الفصل الأول

فصل فذ١

دعاني أخي والخيل بيني وبينه
فلما دعاني لم يجدني بقعدد

وزراء إسماعيل

على أن (إسماعيل) مهما كان متفوقًا على الوسط المحيط به، ومهما كانت رغبته في الإصلاح قوية وثابتة، بين قوم لا رغبة لهم مطلقًا في الإصلاح، فإنه ما كان ليقوم بكل الأعمال التي عملها في بلد كان يجب أن ينشأ كل شيء فيه، لولا أن الأقدار وضعت بجانبه رجالًا خصصوا جميع قوى عقولهم وأجسامهم لمساعدته على نفاذ تلك الأعمال، وما انفكوا واقفين بجانبه، عاملين على نفاذها؛ أولئك الرجال هم: نوبار باشا، وشريف باشا، وعلي مبارك باشا، ومصطفى رياض باشا.

ومن جهة أخرى، فلولا أن (إسماعيل) بُلي بصداقته لإسماعيل صدِّيق باشا أخيه في الرضاعة، فانقاد كثيرًا إلى مشورته السيئة، وتغاضى أكثر أيضًا عن تصرفاته الرديئة، لما آل أمره إلى الاضمحلال والسقوط! فيجدر بنا — والحالة هذه — أن نأتي هنا على بيان وجيز، نوضح فيه لقرائنا نبذة من حياة كل من أولئك الرجال، ليكونوا على بينة منها.

فنوبار باشا٢ — وهو الشخصية الأكبر ظهورًا في تاريخ مصر في ذلك العهد، ورجل الدولة الأوحد الذي جاد به الشرق، منذ توارت الأسرة الكپرولية السنية عن عالم الوجود — أرمني مسيحي، ولد بأزمير في سنة ١٨٢٤ أو سنة ١٨٢٥، وما كادت ترفع عنه التمائم إلا وأرسل إلى (سوريز) ليتعلم في مدرستها، فقضى فيها عدة سنوات، ثم انتقل لتتميم دروسه في مدرسة بروتستانتية في سويسرا الفرنساوية، ولما كان ذا ذاكرة عجيبة وتصور سريع، فإنه استطاع وهو في السادسة عشرة من عمره أن يفرغ من تلقن دروسه، والتعمق في معرفة اللغة الفرنساوية وآدابها، والأدب القديم على العموم، ولكنه لم يتعلم العلوم الطبيعية والرياضيات إلا تعلمًا سطحيًّا، وما اقتبسه منها فيما بعد فإنما اقتبسه في محادثاته مع أساتذتها أكثر منه في مطالعة الكتب الموضوعة فيها، فإنه وهو في الحياة العملية كان كالبرنس (پوتمكن) وزير كاترينا الثانية الكبيرة، يوجِّه الأسئلة إلى زائريه في خير ما يعرفونه، ويحملهم على التوسع في الكلام والإيضاح والشرح، فتكونت لديه بذلك دائرة معارف لا بأس بها، جعلته ذا اطلاع عام لا يشعر معه أنه غريب عن المحادثة، مهما تنوعت مواضيعها.

ولما غادر المدرسة وقع في خلده التطوع في الجندية الفرنساوية بأن ينضم إلى الفرقة الأجنبية، ولكن مساعيه في ذلك قوبلت برفض، واستدعاه بوغوص بك خاله، وزير (محمد علي الأمين)، إلى مصر ليدخله في خدمة مصالحها المدنية، فقدم الشاب نوبار إلى ضفاف النيل والآمال ترقص أمام مخيلته رقصًا بهيًّا، فأحبه بوغوص بك حالما وقعت عينه عليه، وقال له: «سأدخلك في قلم المترجمين، ولكني أنصحك أن تنتبه قبل كل شيء إلى تعلم اللغة التركية، لأن تعلمها شرط لا بد منه لنجاحك في المستقبل.» فأكبَّ نوبار على تعلمها بكل قواه، وما مضت عليه مدة إلا وأصبح يمتلكها فهمًا وكتابة وينطق بها — والنطق الصحيح أصعب شيء في كل لغة — كأنه تركي صميم، وليت خاله نصحه أيضًا بتعلم العربية، ولكن الأيام لم تكن لتسمح بقيام فكرة ناضجة كهذه في عقلية الشيخ بوغوص، (فمحمد علي) بالرغم من كل ما عمله لإحياء مصر والرقي بها، بقي — كما سبق لنا القول في غير هذا الموضع — تركيًّا بحتًا، فلم يتنازل مطلقًا للتكلم بالعربية، ولو أن إقامته الطويلة في البلاد علمته شيئًا منها، ولا عمل على إزالة الاشمئزاز الذي كان العنصر التركي يشعر به من لغة «الفلاحين»، واحتقاره إياها، ولا اهتم البتة بتعليم أولاده العربية تعليمًا جديًّا أو غير جدي.

فلم يكن يمكن أن يقع في خلد أحد — والحالة هذه — في سنة ١٨٤١ أن سيأتي يوم ينقم فيه (سعيد باشا) ثالث خلفاء الباشا العظيم على الأتراك والتركية والشراكسة إلى حد يقول معه: «إني أود أن أعرف ما هي العروق والشرايين التركية والشركسية فيَّ لأفتحها، فأتخلص من آخر نقطة من هذا الدم الممقوت!» ويقبل — نكاية في التركية والأتراك — على عزل التركية عن العرش الذي كانت قد استولت عليه منذ زوال الدولة الأيوبية، ويجعل اللغة العربية لغة البلاد الرسمية، فيحيي مواتها، ويعيد إليها بهجتها.

لذلك لم يتعلمها نوبار، وبقي طول عمره يجهلها، ولا يعرف منها إلا قليلًا من لغة «العوام»، ولا شك في أن ذلك — إذا أضفنا إليه غربته عن الدين الإسلامي — كان سببًا في عدم امتزاج روحه بروح الأمة المصرية على شدة حبه لها، وللعناصر البائسة منها على الأخص، وبقاء هذه الأمة غريبة عنه، بالرغم من أنه ربما كان أحسن خدامها، وأنه كان بلا شك أقوى الناس على السير بسفينتها إلى مرافئ السلام، لا سيما أثناء الأعاصير التي هبت عليها في أوائل ملك (محمد توفيق الأول)، فإنه كان، أكثر من كل قائل، يقول بوجوب صيرورة مصر للمصريين، ولكن على شرط ألا يعني ذلك اتخاذ الدين حجة للعمل على عكس ما يقتضيه العلم والعمران، وسلاحًا في يد الجهل والتعصب!

وامتاز نوبار، وهو في زمرة المترجمين، بمواظبته على عمله، وسلوكه الأمثل، وانكبابه على الدرس والتعلم، وبأنه شاب لا تستهويه الملاذ النسائية والأباطيل.

فعينه (محمد علي) سكرتيرًا خاصًّا لابنه (إبراهيم)، فما انفك نوبار ملازمًا له في حله وترحاله، أينما قام وحيثما سافر، وبالرغم من أن الوظيفة لم تكن هينة، وأن الأخطار المحيقة بها كانت جمة — لأن (إبراهيم) كان ذا طباع حادة جدًّا، وله فرقعات غضب مرعبة — فإن نوبار بما أوتيه من طلاقة اللسان وحلاوته، وسعة الاطلاع وتنوعه، تمكن من التقرب إلى قلب مولاه، تقربًا أصبح (إبراهيم) معه لا يرى في ساعات ضجره، وإبان ثورة غضبه، من تسلية أو تسرية، إلا في محادثة الشاب نوبار له، ولطالما تمكن الحَدَث الأرمني من إسداء خدمات جلَّى إلى الغير بسبب ميل مولاه إليه؛ أهمها إنقاذه أعمار ضباط الباخرة التي عاد (إبراهيم) عليها من الأستانة إلى مصر في سنة ١٨٤٨؛ إذ هاج بطء سيرها، المسبب عن اشتداد الأنواء حولها، غضب الأمير المصري، فطفق يهدد ضباطها بتغريقهم جميعًا، لولا أن نوبار لازمه ملازمة كلية، وأنساه بحلاوة حديثه الضِّيق المحيق بنفسه.٣

وتعرف نوبار — وهو في الأستانة مع الأمير (إبراهيم) — بأسرة أراميان السرية، وما لبث أن تزوج وهو في الرابعة والعشرين من عمره بابنة عميدها، كيڨورك بك، أحد وجوه الأستانة وذواتها، فأصبح صهرًا لإبرام أراميان، المعدة له رتبة الباشوية الرفيعة، والمزمع أن يكون أقرب الناس من قلب السلطان عبد العزيز وموضع ثقته الكلية، وساعدته هذه المصاهرة فيما بعد على قضاء أكثر من لبانة في مساعيه المصرية لدى الحكومة العثمانية.

وكان قرانه موفقًا، لأنه وجد في زوجته المتعلمة مثله، والمتكلمة عدة لغات مثله، رفيقة حياة بأجمل معاني هذه الكلمة، وما فتئت قائمة بجانبه، مسلية، معزية، مفكرة إياه بما يقتضيه الفضل والنبل كلما أثارت فيه المصاعب أو الدسائس أو الوشايات انفعالات التضجر أو الغضب، ورغَّبته في التخلي عن الاشتغال بالمصالح العامة.

ولما انتقل المُلك إلى (عباس الأول) اتخذه هذا العاهل سكرتيرًا له كذلك، فحاز نوبار لديه القبول عينه الذي كان من نصيبه بجانب (إبراهيم)، ومما ساعده على الفوز برضى ذلك الوالي، الكثير الوساوس والظنون، مصادقة المستر مرِّي قنصل إنجلترا العام له — وقد كان من أخصاء (عباس) ومستشاره في مشاكله، وأكبر أنصاره في مساعيه التي رمى بها إلى تغيير مجاري الوراثة على العرش المصري، وحصرها في (إلهامي باشا) ابنه، وفي ذريته من بعده — وقد ساعد نوبار تلك المساعي بما كان له من العلاقات بالأستانة العلية.

ولكن طباعه التي كان فيها من حب الصراحة والأنفة والتعالي أكثر مما يصح أن يكون من هذا جميعه في أخلاق ندماء الملوك ما لبثت، بالرغم من كل حلاوة شمائله وسحر محادثته، أن جلبت عليه سخط (عباس)، وذلك أنه رأى ذات يوم مانعًا من ضميره عن أداء عمل طالبه ذلك الوالي بأدائه، فأظهر (عباس) له استياءه بشكل لا يقبل التأويل، فأسرع نوبار وقدم له استقالته من وظيفته، ولزم في الحال منزله.

ولم يكن قد سُمع في الشرق لغاية ذلك الحين أن موظفًا وقع في خلده الاستعفاء من منصبه، فإما أنه كان يُقال منه بأمر، أو يُقتل وهو فيه، فعدَّ الرأي العام استقالة نوبار— والحالة هذه — ضربًا من ضروب الجسارة المتناهية، وتحدِّيًا لسخط (عباس).

وخشي نوبار نفسه أن يعده (عباس) كذلك، فيبطش به، فبعث يستأذنه بالنزوح عن القطر، فأذن له وهو متململ، لأنه استاء في الواقع منه جدًّا بسبب تجاسره على تقديم استقالته، كما كان المظنون، ولكنه تكدر منه على مغادرته خدمته، لأن (عباسًا) كان يرى نفسه في حاجة إليها، ويودُّ لو عاد نوبار إليه مستسمحًا مستغفرًا، وكان ينتظر ذلك منه، ولو أنه يتعالى عن إظهار رغبته هذه له.

فحالما وصل نوبار التصريح بالسفر، هبَّ وباع الزائد من أمتعته ورياش منزله، واستأجر مركبًا واسعة، وشحنها بالنفيس الذي احتفظ به من تلك الأمتعة والرياش، ونزل فيها مع قرينته وآله، وسافر في النيل قاصدًا الإسكندرية.

ولكنه ما كاد يبتعد عن شبرا بضعة أميال إلا وقابل مركبه رفاص بخاري فيه (عباس) عينه، فحيَّاه نوبار من فوق ظهر مركبه تحية رعية مخلصة، واستمر في سيره، وإذا بقارب بخاري قد انفصل عن الرفاص ودنا من المركب، ودعا نوبار إلى المثول بحضرة الأمير.

فاعتقد من في المركب وقرينة نوبار ونوبار نفسه أن ساعته الأخيرة دقت، وأن (عباس) لَمُلقٍ به في قاع اليم طعامًا للأسماك، غير أنه تجلَّد وذهب رابط الجأش باسم الوجه، وصعد إلى الرفاص، وقصد توًّا إلى (عباس) وحياه بكل احترام.

فسُرَّ (عباس) لشجاعته الأدبية، وانشرح صدره له، فابتسم في وجهه وقال: «إنك إذن قد صممت نهائيًّا على ترك خدمتنا!» فأجاب نوبار: «إني خادم الأمير ما حييت ما دام للأمير رغبة في خدمتي له!»

فسري عن (عباس) بالمرة وقال: «إني يا نوبار أفندي لا أستغني عن خدمتك، وبما أني في حاجة إلى ثقة أرسله إلى ڨيينا في مهمة تخصني، فاستمر على سفرك، واذهب إلى ڨيينا رأسًا، وانتظر هناك أوامري.»

فشكر نوبار وعاد إلى مركبه، وصدع بما أمر به عن طيب خاطر، فأقام في ڨيينا مدة اكتسب فيها عطف البرنس دي مترنيخ الذي كان في ذلك العهد عميد السياسة الأوروبية.

وبينما هو في انتظار الأوامر التي وعده بها (عباس) إذ وافاه نبأ قتله، وأتاه استدعاء من خلفه بالعودة إلى مصر، فعاد إليها ليشغل لدى الأمير الجديد منصب كاتم أسراره، فما لبث (سعيد) أن أنعم عليه بلقب «بك»، وجعله مدير مصلحة السكك الحديدية.

فوقعت كارثة كفر الزيات ونوبار في هذا المنصب، فذهب فريق من الألسنة النمامة في تلك الأيام إلى أن تلك النكبة إنما دُبرت باتفاق بين ولي العهد الجديد ومدير السكة الحديد لإزالة الأمير أحمد باشا من سبيل العرش الرامية إليه مطامع (إسماعيل)، وذهب فريق آخر إلى أن الذي دبر تلك المكيدة بالاتفاق مع نوبار إنما هو (سعيد باشا) نفسه لرغبته في التخلص من أحمد باشا ابن أخيه، ومن حليم باشا أخيه.

