الفصل الثالث

أبهة الملك وجلاله لا سيما في المواسم والأعياد والأفراح١

رأت مصر على ممر القرون من مظاهر العظمة ومجاليها، وأبهة الملك وجلاله، وفخفخة الرسميات وجمالها، ما لا تحسد معه قطرًا في الوجود على ما أحرزه من ذلك، ولكنه لم تتوالَ تحت قبة سمائها الصافية، وعلى ضفاف نيلها السعيد سلسلة أعوام أخذت نصيبها الأوفر من الجلال والمهابة، والبهجة والأبهة، والجمال والفخامة، واللذات، مثل أعوام مُلك (إسماعيل) الستة عشرة؛ فقد كانت حلمًا في مخيلة التاريخ لم يتحقق إلا مرة واحدة في دائرة عصوره! لا تكلمني عن جلال حفلات الفراعنة الأقدمين، ولا عن أبهة الاحتفال البطليموسي المهيب بالمجيء برفات الإسكندر الأكبر من بابل إلى مقره الأبدي في الإسكندرية، لا تذكر لي «الحياة التي لا يقتدى بها» التي قضاها أنطونيوس وكليوباترا، ما بين كانوب وفارو، قبل أن يميد البحر والأرض بهما، لا تحدثني بأيام أحمد بن طولون وخمارويه، وموكبهما السَّني، وابتهاجات قران قطر الندى بالخليفة العباسي، المالك على ضفاف الدجلة في بغداد، لا تخبرني بزهو الأعياد والرسميات في أيام الفاطميين التي لن تنسى، وبجلال جلوس أولئك الخلفاء البذاخين، وفخامة مواكبهم في الأعياد والمواسم، لا تطنطن لي بفخفخة رجوع البندقداري وقلاوون وفرج والناصر وبرقوق والمؤيد وبرسباي وقايتباي إلى عاصمتهم المصرية، عقب انتصاراتهم في الشرق، وشقهم شوراعها بالقبة والطير، ولا تذكر لي دخول بوناپرت القاهرة على رأس جيشه الفائز من تحت قبة باب الفتوح، بين عزف الموسيقات، ودق الطبول، فإن هذا جميعه، على ما فيه من سنا وسطوع، وأخذٍ بمجامع القلوب، ينكسف تمامًا أمام الأشعة المنبعثة إلى صفحات الأساطير عن أبهة الأيام وجلالها وأعيادها في عهد (إسماعيل).

وإنَّا بعد ما تقدم لنا ذكره عن الأعياد التي أقيمت احتفالًا بقدوم السلطان عبد العزيز، واللورد پاچيت أمير الأسطول البريطاني في البحر الأبيض، والإمبراطورة أوچوني إمبراطورة الفرنساويين، والإمبراطور فرنتز يوسف إمبراطور النمسا والمجر، والبرنس فردريك ولي عهد الدولة البروسية، وزمرة العواهل والأمراء الذين حضروا حفلات فتح «ترعة السويس»، وقد أنفق فيها وحدها ما أنفقته أسرة برمتها من الأسر السابقة في أعياد مئات من السنين، بعد ما سبق لنا وصفه من مظاهر الضيافة التي بذلت في تلك الأعياد للألوف من الوافدين تباعًا أيامًا، بل أسابيع متوالية، وامتازت بأطعمتها اللذيذة، ومشروباتها الفاخرة، ونزهها النيلية الجميلة، والضيافة التي كانت تبذل بسخاء لا يعرف حدًّا، وتفنن لا يعبر عنه وصف لكل عالم وأديب، ورجل سياسة أو مال، كان يقدم زائرًا على العاهل المصري البهي المكارم، بعد ما شرحناه من إقامة الأعياد والمراقص الشتائية، الآخذة بهجتها بمجامع الألباب، في كل سنة من سِني ذلك العهد العديم المثيل، وما بيَّنَّاه من استقدام المليك الحاتميِّ الكفِّ طوائف الممثلين والممثلات، وعلى رأسها نوابغ الفن وملوكه وملكاته، منذ أنشأ المسارح الفخمة للتمثيل في عاصمتي بلاده، بعد ما ذكرناه من إقامة حفلات السباق في مصر والإسكندرية على نظام لم تعهده القرون السالفة مطلقًا، وأزرى بحفلات لعب القبق في أيام السلاطين المماليك، وما ذكرناه عن مظهر (إسماعيل) الخلاب في معرض باريس سنة ١٨٦٧، وفي زياراته المتعددة للعواصم الأوروبية، لا سيما في سنة ١٨٦٩، وفي الحفلات التي أقامها في قصره بميركون على البوسفور للسلطان عبد العزيز وكبراء دولة بني عثمان، لا نرانا في احتياج إلى التوسع في هذا الباب، ولكنا لإيفاء الموضوع حقه نقول إن أبهة الملك وجلاله تمثلا في أيام (إسماعيل) علاوة على ما ذكرناه من مظاهرهما:
  • أولًا: في الأعياد والرسميات.
  • ثانيًا: في الأفراح والأعراس.
  • ثالثًا: في القصور والسرايات وما اشتملت عليه.

