وما صمم على ذلك إلا وشرع في تنفيذه.

فكان من الواجب، والحالة هذه، على قائد الجيش المصري أن يترك في حصن (قرع) قوة كافية للدفاع عنه دفاعًا مؤقتًا، ويزحف بمعظم قوته إلى (قياخور)، فينضم إلى الفرق المقيمة فيها، ويخرج بجيشه كله لمقابلة الملك، فيقضي الله ما يشاء بينهما.

بذلك أشار الضبَّاط الأمريكيون، ولكن رشيد بك وعثمان باشا رفقي قاوما رأيهم وعاكساه، وهما، لجهلهما الأصول الحربية، لا يشعران بالضرر الذي يسببانه، وما أبى راتب عمله أقدمَ النجاشي عليه، فإنه بعث يستدعي إليه كل القوات التي كانت قد انفصلت عنه لمهمات كلفت بالقيام بها، واجتهد في حمل المصريين على الاعتقاد بأن مهاجمته لهم ستكون يوم ٦ مارس؛ ليغرر بهم ويمنعهم عن الافتكار في حشد جموعهم كلها في صعيد واحد بسبب ضيق الوقت. ونجح في خداعه لدرجة أن لورنج نفسه، في الليلة ما بين الخامس والسادس من شهر مارس، أبى أن يقلع ملابسه، ونام بها على سرج حصانه، وما بزغ الفجر إلا واحتذى جزمة القتال وأخذ له أهبته، وتقدم الدچاش، والراس (ولدا ميخائيل) إلى السردار بالإذن لهما في الخروج إلى مقاتلة الملك، فأبى راتب أن يسمح لهما؛ إما لقلة وثوقٍ منه بهما، وإما احتقارًا منه لشأنهما الحربي، فانسحبا.

وكان المصريون حينما أنشأوا الحصن في (قرع)، قد أقاموا أمامه بضعة استحكامات غير محكمة، تحول دون مرمى المدافع، وتقصر حتمًا من مداها، فطالب لورنج (راتبًا) مرارًا بإزالتها، وذهبت مطالبته دائمًا سدى؛ لاعتقاد السردار الفائدة كلها في تلك الاستحكامات؛ لما فيها من الوقاية للجنود، كذلك كانوا قد وضعوا مخازن المهمات في تلك الاستحكامات؛ اتقاء لشرٍّ قد يقع بسببها في الحصن عينه، فيصيب من فيه من كبار الضباط والأمير نفسه، لا سمح الله! فما فتئ لورنج يحض السردار على نقلها إلى داخل الحصن لتكون المحافظة عليها أنجع، والاستفادة منها أضمن، وما فتئ السردار يمهل ويهمل لغاية اليوم الرابع من مارس؛ إذ ظهرت جليًّا مضار إبقائها، بحيث لو استولى الأحباش على الاستحكامات الخارجية، لاضطرت القوة المصرية كلها إلى التسليم، فأمر بنقلها، وأُضيع في نفاذ ذلك الأمر وقت كان يمكن الاستفادة منه في عمل مفيد من الأعمال التي يحتِّم دنو ساعة القتال القيام بها.

ولما أن انقضت الساعات الأولى من النهار السادس من مارس دون أن تظهر للعدو طلائع (بقرع)، أسرع القواد إلى عقد مجلس حربي جُمع إليه كل الضباط الكبار من شرقيين وغربيين، ما عدا الميچر درهلز، فكان فيه راتب باشا، والجنرال لورنج، وعثمان رفقي باشا، وعثمان بك، والأميرالاي دريك، وداي، فتداولوا معًا في الأمر وفي الواجب عمله، فذهب الأمريكيون مرة أخرى إلى لزوم الخروج من الحصن (بقرع)، وحشد الجيش إلى الأمام، فالانضمام إلى القوات المعسكرة في (قياخور)، فتغطية هذا الممر، والزحف بكل الجيش المصري المتجمع على ذلك المنوال، إلى مصادمة الملك والإيقاع به، وبذلوا أقصى جهودهم لإقناع زملائهم الشرقيين بصوابية رأيهم هذا، ولكن السردار والقواد الشرقيين أبوا الموافقة على ذلك، لا سيما أن الوقت أصبح ضيقًا، والحركات العسكرية باتت عرضة لمقاطعة الأعداء إياها في أثناء تطورها، وفضلوا بقاء كل قوة في موقفها تدافع عنه بنفسها، ولو أن في ذلك البقاء المنفرد تعريضًا للفرق إلى أن تُسحق كلٌّ منها بعد الأخرى بالتتابع، بدون أن تتمكن الواحدة من إنجاد الثانية. وانفضَّ المجلس وكلٌّ من الفريقين متشبث برأيه، وانقضى اليوم على غير جدوى وبدون استطلاع.