ولسنا نرى أنفسنا في حاجة إلى تكذيب الإشاعتين معًا بعد أن كذَّبهما التاريخ على لسان أشهر الثقات من الرواة، فعلاوة على أن (سعيدًا) و(إسماعيل) لم يكونا بالرجلين اللذين يقع في خلدهما ارتكاب مثل هذه الفظيعة — وقد قال (سعيد) بحزن لما علم بالنميمة لإدون دي ليون قنصل أمريكا: «هل عبدك كلب لاقتراف مثل هذا الجرم؟»٤ مردِّدًا في ذلك صدى قول وارد في التوراة — فإن نوبار كان آخر إنسان يطاوعه ضميره على المساعدة في اقترافها، ناهيك بأنه لم يكن كثير الاختلاط (بإسماعيل)، ولا من ذوي القبول عند (سعيد)، ولو أنه كان مسيطرًا بتفوقه العقلي على هذا الأمير، ولم يكن يجهل حقيقة شعور (سعيد) نحوه، فإنه قد اتفق له يومًا وهو ذاهب إلى السراي أنَّ خيل عربته جمحت، فألقت بالحوذي على الأرض وقلبت العربة، وما نجا نوبار إلا بمشقة، فقال له أحد رجال البلاط حينما انتشر فيه خبر الحادثة: «ما ألطف نعمة الله بنا جميعًا بأن حفظك سالمًا سليمًا!» فأجابه نوبار على الفور: «لا تقل بنا جميعًا! فإني أعرف واحدًا هنا كان يفضل أن يراني مكان حوذيي، فيما لو كان مقدَّرًا له أن يموت من جراحه.»٥

وفي الواقع فإن نوبار بطباعه الجدية وأخلاقه المتطلبة العمل لم يكن ليعجب أميرًا مغرمًا باللهو وخلو البال والتنكيت (كسعيد)، ومع أنه لم يكن ليتعب في إيجاد الكلمة اللطيفة التي تضحك، والتعبير الدقيق الذي يطرب، فإنه ما كان مثل كوشيلسكي (سيفر باشا) ميالًا للتنكيت والمجون في كل لحظة، ولا راغبًا في تفتيق ذهنه لهزار وفصول، ورواية حكايات ملحة توقظ روح الوالي إلى الجذل والسرور كلما ساورته السآمة وصارعه الضجر، فبينما (سيفر باشا) أصاب من مقدرته على النكات والأقوال المجونية ثروة طائلة، لم ينَلْ نوبار غير المحافظة على مركزه وشيء من نفوذه.

وفي سنة ١٨٦٢ أرسله (سعيد) إلى أوروبا لعقد القرض الوحيد الذي أقدم على اقتراضه في حياته، ويقرب قدره من ثلاثة ملايين من الجنيهات، ففضَّل نوبار عقده بواسطة مصرف تجاري فرنساوي على عقده بواسطة مصرف إنجليزي؛ لما في ذلك من المصلحة لمصر، ولكن حساده أشاعوا عنه أنه إنما أقبل على ذلك التفضيل لأن ما قدمه له البيت المالي الفرنساوي من جُعْل لوساطته فاق ما قدمه المحل المالي الإنجليزي، ولو أن مندوب (سعيد) فضل المصرف الإنجليزي على الفرنساوي لعكس عذاله الآية.

ولم يمضِ على عقد ذلك القرض قليل حتى توارى (سعيد) عن عالم الوجود، وخلفه (إسماعيل)، فتمسك بنوبار في بادئ أمره أيما تمسك، وقد رأينا أنه أوفده لحل المعضلات من مهماته، وأن نوبار تمكن من قضائها كلها، فاتخذ أعداؤه ذلك ذريعة للطعن عليه طعنًا مرًّا. وأهم ما سلقه لأجله الفرنساويون منهم بألسنة حداد موقفه في مسألة ترعة السويس، ومقاومته مشروع إنشائها، وفات ثالبيه أن الوزير المصري إنما كان يجب عليه أن ينظر إلى ذلك العمل من وجهة ما فيه من خير عائد إلى مصر، لا من وجهة ما فيه لمصالح الغربيين من الفائدة. وإن فكرة إنشاء الترعة إنما جادت بها في النصف الأول من القرن التاسع عشر قريحة الأب إنفنتين، المعلوم عنها ميلها إلى إبراز أحلام إلى الوجود يصعب تحقيقها، وإن الرأي القائل بعدم إمكان تحقيق تلك الفكرة لم يكن رأي اللورد پلمرستن، والمهندس الإنجليزي ستيفنس وحدهما، بل كان يشاركهما فيه الكثيرون من أرباب الخبرة والفن، ومنهم المسيو دي منتو المهندس الفرنساوي الذي باشر البدء في الأعمال، وكان في سنة ١٨٦٠ ذاتها يقول: «كل هذا لن يؤدي إلى نتيجة، لأنه يستحيل حفظ منسوب المياه الكافي في الترعة لتتمكن المراكب من السير فيها، فلسوف تضيع على المساهمين رءوس أموالهم، ويضطر المسيو دي لسبس في قهره وخجله من خيبته في مشروعه إلى الانتحار!» وإن هذا المهندس لم يطاوعه ضميره على البقاء في تأدية عمل كان يعتقد خيبته، فقدم استقالته منه بالرغم من أنه كان مُثابًا عليه بأجر جزيل، وإن المسيو دي لسبس نفسه كان يقول: «لو كنت مهندسًا لما تجاسرت مطلقًا على مباشرة حفر الترعة، ولو باشرت ذلك لوقفت في الطريق أمام صعوبات الأوَّل.» وإن (إسماعيل) القائل: «لولا رغبتي في المحافظة على شرف إمضاء سلفي لألغيت الامتياز الممنوح منه للمسيو دي لسبس ولباشرت حفر الترعة بنفسي، فما كان ذلك ليكلف مصر أكثر مما كلفها، ولعادت فوائد الترعة عليها وحدها.» كان يهمه أن يتخلى المسيو دي لسبس عن العمل لتتولاه الحكومة المصرية، فكان من أوجب واجبات وزير مصري أن يساعده على تحقيق أمنيته.

على أن أعضل المعضلات التي كلف (إسماعيل) وزيره الكبير بحلها إنما كانت — كما رأينا — معضلة وضع حدٍّ معقول لتجاوزات الامتيازات الأجنبية، بإجراء إصلاح قضائي يضمن توزيع العدالة بين الأهالي والأجانب على السواء، فبذل نوبار — على ما سبق لنا شرحه — جهودًا عظيمة مدة ثماني سنوات متوالية للبلوغ إلى تحقيق تلك الأمنية دون أن تثبط همته العراقيل المتتابعة بلا انقطاع، والمتجددة في كل حين، دون أن يعتريه ملل من اضطراره مائة مرة بدل المرة الواحدة إلى دحض الاعتراضات البيزنطية التي ما فتئ الرجال المعاكسون لمشروعه يهاجمونه بها مهاجمة تدعوه إلى تفتيق ذهنه بحجج وبراهين جديدة يكون وقعها على تلك الاعتراضات أقضى من سابقاتها، حتى تمكن بثباته المدهش من التغلب على نفور الباب العالي، وعلى سوء إرادة المتمسكين بدرع تلك الامتيازات الجائرة من رجال الحكومات الأجنبية، وعلى الدسائس القائمة حوله في السراي الخديوية ذاتها، بفعل الرجعيين الذين لم يكونوا يرون في مجهودات نوبار باشا السياسية والاجتماعية على العموم، وفي الإصلاح القضائي الجديد المرغوب فيه على الأخص، شططًا عن الدين والعادات فحسب، بل بدعة منقومًا عليها، ومؤدية إلى ضياع البلاد والدين، لولا أن العاهل كان (إسماعيل) المتنور الشغف بكل رقي، والمقتنع بوجوب إجراء الإصلاح اقتناع وزيره الأكبر، لخسفوا الأرض تحت قدميه، وقضوا على كل آماله وجهوده؛ فلا (كانن) في جهاده الطيب لتحرير كاثوليك إرلندا من النير الذي ألقاه على عواهنهم الفتح البروتستانتي، ولا (كوبدن) في سعيه المبرور لحمل البرلمان الإنجليزي على إلغاء القوانين الخاصة بالغلال لأجل تخفيض أثمان الخبز في المملكة المتحدة، ولا (بسمرك) في عمله على إدراك الوحدة الألمانية، وتأسيس الإمبراطورية الجرمانية على أنقاض الدانمرك والنمسا وفرنسا الملطخة بدم الألوف، أظهروا من الهمة والثبات أكثر مما أبدى نوبار مَنْهَمًا في القيام بحل معضلة إبدال النظام القضائي الامتيازي المضطرب المشوش الأركان في مصر بقضاء غيره يتمشى أكثر منه بكثير مع روح الحضارة والعمران العصريين. وإنَّا إذا التفتنا إلى أن الرأي العام في بلاد (كانن) و(كوبدن) و(بسمرك) كان يعضد هؤلاء الرجال في مساعيهم، ويشد أزرهم، ويقويهم، ويحضهم على الثبات والعمل، وأن نوبار الشرقي لم يكن يعضده في جهاده سوى (إسماعيل) وزمرة قليلة من ذوي الحصافة والنظر الصحيح، وأن الرأي العام كان ضده بمصر وفي الخارج على السواء، يسفِّه أحلامه، ويحط من كرامته ويصغِّر من قدره، ما تأخرنا عن الحكم بأن فضل نوبار يفوق فضل أولئك الرجال بقدر ما يفوق عمله في صعوبته وخشونته وفائدته الأدبية — بالرغم من صغر مقياسه — عملهم المشهور!

وقد وصف هو نفسه في بضع صفحات نشرها في باريس سنة ١٨٨١ ما نجم عن عمله هذا من فوائد، فقال: «إن المحاكم المختلطة، ولو أن بلاطَي الأستانة ومصر حالا دون أن يتناول اختصاصُها كلَّ المنازعات القضائية على العموم، سواء أكانت قائمة بين الأهالي والأجانب، أم بين الأهالي والأهالي، أم بين الأجانب والأجانب، عملت عملًا عاد على مصر بالخير والإحسان؛ فإنها هذبت أخلاق الجاليات الأجنبية تهذيبًا أدبيًّا، والدليل على ذلك أن الحكومة المهاجمة فيما مضى بدعاوى كانت تؤدي دائمًا إلى مطالبات من قبل رجال الهيئات الرسمية، تنتهي بتغريم الحكومة الملايين المقنطرة من الفرنكات، لم تعد تطالب بشيء من ذلك، ولم تعد عرضة لأية مهاجمة في هذا الصدد من لدن الهيئات الرسمية.

وكانت الأشغال العامة قبل تأسيس هذه المحاكم، وكل الأشغال الأخرى الخاصة بالحكومة تعمل بواسطة السخرة، ولم يكن في الاستطاعة الاستعاضة عن طريقة الشغل هذه، المخربة للبلاد والمفقدة سكانها كرامتهم، إلا بالآلات والعلوم الأدبية، ولكن قلة الضمانات، وانعدام الطمأنينة في صدر الحكومة من جهة الأجانب كانا يحولان دون إقدام الحكومة على استدعاء رءوس الأموال الأوروبية والمهندسين الغربيين. فأما وقد أوجدت المحاكم تلك الضمانات والطمأنينة فإن السخرة أخذت تزول شيئًا فشيئًا أمام علم أوروبا الميكانيكي ورءوس أموالها.

وبالإيجاز، فإن تلك المحاكم فتحت لمصر عهدًا جديدًا، وأدخلت إلى عقلية الشرق فكرًا لم يألفه في السابق، ألا وهو إمكان قيام قضاء مستقل، يطبق قانونًا تسنه الحكومة، وتكون هي عينها أول الخاضعين له، وأدت إلى تكوين أول حكومة منظمة رآها الشرق، لأنها علمته أن الحكم لا يكون طبقًا لهوى الحاكم وعلى كيفه، وأن الحكومة ليس لها حقوق فحسب، بل عليها بجانب حقوقها واجبات أيضًا لا بد لها من القيام بها. ويمكن للإنسان من الوجهة الأدبية أن يقول بكل جسارة: إن تنظيم القضاء المختلط قد أدى إلى ثورة حقيقية في العقول، لأن الأهالي رأوا لأول مرة في حياتهم هيئة منظمة، لديها من القوة ما يكفي لمقاومة أعمال الحكام الاستبدادية ورأوها تقاومها في الواقع، ثم رأوا الأمير عينه — على ما لديه من حول وطول — مرغمًا على احترام قراراتها، وملزمًا بإعادة الأملاك التي حكمت عليه تلك الهيئة بإعادتها، كما أنهم رأوا الحكومة مجبرة على تنفيذ تلك الأحكام ضد نفسها، ودفع المحكوم به عليها لحامليها. وهناك منظر آخر تمثَّل أيضًا أمام أعين الأهالي، ولو أن وقعه على نفوسهم كان أخف من السابق، فالفرنج المنتشرون في الريف قبل تأسيس المحاكم المختلطة ورجال القنصليات من جريك وغيرهم، كانوا يرهقون المصريين عادة، ويستغلونهم استغلالًا فاحشًا، دون أن يجد المصريون من العدالة سوى أبواب موصدة. فذلك الإرهاق وهذا الاستغلال بطلا تمامًا منذ تشكيل المحاكم المذكورة، ليس هذا فقط، بل إن عددًا غفيرًا من الأهالي تحصلوا ضد أولئك الفرنج الأقوياء وتجَّارهم العتاة، وضد رجال القنصليات عينهم على أحكام قاضية بتعويضات جمة! وقد أدى ذلك طبعًا بالأهالي إلى التفكر بأنه مذ أصبحت الشرائع والمحاكم تحميهم من الذين كانوا يستغلونهم في الماضي، فليس هناك ما يمنعها من حمايتهم من الحكومة أيضًا، وعلى الأخص من تصرفات موظفيها الجائرة.

وهذه الفكرة أنجبت فيما بعد المحاكم الأهلية، وكانت هي أيضًا مختلطة في بدء نشأتها. والمحاكم الأهلية، بتطبيقها تشريعًا مدنيًّا بحتًا غير التشريع السابق، فتحت لأول مرة في تاريخ مصر أمام أعين المصريين أبواب مضمار المدنية العصرية واسعة، بل وخوَّلتها قوة الدخول فيه، والتماس كل إصلاح توجبه الظروف والأيام.»٦

غير أن النزاع الذي قام فيما بعد بين (إسماعيل) والقضاء المختلط — وسيأتي بيانه في حينه — أوجب فتور رضى الخديو عن وزيره، ذي النزعة الفرنجية البحتة، واغتنم أعداء نوبار فرصة تغير خاطر (إسماعيل) عليه، واجتهدوا في إفهامه أن وزيره خان أمانته، وأدخل في نصوص القوانين الجديدة ما اتخذ منه القضاء الجديد سلاحه في الحملة الشعواء المشنونة عليه، فاضطر نوبار إلى مغادرة القطر المصري، والإقامة تارة في فرنسا، وطورًا في سويسرا، ولكنه بعد أن وضعت الحرب بين الترك والروس أوزارها عاد إلى مصر، وامتزج تاريخ حياته بتاريخ حياتها في سنتي حكم (إسماعيل) الأخيرتين، ثم غادر القطر بعد سقوط (إسماعيل)، ولم يعد إليه إلا عقب إخماد الثورة العرابية، ولو كان حضرها لسارت في غير المجاري التي سيَّرتها فيها روح عبد الله نديم، المؤثرة على تربية عرابي وزملائه المدنية السطحية.

فعهد إليه (محمد توفيق) برياسة الوزارة في ٨ يناير سنة ١٨٨٤، فبقي فيها إلى يولية سنة ١٨٨٨، ثم توارى مدة عن مسرح السياسة، وانزوى في عالم تذكاراته الماضية، ولكن (عباس الثاني) استدعاه إلى رياسة الوزارة في سنة ١٨٩٤، فمكث في منصبه سنة وبضعة أشهر، ثم استقال بسبب اعتلال صحته، وتنحى عن السياسة بالكلية إلى أن توفاه الله في سنة ١٨٩٩.