أما الأعياد — وهي الإسلامية الكبرى، والقومية العامة، كعيد وفاء النيل، وتذكار يوم الجلوس السنوي — فإنك كنت ترى فيها العاصمة قائمة قاعدة، تجتاز شوارعها المواكب الفخمة، والعربات الفاخرة، والرايات والأشاير، والطبول والزمور، وجماعات أصحاب الرتب والنياشين بملابسهم الذهبية الساطعة، ونياشينهم المتلألئة، وأوسمتهم الفاخرة، يفدون على سراي عابدين زرافات ووحدانًا، وكنت تسمع الموسيقات تصدح بأنغامها الشجية في كل حي من الأحياء، وتدوي المدافع دويًّا متعاقبًا، وتجري الاستعراضات الجميلة إما في ساحة عابدين الفسيحة، وإما بالعباسية، مكان المولد النبوي، الممتاز من بين تلك الأعياد بإحياء الليالي السابقة لحلوله، إحياءً بديعًا، فتنتشر في الفضاء الواسع السرادقات الفخمة المزدانة بأفخر الرياش، لا سيما سرادق الخديو، وسرادقات رجال حكومته، وتتلى الصلوات وتقام الأذكار في الخيام والصواوين، وتعم الفيوضات الخديوية المعوزين والفقراء، فتمد لهم الأسمطة ليلًا، فيأكلون ما طاب ولذ، وتشعل السواريخ والألعاب النارية على أبدع الأشكال، وأتم الأنواع.

وأما عيد الجلوس، فإنه كان يمتاز بمرور عشرة آلاف درويش، بأشايرهم وراياتهم، أمام شرفة القصر بعابدين بضجة وعجة عجيبتين، تستمران ساعتين، وباستعراضٍ فخم يقام بالعباسية، وتؤمه جماهير العالمين من كل فج عميق.

ناهيك بما كان يُقام في تلك الأعياد من الولائم، وما يُنحر من النحائر، وما يُوزع من الصدقات، ويُنعم به من النعم، ويُجاد به من العطايا، فما من مستخدم في القصور مهما كان حقيرًا إلا وتخرج له الهدايا الثمينة المتنوعة، للكبراء تمنح القصور والأطيان، والجواري الحسان، والجواهر الثمينة، والجياد المطهمة؛ وللمتوسطين تهدى صرر النقود، أو السيوف المرصعة، والآنية الفاخرة، والرياش الوثير؛ وللأصاغر تُعطى الجوائز من الخواتم والساعات، والملابس والحلويات، فكنتَ ترى الأقوام على اختلاف مراكزهم الاجتماعية ينتظرون حلول الأعياد بمطامع مفتوحة، وأعين مرفوعة مركزها ولي النعم وآل بيته، فتجود أيدي (إسماعيل) وأزواجه وبناته بما يُشبع تلك المطامع ويقر تلك العيون.٢

وأما الرسميات، وأهمها استقبال القناصل عند تعيينهم، فإن أخص ما كان يستوقف الأنظار فيها العربات الخديوية الخاصة تجرها أجاويد الجياد، تارة ستة، وطورًا ثمانية، وكلها من لون واحد، وتحف بها كوكبات الفرسان بسيوف مشهرة، فتذهب بمعتمدي الدول إلى حيث يستقبلهم العاهل المصري وهو في وسط حلقة من وزرائه وأخصائه، يأخذ سنا ملابسهم بالأبصار، وتبهر جواهر النياشين المتلألئة على صدورهم الأنظار، فبعد أن تتبادل الخطب المعتادة، وتتصافح الأيدي، كان يصدر الأمر الكريم بالإنعام على الوافد بسيف من السيوف المرصعة الثمينة، وحصان من أجاويد خيل الإسطبلات الخديوية العامرة.

وأما الأفراح والأعراس، فلا أوقع في تقريبها إلى دائرة المخيلة من وصف الأعياد التي أقيمت احتفالًا بزواج الأمراء الثلاثة: توفيق وحسين وحسن أبناء (إسماعيل)، من الأميرات: أمنية هانم بنت إلهامي باشا بن (عباس الأول)، والأميرة عين الحياة هانم بنت الأمير أحمد باشا بن (إبراهيم الأول)، والأميرة خديجة هانم بنت الأمير محمد علي الصغير بن (محمد علي) الباشا العظيم، وزواج أختهم الأميرة فاطمة هانم بالأمير طوسون بن (محمد سعيد). تلك الأعياد، وقد أقيمت ابتداء من ١٥ يناير سنة ١٨٧٣، دامت أربعين يومًا كاملة باعتبار عشرة أيام لكل فرح منها، ولا يزال ذكرها إلى يومنا هذا يبهر تصور الذين رأوها وعاشوا أيامها اللامنسية.