فلما كان صباح النهار التالي، ولم يظهر شيء يدل على رغبة الحبوش في القتال، اعتقد المصريون أن المعركة أجِّلت من جديد، ولم يتخذوا أهبتهم لها، ولكنه ما وافت الساعة العاشرة إلا وظهر العدو آتيًا من ناحية دنجل وأمهور، من الجنوب والشمال والغرب معًا، وسمعت أصوات طبوله وزموره مالئة الفضاء.

فخرج الجيش المصري من الحصن بتسرُّع بعد أن أبقى السردار فيه ٢٥٠٠ جندي للدفاع عنه، ومائتي ناقة، واجتهد قائد كل جماعة وفرقة في اختيار الموقف الموافق له، فاشتبك الخصمان معًا، وأحدهما — وهو الحبشي — يحاول الإحداق بالثاني من كل جانب، والثاني — وهو المصري — قلَّما يدري كيف يوفِّق بين جهود جماعاته، فصعد صبري أفندي بالبطارية التي كانت تحت قيادته إلى قمة تلٍّ يحمي جانب الجيش الأيمن، وأصلى الأحباش المتسلقين ذلك التل، للتدفق من أعلاه على المصريين، نارًا حامية، وأسرع داي بأورطة كاملة إلى تعضيده، فصرت ترى صفوف الأحباش تتسلق الأكمة متدافعة كأمواج البحر الزاخر، فما تبلغ إلى مرمى نيران البطارية إلا وتحصدها تلك النيران حصدًا، حتى لقد رؤي ساروخ واحد يقلب صفًّا بأكمله. وصعد الأميرالاي محمد بك جابر بآلايه إلى القمة عينها، ولكن من جانبها الآخر، وقاتل هناك قتال الأبطال صادًّا الأمواج الحبشية المرتطمة عليها حوله، ولو أرسل راتب باشا قوة كافية لحماية مؤخرة هذا الآلاي وتلك الأورطة، لقضى على الأحباش قضاءً مبرمًا، ولكنه كان حاصرًا كل انتباهه فيما كان يعتقد أنها مسئوليته الكبرى، وأعني بها المحافظة على سلامة الأمير؛ لذلك، حينما رأى صفوف الأحباش تتكاتف بالرغم من النيران المصرية التي كانت تحصدها، وتتقدم تقدمًا خطرًا، على بطئه، أشار على الأمير حسن باشا بالتوجه إلى الحصن والاعتصام فيه، ريثما تتجلى المعركة عن نتيجة واضحة، وحتَّم عليه الانصياع إلى إشارته، متسلحًا لإلزامه بطاعته بأوامر الخديو أبيه الموجبة المحافظة عليه، فما وسع الأمير إلا الإذعان، فحوَّل رأس جواده وجهة الحصن، وانطلق يعدو نحوه، فما كان من جانب عظيم من العسكر إلا وتبعه؛ لظنهم أن الأوامر تقضي بذلك. واتفق في الوقت نفسه أن الصفوف الحبشية المهاجمة جانبَي التل من الوراء تمكنت من تسلقها خلف الآلاي والأورطة المدافعين عنه في طرفيه الآخرين، فبات صبري أفندي ومحمد بك جابر بين عدوين يفوقانهما عددًا بما لا يحصى، فدافعا عن مركزيهما دفاع الأبطال، بل دفاع الليوث الكاسرة، ولكن الكثرة تغلب الشجاعة، فإن الأحباش تدفقوا من كل صوب عليهما بصياح وصلصلة سلاح مزعجين، وأطبقوا عليهما إطباقًا، فقُتل محمد بك جابر، وبادت أورطة داي بأسرها، ووقع الميچر صبري أفندي في أيدي الأعداء أسيرًا.

ولما بات جانب الجيش الأيمن لا شيء يحميه، نزل الأحباش من الأعالي عليه بصيحات عظيمة، ونفخٍ غير منقطع في الأصوار. وكان مصريو ذلك الجناح يقاتلون الأعداء المواجهين لهم، فلما رأوا الأعالي تلقي عليهم بسحب أعداء آخرين، ذعروا وسقطوا في أيديهم، وطفقوا يجرون بسرعة وراء الذين اتبعوا الأمير، عساهم ينجون معهم بالاعتصام في الحصن، ولكن القائد العام كان — لسوء حظهم — قد جعل في سيره إلى قتال العدو واديًا بين ذلك الحصن وبينهم، فلما أرادوا اجتيازه ازدحمت أقدامهم فيه ازدحامًا مروعًا، مكَّن الأحباش المقتفين أثرهم، بسيوف ورماح تقطر دمًا، من الفتك بجموعهم فتكًا ذريعًا، حتى غطوا بجثث قتلاهم أرض ذلك الوادي المشئوم وسدوه بها.