وكان نوبار رَبْع القامة، يميل إلى الطول، قوي البنية، أسمر اللون، أسود العينين، كما أن شعر رأسه كان أسود أيضًا سوادًا حالكًا قبل أن يشتعل شيبًا، وكانت تقاطيع وجهه منتظمة، متناسبة متناسقة، ينيرها ابتسام جذاب، يكسب صاحبه القلوب أنَّى شاء، وكان كلاميًّا، منطقيًّا ماهرًا، إذا تحدث أروى وأشبع، وإذا ناقش أفحم وأقنع، وامتاز كلامه في كلتا الحالتين برشاقة التعبير، وغزارة المادة، يتخللهما شيء من التهكم القاطع، أو الجزل المتدفق من ينبوع حي، طبقًا لما يقتضيه الموقف، مثال ذلك أن الحكومة الإمبراطورية الفرنساوية عقب انفضاض الخلاف على ترعة السويس مع شركتها، منحت نوبار وسام جوقة الشرف من الرتبة الأولى، فأراد الدوق دي مرني — وكان قصير القامة — أن يقلده إياه بيده، فاضطر نوبار، لكي يمكنه من ذلك إلى إحناء قامته كثيرًا حتى كاد يركع، ولكنه فعل ذلك بابتسام قائلًا: «ليس الثمن غاليًا!» وهو يشير إلى النيف والمائة مليون من الفرنكات التي دفعتها الحكومة المصرية لتتخلص من تلك الورطة المدنية التي ألقاها بها تسرع (سعيد).

والمدهش في محادثته أنه كان ينتقل من الوقور إلى العذب، ومن المجون إلى الجد بسهولة غريبة، ويزين حديثه بالمجازات الجميلة، والأمثلة المناسبة، والقصص الموافقة، بدون تكلف وبارتجال غريب، كأن موردها بجانبه، وما عليه إلا أن يدلي دلو قريحته فيه ليخرج بها منه، مثال ذلك الحكاية الآتية التي أوردها في حديث له عن الحال السياسية بمصر، وتنازع حكومتها ودائنيها على أموال فلاحيها: «عصفور كان حاطًّا على شجرة، وإذا ببازٍ انقض عليه واختطفه، وبينما هو صاعد به إذا بنسر رآه، وأراد اغتصاب فريسته منه، فدار بين الطيرين الكاسرين قتال هائل، فوقف الجمهور يتفرج عليه، ويتساءل أي الجارحين عساه يفوز على الآخر؟ ولم يفتكر أحد في العصفور، ولا حزن على تعاسة حظه!» وأيضًا: «مصر كعظمة ثمينة كبيرة يرغب فيها كلبان (فرنسا وإنجلترا)، فيتنازعان عليها، ولا يجرؤ أحدهما على اختطافها، لخوفه من الآخر، ولكن بينما هما يحملقان الواحد للآخر ويزمجران، يتسرب سرب من النمل (الجريك — واليهود والشرقيون على العموم) إلى العظمة وينهشها، ويسمن منها!»

وكان ذا شمائل خلابة، وشيم ساحرة، لا يحقد ولا يميل إلى الانتقام، ويقابل ذات شانئيه مقابلة تشف عن صفاء نية وحسن طوية، فيحوِّل بذلك مجاري العواطف في صدورهم، فيخرجون من عنده وهم إلى أن يكونوا أصدقاء له أقرب منهم إلى البقاء على عداوته.

ومع أنه تعلَّم منذ حداثة سنه صنعة إخفاء عواطفه وأفكاره — لشدة احتياجه إليها في المراكز التي شغلها، على غربته في الجنس والدين، لدى العواهل المتعاقبين على مصر من ذرية الباشا العظيم — فإنه لم يكن من ذوي الخنوع، أو ممن يتلمسون الحظوة عند الملوك من إذلال أنفسهم بين أيديهم، أو من تحقيرها في خدمات يأباها الشرف، بل ما فتئ متعاليًا في شعوره، تعاليًا يظهر أثره في مشيته، واستقامة جسمه.

وقد لوحظ عليه أنه في مكاتباته الرسمية كان إذا ذكر الخديو دعاه «مليكي صاحب الجلال»، متحاشيًا دائما تسميته «مولاي أو سيدي الخديو صاحب الجلال» كما كان يدعوه باقي وزرائه، لذلك لا يسَعِ الإنسان إلا التعجب من كيف أمكن لمن كانت هذه شيمه أن يستمر في خدمة الملوك، ولا يسعه من جهة أخرى إلا تعظيم قدر العواهل الذين خدمهم نوبار من الأسرة العلوية، وإجلال عقليتهم، والإعجاب على الأخص بسعة صدورهم، فلو كانوا من التعجرف، على ما ينسبه إليهم بعض الكتَّاب لما استطاع الأرمني، الأبي النفس، البقاء في خدمتهم يومًا واحدًا، لا الاستمرار عليها دهرًا.

غير أنه على إباء نفسه هذا لم يكن من ذوي الخيلاء ومحبي مظاهر الكبرياء والفخفخة الكاذبة، فلم يجَرِّ سائسًا أبدًا أمام عربته، وكثيرًا ما كان يذهب إلى الديوان بعربة أجرة، ولم يوجد مطلقًا بينه وبين زائريه حاجبًا أو حجابًا، ولا اضطر قاصدًا إلى الانتظار طويلًا في «منادره»، بل كان سهل المقابلة إلى حدٍّ كثيرًا ما جعل قليلي الذوق يتهجمون عليه في أوقات غير مناسبة.

وقد كانت حياة نوبار الشخصية والمنزلية مثالًا للكمال والصلاح والبر إلى آخر يوم من أيامه، فمع أنه نادم (إبراهيم) الغضوب، و(عباسًا) تيبريوس مصر، و(سعيدًا) كومدَّها وهنريَّها الثامن والثالث معًا، (وإسماعيل) لويسها الرابع عشر — لم يُروَ عنه أنه خرج مرة واحدة عن طور الجد والكمال، أو بدت منه نقيصة حطت من قدره الأدبي في أعين أولئك القياصرة المصريين، لذلك كانوا يحترمون أنفسهم أمامه، ويأبون أن يشهدوه مظهرًا غير كامل من مظاهر حياتهم الفردية، فيصح القول — والحالة هذه — إنه كان لحياة وزير (إسماعيل) هذا الفردية تأثير على تطور الأخلاق نحو الشعور بما يجب أن يُراعَى فيه اللائق.

وكان نوبار مغرمًا بالمطالعة، لا سيما بمطالعة كتب التاريخ، ويحسن التكلم والكتابة بإحدى عشرة لغة مختلفة، وقد ساعده ذلك مع تفتق ذهنه، وسعة حيلته، وقوة تقديره للأشخاص والأمور، على إحراز مركز رفيع في اعتبار العالم السياسي الغربي، حتى إن رجاله فكروا مرتين في عهد منصب إمارة مستقلة إليه، إمارة الرومللي مرة، وإمارة أرمينيا مرة أخرى، ومع ميل نوبار إلى القبول، لا سيما إمارة أرمينيا وطنه الأصلي، كان يشعر بألم نفساني حقيقي كلما تصور أن ذلك قد يحول بينه وبين العود إلى السكنى بمصر، فهل كان هذا الشعور تصديقًا لقول القائل: «إن من شرب ماء النيل لا ينسى حلاوته؟» أم إقرارًا من نوبار بأن مصر أصبحت دون سواها وطنه الحقيقي المحبوب؟

مهما يكن من الأمر، وسواء أأخذنا من القول ذاته أن مصر، لما جبل أهلها عليه من دعة ودماثة في أخلاقهم، وحب غريب للغريب، وما يوجد في مناخها وثروتها وجمال سمائها من مرغبات للأجنبي عنها في الإقامة فيها دومًا، تصبح وطنه المفضل على سواه، أم لم نأخذ منه إلا معناه الحرفي، فإن نوبار أبى إلا أن يموت ويدفن على ضفاف النيل.

وقد أقامت له بلدية الإسكندرية تمثالًا في إحدى حدائقها اعترافًا منها بما كان له من فضل في إقامة دعائم العدل وأسسه في البلاد، وإقرارًا بأن العدل أساس الملك حقًّا، وقاعدته في كل رقي وتقدم، كما أنه روح كل مدنية حقة.

وقد أكد لنا صاحب العزة وهران نوبار بك — حفيده — أن جدَّه ترك مذكرات تاريخية تقع في أربعة مجلدات، شرح فيها ما حضره شخصيًّا من الحوادث والوقائع في عهد الأمراء السبعة من البيت العلوي الذين خدمهم، فحبذا لو يسرع ابنه بوغوص نوبار باشا إلى نشرها! فيخدم الأدب التاريخي خدمة هو في أشد الاحتياج إليها، لا سيما أن تلك المذكرات هي الوحيدة من نوعها، وأن عموم الرجال الذين كانت لهم يد في حوادث القرن الماضي من أمراء مصر ووزرائها وغيرهم أبوا أن يحملوا أنفسهم عناء ترك مذكرات شخصية، كنا نستنير بالنور المنبعث عنها في اطلاعنا على تاريخ أيامهم، وإنه لجدير بنوبار أن يشذ عنهم.

وأما شريف باشا٧ — ويلي نوبار في أهميته السياسية، ويفوقه في نظر الكثيرين من المصريين، ولو أنهم لا يبنون تقديرهم له هذا إلا على ما عهدوه فيه من إباء، وعلو نفس، وكرم أخلاق، فهم يصفونه لذلك «بصاحب الهمة العلية، والنفس الأبية، والمروءة الوفية، والشرف الكامل، أخي المعالي، وخدن المفاخر، وزينة الرياسة، ونموذج العفة والاستقامة، وحليف الخير والكرم» — فقد كان ابن محمد شريف أفندي الشركسي العثماني، ولد بمصر القاهرة في شهر نوفمبر سنة ١٨٢٦؛ إذ كان أبوه قاضي القضاة فيها، ولكنه فارقها إلى الأستانة العلية، وهو لا يتجاوز بعض الأشهر سنًّا حينما انقضت مدة السنة المعينة لوظيفة أبيه — كما كانت العادة في تنصيب قضاة الولايات العثمانية — ثم بعد ذلك ببضع سنين تعين أبوه لمنصب قضاء الحجاز، وفي ذهابه إلى الأقطار المشرفة للقيام بما عهد به إليه مرَّ على مصر بعائلته، وتقابل (بمحمد علي) أميرها العظيم فقابله بالترحاب والتكريم، وفرح لمشاهدة نجله، حيث تفرس فيه العلاء والنجابة، وسأله أن لا يأخذه معه إلى الحجاز، وهو يقوم بشأنه وتربيته ويحسن مثواه، ويعوله كما يعول أولاده، فقبل هذه النعمة بالشكر، لعلمه بأن ولده يكون في مصر كما لو كان معه أو أحسن، فتركه فيها وسافر إلى محل مأموريته.

أما ولده فكان في ذلك الوقت في سن قابل للتعليم، فانتظم بأمر ساكن الجنان (محمد علي) في سلك تلاميذ مدرسة «الخانقاه» — وهي المدرسة التي أنشئت في سنة ١٨٢٦ — لتعليم العلوم العسكرية، وناظرها المرحوم عثمان نور الدين أفندي، ومن تلاميذها أنجال الباشا العظيم محمد سعيد، وحسين، وحليم، وأنجال أنجاله، وأولاد الأمراء.

وقد كان انتشر في أوروبا خبر تأسيس هذه المدرسة بمصر قبل أن يشرع (محمد علي) في تأسيسها؛ إذ قد صادف وجود ناظرها عثمان نور الدين أفندي في باريس سنة ١٨٢٥، ومقابلته بالمسيو چومار أحد مشاهير الفرنساويين الذين دخلوا مصر أيام الاحتلال الفرنساوي، فتكلم معه في شأنها، وفي شأن تأسيس مدرسة أخرى في باريس لتعليم من ينتخب من تلاميذ مدرسة «الخانقاه».

فلما عاد أخبر (محمد علي) بهذا الرأي، فاستصوبه، وفتحت في باريس مدرسة الرسالة المصرية، بشارع ريجار بقسم لوجزمبرج، وبعد سنة أُرسل إليها أربعة وأربعون تلميذًا، وتعيَّن لهم ناظران؛ وهما المسيو چومار واستفان بك دمرچيان (الذي تولى فيما بعد نظارة الخارجية، ورياسة مجلس الدواوين في عهد سعيد باشا). وكان انتخاب هذا العدد من مدرسة «الخانقاه» بمعرفة (محمد علي)، ثم سافرت رسالة أخرى وفي مقدمتها سعيد وحليم وحسين (المتوفى في باريس) أولاد العزيز، وإسماعيل وأحمد ابنا ابنه إبراهيم، وشريف باشا وعلي مبارك باشا وعلي شريف باشا ومراد حلمي باشا عديل شريف باشا، وغيرهم من نجباء مدرسة «الخانقاه».

فاشتغل كل منهم بحسب لياقته وذوقه وميله بالعلوم التي اختارها لنفسه، فكان ميل شريف باشا إلى تعلم الفنون الحربية والعلوم العسكرية، ثم استعد للدخول في مدرسة سانسير، الشهيرة بتعليم الضباط العسكريين، وأدى الامتحان اللازم، وانتظم في سلك تلاميذها سنة ١٨٤٣، فتقدم في علومها ووصل إلى أعلى فرقها، ثم انتقل منها إلى مدرسة تطبيق العلوم الحربية في سنة ١٨٤٥، فمكث فيها سنتين كاملتين، ولما كانت أحكام هذه المدرسة تقضي على تلاميذها بالاستخدام سنتين بالجيش الفرنساوي تحت التمرين، دخل في الآلاي الواحد والعشرين، الذي كان في پرپنيان من مدن فرنسا تحت قيادة الأميرالاي ميراند، المتوفى في حرب القرم برتبة چنرال.

وفي آخر هذه المدة توفي (محمد علي)، وتولى (عباس الأول)، فأمر باسترجاع تلاميذ الرسالة المصرية بفرنسا سنة ١٨٤٩ فعادوا، ورجع شريف باشا مكتسبًا من الحكومة الفرنساوية رتبة يوزباشي أركان حرب، لابسًا ملابسها الرسمية، فأُلحق بالجيش المصري بهذه الرتبة أيضًا، ولم يلبث في الجيش إلا قليلًا حتى تعين من جملة ياوران سليمان باشا الفرنساوي، سردار الجيش المصري، بناء على طلب سليمان باشا عينه، وإلحاحه على (عباس الأول)، ولكن هذا التعيين لم يزده شيئًا على رتبته، مع تكرار الطلب من رئيسه سليمان باشا، وبقي في هذه الوظيفة لغاية سنة ١٨٥٢، فتمكنت محبته من قلب رئيسه لحسن قيامه بأعماله، ونباهته واستقامته وخبرته، ولكنه لم يتقدم، ولم ينَلْ رتبة من (عباس) على مهارته ومساعدة رئيسه إياه، فقام بفكره أن يترك الوظيفة، وتركها، واستخدمه الأمير حليم في دائرته، بوظيفة كاتب يده في سنة ١٨٥٣، وبقي في هذه الوظيفة سنة واحدة إلى أن توفي (عباس) وتولى بعده (سعيد)، فكانت باكورة أعماله ترقية شريف، رفيقه في التلمذة قديمًا والجدير بالالتفات، إلى رتبة أميرالاي الحرس الخصوصي، فبقي في هذه الوظيفة سنتين، والقلوب راضية عنه، والأمير ملتفت إليه حق الالتفات، وبعدها أنعم عليه برتبة لواء (باشا)، وعين لقيادة آلاي بيادة وآلاي الحرس الخصوصي، ثم كمل سعده بعد هذه الترقية بسنة واحدة سنة ١٨٥٦، فتزوج ابنة سليمان باشا الفرنساوي السردار البادي ذكره، فازداد بقرانه هذا تمسكًا بميوله الفرنساوية الأصلية.