فإن شوارع العاصمة المهمة، وعلى الأخص ما كان منها مؤديًا إلى القصر العالي مقر والدة (إسماعيل)، وإلى سراي الجزيرة، مقر حفلات (إسماعيل) المفضل، وسراي القبة مقر ولي العهد، زُينت بالتحف والفوانيس المختلفة الألوان على مسافات بضعة آلاف من الكيلو مترات، ووضع في نهايتها أقواس نصر مختلفة الأنوار، جعلوا في أعاليها طرقات رُصعت بالشموع.

فسطعت ملايين الأضواء تتلألأ في الليل كأنها نجوم سطعت فجأة، فقلبت الظلام نهارًا، أو جعلت المتفرجين يتصورون مدة ستة أسابيع متوالية، أنهم ينتقلون في الليل من منطقة مدار الشمال إلى منطقة أحد القطبين صيفًا، حيث لا تغيب الشمس عن الآفاق أشهرًا متعددة.

وأقيمت في أهم الميادين هنا جوقات موسيقية — وأهمها التي اتخذت موقفها في الطرقة بعالي قوس النصر تجاه القصر العالي — وهناك تخوت آلاتية — وأهمها تخت عبده الحمولي، بلبل الأفراح، ورب الطرب الشرقي على العموم، فأخذت تلك تصدح وتعزف، وأخذت هذه تشنف الأسماع بألحان بديعة، وأصوات رخيمة تجعل سامعيها يتخيلون أنهم انتقلوا إلى جنة الخلد البهية، وأنهم يسمعون ترانيم الملائكة المختارين حول عرش الرحمن.

ونصبت في كل جانب المسارح المرتجلة، ليمثل عليها غواة الفن، وجوقات كراكوز، فيحضر من شاء تمثيلها مجانًا، ويعود إلى منزله مرتاحًا مبتهجًا، ومدت الحبال في الساحات العمومية، لا سيما جهة القصر العالي، ليلعب عليها «البهلوانيون» ألعابهم المدهشة المحيرة للألباب، فشبكت بصوارٍ عالية جدًّا، ملفوفة عليها أقمشة ملونة، تعلوها مراءٍ فاخرة، وتتخللها مناور ساطعة.

ورتبت السواريخ بتفنن غريب في تلك الجهة عينها، وأخذوا يشعلون كل ليلة جانبًا منها، فتدوي طلقاتها في آفاق العاصمة كلها، وتتناثر نجومها وأهِلَّتها في جميع الأحياء ست ساعات متوالية، ناشرة فيها أنباء الأفراح القائمة، وداعية الأهالي على اختلاف طبقاتهم إلى الاشتراك فيها.

ففي اليوم الخامس عشر من شهر يناير — على ما نظن — بدأ خروج الهدايا المهداة من سمو الأميرة والدة (إسماعيل) وزوجاته الفخيمات إلى العرائس من القصر العالي، وشوارهن، وكان شوار الأميرة أمينة هانم، زوجة ولي العهد أول ما خرج من ذلك النوع، فسير به إلى قصر القبة، تخفره صفوف الفرسان بزي عربي بديع، وآلاي بيادة بأسره بملابس بيضاء ناصعة كالثلج، تتقدمه جوقة موسيقية من أمهر العازفين، وكانت الهدايا موضوعة في أسبتة مكشوفة، فوق عربات مكسوة بالقصب، على مخدات من القطيفة المزركشة بالذهب والماس، يغطيها شاش فاخر، يمسك بأطرافه أربعة عساكر في كل عربة، ويتبعهم ضباط بملابسهم الرسمية، والسيوف مشهرة في أيديهم.

وكانت تلك الهدايا عبارة عن مجوهرات سنية، وقلائد ماس ساطعة من النوع المعروف عامَّة باسم «البرلنتي»، ومناطق من الذهب الخالص، وأقمشة مطرزة باللؤلؤ العديم المثيل، وزمرد في حجم البيض، وملابس بيضاء مطرز عليها رقم الأميرة باللآلئ والحجارة الكريمة، وآنية متنوعة من الفضة الصب الخالصة بكمية عظيمة، وثمن ذلك جميعه يفوق الحصر والعدَّ، وكان بين الهدايا المقدمة من (إسماعيل) لأكبر أبنائه سرير من الفضة الصب الخالصة، شبيه بالذي أهداه إلى الإمبراطورة أوچوني أثناء إقامتها بمصر، مُحلَّى بماء الذهب الإبريز، وعواميده الضخمة مرصعة بالماس، والياقوت الأحمر النادر والزمرد والفيروز، فاجتاز الموكب المهيب شوارع العاصمة، بين سياج حيٍّ من العساكر الشاكي السلاح، وتقدم يتهادى في سيره مختالًا كأنه طرب بذاته، شاعر بقيمته.