على أن الذعر لم يتمكن من جمهور الجيش برمته، فإن فرقًا منه ما لبثت تقاتل في مكانها، ملتفَّة حول غير الهيابين من قوادها، ولم تتبدد إلا بعد أن أردى الموت أولئك القواد، وكان أحسنها بلاء فرقة رشيد باشا؛ فإن هذا الضابط، النافخة في جسمه روح الشراكسة الأقدمين، شراكسة العصور الوسطى البطلية، لم يتزحزح من مكانه قيد خطوة، وما انفكَّ سيفه عاملًا في أجسام الأحباش الملتفِّين حوله، حتى اتحذ صاحبه من جثثهم المكوَّمة متراسًا تترَّس به هو ومراسلته، ولولا أن السهام تناولتهما من بعيد، وألقتهما قتيلين فوق ذلك الكوم، لاستمرَّ حساماهما يرديان الأعداء إلى المنتهى، ومما يذكر بالعار لأولئك الأحباش أن فروسية رشيد باشا لم تُثِر فيهم شعور الإعجاب والاحترام، فما سقط الرجل مضرجًا بدمائه إلا وانقضَّ عليه أولئك الهمجيون، وجرَّدوه من ثيابه، واقتسموها بينهم، ثم خصوه وذهبوا للفتك بغيره.

وكان الجيش المصري الذي خرج مع راتب من الحصن وواقع النجاشي ٥٢٠٠، فقُتل منهم ألف، وأُسر ألفان ومائتان، وتمكَّن من الرجوع إلى الحصن ٤٠٠ سليم بسلاحه، و١٦٠٠ جريح، وكان ممن أسروا غير صبري أفندي قائد المدفعية الدكتور بدر أفندي، والدكتور چونسن، والميچر درهلز، ورفعت أفندي رئيس الكتاب. وممن قتلوا، غير محمد بك جابر ورشيد باشا، النائب محمد والدكتور محمد علي باشا البقلي. أما الدكتور بدر أفندي والقائممقام صبري أفندي، فإنهما تمكنا من العود إلى الجيش بمساعدة امرأتين حبشيتين من نساء آسريهما، أحبتاهما فأنقذتاهما، كما هي عادة نساء الحبش على ما يقال. كذلك وقع للدكتور چونسن بعد حوادث مؤلمة غريبة لا داعي لإيرادها هنا، وأما الدكتور محمد علي باشا البقلي فإنه كان في مصوع، ولكنه حالما علم بتحرك الجيش للقتال، رغب إلى القيادة العليا، بالرغم من بلوغه سن الشيخوخة الفانية، أن تستدعيه إلى مواقع الطعان، عساه يحظى بنعمة الاستشهاد، فدعته، فنال مناه، ولكن لا بسلاح الأعداء، بل على يد سوداني من الجيش المصري أُسر معه، وأُمر بقتله، على زعمه من ذات الحبشي آسرهما النافر من بطء سير البقلي، ومن اضطراره إلى إطعامه، وقد حوكم هذا السوداني فيما بعد بمصوع، ولم يصدِّق قضاته روايته، بل استفظعوا عمله لما كان لمحمد علي باشا البقلي من المكانة في النفوس، وحكموا على ذلك الوغد بالإعدام.

وبعد أن استولى الأحباش على ثلاثة عشر مدفعًا، وعلى كل سلاح المقتولين، وجميع الذخيرة التي لم تُطلق في القتال، تقدموا نحو الحصن بقصد القضاء على الحامية التي فيه وتخريبه، فأصلتهم الجنود نارًا حامية، لم يستطيعوا عليها ثباتًا، فجدَّدوا هجومهم مرتين، ولكنهم صدوا بخسائر جسيمة، فارتدوا على أعقابهم حانقين. وفي يوم الجمعة العاشر من شهر مارس أقدموا، لشدة غيظهم، على ذبح ألف أسير مصري من المنكودي الحظ الذين وقعوا بين أيديهم، وشرعوا في الأيام التالية يعذبون الباقين ثم يذبحونهم، حتى أفنوهم كلهم، ما عدا مائة وثلاثين تمكنوا من العود إلى الحصن.