وبقربه من (سعيد) زاد قدره لديه، وظهرت فيه علامات الأهلية التامة، والجدارة العظمى، والعفة، وسداد الرأي، فرقَّاه إلى رتبة فريق، ثم خطر بباله أن يعينه في وظيفة إدارية، فكان ذلك، وعينه ناظرًا للأمور الخارجية المصرية، فقام بها حق القيام إلى انقضاء أيام (سعيد). ومن عهد توظفه للخارجية ظهر في الوجود السياسي ظهورًا بينًا، ولبث كذلك نحو ثلاثين سنة، لا تحدث حادثة سياسية إلا وله فيها الاسم الطيب الشريف، وانقضت مدة (إسماعيل) وأوائل مدة (توفيق) وشريف في منزلته السياسية، وعلو مكانته، وارتقائه في الاسم والصيت.

وبعد أن توفي (سعيد) لم يتزحزح مركز شريف، بل زاد في عهد (إسماعيل) الذي كان هو أيضًا لا يفتأ يذكر أيام تلمذتهما معًا في باريس وساعاتها الحلوة، فولاه نظارة الداخلية مع نظارة الخارجية، فقام بالوظيفتين حق القيام، بالأمانة وحسن الإدارة والإخلاص، إلى أن سافر (إسماعيل) إلى الأستانة في يولية سنة ١٨٦٥، فعهد إليه بالشرف الرفيع الذي لا يعدله شرف، وهو جعله قائمقام مصر، لما عهده فيه من حسن الرياسة والذكاء والكياسة والمهابة والإمارة، وهذه هي أول مرة تعيَّن فيها نائبًا عن خديو مصر رجلٌ ليس من العائلة الخديوية، فكان ذلك أكبر دليل على ما كان لشريف من المنزلة العليا في النفوس.

ثم لما عاد (إسماعيل) إلى مصر أبقاه في الخارجية، وألقى إليه مقاليد المعارف العمومية، وعهد بالداخلية إلى راغب باشا، وفي سنة ١٨٦٧ اختاره لرياسة المجلس الخصوصي الذي كان بمنزلة مجلس النظار، ومن هذا التاريخ إلى آخر حكم (إسماعيل) تقلب في الوظائف العالية؛ فتقلد نظارة الداخلية من سنة ١٨٦٨ إلى سنة ١٨٦٩، والخارجية في سنة ١٨٧٠ وسنة ١٨٧٤ وسنة ١٨٧٥ وسنة ١٨٧٦ وسنة ١٨٧٩، والحقانية أيضًا في سنة ١٨٧٤ وسنة ١٨٧٥، وأحيلت عليه نظارة التجارة كذلك في سنة ١٨٧٥، وفي سنة ١٨٧٩ كان آخر رئيس نظار (إسماعيل) وأول رئيس نظار (توفيق)، ولكنه اعتزل المناصب في أوائل (توفيق)، وما زال بعيدًا عنها إلى أن تحركت الثورة العرابية، فعُهدت إليه رياسة مجلس النظار سنة ١٨٨١، فأسس في مدته هذه مجلس نواب البلاد، ولما ثبت له أن الثورة انقلبت إلى حركة مؤدية حتمًا إلى جلب ضرر على البلاد استقال، والكل راضون عنه، وبعد تدمير الإسكندرية عاد فألف وزارة كانت آخر الوزارات التي ترأسها، وتقلد فيها منصب الخارجية في ذلك الحين، ولما اشتد أوار المسألة السودانية تنحى، وترك المناصب، ثم سافر إلى أوروبا حيث أدركته الوفاة سنة ١٨٨٧.

فصدر أمر (توفيق) بإحضار رفاته، وتشييع جنازته على نفقة الحكومة، اعترافًا بفضله وخدماته الجليلة، ونعاه نوبار — وكان إذ ذاك رئيس الوزراء — إلى عموم المصالح بعبارات مؤثرة، دلَّت على ما كان بين الرجلين من أواصر المحبة والاحترام، بالرغم من اختلاف مشاربهما.

فإن نوبار كان في طباعه وأخلاقه وشمائله يشبه الإنجليز، وشريفًا كان فرنساويًّا بحتًا في مظهره وملبسه، لا سيما بعد اقترانه بابنة سليمان باشا، إلى حدٍّ جعل معاصريه يسمونه «شريف باشا الفرنساوي»، وبينما نوبار ربما كان لاأدريًّا، فإن شريفًا كان مسلمًا صحيح الاعتقاد، ولو أنه لم يكن يعمل بدقة بكل مقتضيات الحياة والدين الإسلاميين، وكان شريف عكس نوبار أيضًا في المظهر الطبيعي، كما كان عكسه في العقلية والخلق، فبينما نوبار أسمر اللون، أسود الشعر والعينين، فإن شريفًا كان أشقر اللون والشعر، عسلي العينين، وبينما كان الأول يحسن إخفاء عواطفه وأفكاره، كان الثاني لا يستطيع ذلك مطلقًا، لما جبل عليه من الصراحة الكلية في قلبه وكلامه، فكان إلى أنه جندي أقرب منه إلى أنه رجل سياسة، ولو حاول إخفاء عاطفة لخانته شيمه الصريحة، وسحنته المفتوحة، وبالرغم من ذلك فإنه كان محبوبًا من الجميع، ولا أعداء له، لوقوف الكل على سلامة ضميره وإخلاص قلبه، بخلاف نوبار، فإن خلقه الشديد كان ينفر منه الناس بقدر ما كان يدني إليه منهم.

على أن كلا الرجلين كانا متشابهين في الذكاء، وسرعة الخاطر، وحلاوة الحديث، وحسن المعاشرة والمجالسة، وسعة الضيافة وكرمها، تشابههما في وقار النفس وكمالها، في الأنفة من الدنايا والترفع عنها، وفي علو الهمة، وحب المبرات، وحرية الفكر والضمير، وكان أحدهما يحترم الآخر، فالاحترام متبادل بينهما لهذه الفضائل والكمالات.

غير أنه بينما كان نوبار يرى المطالعة من أكبر اللذات في هذه الحياة الدنيا، كان شريف يرى أن الصيد والقنص هما أكبر ملاذها، فكان شديد الغرام بهما إذن كأنه نمرود ثانٍ، لذلك وصفهما (إسماعيل) بقوله: «لست أرى سفيرًا أرسله إلى بلاد الإنجليز خيرًا من شريف فإنه صياد مولع بالصيد، لا يبالي بأخطاره، وهذا يعجب القوم هناك، ويستميل قلوبهم، كما أني لست أرى سفيرًا أرسله إلى الأستانة خيرًا من نوبار، فإنه أمهر الناس في تزويق الخبيث وتنميقه، ولو كان مبالغًا فيه، وأحذقهم في حمل المحدِّث على القهقهة، وهو ساكن لا يضحك، وليس شيء يعجب الأتراك أكثر من هذا!»

وكلا الرجلين كان يميل إلى التلاهي عن الأشغال الجدية بالألعاب الاجتماعية، ولكن نوبار كان يفضل لعبة البزيج على كل لعبة خلافها، وكثيرًا ما كنت إذا زرته تجده يتعاطاه مع خصيص من أخصائه أو زائر من زائريه الغربيين، وأما شريف فإنه لم يكن يفضل على البلياردو لعبة في الوجود، وكان غرامه به يكاد يضاهي ولعه بالقنص والصيد، ويبلغ حدًّا يجعله يتصور معه كل كفاءة لأي نوع من أنواع الأعمال والأشغال في الرجل المتقن لعبه.

وإن الناظر إلى تداول وزارتَي الخارجية والتجارة بين هذين الوزيرين، إلى بقائهما في منصبيهما في الإدارة المصرية المُدد الطويلة، مع أن الحكم كان فرديًّا واستبداديًّا على ما يقولون، لا يسعه إلا مقارنة ذلك بسرعة زوال الوزارات، وسرعة تغير المظاهر الإدارية في الدول السائد عليها نظام الدستور، فلا يجد من يصح له أن يقارنه بهما من رجال الدول، معاصريهما، سوى دزرائيلي وجلادستون، ومع ذلك فإن هذين الإنجليزيين تواليا على المناصب، ولم يتعاصرا عليها، فأمكن الواحد منهما في أوقات اعتزاله أن يؤلف الروايات أو يحطب في الغابات، وهذا ما لم يُسمح به لنوبار وشريف، لا سيما لهذا الأخير، مطلقًا طوال حكم (إسماعيل).

وأما علي مبارك باشا٨ — أبو التعليم المصري الحقيقي — فإنه بخلاف الوزيرين السابقين، مصري بحت، وإنَّا — لما في حياته من عبر بليغة — نرى أن نتوسع في شرحها فنقول: ولد في قرية برنبال الجديدة، من أسرة كانت تعرف فيها بعائلة المشايخ سنة ١٢٣٩ﻫ/سنة ١٨٢٤م، ولما بلغ السادسة من عمره، اضطر والده، بعد أن بذل ما بيده، وباع مواشيه وأثاث بيته، إلى الفرار من القرية بسبب أموال انكسرت عليه للديوان، ونزل بقرية يقال لها الحماديين من أعمال الشرقية، ولكنه لم يلبث فيها إلا قليلًا، لقلة إكرام أهلها له، وارتحل بعياله إلى عرب السماعنة بالشرقية، ولم يكن عندهم فقهاء، فأنزلوه منزل الإكرام والإجلال، وانتفعوا منه، وانتفع منهم انتفاعًا كبيرًا، ارتاح له خاطره وانزاحت عنه الشدائد، فالتفت إلى تربية ابنه علي، فعلَّمه أولًا بنفسه، ثم سلَّمه لمعلم اسمه الشيخ أحمد أبو خضر، وكان مقيمًا في قرية صغيرة قريبة من مساكن أولئك العرب، فأقام عنده نحو سنتين ختم فيهما القرآن بداية، ثم لكثرة ضرب الشيخ له، تركه وجعل يقرأ عند والده، وكان والده منشغلًا عنه في شغله، فمال الولد إلى اللعب والتفريط، فهمَّ أبوه أن يجبره على الذهاب إلى معلِّمه، فتعاصى ونوى الهرب.

وكان له إخوة من غير والدته، فأشفقوا عليه، وسألوه عن مرغوبه في التربية، فاختار أن لا يكون فقيهًا، بل يكون كاتبًا؛ لما كان يراه للكتَّاب من حسن الهيئة والهيبة والقرب من الحكام، فسلَّمه أبوه إلى كاتب قسم بناحية الإخيوة كان صديقًا له، وجعل له مرتبًا يكفيه، فأقام عليٌّ عنده مدة، وخالط عياله، فإذا هو مجمل الظاهر، ولكنه فقير في بيته — كمعظم الكتَّاب والموظفين بكل أسف! — فكان الولد في غالب أيامه، يبيت إذن طاويًا من الجوع، وليت ذلك كان كل ما هنالك! ولكن الرجل — على قلة تعليمه له — كان يخدمه كثيرًا ويؤذيه أكثر، فحدث ذات يوم أنهما كانا في قرية المناجاة، فسأله الكاتب أمام ناظر القسم، وجماعة الحضور عن الواحد في الواحد! فقال عليٌّ: «باثنين»، فضربه بمقلاة بن، فشجَّه في رأسه، فلامه الحاضرون، وذهب عليٌّ إلى والده يشكو إليه، فما نال منه إلا الأذى، وكان يومئذ مولد سيدي أحمد البدوي، فهرب عليٌّ مع الناس، قاصدًا المطرية، جهة المنزلة، ليلحق بخالة له هناك، ولكنه مرض بالكوليرا في طريقه بقرية صالحجر، فأخذه رجل من أهلها، وعاده أربعين يومًا، وكان والده في تلك المدة، وأحد إخوته يفتشان عليه في البلاد، فاستُدل عليه في صالحجر، فلما رآه عليٌّ هرب، ونزل بمنية طريف، فأخذه رجل عربي، ولكنه لم يُقِم عنده إلا قليلًا، وهرب منه أيضًا، ولحق بأخ له في برنبال.

وبعد أيام قدم إليها أخوه الذي كان يفتش عليه، وما زال به حتى أخذه بالحيلة إلى والدهما، وقد أشكل على أهله أمره، فعرضوا عليه القرَّاء والكتَّاب، فلم يقبل بحجة أن المعلم لا يستفيد منه إلا الضرب، والكاتب إلا الضياع والأذى، علاوة على أنه يخدِّمه، فعرض عليه والده أن يلحقه بصاحب له من كتبة المساحين، فرضي بذلك، فلما عاشره، زاد رغبة في عشرته؛ لما كان يناله في صحبته من النقود التي كان يأخذها من الأهالي، فأقام عنده ثلاثة أشهر، ولكنه لصغر سنه وعدم معرفته بما ينفع وما يضر، كان يفشي سره، ويخبر عن أخذه من الناس، فطرده، فبقي في بيت أبيه يقرأ عليه، ويصحبه في قبض الأموال الأميرية التي على العرب — وكان منوطًا بذلك — ويباشر الكتابة وبعض المحاسبات، ثم بعد نحو سنة واحدة جعله أبوه مساعدًا عند كاتب في مأمورية أبي كبير، بماهية قدرها خمسون قرشًا يبيِّض له الدفاتر، فأقام عنده نحو ثلاثة أشهر، وقد خلقت ثيابه، وساء حاله، ولم يقبض شيئًا من الماهية إلا الأكل في بيته، ثم عينه يومًا لقبض حاصل أبي كبير، فقبضه، وأمسك عنده منه قدر ماهيته، وكتب له علمًا بالواصل، ووضعه في كيس النقدية، فلما وقف على ذلك اغتاظ منه، وأسرَّها في نفسه، وأغرى مأمور أبي كبير عليه، واتفق معه على إلحاقه بالجهادية بدل شخص كان مطلوبًا للعسكرية، فنادياه على حين غفلته، وأمره المأمور بالذهاب إلى السجن لكتابة المسجونين، وأصحبه رجلًا من أغوات المأمورية.

فلما دخل السجن، أحضروا باشا من الحديد، ووضعوه في رقبته، وتركوه مسجونًا، فلبث في السجن، وهو على ما لا مزيد عليه من الخوف، بضعة وعشرين يومًا في أوساخ المسجونين وقاذوراتهم، ينتحب آناء الليل وأطراف النهار، فرقَّ له السجان لصغر سنه، ومكَّنه من مخابرة أبيه في أمره، فذهب أبوه إلى العزيز — وكان بناحية (منية القمح) — وقدم له قصة ابنه في عرضحال، فكتب بإخلاء سبيله، وأخذ الوالد الأمر بيده، ولكن قبل حضوره إليه أتى إلى السجان صاحبٌ له من خدمة مأمور زراعة القطن بنواحي أبي كبير، وأخبره أن المأمور محتاج إلى كاتب يكون معه بماهية، فدلَّه السجان على عليٍّ، ووصفه له بالنجابة وحسن الخط، فمال الخادم إليه، وطلب منه أن يكتب خطه في ورقة ليراها المأمور، فكتب عليٌّ عريضة واعتنى فيها، وناولها له مع غازي ذهب قيمته عشرون قرشًا، ليسلك له الطريق عند مخدومه، ووعده بأكثر من ذلك أيضًا، فأخذها وبعد قليل حضر بأمر الإفراج عنه، وأخذه معه حتى قرب من المأمور، وكان يدعى عنبر أفندي، فنظر إليه، فإذا هو أسود حبشي، لكنه سمح، جليل، مهيب، ورأى مشايخ البلاد والحكام وقوفًا بين يديه، وهو يلقي عليهم التنبيهات، فتأخر حتى انصرفوا، فدخل عليه وقبَّل يده، فكلَّمه بكلام رقيق عربي فصيح، وقال له: «أتريد أن تكون معي كاتبًا، ولك عندي جراية كل يوم، وخمسة وسبعون قرشًا ماهية، كل شهر؟» فقال: نعم. ثم انصرف من أمامه، وجلس مع الخدامين، وكان يعرف من المشايخ الذين كانوا بين يديه جماعة من مشاهير البلاد، أصحاب الثروة والخدم والحشم والعبيد، فاستغرب ما رآه من وقوفهم بين يديه وامثتالهم أوامره، وكان لم يرَ مثل ذلك قبل، ولم يسمع به! بل كان يعتقد أن الحكام لا يكونون إلا من الأتراك، على حسب ما جرت به العادة في تلك الأزمان، وبقي متعجبًا، متحيرًا في السبب الذي جعل السادة يقفون أمام العبيد، ويقبِّلون أيديهم، وحرص كل الحرص على الوقوف على هذا السبب، فكان ذلك من دواعي ملازمته لعنبر أفندي.