ولم يختلف شوار الأميرات عين الحياة هانم، وخديجة هانم، وفاطمة هانم، والهدايا المهداة إليهن، عن شوار أمينة هانم، وما أهدى إليها مما تقدم وصفه.

وفي اليوم السادس عشر أُحيي في العباسية السباق الأوحد الذي سبق لنا الكلام عنه في غير هذا المكان، وكان معظم (چوكيه) من السود اللابسين لباسًا من الحرير الأحمر، ومد فيه على نفقة الخديو الخاصة، مقصف للمدعوين فاقت أصناف مأكولاته ومشروباته في التنوع واللذة، كل ما ظهر من نوعها على المقاصف الخديوية إلى ذلك الحين.

وفي اليوم السابع عشر، أقيم مرقص فخم في سراي الجزيرة، دعي إليه ما بين أربعة آلاف وخمسة آلاف ذات من الأجانب، وأعيان البلاد ووجوهها، فنورت الطريق كلها من عابدين إلى منفذ كوبري قصر النيل في الجزيرة بفوانيس من الورق الزاهر الألوان، ونشر عدد عديد من هذه الفوانيس عينها في جميع طرقات البستان الجميل المحيط بتلك السراي البديعة، وبين أغصان أشجاره، وعلى الأخص في البهو الواسع الممتد طول دورها الأرضي، فكان منظر تلك الأنوار، لا سيما بسبب تنسيقها وترتيبها، من ألطف ما تقر له العيون، وتنشرح الصدور.

وامتاز ذلك المرقص بأنهم هيأوا فيه وليمة عظيمة للمدعوين بدلًا من المقاصف العادية، فبعد أن ماجت بجموعهم الراقصة، القاعة الفسيحة، حيث كنت ترى الأنوار المختلفة الألوان، المنبعثة عن حلي عقيلات المدعوين تقترن بسطوع أكتافهن ونحورهن العارية، ويمتزج وقار الإسطمبوليات والملابس السوداء بأبهة ملابس كبار الموظفين الرسمية الساطعة الأوسمة، المتحلية بها صدورهم على قصبها وذهبها الوهاجين، وبجلال ملابس الضباط العسكرية، اللامع ذهبها حول وجوه أصحابها، الملفوحة من الشمس في فيافي السودان ومجاهله، أو في مفاوز اليمن، أو في وهاد جزيرة كريت وبين مضايق جبالها، بعد أن ماجت، بجموعهم الراقصة، القاعة الفسيحة، بينما الشيوخ المسلمون من علماء وأعيان وموظفين، اللابسون قفازات بيضاء، والملتحفون بوقارهم ينظرون إلى قصفهم بأعين تستغرب أن يقبل على الرقص الكهول، وتهزأ بهم هزءًا ساكتًا، بعد أن ماجت بجموعهم الراقصة القاعة الفسيحة، وقد حركت الحركة شهياتهم إلى الأكل، جلسوا حول الموائد الفاخرة الممدودة، حيث أقبل يخدمهم نيف وأربعمائة غلام (جارسون)، ورئيس طهاة (ميتردوتيل).

وفي التاسع عشر منه، بدأت أعياد القصر العالي، فنصبت حول الساحة الممتدة أمامه الصواوين والسرادقات، وعليها أسماء أصحابها، وبيان الغرض المعد كل منها لأجله، وفرشت بالطنافس العجمية الفاخرة، وأقبل أرباب اليازرجة يقيمون ألعابهم اللطيفة في وسط تلك الساحة الواسعة، ومن ضمنهم بهلوان كان يصعد على حبله بخروف ويجزره فوقه، ثم تفرَّق لحومه على الفقراء. ورُتب مقصفان للعموم: أحدهما على النمط الغربي، وما فتئ مزدحمًا بقاصديه، الراغبين على الأخص في أنبذته العتيقة الجيدة، والآخر على النمط الشرقي، وما فتئ هادئًا بالمقبلين عليه، وأقيمت صواوين خاصة للقناصل، وغيرها للتجار، وأخرى للعلماء، وسرادق لمحافظ العاصمة، علاوة على الصواوين التي أقامها الأعيان على نفقتهم لأنفسهم، ليتمتعوا بمشاهدة الأعياد — وكنت تراهم جالسين فيها يدخنون شبكاتهم — والصواوين العمومية المتخذة قهوات للرقص والغناء.