ومع أن علي الروبي أفندي المتولي إدارة المستشفيات بذل أقصى جهده في الاعتناء بالجرحى، وأن بدر أفندي الطيب لم يألُ جهدًا في معالجتهم، وأبدى من صنوف الإخلاص وتضحية الذات ما استحق عليه ثناء الجميع، فإن مائتين من الجرحى ماتوا أيضًا! فكأن نتيجة المعركة في (قرع) كانت كالآتي: ٣٢٧٣ مقتولًا ومجروحًا جرحًا قاتلًا، و١٤١٦ جريحًا، و٥٣٠ سالمًا فقط، وبما أن القتلى المدفونين في الوادي ومجرى السيل — وأناف عددهم على ألفين — لم يدفنوا دفنًا أصوليًّا، فإن الأمطار ما لبثت أن كشفت التراب عن جثثهم، فأكلت الضواري رممهم.

غير أنه إذا بكت مصر دمعًا سخينًا على أولادها الذين ضحَّى بهم في تلك الأودية السحيقة جهلُ قوادهم الأتراك والشراكسة، فإن الحبشة، وإن تغنَّت بالفوز في (قرع)، لم تجد بدًّا من البكاء بدل الدمع دمًا؛ فإن عدد قتلاها لغاية ١٠ مارس بلغ خمسة آلاف، ناهيك بالجرحى، والذين فروا، فلم يبلغوا ديارهم إلا معطوبين.

على أن ذات التغنِّي بالنصر لم يكن في محله في (قرع)، بل ولا في (قوندت) عينها، فإن الجيش الحبشي الذي فتك بأرندروپ وحملته كان يزيد على سبعين ألف مقاتل؛ منهم ١٥ ألفًا مسلحون بأسلحة نارية، ولم يقلَّ الجيش الحبشي الذي قاتل في (قرع) عن خمسين ألفًا، فإن كركهام كان يقول: إن النجاشي يستطيع حشد من ١٥ إلى ٢٠ ألف فارس و٢٠ ألف بندقلي، ومن ٥٠ إلى ١٠٠ ألف بيادة. ويذهب درهلز — وقد مكث في أسْر الأحباش خمسة وأربعين يومًا، ووقف على كثير من أسرارهم — أن عدد الذين داهموا القوة المصرية الصغيرة في (قرع) كان يربو على أربعمائة ألف.

ولا أدل على مقدار الخسائر التي أصابتهم أكثر من انسحابهم بعد تلك المعركة بدون أن ينالوا من حامية الحصن مأربًا، مع أنها كانت تحت رحمتهم، ولو صبروا على حصرها فقط بدون الحمل عليها ومقاتلتها لقطعوا عنها الزاد، واضطروها إلى التسليم. ويروي الخبيرون أن الذي أجبر النجاشي على الانسحاب إنما هو خسارته نصف جيشه وأكثر، بسبب الفارِّين عنه بعد المعركة. وكانت خسارته هذه تكون أكبر بكثير لو أن عثمان بك قائد القوة المصرية في (قياخور) لم يُظهر من الجهل والغباوة والحمق مظهرها الأقصى، ولم يحجم عن الاشتراك في المعركة، بالرغم من أن العدو كان ضمن دائرة مرمى مدافعه، بل ذات بنادقه، وهو لو اشترك فيها لفلَّ بمقذوفاته ورصاصه شمل الأحباش المهاجمين التل القائم عليه آلاي جابر بك وأورطة داي ومدفعية صبري أفندي من الوراء، ولَصعقهم صعقًا، فمكَّن بذلك أولئك الأبطال من الاستمرار على حماية جناح الجيش حماية ربما أدت إلى فوز. والأدهش من إحجام ذلك الضابط ومخالفته للمبدأ الحربي النابليوني الذي يحتم على كل قائد فرقة أن يسرع نحو النار حالما يسمع دويها، لنجدة رفاقه المشتبكين في قتال مع العدو، هو تهنئته نفسه فيما بعد على عدم اشتراكه في تلك المعركة! وهو لو كان قائدًا في أمة غير أمتنا المصرية هذه لجيء به، بسبب ذلك، أمام مجلس حربي، ولحوكم محاكمة صارمة.

ومما يثبت أن النجاشي — بالرغم من بقائه سيد ميدان معركة (قرع) — لم يعتبر نفسه فائزًا فوزًا حقيقيًّا، هو أنه بادر في ١٢ مارس إلى إرسال رسول يعرض الصلح على السردار، ويلتمسه منه، وقفَّاه بمندوب خاص يُدعى ليكو منكروس وركي، قدم المعسكر بصحبة ١٠ أو ١٢ ذات حيثية، من ضمنهم پركنس زوج ابنته، المشهور عنه أنه ابن اللورد پركنس، فاستقبله السردار والأمير استقبالًا شائقًا، وقدَّما له هدايا فاخرة، من ضمنها جواد أبيض من كرام الخيل، وقاما بواجبات ضيافته بكيفية سنية. وما لبثت المخابرات في شأن الصلح أن دارت بين الخديو والنجاشي بواسطة السردار وذلك المندوب.