وفي ثاني يوم حضر والد علي بأمر العزيز، فسلَّم عليٌّ عليه وأدخله على المامور وعرَّفه إياه، فبشَّ في وجهه، وأجلسه وأكرمه. وكان والد علي جميل الهيئة، أبيض اللون، فصيحًا، متأدبًا، فكلم المأمور في شأن ابنه، فقال له المأمور: «إني قد اخترته ليكون معي، وجعلت له مرتبًا، فإن أحببت، فذاك.» فشكر له، ورضي أن يكون ابنه معه، وانصرف من مجلسه مسرورًا.

فلما كان الليل وسهر عليٌّ مع أبيه، جعل كلامه معه في المأمور فقال: «وهذا المأمور ليس من الأتراك، لأنه أسود.» فأجابه: «يمكن أن يكون عبدًا عتيقًا.» قال: «هل يكون العبد حاكمًا؟ مع أن أكابر البلاد لا يكونون حكامًا، فضلًا عن العبيد؟» فأجابه أبوه بأجوبة لم تقنعه، وبعد يومين سافر عنه وتركه عند المأمور، فجعل عليٌّ يقول في نفسه: «إن الكتابة والماهية كانتا السبب في سجني، ووضع الحديد في رقبتي، وقد وجدت هذا المأمور خلصني من ذلك، فلو فعل هو معي مثل ما فعل الكاتب فمن يخلصني؟»

وأخذ يود أن يكون بحالة لا ذلَّ فيها، ولا تُخشى غوائلها، واصطحب بفراش لعنبر أفندي، ما لبث أن علم منه أن سيده مشترى ست من الستات الكبار، مرعيات الخواطر، أدخلته مدرسة القصر العيني لما فتح العزيز المدارس، وأدخل فيها الوِلدان، وأخبره ذلك الفراش أن التلاميذ في القصر العيني يتعلمون الخط والحساب واللغة التركية وغير ذلك، وأن الحكام إنما يؤخذون من المدارس.

فجال حينئذ في صدر عليٍّ أن يدخل المدارس، وسأل الفراش: «هل يدخلها أحد من الفلاحين؟» فأفاده «أنه يدخلها صاحب الواسطة»، فشغل ذلك باله زيادة، وما زال بالفراش يستفهم منه عن طريق القصر، وكيفية الإقامة فيه، فأخبره عن ذلك كله، وأثنى على حسن إقامة التلاميذ به ومأكولهم وملبوسهم وإكرامهم، فازداد عليٌّ شوقًا، وكان يكتب عنده كل ما يخبره به من بيان الطريق وقدر المسافة، وأسماء البلاد التي في الطريق، وقامت بنفسه فكرة التخلص، والتوصل إلى المدارس، فطلب الإذن في زيارة أهله، فأذن له بخمسة عشر يومًا، فسافر، وبينما هو يجتاز قرية بني عياط، تقابل مع جملة أطفال تحت قيادة رجل خياط، مع كل واحد دواة وأقلام، فجلس معهم تحت شجرة، وتحادثوا، فظهر له أنهم تلامذة من مكتب منية العز، ورأوا هم خطَّه، فوجدوه أحسن من خط الباشجاويش، فجعل عليٌّ يستفهم منهم عن مكتبهم وصفته، وجعل الخياط يحسِّن له أوصافه، ويغريه على دخوله، مفهمًا إياه أن نجباء المكاتب ينتقلون إلى المدارس بلا واسطة، فرأى عليٌّ أن ذلك غاية مرغوبه، فلم يتأخر عن الذهاب معهم والدخول إلى مكتبهم، ولكن ناظره — وكان من معارف أبيه — أراد أن يمنعه من الانتظام في عقد التلامذة، فلم يفلح، وبقي عليٌّ في المكتب خمسة عشر يومًا، ثم أتى أبوه بتدبير من الناظر، وانتظر خروجه للفسحة والأكل في وقت الظهر، واختطفه إلى البلد، وحبسه في البيت نحو عشرة أيام، ما برحت أمه في خلالها تبكي منه وعليه، وتستعطفه للرجوع عما يوجب فراقهم، وتحلفه أن يرجع عن تلك النية، فوعدها بالرجوع عن ذلك، إرضاء لخاطرها.

فأطلقوه، وكان لهم غنيمات أخذ يرعاها، وأبعدوه عن حرفة الكتابة، فبقي كذلك مدة، حتى اطمأن خاطرهم، وظنوا أن فكرته ذهبت عنه، مع أنها لم تفارقه، وإنما كان يخفيها إلى أن انتهز فرصة في ليلة من الليالي، فصبر إلى أن ناموا جميعًا، وأخذ دواته وأدواته، وخرج من عندهم خائفًا يترقب، وتوجه تلقاء منية العز، وكان ذلك آخر عهده بسكناه بين أبويه، وكانت ليلة مقمرة، فمشى حتى أصبح، فدخل منية العز ضحى، ولم يرَهُ الناظر إلا وهو مع الأطفال في داخل المكتب، والتزم أن لا يخرج منه ليلًا ولا نهارًا مخافة اختطافه، ثم حضر والده وعمل طرق التحيل عليه هو والناظر، فلم ينجح في ذلك، حتى جاء ناظر مكتب الخانقاه عصمت أفندي، لفرز نجباء التلامذة إلى القصر العيني، فكان عليٌّ ممن اختير لذلك، ولكن والده حضر واشتكى لعصمت أفندي، فقال له: «هذا ابنك أمامك، وهو مخير.» فخيروه، فاختار المدارس، فعند ذلك بكى والده كثيرًا، وأغرى عليه جماعة من المعلمين وغيرهم ليستميلوه، فلم يصغِ لكلامهم، وكان ما قدر الله، فدخل مدرسة القصر العيني في سنة ١٢٥١ﻫ، وهو يومئذ في سن المراهقة، فوجد المدارس على خلاف ما كان يظن، بل بسبب تجدد أمرها كانت واجبات الوظائف مجهولة فيها، والتربية والتعليمات غير معتنى بها، بل كان جل اعتنائهم بتعليم المشي العسكري، فكان ذلك في وقت الصبح والظهر، وبعد الأكل وفي أماكن النوم، وكان جميع رؤساء التلامذة ومعلميهم يؤذونهم بالضرب وأنواع السب والإهانة من غير حساب ولا حرج، مع كثرة الأغراض، والإعراض عن الاعتناء بشئونهم من مأكولات وخلافها، وكانت مفروشاتهم حصر الحلفا، وأحرمة الصوف الغليظ من شغل بولاق، ومن كراهة عليٍّ للطبيخ المرتب لهم، جعل يأتدم الجبن والزيتون، وكان برعي أفندي أستاذ فرقته يراعيه بالنسبة لغيره.

وكان مع الشاب قليل من النقود جعلها أمانة تحت يد أستاذه، فلما رأى هذه الحالة ضاق ذرعًا، وظن أنه جنى على نفسه في دخوله المدارس التي بهذه المثابة، ثم لتغيُّر الهواء المعتاد، وكثرة ما قام به من الأفكار، اعترته الأمراض، وطفح الجرب على جسمه، فأدخلوه المستشفى، فتراكمت عليه الأمراض حتى يئسوا من حياته، ولكن الله سلَّم.

وفي أثناء ذلك حضر والده، فلم يمكنوه من الدخول، فجعل لبعض التمارجية خمسين محبوبًا من الذهب، على أن يُخرج ابنه من «الاسبتالية» سرًّا، ليخلصه مما هو فيه، فلم يشعر عليٌّ إلا والتمارجي قد كسر شباك الحديد من المحل الذي هو فيه، وأخبره بمرغوب والده، وأنه واقف ينتظره خارج المدرسة، وأراد أن ينزله من الشباك، ويوصله إليه ليأخذ جُعْله، فمالت نفس عليٍّ لإجابته، والذهاب مع والده، وترك المدارس وأهلها، لما رآه من الشدائد وعدم التعليم، وما لحقه من الجوع في «الاسبتالية»، حتى كان يمص العظم الذي كان يلقيه الآكلون.

لكنه فكر في عاقبة الهروب، فإنهم كانوا يطلبون من يهرب من التلامذة، ويقبضون على أهله، ويقيدونهم ويهينونهم، فامتنع عن الخروج معه، فاجتهد في التحيل عليه، وتسهيل الأمر لديه، فأبى، وقال: «أصبر على قضاء الله، وأنا الجاني على نفسي، فبلِّغ والدي السلام، وسله أن يدعو لي، وأن يبلغ والدتي عني السلام!»

ثم إن والده توسط حتى دخل عنده، ورأى كلٌّ منهما الآخر، فقبَّل كلٌّ الآخر، وبكيا، ثم ودعه ومضى لسبيله وكله زفرات، ثم شفي الشاب، وخرج إلى المدرسة، واشتغل بدروسه، ولم يمرض بعد ذلك.

وفي أواخر سنة ١٢٥٢ نقلوهم إلى مدرسة أبي زعبل، وجعلوا القصر العيني لمدرسة الطب خاصة، كما هو الآن، فكانت إدارة المدارس في أبي زعبل كما كانت في القصر العيني، إلا أنه اعتنى بالتعليم شيئًا، بسبب جُعْل نظرها لإبراهيم رأفت بك.

وكان أثقل الفنون على الشاب عليٍّ وأصعبها الهندسة والحساب والنحو، فكان يراها كالطلاسم، ويرى كلام المعلمين فيها ككلام السحرة، وبقي كذلك مدة إلى أن جمع إبراهيم رأفت بك متأخري التلامذة في آخر السنة الثالثة من انتقالهم إلى مدرسة أبي زعبل، وجعلهم فرقة مستقلة — كان عليٌّ منهم، بل آخرهم — وجعل نفسه هو المعلم لهذه الفرقة.

ففي أول درس ألقاه عليهم، أفصح عن الغرض المقصود من الهندسة، بمعنى واضح، وألفاظ وجيزة، وبيَّن أهمية الحدود والتعريفات الموضوعة في أوائل الفنون، وأن هذه الحروف التي اصطلحوا عليها إنما تستعمل في أسماء الأشكال وأجزائها، كاستعمال الأسماء للأشخاص، فكما أن الإنسان له أن يختار لابنه ما شاء من الأسماء، كذلك المعبِّر عن الأشكال له أن يختار لها ما شاء من الحروف، فانفتح من حسن بيانه قفل قلب الشاب، ووعى ما يقول.

وكانت طريقة ذلك الأستاذ الحكيم هي باب الفتوح عليه، ولم يقم من أول درس إلا على فائدة، وهكذا كانت جميع دروسه بخلاف غيره من المعلمين معدومي الطريقة، وملتزمي الحالة الواحدة، فختم عليه في أول سنة جميع الهندسة والحساب، وصار أول فرقته، وبقي في النحو على الحالة الأولى، لعدم تغير المعلم، ولا طريقة التعليم السيئة.

وكان رأفت بك يُضرب به المثل، ويجعل نجابته على يديه برهانًا على سوء تعلم المعلمين، وأن سوء التعليم هو السبب في تأخر التلامذة.

وفي تلك السنة، وهي سنة ١٢٥٥، فرزوا منهم تلامذة لمدرسة المهندسخانة ببولاق، فاختاروا عليًّا فيمن اختاروه، فأقام بها خمس سنين، وتلقن جميع دروسها، وكان فيها دائمًا أول فرقته وقُلْفَتها، فتلقى بها الجزء الأول من الجبر، والجبر العالي، وعلم الميكانيكا، وعلم الديناميكا، وتركيب الآلات على أستاذ يقال له طائل أفندي، وحساب التفاضل، وعلم الفلك على محمود باشا الفلكي، وعلم الإدروليك على دقلة أفندي، وعلم الطوبوغرافيا، والتروزية على إبراهيم رمضان افندي، وعلم الكيمياء والطبيعة، والمعادن، والچيولوچيا، وحساب الآلات على أحمد فايد بك، والهندسة الوصفية، وقطع الأحجار، وقطع الأخشاب، والظل والنظر، بعضه على إبراهيم رمضان أفندي، وبعضه على سلامة باشا، وتلقى عليه أيضًا خاصة الكسموغرافيا.

ولعدم وجود كتب مطبوعة في هذه الفنون وغيرها، إذ ذاك، كان التلامذة يكتبون الدروس عن المعلمين في كراريس، كل على قدر اجتهاده في استيفاء ما يلقيه المعلمون، وكان المعلمون يومئذ يبذلون غاية مجهودهم في التعليم، فكان يندر أن يستوفي تلميذ في كراسه جميع ما يلقى إليه، خصوصًا الأشكال والرسوم، ولذلك كان الأمر إذا تقادم أو خرجت التلامذة من المدارس يعسر عليهم استحضار ما تعلموه، فكان يضيع منهم كثيره.

وفي آخر مدة المهندسخانة كانوا يطبعون بمطبعة الحجر بعض كتب، فاستعان بها التلامذة، وحصل منها نفع، ثم تكاثر طبع الكتب شيئًا فشيئًا، لا سيما في عهد (إسماعيل) وما بعده، فصارت تطبع الفنون بأشكالها ورسومها، فسهل بذلك تناولها واستحضار ما فيها.

ثم في سنة ١٢٦٠ عزم العزيز على إرسال أنجاله إلى فرنسا ليتعلموا بها، وصدر أمره بانتخاب جماعة من نجباء المدارس المتقدِّمين ليكونوا معهم، وحضر سليمان باشا الفرنساوي إلى المهندسخانة فانتخب عدة من تلامذتها، فكان عليٌّ فيهم.

وكان ناظرها يومئذٍ لمبير بك، فأراد أن يبقيه في المهندسخانة، ليكون معلِّمًا بها، ولكن عليًّا عرض على سليمان باشا أنه يريد السفر مع المسافرين، وجعل الناظر يحتال عليه، وأحال عليه الخوجات ليثبطوه عن السفر، وقالوا له: «إن بقيت ها هنا تأخذ الرتبة حالًا، وتترتب لك الماهية، وإن سافرت تبقى تلميذًا، وتفوتك تلك المزية.»

ورأى عليٌّ أن سفره مع الأنجال مما يزيده شرفًا ورفعة واكتسابًا للمعارف، فصمم على السفر، مع أنه يعلم أن أهله فقراء، ويعود عليهم النفع من الماهية، وهم منتظرون لذلك، لكنه رأى الكثير الآجل خيرًا من القليل العاجل.