على أن الرقص والغناء لم يكونا قاصرَين على الخارج، بل ما كان منهما في داخل القصر وفي سرِّ دور الحريم كان أهم وأشهى منظرًا؛ هناك كنت ترى أشهر الراقصات مزاحمات صفية وعائشة الطويلة وغيرهما من ربات الفن السابقات على الإبداع فيه؛ هناك كنت تسمع (ألمظ) التي كانت إذا غنت أخذت بمجامع القلوب، واستولت على الأسماع برنين صوتها الرخيم، وتوقيع أناشيدها الفتانة؛ هناك كنت تنظر مشاهير البهلوانية من الإنجليز يأتون من صنوف الألعاب ما يخلب العقول ويدهش الألباب، وأساتذة الكار من أهل اليازرجة والسيماء يأتون من الملاعيب ما يحير الأبالسة أنفسهم، وذلك لبهجة ساكنات تلك الدور، وانشراح عيونهن وأفئدتهن.

وفي ظهر الثالث والعشرين من يناير، خرجت العروس الأميرة أمينة هانم بصحبة سمو الوالدة باشا من سراي الحلمية، وتوجهت باحتفال عظيم إلى قصر سمو ولي العهد بالقبة، يتقدمها ويحف بها موكب مهيب مؤلف من ثلاثة آلايات من الخيالة: (الأول): آلاي ذوي الرماح، وراياتهم المرفرفة من رماحهم خضراء وحمراء، ورءوسهم مغطاة بخوذات الدراجون. و(الثاني): آلاي ذوي الدروع، ودروعهم تسطع عليها الشمس فيتلألأ كل منها كأنه قرصها المنعكس، ويتدلى من خوذاتهم شاش جميل أصفر وأبيض يلعب الهواء به حول وجوههم السمراء الهيجائية. و(الثالث): آلاي ذوي الزرد، وسلاحهم كسلاح الغز أيام الصليبيين، وخوذاتهم الصغيرة يتدلى منها قناع على وجوههم من الأمام، وأكتافهم من الوراء، وهم في كسوتهم الفولاذية جامدون، كأنهم قدُّوا من جلمد أو من حديد قطعة واحدة، كفرسان شاهين شاه، وصلاح الدين، والظاهر بيبرس. وسارت وراءهم العربات، وأهمها عربات التشريفة يجرها الستة والثمانية من الخيول ذات اللون الواحد، أبيض كالنور، أو أشهب كالذهب، أو أسود كالليل، ويقودها حوذيون بملابس حمراء تخطها شرائب القصب والفضة، بجوارب حريرية تصعد لغاية ركبهم، وبجدائل شعور مستعارة مرشوشة بالبودرة على رءوسهم، كأنهم غلمان أحد اللويسات، الرابع عشر أو الخامس عشر أو السادس عشر، ملوك فرنسا، أعيدوا إلى الوجود، ويسير بجانبها مشيًا على الأقدام خدم باللباس عينه، أيديهم على عضاضات أبوابها، وعلى رءوس الجميع، من حوذيين وخدم، برانيط واسعة من ذوات القرون! وسار وراء العربات الأغوات بلباس فرنجي، وبنطلونات ملونة فرايحية، يمتطون صهوات خيول قلما يدركون كيف يحكمونها، وكانت العين ترى في وسطهم شيخًا جليلًا وقورًا مهيبًا، وتسمع الأذن همسًا أنه أمين بك آخر المماليك، وصاحب الوثبة المشهورة، على أنه إنما كان رئيس إدارة بيت دولة الوالدة.

وعلى هذا النمط عينه، وبالأبهة والجلال ذاتيهما، خرجت عروسا الأميرين حسين وحسن إلى قصري زوجيهما، وأما الأميرة فاطمة هانم فقد كانت زفتها أبهى وأجمل، وقد وصف إدون دي ليون كيفية الاحتفال بفرحها في داخل القصر العالي عينه، كما نقلته إليه عقيلته، فقال: اجتازت المدعوات بستانًا فسيحًا منارًا، كأنهم أرادوا أن يبقوا فيه نور النهار بملايين المصابيح المتعددة الألوان، وسرن فوق طرقة رخامية بجانبيها الأشجار والمغروسات الغريبة، فبلغن مدخل سراي الوالدة، حيث كان الأغاوات في انتظارهن، يوصلوهن إلى قاعة واسعة ذات رياش فاخر، فوجدن هناك جواري الحريم، ونصفهن مرتديات لباس رجال من أفخر الملابس الشرقية، وواقفات بصفة حجَّاب، وبعضهن لابسات لبسًا بسيطًا بطرابيش حمراء على رءوسهن، وشاهرات في أيديهن سيوفًا لامعة، وبعضهن لابسات لبسًا عسكريًّا ساطعًا، وواقفات وقفة عسكرية بمظهر عسكري حربي لا بأس به، كأنهن وصيفات الملكة زبيدة زوجة أمير المؤمنين هارون الرشيد، فأدخلن الضيفات إلى حجرة كانت «العوالم» ترقص فيها بالساجات! بينما كانت موسيقى نسائية تعزف ألحانًا شجية، تلك الحجرة كانت تفتح على حُجَر أخرى، يتناول النظر أطرافها، وفيها جوارٍ عديدات يرقصن رقصًا غريبًا بعصي وسيوف ودرقات في أيديهن.