فطلب الخديو رد كل السلاح المأخوذ من المصريين في الحرب إليهم مقدِّمة لفتح أي مفاوضات تكون، ولكنه عاد فتنازل عن هذا الطلب، وأذن لراتب بالتفاوض مع مندوب النجاشي، فتفاوض معه أيامًا، ثم بعد أن أهدى إليه ٥٠٠ ريال وأواني فضية، وأهدى أتباعه ٣٠٠ ريال ومائة صليب، أعاده إلى يوحنا لكي يخبره بما وصلت إليه المفاوضات، ويأتي من لدنه بتعليمات جديدة.

وفي ٣ أبريل وردت إشارة برقية إلى الأمير حسن تصرِّح له بالرجوع إلى مصر، فترك الحصن في ثاني غد من ورودها، وبلغ مصوع بفرقة من الخيالة في صباح اليوم السادس من الشهر، فوجد «المحروسة» في انتظاره هناك، فاستقلَّها وعاد إلى أحضان أبيه. ولم يمضِ على وصوله يومان إلا وصدرت الأوامر إلى راتب باشا بعقد الصلح بأحسن ما يمكن من الشروط والجلاء عن البلد.

ولمَّا كان الفصح الحبشي مقتربًا، اغتنمها السردار فرصة جيدة ومناسبة لإخلاء حصن (قرع)، والسير بقوته إلى الحصن الذي ابتناه الكرنيل لوكت في ممر (قياخور)، فما وصله واستقر فيه إلا وأقدم على عملين يذكرهما له التاريخ بمداد الاشمئزاز، ويدلان على مقدار تعسف العنصر التركي الشركسي في تلك الأيام بالمصريين، بل بذات الضباط منهم، وإليك بيانهما:
  • (١)
    كان قد اتفق لملازم أول مصري والجيش معسكِر في (قرع)، قبل واقعة ٧ مارس، أن عثمان بك أمير آلايه الشركسي ضربه ذات يوم بدون سبب، وبدون ذنب، فرفع الملازم شكواه من ذلك إلى السردار راتب باشا، وبيَّنها بيانًا مفصلًا، فلم يلتفت السردار إليها، وضرب بها عرض الحائط، فرأى الملازم أن ضربه وهو ملازم لا يتفق مع الكرامة المطلوبة له، والتي تطالبه نفسه بها، ولا مع هيئته في نظر مرءوسيه، فتخلى عن وظيفته، ورجع إلى الصف بصفته جنديًّا بسيطًا، وأظهر في حاله هذه الجديدة من الطاعة والامتثال وحسن السلوك، وأبدى من ضروب الشجاعة ما جعله موضع إشارة البنان، وأعلى منزلته في أعين العسكر على العموم، ولكن أمير آلايه الشركسي عد عمله هذا خارجًا عن حدود الأدب العسكري، ومستوجبًا عقابًا صارمًا يردع غيره عن الاقتداء به، وشاطره راتب باشا رأيه، فما استقر في حصن ممر (قياخور) إلا وأمر بذلك الرجل الأبيِّ فسيق أمام مجلس حربي، وحوكم محاكمة أصولية على زعمهم، فحكم المجلس عليه بالموت تحت الرصاص، ونُفِّذ الحكم فيه.٣٢
  • (٢)
    كان قد قام من (مصوع) إلى (قرع) مددٌ تحت قيادة إسماعيل باشا الشركسي، فوصلها حوالي أواسط مارس؛ أي بعد الواقعة بأيام، ولكنه حدث، لما بلغ المدد (قياخور) أن قائمقام مصريًّا شعر بتوعك في مزاجه، والتمس من إسماعيل باشا التصريح له بالبقاء في هذا الحصن حتى يشفى، فأبى عليه ذلك زاعمًا أن مرضه ليس مما يستوجب الإمهال، فألحَّ القائمقام، لا سيما أن الرفض الصادر عن رئيسه زاد فعلًا في وطأة الداء على جسمه، فأمر إسماعيل باشا طبيب الفرقة بالكشف عليه، واستعمل في أمره ألفاظًا أدرك الطبيب منها أن الباشا يرتاح إلى تقرير لا يكون موافقًا للمريض، فكشف عليه، وقرر أن المرض ليس ذا بالٍ، فما كان من الباشا إلا أنه ذهب بنفسه إلى خيمة ذلك القائمقام، وأمر باقتلاعها، وقلبها على رأسه، وحتم أن يسير الرجل مع أورطته مشيًا على قدميه، فازداد المرض ثقلًا على المسكين، وحال دون تمكنه من الاستمرار على المشي، فتأخر عن أورطته، فأمر إسماعيل باشا الشركسي بتجريده من رتبته وتنزيله إلى الصف نفرًا بسيطًا! ففعل. ولكن ذلك لم يشفِ غليله، كأنه كان بينه وبين ذلك القائمقام ثأر قديم، فلما استقر الجيش العائد من (قرع) في (قياخور)، طلب محاكمته أمام مجلس عسكري، فحوكم، وحكم المجلس عليه بالإعدام، فأخذوه وأجلسوه على أرض، موثق الركبتين، مغلول الكوعين وراء كتفيه، وأطلقوا عليه الرصاص، فجرح جروحًا عدة، ولكنه لم يمت، فكلِّف باشجاويش بالإجهاز عليه، فقتله صبرًا!٣٣