فسافر إلى تلك البلاد مع من تقدم لنا ذكر أسمائهم آنفًا من الأمراء وأولاد الأعيان، وجعل مرتبه كل شهر ٢٥٠ قرشًا كرفقته، فجعل نصفها لأهله، يصرف لهم من مصر كل شهر — وكانت هذه سُنَّته معهم منذ دخل المدارس — فأقاموا جميعًا في باريس سنتين في بيت واحد مختص بهم، ورُتِّب لهم المعلمون لجميع الدروس، والضباط والناظر من الجهادية الفرنساوية، لأن رسالتهم كانت عسكرية، وكانوا يتعلمون التعليمات العسكرية كل يوم.

وكانت معلومات أفراد الرسالة مختلفة، فبعضهم له إلمام بالتعليمات العسكرية فقط، مثل الذين أخذوا من الطوبجية والسواري والبيادة، والبعض لهم إلمام بالعلوم الرياضية، ولا يعرفون اللغة الفرنساوية، كالمأخوذين من المهندسخانة، والبعض له معرفة باللغة الفرنساوية، وكان بعض هؤلاء معلمين فيها بمدارس مصر.

فاقتضى رأي الناظر أن يجعل المتقدمين في الرياضة واللغة الفرنساوية فرقة واحدة، وأمر المعلمين أن يلقوا الدروس للجميع باللغة الفرنساوية، لا فرق بين من يفهم تلك اللغة ومن لا يفهمها، ففعلوا، وأحالوا غير العارفين بها على العارفين، ليتعلموا منهم بعد إعطاء الدروس — وكان عليٌّ ممن لا يعرفونها — فأخذ العارفون بها يبخلون على غير العارفين بالتعليم، لينفردوا بالتقدم، فمكث غير العارفين مدة لا يفهمون شيئًا من الدروس، حتى خافوا التأخير، وتكررت منهم الشكوى لتغيير تلك الطريقة، وتعليمهم بكلام يفهمونه.

فلم يُصْغَ لشكواهم، فتوقفوا عن حضور الدروس أيامًا، فحبسوهم، وكتبوا في حقهم للعزيز، فصدر أمره بالتنبيه عليهم بالامتثال، ومن يخالف يرسل إلى مصر محدَّدًا.

فخافوا عاقبة ذلك، وبذل عليٌّ جهده، وأعمل فكره في طريقة يحصل له منها النتيجة، ومعرفة اللغة الفرنساوية، فسأل عن كتب الأطفال، فنبأوه عن كتاب، فاشتراه، واشتغل بحفظه، وشمر عن ساعد الجدِّ في الحفظ والمطالعة، ولزم السهاد، وحرَّم الرقاد، لا ينام من الليل إلا قليله، حتى أصبح ذلك ديدنه، فحفظ الكتاب بمعناه عن ظهر قلبه، ثم حفظ جزءًا عظيمًا من كتاب التاريخ بمعناه أيضًا، وحفظ أسماء الأشكال الهندسية والاصطلاحات — كل ذلك في الثلاثة الأشهر الأول.

وكانت العادة أن الامتحانات في رأس كل ثلاثة شهور، ومع ذلك كان يلتفت للدروس التي تعطيها «الخوجات»، فأثمر الحفظ معه ثمرة كبيرة، وصار أول الرسالة كلها بالتبادل مع حماد بك، وعلي إبراهيم باشا.

ولما حضر إلى مدينة باريس الأمير (إبراهيم) سر عسكر الديار المصرية، حضر امتحانهم هو وسر عسكر الديار الفرنساوية، مع ابن الملك لويس فيليب، وأعيان فرنسا، وجملة من مشاهير النساء الكبار، فأثنى الجميع عليهم الثناء الجميل، وفُرِّقت المكافآت عليهم الثلاثة، فناول الأمير (إبراهيم) الشاب عليًّا مكافأة بيده — وهي المكافأة الثانية — وكانت نسخة من كتاب جغرافيا مالطبرون الفرنساوي، بأطلسها، ودُعوا للأكل معه.

وبعد سنتين، تعيَّن الثلاثة الأول من الفرقة، وهم صاحب الترجمة، وحماد بك، وعلي إبراهيم باشا إلى مدرسة الطوبجية والهندسة الحربية بناحية متس، وأعطوا رتبة الملازم الثاني.

فأقاموا بها سنتين أيضًا، وتعلموا فيها فن الاستحكامات الخفيفة، والاستحكامات الثقيلة، والعمارات المائية، والهوائية، عسكرية ومدنية، والألغام، وفن الحرب، وما يلحق به، مع إعادة عامة لكل ما سبق تعليمهم إياه، بتلخيص من المعلمين، في عبارات وجيزة جامعة، ثم تفرقوا إلى الآلايات، فكان عليٌّ في الآلاي الثالث من المهندسين الحربيين، وأقام فيه أقل من سنة.

وكان الأمير (إبراهيم) الهمام يود إقامتهم في العسكرية، حتى يستوفوا فوائدها، ثم يسيحوا في الديار الأوروبية، ليشاهدوا الأعمال، ويطبقوا العلم على العمل، مع كشف حقائق أحوال تلك البلاد، وأوضاعها، وعاداتها.

ولكنه توفي، وتولى (عباس) في سنة ١٨٦٦، فأمر بعودة الرسالة إلى مصر، وكان على عليٍّ دَين لبعض الإفرنج نحو الستمائة فرنك، وكانت الأوامر المقررة أن لا يسافر أحد إلا بعد وفاء دَينه، وأن من يأتي إلى مصر مدينًا يوضع في الليمان.

فوقع في أمر خطير، وبقي متحيرًا، وطلب من رفقته أن يسلفوه، فقالوا: «ما عندنا ما نسلفك إياه»، وعليٌّ يعلم تيسُّر بعضهم واقتدارهم، فقعد في محل إقامته يفكر فيما يصنع، وإذا بصاحب له من الإفرنج دخل عليه يدعوه للأكل عنده، حيث إنه مسافر، فوجد حاله غير ما يعهد، فسأله، فأخبره، فقال: «لا تحزن، قل يا سيدي يا بدوي، يا من تجيب الأسير، خلصني مما أنا فيه.» فقال له: «ليس الوقت وقت هزل!» فقال: «هذا أمر هين لا يهمك.» ثم ذهب، فغاب قليلًا، ورجع إليه بكيس رماه أمامه، فإذا فيه قدر الدين مرتين، وقال له: «بعد استقرارك بمصر، وتيسر أمرك ترسل إليَّ وفاءه.» ولم يأخذ منه سندًا بوصول المبلغ، وقال: «أنا أكتفي بالقول منك.» وقد كان، فإن عليًّا أرسل إليه المال على يد قنصل فرنسا بعد مدة.

ولما جاء إلى مصر، مكث هو ورفاقه جملة أيام لا يدرون ما يفعل بهم، ثم عين صاحب الترجمة خوجة بمدرسة طرة، ولم يكن عنده في فرقته، بعد فرز تلامذة المدارس، وتشكيل مدرسة المفروزة، سوى تلميذ واحد متقدم في السن، ومع ذلك اشتغل بما نيط به بإخلاص.

وفي تلك المدة تأهَّل بكريمة معلمه في الرسم بمدرسة أبي زعبل — وكان أبوها قد مات، وصارت إلى حالة فقر، فتزوج بها لما كان لوالدها عليه من حق التربية والمعروف.

ثم اصطحبه سليمان باشا في مأمورية استكشاف البحيرة والسواحل، فلما كانوا بدمياط انفصل عليٌّ عنه في جهة من المأمورية، وبعد أن أداها، ذهب إلى برنبال — وكان أهله قد عادوا إليها — فوجد أن أباه سافر إلى مصر لزيارته، ولم يجد في المنزل إلا والدته وبعض إخوته.

وكان دخوله عليهم ليلًا، فطرق الباب، فقيل: «من أنت؟» فقال: «ابنكم علي مبارك!» وكانت مدة مفارقته لأمه ١٤ سنة، لم ترَهُ فيها، ولا سمعت صوته، فقامت مدهوشة إلى ما وراء الباب، وجعلت تنظر وتحد النظر — وكان ابنها بقيافة العسكرية الفرنساوية لابسًا سيفًا وكسوة تشريف — وكررت السؤال حتى علمت صدقه، ففتحت الباب وعانقته، ووقعت مغشيًّا عليها، ثم أفاقت، وجعلت تبكي وتضحك وتزغرد، وجاء أهل البيت والأقارب والجيران، وامتلأ المنزل ناسًا، وبقوا كذلك إلى الصباح، فأقام عندهم يومين، ثم عاد إلى دمياط، وأورد نتيجة استكشافه على سليمان باشا، فوقعت عنده موقع الاستحسان، وأخبره أنه استحصل على أمر من (عباس) بإلحاقه بمعية جاليس بك.

فقبَّل عليٌّ يده، وسافر إلى الإسكندرية من مصر بعياله وأخ وأخت له صغيرين أخذهما معه ليربيهما، فلما وصل تركهم في المركب، وذهب إلى جاليس بك، وبينما فنجان القهوة بيده إذا بمكتوب وارد بالإشارة من (عباس) يطلبه حالًا في وابور متهيئ للقيام، فداخله ما لا مزيد عليه من الخوف، لما كان يعلم مما كان يقع لمن يلوذ بالعائلة الخديوية من الإيذاء، وكان له اجتماعات بالأمير (إسماعيل) وغيره منهم، فهوَّن عليه سليمان باشا — وكان قد سبقه إلى الإسكندرية — وسكَّن قلبه على عياله بأن وعده بإرسالهم إلى مصر، فسافر بدون أن يراهم، وهو بين راغب وراهب.

ولما مثل بين يدي (عباس) قال له: «إن أحمد رأفت باشا — أخا (إسماعيل)، ورفيق صاحب الترجمة في التلمذة — قد أثنى عليك، فقد جعلتك في معيتي، وقد أمرت بامتحان مهندسي الأرياف ومعلمي المدارس، لأن الكثير منهم ليسوا على شيء، وجعلتك من أرباب الامتحان، فلا تتكلم إلا بالصدق، ولو على نفسك، فلئن كذبت في شيء سلبت نعمتك، وأعدتك فلاحًا!»

ثم حلَّفه هو وغيره على ذلك، فحلف، فأنعم عليه برتبة صاغقولاغاسي، وأعطاه نيشان الرتبة، وكان عبارة عن نصف هلال من الفضة، ونجمة من الذهب فيها ثلاثة أحجار من الماس، فاشتغل بما نيط به على وجه أتم، ثم عهدت إليه أعمال أخرى، أهمها هندسية مائية، فقام بها خير قيام، فألحق بموچيل بك — وكان مشتغلًا في تتميم القناطر الخيرية — فساعده خير مساعدة.

ثم أحال (عباس) عليه النظر في ترتيب للمدارس الملكية، والرصدخانة، وضعه لمبير بك، ولم يستحسنه هو، فعمل صاحب الترجمة لجميع المدارس ترتيبًا جعل أساسه احتياجات القطر لا غير، فأعجب (عباس) به، وبعد أن أقره مجلس معقود من جميع رؤساء الدواوين، أحال نظارة المدارس على بطلنا، وأعطاه رتبة أميرالاي ونيشانها مكافأة له، وصارت له عنده منزلة رفيعة.

وكان في مدة نظارته يباشر تأليف كتب المدارس بنفسه مع بعض المعلمين، وجعل بها مطبعة حروف ومطبعة حجر، مع التفاته إلى مأكل التلامذة ومشربهم وملبسهم وتعليمهم وغير ذلك بنفسه، فامتنعت عن التلامذة مضار عمومية ومفاسد كثيرة، وانقطع الشتم والسفه، وكاد يمتنع الضرب والسجن، ولم يكتفِ بذلك، بل رتب على نفسه دروسًا كان يلقيها على التلامذة، كالطبيعة والعمارة، وألَّف في العمارة كتابًا بقي متبعًا في التعليم مدة.

ولما تولى (سعيد) تعيَّن صاحب الترجمة للسفر مع العساكر لمحاربة الروس في سنة ١٢٧٠، فخرج جميع التلامذة، كبيرهم وصغيرهم، ووقفوا بساحل النيل أمام السفينة التي نزل فيها للسفر إلى الإسكندرية، وجعلوا يبكون وينتحبون حتى أبكوه.

ثم سافر بمعية أحمد المناكلي باشا، ولبث غائبًا سنتين ونصفًا، قاسى فيهما مشاق الأسفار، وما يلحق المجاهدين من الإرجاف والاضطرابات، والحرمان من المألوفات، ورأى بلادًا وعوائد كان يجهلها، واكتسب فيهما معرفة اللغة التركية — لأنه أقام بالأستانة العلية أربعة أشهر اشتغل فيها بتعلم تلك اللغة — وأقام عشرة شهور في بلاد القريم، وثمانية أشهر في مدينة كموشخانة ببلاد الأناضول — وهي مدينة عامرة على رأس جبل، مشهورة بمعدن الفضة الذي فيها — وكان منوطًا به تسهيل سوق العساكر في مدينة ترابزون إلى مدينة أرضروم، فقاسى شدائد مهمة، وأهوالًا مدلهمة، بسبب البرد والثلج الكثير ووعورة المسالك، ولكنه قام بمهمته خير قيام، وشهد له بذلك قاضي البلد وأمراؤها وأعيانها.

وكان قد تزوج قبل سفره هذا، وبعد موت زوجته الأولى، بقريبة لأحمد طوبسقال باشا، وكانت ذات مال وعقار، ويتيمة غرة، لا تحسن التصرف، ولا تميز الدرهم من الدينار، وكانت أمها تزوجت برجل يعرف براغب أفندي، وماتت عنده، فتزوج بامرأة أخرى تسيطرت على البنت كل التسيطر.

فلما دخل بها علي مبارك بك، خافت المرأة أن يطمع في أموالها، فأساءت معاملته، وتوسطت بچلبي الجلشني أفندي إلى والدة (عباس)، فرمى فيه عند حسن المناسترلي باشا، وأغرى به أغوات السراي، وأتعبه تعبًا عائليًّا وماليًّا لا مزيد عليه، لم يفرغ منه إلا بتركه تلك الزوجة، والجواري التابعات لها، مع أنه إنما اشتراهن بماله.

فلما عاد من ذلك السفر الطويل رُفِتَ من وظيفته، وسكن في بيت حقير بالأجرة مع أخ له كان تركه في المدارس عند السفر مع ابن أخ آخر ليتربيا فيها، فطُردا منها بعد سفره، ولم يعطف عليهما أحد ممن كان يساعدهم في مدة نظارته، ولم يشفق عليهما إلا سليمان باشا الفرنساوي، فإنه أدخلهما في مكتب كان أنشأه بمصر العتيقة.

فكانت حالة صاحب الترجمة بعد سبع سنين مضت من عوده من بلاد أوروبا، كحاله عند عوده منها، وذهب ما رآه من الأموال والمناصب والوظائف، وجميع ما كسبت يداه، كأنه حلم.

فرغب عن خدمة الحكومة، وعزم على الرجوع إلى بلده، والإقامة بالريف، والاشتغال بالزرع، والتعيُّش من جانبه.