ثم اجتازت الضيفات عدة بلوكات أو صالات، قُدمت لهن فيها جميع أنواع الشربات، والمشروبات والحلوى المصنوعة على الطريقتين الغربية والشرقية، معروضة على موائد جمعت كل ما لذَّ وطاب، وترأست أميرات الأسرة المالكة المائدة الخصيصة بزوجات الخديو وقرينات القناصل، وغيرهن من قرينات كبار النزالة، فبينما هنَّ يأكلن ويشربن، جعلت الموسيقى تصدح صدحًا مفرحًا.

ثم قُدمت الضيفات إلى دولة (الوالدة) في قاعة ذات رياش لا نظير له، وواسعة سعة لا تضيق بمئات الجالسين، فكن يسرن وراء الجواري المسلحات، وتقدم السيدة الفرنجية التشريفاتية كلًّا منهن باسمها إلى دولة (الوالدة)، ثم تجلسها في المحل المعد لها على آرائك ممدودة في طول الحائط، يغطيها الحرير الثمين.

ولما انتظم العقد بجميع المدعوات، دخلت الراقصات والمغنيات، وأطربنهن مدة، ثم قدمت إليهن الهدايا الفاخرة من لدن الأميرات، وأزواج الباشوات أصحاب المقامات الرفيعة في الحكومة المصرية، فتغنَّين بمديح الهاديات، بعد استئذان دولة (الوالدة)، والهاديات شكرنهن — وهي عادة «الشوبش» المعروفة بيننا حتى يومنا هذا.

بعد ذلك استجليت العروس فأمسك كل من أغاوات السيدات المدعوات شمعدانًا فيه شموع مختلفة الألوان، واصطفوا من أول السلالم حتى القاعة العظمى، حيث كان عقد المدعوات منتظمًا، وفُرش على الأرض منسوج من ذهب لتخطر العروس عليه، وانصرفت الراقصات ليعدن بمعيتها، وما هي إلا برهة قصيرة حتى تجلت الأميرة فاطمة هانم تستند على ذراع الأميرة أمها في وسط جمهور أميرات البيت الخديوي الكريم، فتقدمت بخطوات بطيئة، وبوقفة بعد كل خطوة، كأنها تقول للناظرات: ها أنا فأعجبوا بي! واجتازت، وعيناها مطرقتان، صفَّي الأغاوات على النسيج الحريري بين أغاني المغنيات، والراقصات يتقدمنها.

فحالما وقعت أعين المدعوات عليها نهضن، وبينما هي تتقدم كإلهة من آلهات الأزمنة الماضية نحوهن، بمعيتها وجواريها، صعدت كواعب كالبدور على كراسٍ وراءهن، وأخذت تنثر عليهن خيريات ذهبية، ضُربت لتلك المناسبة، فتعْلَق برءوسهن وملابسهن، فامتلأت القاعة على سعتها بالأميرات، والسيدات، والجواري، والراقصات، والمغنيات، وتألقت كلها بالديباج الساطع، والذهب الوهاج، وبثت في كل مكان منها زهور البرتقال والورود، ونثرت فوق الملابس اللماعة البراقة.

وكانوا قد أقاموا في صدر تلك القاعة فوق منصة مرتفعة، ثلاثة عروش مكسوة بالحرير الأبيض، فجلست دولة (الوالدة) على عرش اليمين، والأميرة أم العروس على عرش الشمال، وجلست العروس وعلى رأسها تاج من الماس ثمنه أربعون ألف جنيه على عرش الوسط، وكان لباسها من الحرير الأبيض الفرنساوي الأغلى ثمنًا، كله مرصع بأنفس أنواع اللؤلؤ والماس، وله ذيل طوله خمسة عشر مترًا، رفعته الجواري وراءها وهنَّ راكعات، فتقدمت المدعوات وهنأنها، وبعد أن جلست معهن برهة عادت إلى حجرها، واستمر الفرح حتى مطلع الفجر.٣

ومما يحسن ذكره بمناسبة تزويج الأمير حسن من الأميرة خديجة أن (إسماعيل) — وقد أعجب بملامح الذكاء المرتسمة على محياها — لما أدخلها المدرسة التي أنشأها لأميرات البيت العلوي خصيصًا، وعدها بتزويجها من أحد أولاده إذا هي أظهرت اجتهادًا في تعلمها، ثم مضى على ذلك زمن، وعنَّ (لإسماعيل) يومًا أن يزور تلك المدرسة، ويتفقد حال الطالبات فيها، فلما وصل إلى الأميرة خديجة سألها: «إلى أين بلغتِ من تعلم القرآن يا بنيتي؟» فأجابت من فورها: إلى وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ إِنَّهُ كَانَ صَادِقَ الْوَعْدِ.