وإننا لدى مطالعتنا هذين الحادثين، ووقوفنا على ما أجمع عليه المؤرخون من غربيين ومصريين من أن كبار الضباط الشراكسة كانوا شديدي القسوة والجبروت على الضباط المصريين، لا سيما الصغار منهم، وأنهم كانوا يؤاخذونهم بالعنف والشدة على أصغر الصغائر، لكيلا يفشلوا على زعمهم، ويلقونهم في أضيق السجون عند أقل حادثة، نفهم بجلاء لماذا قام أحمد عرابي بثورته، وندرك بسهولة أنه كان لا بد منها ما دامت روح القيادة العليا هي عينها التي تولت زمام حملة سنة ١٨٧٦ المشئومة.

وكان السردار منذ قيامه من (قرع) قد كلف أورطة بالسير أمام الجيش لتمهد له الطريق وتجهزها فيما بعد (قياخور)، وتهيئ له أسباب الراحة والاطمئنان، فانطلقت تلك الأورطة، وقامت بمهمتها، حتى بلغت حصن (أمباتقان) المقام في وسط المسافة بين (قياخور) و(ينجس)، وكان المنظور أن الذين ابتنوه، وقضوا عدة أسابيع يشتغلون في حفر آبار بجواره، قد أوجدوا منها العدد الكافي، واعتنوا بحرص تام بحفظ الماء فيها، ولكن قلة الصيانة — وهي النقص الأكبر في أخلاقنا الفردية والقومية على العموم — أدت إلى إهمال شأن تلك الآبار حتى طمرها التراب وعفى آثارها، فلما لم تجد الأورطة المتقدمة أثرًا للماء فيها اجتازتها إلى (ينجس) بدلًا من تنظيف الآبار وتطهيرها لإعادة الماء إليها، أو حفر غيرها لتفي بحاجة الجيش القادم.

فنجمت عن ذلك نكبة أخرى أصيب الجيش بها؛ لأنه إذ لم يجد ماء بعد سير حثيث متعب فلَّ وتبعثر وتشتت أيدي سبا، ولما أنهك الرجال النصب في تلك الفلوات المجهولة، شرعوا يركبون خمسة وستة على البهيم الواحد، فأدَّى ذلك إلى إبهاظ حيوانات النقل إبهاظًا أودى بحياة معظمها، وبات الذاهب من (قرع) — وما كاد المصريون يخلون حصنها إلا واحتله الأحباش ودمروه — إلى مصوع يرى الطريق مغطاة بجثث الرجال والبهائم، وقد اجتمعت عليها الطيور الكاسرة والوحوش الضارية متبارية في نهشها، كأنها دعيت إلى وليمة لم تكن في الحسبان!

على تلك الحالة الرديئة وصلت بقية الحملة إلى مصوع، حيث أقامت أيامًا في انتظار ورود الأوامر إليها بالعودة إلى مصر، فلما جاء المرسوم بذلك نزل السردار بمن معه في إحدى السفن الخديوية، وأنزلوا ما بقي من المدافع والأسلحة والمهمات في ثلاث سفن كبيرة أخرى، وأقلعوا قاصدين السويس، وكأن النحس أبى إلا مرافقة ألوية راتب إلى النهاية، فحمل سفينة منها تدعى «دنقلة» على الارتطام بصخر في الماء، فغرقت بما عليها، ولم ينجُ منها غير الرجال، ولما وصل العساكر إلى السويس سُيِّروا على الأثر إلى رأس الوادي، حيث أقاموا أيامًا، ثم سُرِّحوا، فعادوا إلى أوطانهم يحملون أنباء البؤس والشقاء اللذين حلَّا بهم، والنكبات التي احتملوها.