وبينما هو يتجهز للسفر إلى البلد صدر الأمر بأن جميع الضباط المرفوتين يحضرون بالقلعة للفرز، فحضروا، وكان المنوط بالفرز أدهم باشا، وكان يعرف عليًّا، فأدخله ضمن المختارين للخدمة، فتعطل عن السفر، وبعد قليل تعين معاونًا بديوان الجهادية، وأحيل عليه النظر في القضايا المتأخرة، المتعلقة بالورش والجبخانات وغيرها، ثم ألحق بمستودعي الداخلية، وكان يحال عليه بعض القضايا، ثم دعي إلى وكالة مجلس التجار، فأقام فيه شهرين، وكان سلفه فيه أرمنيًّا، فأغضبه تعيين علي في هذه الوظيفة، ورمى في علي عند (سعيد) بما رمى، حتى جعل (سعيدًا) يغضب على علي، ويبعده عن تلك الوظيفة.

فأقام في بيته نحو ثلاثة أشهر، ثم تعيَّن مفتش هندسة نصف الوجه القبلي، فأقام فيه نحو شهرين، دعاه بعدهما (سعيد باشا) لعمل رسم لاستحكامات أبي حماد.

ولما تمم الرسم، ذهب إليه ليعرضه عليه، فلم يتمكن من مقابلته، لا في طرا ولا في قصر النيل، ولا بعد أن عاد من الإسكندرية، بالرغم من أنه لزم معيته، مدة ثلاثة أشهر وهو بلا ماهية ولا شغل، مع كثرة التنقلات من بلد إلى آخر، حتى كان ذات يوم في الجيزة، فوقع نظر الأمير عليه، فناداه وكلمه، وسأله عما صنع في الرسم، فقدمه له، فنظر فيه قليلًا، ثم قال: «أبقِهِ حتى نجد وقتًا لإمعان النظر فيه.» ثم لم يلتفت إليه بعد ذلك.

ولكنه ربط لعلي ماهية، وأبقاه في معيته زمنًا بلا شغل، إلى أن كانت المعية يومًا بمريوط، فطلب عليٌّ إلى أدهم باشا تعيينه معلمًا للضباط وصف الضباط الذين كان قد صدر له الأمر بترتيب معلمين لتعليمهم القراءة والكتابة والحساب، فعيَّنه، فكان يكتب لهم حروف الهجاء بيده، ولعدم ثبات تلامذته في مكان واحد، كان يذهب إليهم في خيامهم، وتارة يكون التعليم بتخطيط الحروف على الأرض، وتارة بالفحم على بلاط المحلات، واستعمل لهم في تعليم مهمات القواعد الهندسية اللازمة للعساكر الحبل والعصا، لا غير.

وكان في أوقات الفراغ يشغل الزمن بالمطالعة، ويكتب تعليقات يستحسنها في ورقات جمعها بعد ذلك، فصارت كتابًا مفيدًا في فنون شتى مما يحتاج إليه المهندسون.

ثم لما رام (سعيد باشا) التوجه إلى بلاد أوروبا، أمر برفت غالب من كان في معيته، فكان عليٌّ من جملة المرفوتين.

وكان قبل ذلك تزوج، واشترى بيتًا بدرب الجماميز، وشرع في بنائه وتعميره، فكثر عليه المصرف ولحقه الدين، حتى ضاق ذرعه وتشوش طبعه.

وكان يومئذ قد صدر الأمر ببيع بعض أشياء من ممتلكات الحكومة زائدة عن الحاجة من عقارات وغيرها، وكان المأمور بذلك إسماعيل باشا الفريق، فاستصحب عليًّا معه إلى محلات البيع.

فلما حضر المزادات، ورأى الأشياء تباع بأبخس الأثمان على نفاستها، وغلو ثمنها الأصلي، وإنها — علاوة على ذلك — لا تباع بالنقد الحال، بل تؤجل الأثمان بالآجال البعيدة، وبعضها بأوراق الماهيات، ونحو ذلك من أنواع التسهيل على المشتري، مالت نفسه للشراء والدخول في التجارة، ففعل.

وعامل التجار، وعرفهم وعرفوه، وكثر منه الشراء والبيع، فربح واستعان بذلك على المصرف وأداء بعض الحقوق، فازدادت عنده دواعي التجارة، وصارت هذه مطمح نظره، وقصر عليها فكرته، خصوصًا بسبب ما تقرر عنده من اضطراب الأحوال وتقلبات الأمور التي كادت أن تُذهب منه ثمرات المعارف والأسفار.

فقام بخاطره أن يعقد شركة مع بعض المهندسين المتقاعدين مثله، على أن يبنوا بيوتًا للبيع والتجارة، فلم يوافقه أحد.

فلما همَّ بذلك طرق (سعيدًا) طارق المنون، وخلفه (إسماعيل)، فتذكر عليًّا رفيقه في التلمذة، وبعد العودة إلى الديار، فألحقه بمعيته زمنًا، ثم عيَّنه لنظارة القناطر الخيرية التي كانت موضع اهتمامه الفائق، فأصلح ما كان قد اختلَّ من أمورها.

ولما حُفر ريَّاح المنوفية أحيل عليه عمل قناطره ومبانيه، فأجراها على ما هي عليه الآن.

وفي سنة ١٢٨٢ اختاره (إسماعيل) للنيابة عن الحكومة المصرية في المجلس الذي تشكَّل لتقدير الأراضي التي كانت حق شركة ترعة السويس، على مقتضى القرار المحكوم به من قِبل الإمبراطور نابوليون، فأتم المسألة على أحسن حال، وأحسن إليه بعد إتمامها برتبة المتمايز، وأعطي النيشان المجيدي من الدرجة الثالثة، وبُعث إليه من قِبل الدولة الفرنساوية بنيشان (أوفيسييه دي لالچيون دونور).

وفي شهر جمادى الآخرة من سنة ١٢٨٤ أحيلت إليه وكالة ديوان المدارس تحت رياسة شريف باشا، مع بقاء نظارة القناطر الخيرية، وبعد قليل انتدبه (إسماعيل) للسفر إلى باريس في مسألة تخص المالية، فكانت مدة غيابه ذهابًا وإيابًا وإقامة خمسة وأربعين يومًا، استفاد فيها فوائد علمية جمة. وبعد قليل من عودته أُحسن إليه في سنة ١٢٨٥ برتبة ميرميران، وأحيلت إلى عهدته إدارة السكك الحديدية المصرية، وإدارة ديوان المدارس، وإدارة ديوان الأشغال العمومية، وفي شهر شوال من تلك السنة انضم إلى ذلك نظارة عموم الأوقاف مع بقائه على نظارة القناطر الخيرية، والتحاقه برجال المعية.

فشمر عن ساعد جدِّه في مباشرة تلك المصالح، ولسبب اتساع ديوان السكة الحديدية، وكثرة أشغاله، كان يذهب إليه من بعد الظهر إلى الغروب، للنظر فيما يتعلق به، وجعل من الصبح إلى الظهر لباقي المصالح.

وكان قد تحصل على الإذن بنقل المدارس من العباسية إلى القاهرة، إلى سراي الأمير مصطفى فاضل بدرب الجماميز، رفقًا بالتلامذة وأهلهم، لما كان يلحقهم في الذهاب إلى العباسية من المشاق والمصرف الزائد، فأجرى في السراي تصليحات لازمة للمصالح، وجعل السلاملك للديوان، ووضع كل مدرسة في جهة، وجعل بها أيضًا ديوان الأوقاف وديوان الأشغال، فسَهُل عليه القيام بها.

وكانت كثرة أشغاله لا تشغله عن الالتفات إلى ما يتعلق بأحوال التلامذة والمعلمين، فكان كل يوم يدخل عليهم بكرة وعشيًّا، عند غدوه من البيت ورواحه، وأعمل فكره فيما يحصل به نشر المعارف وحسن التربية، فحرَّر اللائحة التي ذكرناها في حينه، وأنشأ المدارس المركزية والمدارس الابتدائية المثلى، المتقدم بيانها، وأجرى الإصلاحات اللازمة في المكاتب القديمة، فغيَّر بعض مبانيها وأوضاعها الأصلية، ورتب لها النظار والمعلمين وأدوات التعليم ونحو ذلك، وجعل المصاريف اللازمة للمدارس والمكاتب جارية على وجه يستوجب انتظامها، مع خفة المصرف على الديوان.

ثم لأجل تسهيل التعليم على المعلمين والمتعلمين، وصون ما تعلموه من الذهاب، جعل بالمدارس مطبعة حروف ومطبعة حجر لطبع كل ما يلزم من الكتب، وأمشق الخط والرسم وغير ذلك.

واعتنى بأمر تخريج المعلمين الأكفاء، فأنشأ مدرسة دار العلوم، ورتب كيفية تدريب نجباء التلامذة الذين أتموا دروس المدارس العالية على التعليم، وأنشأ دار الكتب الجامعة، ومحلًّا للآلات الطبيعية، وغيرها من آلات العلوم الرياضية اللازمة للمدارس، فتمكن التلامذة بمعاينتها والتمرن عليها من اجتلاء المعقول في صورة المحسوس.

والتفت لجميع الأوقاف من التكايا والمساجد وغيرها — لا سيما ما كان منها بالأقاليم — بالإصلاح والتجديد، فحفظها وصانها، وأبطل عادة التعمير على طرف الديوان، وجعله يعطى بالمقاولة للمقاولين، بعد النظر فيه من مأموري الأثمان، وباشمهندس الديوان، وعمل الرسم اللازم، وتقدير النفقة الواجبة، ثم قسم أراضي الوقف الواسعة الخربة، كالتي كانت في جهة السيدة زينب وخلافها، على الراغبين يبنون فيها منازل وحوانيت بحكر سنوي يقرر عليهم، ويدفعون مقدار عشر سنين مقدمًا بصفة تبرع، فكان ذلك سببًا لعمارة أحياء كثيرة تجلب ريعًا للوقف، استعين به على التنظيم الجاري في المدن لتوسعة الشوارع والحارات وتقويمها.

ومما يجدر الالتفات إليه أن عموم التحسينات والعمارات والإنشاءات العمرانية التي أجريت في القطر في عهد (إسماعيل) إنما أجريت وعلي مبارك باشا ناظر على ديوان الأشغال العمومية، فكان — والحالة هذه — مشغولًا بالمصالح الأميرية، وتنفيذ الأغراض الخديوية ليلًا ونهارًا، حتى لم يرَ وقتًا يلتفت فيه لأحواله الخاصة به، ولا يدخل بيته إلا ليلًا، بل وكان يفكر في الليل فيما يفعل بالنهار، لا سيما بعد أن تمت أعمال ترعة السويس، وصمم الخديو على عمل مهرجان يدعو إليه ملوك أوروبا وسلاطينها.

فكان مع النظر في أحوال الدواوين المسلَّمة إدارتها إلى عهدته، مشغول الفكر، دائم السفر في مصالح أولئك المدعوين، إلى أن انقضى جميع ذلك على أحسن حال، فانهالت عليه النياشين والأوسمة تترى من كل دولة على السواء.

وقد بقيت تلك المصالح تحت يده إلى رمضان سنة ١٢٨٨، ثم انفصل عن ديوان السكة، ثم عن المدارس والأشغال بعد أيام قلائل، ثم عن الأوقاف بعد مضي قليل من شوال من تلك السنة، بدسيسة من إسماعيل صديق باشا، لخلاف وقع بينهما على إدارة السكة الحديد.

ولكنه لم يقم في بيته إلا نحو شهرين، ثم جُعل ناظرًا على ديوان المكاتب الأهلية، وأمر بتنظيمه. وفي سنة ١٢٨٩ أحيل عليه نظر الأوقاف ثانيًا، وبعد قليل أحيل عليه نظر ديوان الأشغال، ولم يمضِ إلا يسير حتى تحولت نظارة هذه الدواوين إلى الأمير حسين كامل، فبقي علي باشا بمعيته بصفة مستشار، وفي سنة ١٢٩٠ انفصل ديوان الأشغال بنفسه تحت رياسة الأمير المذكور، وجعل علي باشا وكيله. وفي شعبان من السنة عينها جُعل عضوًا في المجلس المخصوص، ولكنه انفصل عنه بعد قليل بسبب وشايات صدِّيق وأضرابه.

فأقام في بيته، وماهيته جارية، إلى أن جُعل في سنة ١٢٩١ رئيس أشغال الهندسة بديوان الأشغال، بعد أن أُلحق هذا الديوان بديوان الجهادية تحت نظارة الأمير حسين كامل. وفي سنة ١٢٩٢ جُعل مستشارًا للأمير توفيق في ديوان الأشغال عينه بعد إلحاقه بوزارة الداخلية، فمستشارًا في الديوان عينه، مستقلًّا، للأمير إبراهيم بن أحمد.

ولما تألفت الوزارة النوبارية الأولى عُين فيها علي باشا على ديوانَي الأوقاف والمعارف، فصرف وسعه في توسيع دائرة التعليم: فشرع في بناء مدارس جديدة، كمدرستي طنطا والمنصورة، وفي تكثير عدد المكاتب، وترتيب المدرسين، وما يلزم للتعليم من أدوات وكتب.

واعتنى كذلك بأمر الأوقاف اعتناء حكيمًا، وبقي في المنصب إلى أن سقطت الوزارة النوبارية.

فلما شكَّل رياض باشا وزارته الأولى جعل ديوان الأشغال العمومية ديوانًا مستقلًّا، وعهد به إلى علي مبارك باشا، فقسم أعماله ثلاثة أقسام: التحريرات والمحاسبة، وعمل التصميمات لما يلزم تجديده من الأعمال، ويتبعه فرقة مهندسين لعمل الرسومات، والموازين وأعمال القاهرة ومدن القطر، وذلك غير الملحقات مثل: قلم الزراعة، وقلم المصلح، ومصلحة الانجرارية، وقلم القضاء.

وقسَّم مصلحة الهندسة خمسة أقسام، لكل قسم مفتش، وجعل جميع أعمال الهندسة تحت إدارة وكيل الديوان، وقسم الأعمال على عدة سنين، وأجراها بهمة فائقة، وشرع في بناء سلخانة القاهرة، واسبتالية القصر العيني، ومدرسة الطب، واتفق مع شركة مياه القاهرة على توصيل المياه إلى حلوان، ونُظمت الحمامات التي بها، وجُعل لها طبيب ومأمور، وزيد في القاهرة عدد فوانيس الغاز … إلخ إلخ، مما لا داعي لذكره هنا، لأنه عمل في غير عهد (إسماعيل).

وبقي علي مبارك باشا ناظرًا على الأوقاف في وزارة شريف باشا سنة ١٨٨٣، ولكنه تخلى عن المنصب في وزارة نوبار الثانية، وعاد فعين ناظرًا للمعارف في وزارة رياض باشا الثانية في يولية سنة ١٨٨٨، ففتحت في مدته المدارس الأهلية الحاضرة في المدن والأقاليم … إلخ.

وفي سنة ١٣١١/سنة ١٨٩٣ — وكان قد تخلى عن منصبه بعد سقوط الوزارة — سافر إلى بلده لتفقد حال زراعته وإصلاحها، وكانت قد بارت لانشغاله عنها في المصالح العامة، فأدركه هناك مرض في المثانة كان سببًا في عودته إلى مصر، فعولج فلم ينجع الدواء.

وأدركه الأجل بمصر في منزله بالحلمية في ١٤ نوفمبر سنة ١٨٩٣، فأمرت الحكومة بالاحتفال بجنازته أعظم احتفال، وأقفلت عموم المدارس حدادًا على أبيها، ثم جمع خريجو دار العلوم فيما بينهم ورسموا له صورة بالزيت على القماش، وصنعوها في مدرستهم باحتفال عظيم، وفتحت لجنة في العاصمة اكتتابًا عموميًّا لإقامة أثر تاريخي له، وقد أطلقت وزارة الأشغال اسمه على أحد الشوارع الفسيحة في القاهرة بجهة الحلمية الجديدة.