فَسُرَّ الخديو بجوابها جدًّا، وقال: «أجل، أجل»، ثم برَّ لها بوعده.

ومن أفضل ما يحسن ذكره بمناسبة أفراح الأنجال أن طه باشا الشمسي ناظر الخاصة الخديوية في ذلك الحين — وهو حمو حضرة صاحب المعالي أحمد طلعت باشا رئيس محكمة الاستئناف الأهلية الآن — كلَّف عدة محال تجارية بتقديم مناقصات لتوريد كل ما يلزم من فرش، وبياضات، ودنتلات، ورياش، لجهاز كلٍّ من الأميرات العرائس.

فلما قدمت، وقع اختيار طه باشا على مناقصة محل پاسكال الفرنساوي — ويعرفه كل من زار مصر القاهرة حتى سنة ١٨٩٢ — لأنها، على جودة البضاعة المقدمة نماذج منها، كانت على رخص في الأثمان يرغب فيه.

ولكنه لما عرض ما وقع اختياره عليه على (إسماعيل) سأله الخديو: «ألم يتقدم في هذه المناقصة محل مصري وطني مطلقًا؟» فأجاب طه باشا: «نعم يا مولاي، فقد تقدم ضمن آخرين محل مدكور، ولكن الأثمان التي عرضها مُبالغ فيها ولا توافق، لأنها تزيد خمسة وعشرين في المائة على الأثمان التي يطلبها محل پاسكال.» فقال إسماعيل: «أرني مناقصته والنماذج المرفقة بها.» فقدمها طه باشا له، فوجد (إسماعيل) أن الأثمان المكتوبة على تلك النماذج تزيد حقيقة خمسة وعشرين في المائة على ما يطلبه محل پاسكال، ولكنه وجد أن نوع البضاعة واحد عند الاثنين، فضرب بمناقصة محل پاسكال عرض الحائط، وقال لطه باشا: «خذ كل ما نحن في حاجة إليه من محل مدكور، وادفع له خمسة وعشرين في المائة فوق ما يطلب.» فبدا في عيني طه باشا استغراب، بالرغم من أن فمه نطق بعبارات الامتثال، فقال إسماعيل له: «يا طه باشا، إذا كانت المحال التجارية المصرية لا تنتفع ولا تستفيد من أفراح أولادي، فمِن أفراح من تريد أن تستفيد وتنتفع؟!»

فاغتنمها محل مدكور وهي طائرة، وزاد على أثمان كل ما قدمه ما أمكنته زياته، فكان ذلك من أسباب الثروة التي أحرزها.٤

أما القصور والسرايات، فإن ما بناه منها (إسماعيل) وحده يفوق كل ما بناه أسلافه العلويون معًا، بل كل ما بناه أي عاهل من العواهل المصريين على ممر الأيام، إذا استثنينا منهم فراعنة الدولة الجديدة المجيدة، دولة أحمس وطوطمس ورمسيس، فهو الذي أقام في الإسكندرية قصور الرمل الشاهقة بجهة سيدي جابر ومصطفى باشا، وهو الذي بنى سرايات عابدين والجزيرة والجيزة والقبة وحلوان الأنيقة الجميلة، علاوة على ما جدد بناءه في سرايات رأس التين وقصر النيل والقلعة والنزهة وشبرا. وهو الذي بنى للأمراء أولاده وللأميرات بناته القصور الباذخة التي تزدان بها العاصمتان، وأقام في كل بندر من البنادر الصعيدية التي كان له فيها أملاك خاصة، كبندر المنيا، السرايات الفاخرة والقصور الباذخة، ولو شئنا وصفها كلها لاضطررنا إلى توسيع نطاق تاريخنا هذا توسيعًا ربما أدى إلى الملل. يكفينا القول إن مصر — منذ عصر (قبة الهواء)، وقصر (خمارويه) وبستانه، وهودج (الآمر بأحكام الله)، ومناظر (الخلفاء الفاطميين)، ومنذ عصور (مباني القلعة) وسراياتها على أيدي الأيوبيين، والبحريين، والبرجيين — لم تعهد أيامًا كثر فيها فوق أرضها تشييد السرايات والقصور، وتجميلها بالبساتين النادرة المثال، مثل أيام (إسماعيل).