هكذا انتهت الحروب مع الحبشة، بعد أن كلَّفت الخزينة المصرية نيفًا ومليونين من الجنيهات، ولولا أن سوء طالع البلاد حال دون رغبة الخديو في تسليم قيادتها إلى الأكفاء من موظفيه، بضرب الصفح عن كونهم غربيين أو شرقيين، وأن العنصر الشركسي المتغلب في المراجع العليا على دوائر المشورة أبى إلا مقاطعة الغربيين واحتقار كفاءتهم، اعتدادًا منه بكفاءته المعدومة، لما آلت جهود (إسماعيل) إلى تلك النتيجة الوخيمة، ولما باتت نكبة الحبشة من أقوى عوامل ضياع الثقة الغربية بمصر ومقدرتها.

لذلك قلنا بحق إن تحديد التخوم بين الأملاك المصرية والحبشية أصبح من أهم المشاغل والأمور؛ لأن النجاشي بعد الفوز الأدبي الذي أوتيه بانسحاب الجيش المصري بخفَّي حنين أصبح شديد المراس في طلباته، بعيدًا عن حدود التسامح والتساهل في التسليم بالمطالب الخديوية، فقضى جوردون مدة ولايته كلها على السودان مشتغلًا في تسوية الخلاف، عاملًا على إعادة المياه إلى مجاريها بين الدولتين. وكان أول أمر باشره عند تَولِّيه الحكمدارية أنه ذهب إلى مصوع لعقد وفاق مع النجاشي بشأن الحدود، لكنه وجد (ولدا ميخائيل) شاهرًا العصيان على يوحنا، ووجد أن يوحنا يلقي تبعة عصيانه على تحريضات سرية تأتيه من مصر، فأجَّل النظر في الأمر إلى فرصة أخرى، وذهب إلى دارفور للنظر في إخماد ثورة الأمير هارون الرشيد كما مر، ثم عاد إلى (سنهيت) فوجد (ولدا ميخائيل) لا يزال على عصيانه، فلكي يبرهن للنجاشي على أن مصر لا يد لها في تمرده، طلب إليه أن يتحد معه على سحقه، فلم يُجِبه يوحنا إلى طلبه، فعاد إلى الخرطوم ومصر، ثم رجع بطريق البحر الأحمر إلى هرر، فوصلها في أبريل سنة ١٨٧٨، فوجد رءوف باشا مشغولًا عن الرعية بشئون تجارته، وقد كثر ظلمه، فعزله.

وأما الحبشة فلم يتوصل إلى الاتفاق معها.

إلى هنا تقف حركة الفتح والتوسع في أيام (إسماعيل)، ويؤخذ منها بصفة إجمالية أن السير صموئيل بيكر، فيما بين سنة ١٨٧٠ وسنة ١٨٧٣، احتل وادي النيل الأبيض الأعلى لغاية (جندوكورو)، وأن الزبير فتح بلاد بحر الغزال فدارفور، وأن جوردون كمَّل عمل بيكر، فأسَّس نقطًا حربية لغاية (مرولي) على نهر السمرست، واحتل ماسندي عاصمة مملكة يونيورو، ووضع حدًّا للمنازعات التي كانت قائمة منذ دهر بين قباريجا وآتفينا وريونقه، سليلي أول ملوك اليونيورو، على تقسيم هذه المملكة! فأجبر قباريجا على الامتثال لإرادته، وعيَّن الاثنين الآخرين حاكمَين على (ماجونجو) و(مرولي)، تحت ولاء الخديو، وأن حملة عسكرية أخرى بلغت بحيرة ڨكتوريا، وأقامت على بعدٍ قليل من شلال ريبون العظيم نقطة عسكرية عند الدرجة ٠٫٣٠ شمالي خط الاستواء، وأن الجنود المصرية احتلت في الوقت عينه بربرة، وعُهدت إليها مهمة التقدم بالتدريج على طول حدود الحبشة الجنوبية الشرقية، للإحاطة بهذه البلاد، بإخضاع عموم المقاطعات الممتدة ما بين البحر وينابيع النيل، وأنَّ توسع السيادة المصرية على ساحل أفريقيا الشرقي سارٍ بخطوات متساوية مع سير الفتوح في داخلية القارة، وأن مصر وضعت قدميها بثبات وعزم على خليج عدن في سنة ١٨٧٣، وأن متزنجر، بصفته محافظ مصوع والحاكم العام للسودان الشرقي، ما فتئ يوسع دائرة ولايته حتى مدَّها رويدًا رويدًا على ساحل الصومال فيما وراء بربرة، وأن الخديو استخدم ذلك الثغر قاعدة لتسيير حملات متتابعة ضد قبائل الصومال المجاورة، لا سيما قبائل القالا، فقهرها على أمرها، وأنه استولى على هرر بدعوة من أهلها، وأنه لمَّا لم يعد في سبيل تجمع أملاكه بعضها إلى بعض سوى الحبشة أراد كنسها من سبيله، فأوقف دفاعُها عن نفسها، وسوءُ اختيار القواد الذين نيطت بهم محاربتها، سيرَ جنوده الفاتحة المنصورة.