غير أن الأبهة والبذخ لم يظهرا في المباني بعشر مقدار ما تجليا في تنسيقها وتجميلها من الداخل، وفي تأثيثها بالرياش الفاخر، فالرخام وحده الذي استعمل في تنميق تلك السرايات وتزيينها كلف عدة ملايين من الفرنكات، وبلغت نفقة النقوش والرسوم الداخلية في سرايات الجيزة والجزيرة وعابدين نيفًا ومليونين من الجنيهات، واستنفدت البساتين التي أنشئت حولها، وكثرت فيها أنواع الأشجار الغريبة الثمينة، وأجناس الأزهار والرياحين والورد، والجبلايات الصناعية، والفساقي، والبحيرات بأسماكها المتعددة الأنواع، نيفًا وأربعين مليونًا من الفرنكات.

وأما الرياش والفرش، فحدِّث عن البذخ والترف فيهما ولا حرج، فقد بلغت تكاليف الستارة الواحدة نيفًا وألف جنيه، فما بالك بالطنافس النادرة، والأبسطة الثمينة، والأرائك الذهبية، والمرايات البلورية الصافية، ببراويزها الغالية، والزهريات النفيسة، والكراسي العاجية، والمقاعد المطعمة بالصدف، والمحلاة باللؤلؤ والمرجان، والطاولات الفضية الخالصة، والنجف الفخم الضخم ذي الخمسمائة والألف فنيار، والذي كان، إذا ما لعب النسيم بين بلوره المتدلي، فصدم بعضه بعضًا، رنَّ رنينًا لذيذًا شبيهًا برنين تمثال «ممنون» في خرائب طيبة القديمة، عندما كانت تسطع عليه أشعة الشمس المشرقة! وما بالك بالآنية الفاخرة الكثيفة والمختلفة، الذهبية والفضية، والخزفية البديعة الصنع، والمرقوم عليها كلها بماء الذهب حرف I، وهو الحرف الأول من اسم (إسماعيل) بالفرنجية، وبالمجوهرات العديمة المثال من ماس ودرر وياقوت، وزمرد وزبرجد، وفيروز، وخلافها مما كان يقدر ثمنه بنيف وأربعة ملايين من الجنيهات، ما بالك بالتحف والأسلحة المتنوعة قديمها وحديثها، ومنها التاريخية، التي لا يقدر لها ثمن، والفريدة في نوعها، التي لا سبيل إلى الحصول على مثلها، ولو بذل فيها مال قارون!

وماذا نقول عن عدد سكان تلك القصور، وعما كانوا يستنفدونه يوميًّا من المآكل والمشارب؟ يكفينا في تحويل قوة المخيلة إلى تصوره ذكر أنهم بعد صيرورة العرش إلى (توفيق الأول) عدُّوا الذين كان يخرج لهم الغذاء من سراي عابدين وحدها، فإذا بهم عشرة آلاف!

وماذا نقول عن عدد الجواري من بيض وسود وحبشيات، اللواتي كان (إسماعيل) يزوجهن سنويًّا من ضباطه ورجاله وموظفي حكومته، فلا يكتفي بإمهار الواحدة منهن المال الوفير، بل يقطعها الطين الواسع، ويرتب لها على خزينته الخصوصية المصروف الشهري الوافي، أو المعاش الكافي — على أن كثيرات منهن طلقن بعد سقوطه.

ألا قد صدق حقًّا من قال: «إن ملك (إسماعيل) — وكل مظهره سلسلة أعياد وأفراح غير منقطعة — إنما كان حلمًا من الأحلام، حققته الأيام، ورواية في أسفار التاريخ قد لا تصدِّق صحتها الأحلام.»٥
١  أهم مصادر هذا الفصل: «تذكارات عن أميرة شابة مصرية» للمس تشنلز مربيتها، والفصل العشرون من كتاب «مصر الخديوي» لإدون دي ليون، والفصل السابع من كتاب «باريسي في القاهرة» لكارل دي پريير، و«حياة البلاط بمصر» لبتلر.
٢  انظر: «حياة البلاط بمصر» لبتلر، ص٢٣٠.
٣  انظر «مصر الخديوي» لإدون دي ليون من ص٣٣٢ إلى ٣٣٦.
٤  روى لي هذه اللطيفة ثقة، حضر عصر الأفراح الخديوية.
٥  قال الخديو توفيق الأول، متكلمًا عن أبيه، للمستر بتلر أستاذ ولديه (عباس) و(محمد علي) في تعلم اللغة الإنجليزية: «لن يأتي أحد مثله على ممر الدهور في أبهة الملك، وفخفخته السنية، فإن ذلك لا يمكن!» (انظر «حياة البلاط بمصر» لبتلر، ص٢٠٣).

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