فكانت نتيجة هذه الفتوحات كلها أنه أضيف خمسون ألف ميل مربع إلى مساحة الدولة المصرية، ونيف وثلاثة عشر مليونًا ونصف مليون إلى عدد سكانها.

١  أهم مصادر هذا الفصل: «تاريخ السودان» لنعوم بك شقير، و«رسائل جوردن باشا لأخته»، و«مصر المسلمة والحبشة المسيحية» لويليم ماك إي داي، و«حملة المصريين ضد الحبشة» لستزكرا، و«تقرير عن استيلاء الحبشان على الكشافة الچيولوچية والمينزالوچية المرسلة من أركان حرب الجيش المصري» لمتشل. (ل.ك).
٢  انظر: «مصر الحديثة» في كتاب مرسيل المعنون «مصر» ضمن مجموعة المؤلفات التاريخية المنسوبة للأونيڨير.
٣  انظر ما قاله في هذا الصدد إدون دي ليون في كتاب «مصر الخديوي» ص٣٤٢، واقرأ ما كتبه «ماريت باشا» موردًا في الكتاب عينه ص٣٦٠ و٣٦١، واقرأ على الأخص ما ختم به إدون دي ليون هذا فصله في السودان من الكلام الأنيق الحق.
٤  انظر: «تاريخ السودان» لنعوم بك شقير.
٥  انظر هذا الفرمان في «مجموعة الفرمانات» لفيليب جلاد.
٦  انظر: «مصر الحديثة» لمرسيل في كتابه المعنون «مصر» في ضمن مجموعة الأونيڨير.
٧  راجع: «تاريخ محمد علي» لمانجين وهامون وموربيه وغيرهم.
٨  انظر: «تاريخ محمد علي» لمانجلين وهامون وموربيه وغيرهم، وانظر: «مرسيل».
٩  اقرأ الفصل المعنون: (الخدمة العسكرية) في «مصر المعاصرة» لمريثو.
١٠  انظر: «مصر المعاصرة» لمريثو، ص٢٣ و٢٤، وانظر: «مصر الخديوي» لإدون دي ليون ص٣٧٤.
١١  انظر: «مصر المعاصرة» لمريثو من ص٢٤ إلى ٢٨.
١٢  رواها لي حضرة صديقي الفاضل عبد الحليم بك عارف نجل المرحوم حسين باشا عارف، المعروف باللالا بالإسكندرية.
١٣  أهم مرجع فيما يأتي عن إصلاح الجندية كتاب «مصر المسلمة والحبشة المسيحية» لداي (الفصل العاشر، والفصل الحادي عشر).
١٤  انظر: «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص١١٥.
١٥  انظر: «مصر المسلمة والحبشة المسيحية» لداي من ص٦٣ إلى ٦٦.
١٦  انظر: «مصر المسلمة والحبشة المسيحية» ص٧٠ وما يليها.
١٧  انظر: «تاريخ السودان» للمرحوم نعوم بك شقير.
١٨  انظر: «إسماعيلية» لبيكر باشا.
١٩  انظر: «تاريخ السودان» للمرحوم نعوم بك شقير.
٢٠  انظر: «خديويون وباشاوات» لموبرلي بل ص٢٠.
٢١  انظر: «رسائل جوردون إلى أخته».
٢٢  انظر: «تاريخ السودان» لنعوم بك شقير.
٢٣  انظر: «مصر المسلمة والحبشة المسيحية» لداي ص٨٠ و٨١.
٢٤  كتب قبل معاهدة فرسايل.
٢٥  وهو الذي ذكرناه باسم «رسائل جوردون إلى أخته».
٢٦  انظر: «تاريخ السودان» للمرحوم نعوم بك شقير.
٢٧  مأخوذ عن «تاريخ السودان» للمرحوم نعيم بك شقير.
٢٨  انظر: كتاب «مصر المسلمة والحبشة المسيحية» لداي في الحاشية ص١٨٣.
٢٩  انظر: «مصر المسلمة والحبشة المسيحية» لداي؛ الفصل السابع عشر، والفصل الثامن عشر.
٣٠  مات راتب باشا منذ نيف وعام، وقد عمَّر قرنًا على ما يقال.
٣١  انظر: «مصر المسلمة والحبشة المسيحية» لداي، ص١٥٩.
٣٢  انظر: «مصر المسلمة والحبشة المسيحية» لداي، ص٤٤٩ و٤٥٠.
٣٣  انظر: «مصر المسلمة والحبشة المسيحية» لداي، ص٤٥٠ و٤٥١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