أما صفاته وأخلاقه، فقد تبينتها أيها القارئ اللبيب من خلال سطور ترجمته.

وأما رياض باشا٩ — وقد قال المقتطف عنه إنه ابن ناظر الضربخانة المصرية، وذهب آخرون إلى أنه يهودي أزميري من أسرة معروفة يقال لها أسرة الوزان — فقد ولد في سنة ١٢٥٠ هجرية، ودخل في خدمة الحكومة المصرية بوظيفة مبيض في مجلس العموم بديوان المالية في ١١ صفر سنة ١٢٦٤، بماهية قدرها ١٤٥ قرشًا صحيحًا، ولاحت عليه مخائل النجابة وملامح الاستعداد، فارتفعت ماهيته بعد ستة شهور إلى ١٩٣ قرشًا صحيحًا و١٣ بارة، وكانت هذه الزيادة في نظير تكليفه بعمل آخر وهو قيد الخلاصات.

ثم أُلغي ذلك المجلس في ١٠ ربيع الأول سنة ١٢٦٥، ولكن رياض توصل بعد شهرين ونصف للدخول في المعية السنية للتبييض والقيد بماهيته عينها. وفي سنة ١٢٦٦ انتظم في سلك عساكر الموسيقى برتبة ملازم، فقام بهذه الخدمة الجديدة خير قيام، جعله أهلًا لنيل رتبة اليوزباشي بعد شهرين اثنين، ثم ارتقى إلى رتبة الصاغقولاغاسي، ثم إلى رتبة البكباشي في بحر سنتين، كل ذلك في خدمة الموسيقى العسكرية.

فلما كانت سنة ١٢٦٨ انتظم في سلك رجال المعية السنية برتبة القائمقام بصفة ياور بمعية (عباس الأول)، وهنالك ارتقى في ٥ صفر سنة ١٢٦٩ إلى رتبة الميرالاي، ووظيفة مهردار لوالي مصر المشار إليه.

ثم وجد (عباس) فيه من دلائل الحزم ما يخوِّله إدارة الأهالي، فأسند إليه مديرية الجيزة وأطفيح، وليس له من العمر إلا عشرون سنة قمرية، وقد حمل هذا بعض حساده وأعدائه على نسبة تقدمه السريع، وحظوته في عيني (عباس)، إلى تدنيه لأمور يلحق العار بمرتكبيها.

وبعد سنتين انتقل مأمورًا لإدارة الفيوم ومديرية بني سويف، ثم مديرًا لقنا بماهية قدرها خمسون جنيهًا في الشهر، وعاد بعد ذلك إلى العاصمة، حيث أسندت إليه وكالة المرور والسكة بمصلحة السكة الحديد، ثم تحرك منها سنة ١٢٧٤ بصفة مأمور لإدارة نصف أول روضة البحرين — وهي اليوم عبارة عن مديريتَي المنوفية والغربية — والنصف الأول المذكور كان في اصطلاح ذلك الوقت عبارة عما نسميه الآن بمديرية المنوفية.

ثم جُعل وكيلًا لهذه المديرية، وبلغت ماهيته خمسة وسبعين جنيهًا، فبقي في هذه الوظيفة لغاية ٤ جمادى الثانية سنة ١٢٧٧، وحينئذ قلب له الدهر ظهر المجن، فقد صدرت في ذلك اليوم إرادة سنية فصلته عن الخدمة، ورمته بالإهمال.

ولكن مدة الغضب لم تطل عليه، فقد حظي بالرضى ثانية بعد أشهر قليلة، وعينه (سعيد) «لخدمة الكتابة» في معيته، بإذنٍ تاريخُهُ أول ذي القعدة سنة ١٣٧٧، وفي سنة ١٢٧٩ أنعم عليه برتبة الميرميران، وجعل ماهيته مائة جنيه مصري في الشهر، وكان لا يزال دون الثلاثين.

فلما كانت سنة ١٢٨١ صدر الأمر العالي بتعيينه عضوًا في مجلس الأحكام — وكان يماثل ما نسميه الآن بمحكمة النقض والإبرام — ثم أحيلت إلى عهدته نظارة «أمور خاصة خديوي»، وانتقل إلى وظيفة مهردار، حتى كان ١١ شوال سنة ١٢٨٤، فغضب عليه (إسماعيل)، وأصدر للمالية إرادة سنية مختصرة باللغة التركية، هذه ترجمتها: «بحسب الإيجاب قد صار رفت رياض مهردارنا سابقًا من معيتنا، فلأجل إيجاب إجراء ذلك بالمالية لزم الإشعار.»

غير أن (إسماعيل) نفسه ما لبث إلا وأعاد نعمته إليه، وأسند له في معيته وظيفة كانت تسمى «خزينة دار» سنة ١٢٨٦، ولكن ماهيته نزلت إلى ستين جنيهًا.

وفي سنة ١٢٨٧ نال رتبة «الروم إيلي بكلربكي» وزادت ماهيته إلى خمسة وسبعين جنيهًا — وهو مرتب الرتبة المذكورة — وأرسله (إسماعيل) في مهمة سياسية تتعلق بالإصلاح القضائي إلى مقر السلطنة العثمانية في الأستانة، فلما عاد منها صدر الأمر العالي بتعيينه مستشارًا لرياسة المجلس المخصوص — وهو الذي خلفه مجلس النظار في النظام الحديث للحكومة المصرية — وصار مرتبه مائة وخمسة وعشرين جنيهًا، ومن هذه الوظيفة ارتقى إلى وظيفة مدير المدارس والأوقاف سنة ١٢٩٠، وانضمت إليه وظيفة مستشار الداخلية، ورياسة المجلس الحسبي أيضًا في السنة التالية، ثم صار ناظرًا للخارجية، فالزراعة، فالحقانية (وأضيفت من ذلك العهد على ماهيته مصاريف الضيافات والجمعيات، وقدرها مائة وخمسة وعشرون جنيهًا في الشهر، فبلغ مجموع ما يتناوله مائتين وخمسين جنيهًا في الشهر)، فالمدارس، فالتجارة، والزراعة، وكانت هذه الدواوين تابعة للمعية مباشرة: فإن إدارة الحكومة في مصر كانت في ذلك العهد منوطة بالخديو رأسًا، وإنما يعاونه جماعة من أرباب المناصب العالية يضعهم هو على رءوس الدواوين، ومرجع كل واحد منهم إليه مباشرة، وبصفة فردية، أي بغير اجتماع وبلا تضامن، وعند حلول الخطوب كان الخديو يستشير هيئة تتألف من أولئك الرؤساء، ورؤساء بعض المصالح الكبيرة، ومن بعض أعضاء آخرين، يكونون بمثابة وزراء بلا مساند، وتُدعَى تلك الهيئة «المجلس الخصوصي».

وقد كان أعضاء هذا المجلس في سنة ١٨٧٦ الرجال الآتية أسماؤهم:

إسماعيل صدِّيق ناظر المالية؛ مصطفى رياض ناظر الحقانية والخارجية؛ إسماعيل أيوب ناظر التجارة والزراعة؛ محمد ثابت رئيس مجلس الأحكام؛ عبد الله عزت رئيس شورى النواب وسردار عسكرية؛ أحمد رشيد رئيس مجلس حسبي مصر؛ عمر لطفي محافظ مصر؛ حسن راسم محافظ الإسكندرية؛ محمد توفيق (ولي العهد) ناظر الداخلية؛ حسين كامل (السلطان) ناظر الجهادية والبحرية؛ علي إبراهيم ناظر الأشغال؛ منصور يحيى يكن ناظر المعارف والأوقاف؛ علي مبارك مستشار الأشغال؛ وچاهين كنج، وعبد اللطيف، وجعفر صادق، والسيد أبو بكر راتب أعضاء بلا مسند.

ولما تألفت الوزارة النوبارية المسئولة سنة ١٨٧٨، عُهد بوزارة الداخلية إليه، ثم أراد (إسماعيل) في أوائل سنة ١٨٧٩ أن ينقله إلى الخارجية، ولكن الحكومتين الفرنساوية والإنجليزية قاومتاه، وأبى رياض عينه موافقته على النقل، وكان قد اشتهر بثبات عزمه وبشجاعته الأدبية في منصب نائب رئيس لجنة التحقيق المعينة في سنة ١٨٧٨ لتنظر في أمر المالية المصرية.

ولما سقطت الوزارة النوبارية سافر رياض باشا إلى أوروبا، وأقام فيها حتى تولى الخديو (محمد توفيق)، فاستدعاه وطلب منه تشكيل وزارة جديدة عقب استقالة الوزارة الشريفية (٢١ سبتمبر سنة ١٨٧٩)، فكانت تلك أول مرة تقلد فيها رياض رياسة الوزارة، ولبث على دستها إلى أن جرفته الثورة العرابية.

وتقلد وزارة الداخلية في الوزارة الشريفية الثانية، ولكنه لم يقم فيها إلا شهرين، لأنه كان يرى وجوب معاقبة العصاة معاقبة شديدة بلا شفقة ولا رحمة، ولم يطاوع على رأيه.

وبقي معتزلًا أشغال الحكومة إلى أن فوَّض إليه الخديو (توفيق) تأليف الوزارة سنة ١٨٨٨، فلبى الطلب وتقلد — علاوة على رياسة مجلس النظار — زمام وزارة الداخلية، ولكن تمسكه الشديد برأيه اضطره إلى الاستعفاء بعد مرور سنتين، فاعتزل الأعمال ثانية في مايو سنة ١٨٩١.

ثم استدعاه (عباس الثاني) لتأليف وزارة بعد صرف وزارة فخري باشا، فألفها وبقي على رياستها وفي منصة الداخلية إلى أن كانت حادثة الحدود الشهيرة — وهي التي انتقد فيها (عباس) نظام الجيش المصري انتقادًا رأى كتشنر باشا السردار إذ ذاك نفسه مضطرًّا معه إلى الاستعفاء من منصبه، فأبى اللورد كرومر أن يوافقه على رأيه، وألزم الخديو بواسطة رياض بنشر ثناء على الجيش وسرداره في «الوقائع الرسمية»، اعتبر بمثابة اعتذار عن الانتقاد الذي كان بدا منه.

فاستقال رياض، وما فتئ ملازمًا العزلة السياسية، حتى كانت حفلة وضع الحجر الأول لمدرسة محمد علي الصناعية سنة ١٩٠٦ بالإسكندرية، فألقى رياض فيها خطبة — بصفته رئيس شرف جمعية العروة الوثقى — امتدح فيها اللورد كرومر في حضرة الخديو (عباس الثاني)، فنفر الخديو منه، وحملت الجرائد المحلية على الوزير الشيخ حملة شعواء.

ولكن منزلة رياض من النفوس لم تنحط، واضطر الخديو نفسه إلى الإشارة على عاقدي المؤتمر الإسلامي المصري سنة ١٩١١ بانتخاب رياض باشا رئيسًا له، فأدار اجتماعاته وجلساته بحكمة وروية، ولكن المتاعب التي سببها له أودت بصحته — وقد كانت ضعيفة — فمات في ١٨ يونية سنة ١٩١١ وهو في التاسعة والسبعين هلاليًّا، والسابعة والسبعين شمسيًّا من عمره.

وقد كان قصير القامة، نحيف الجسم، تدل ملامحه ولهجته في كلامه على أنه من أصل تركي، لا من أصل مصري، ولو أنه تلقى مبادئ العربية والتركية في بيت والده، ثم في مدرسة المفروزة، وكان مظهره مظهر يهودي شرقي، محني الكتفين، ويكاد ابتسامه يكون اضطراريًّا.

وقد وصف رياض باشا كثيرون من الذين جعلوه موضوع كتاباتهم، لا سيما موبرلي بل في مؤلفه المدعو «خديويون وباشاوات لرجل يعرفهم معرفة جيدة»، ولكنا نرى أن خير وصف للرجل هو ما جاد به قلم اللورد ألفريد ملنر في المقارنة التي أقامها بين نوبار وبينه، في كتابه المعنون «إنجلترا بمصر»، قال:

إني لن أتوسع في المباينات الساطعة البادية على طباع وطبائع هذين الندين الأبديين؛ فإنها ما فتئت منذ عشرين عامًا موضوع وصف الكتَّاب الذين تكلموا عن السياسة المصرية، ولكني لن أسمح أيضًا لنفسي بالسكون إلى الاعتقاد بأن لدى القراء من الإلمام بالشئون المصرية الحديثة، وبما يختص بالشخصين الأكبر أهمية في تاريخها المعاصر، ما يكفيهم ليعرفوا أن نوبار أرمني، وأما رياض سواء أكان أم لم يكن من أصل يهودي، فمسلم وأعرق الأتراك في تركية خلقه وتربيته وميوله؛ أن الأول حر الفكر ومتكيفه بمقتضيات العصر، وأما الثاني فمحافظ من أشد المحافظين على التقاليد القديمة؛ أن نوبار رجل ذو تربية غربية عالية، ومتملك ناصية اللغة الفرنساوية تمام التملك، وأما رياض فشرقي محض، وقد تعلم الفرنساوية في سن يتعذر معها عليه إمكان تكلمه بها بسهولة؛ أن بعضهم قد يشك في شجاعة نوبار، وأما شجاعة رياض فلا يشك أحد فيها؛ أن نوبار تتدفق عنه الأفكار العصرية على تنوعها وسموها، وأما رياض فخزين الأفكار عنده محصور، ومن نوع بات مزمنًا متأخرًا؛ أن نوبار ميال إلى التعميم، ولكنه قد يتعب، ويضل إذا ما نزل إلى دقائق الحكم، وأما رياض فمتفوق في معرفة الدقائق، ويدري على رءوس أصابعه ظواهر الإدارة المصرية وخفاياها؛ أن نوبار نُكَتي، تارة خفيف الروح، وطورًا لماز، وأما رياض فلم ينفتق ذهنه مرة واحدة لنكتة أو لطيفة، ولو أنه لا ينقصه في لغته العربية شيء من الفصاحة الشرقية، المنفوخة الأوداج، التي تأخذ بمجامع قلوب مواطنيه؛ أن نوبار متى جُرَّ إلى مضمار العمل الخيري والبر الإنساني لا ينظر إلى النقود ولا يبالي بها، وأما رياض فمقتصد حازم صارم، لا يتأثر مطلقًا بأي مؤثر عاطفي أو شعور إنساني، لا لأنه معدوم الشفقة بعامة الناس، ولكن لأن الشفقة لديه تشبه ما كان يشعر به منها خير أصحاب الإقطاعات في الأزمنة الوسطى نحو تابعيهم.

فالتباين بين الاثنين يفوق إذن ما اعتيد منه بين الأشخاص المختلفين، وإنك لتراه باديًا في مظهر الرجلين الطبيعي، بدوَّه في أخلاقهما وروحيهما: فنوبار جميل الطلعة والبزة، حلو الشمائل، عسلي اللسان، وأما رياض فصغير ومخرنبق، غضوب، كسار، وصوته لدى أقل تهيج يميل إلى الصرير، وهو فيما عدا بيته حيث يكون لطفه كاملًا، يتطرف في الغلظة إلى حدِّ السماجة، ليس فقط في معاملته لمرءوسيه، بل في معاملته لمساوييه في الرتبة والمكانة، ولو أنه شديد الميل إلى مطالبة الكل باحترام شخصه احترامًا لا يرى ذاته، مستعدًّا لمقابلة الغير بمثله.

ولكن إذا كان هذان الرجلان متباينين تمام المباينة من جهة طباعهما، فإن وجوه الشبه في مجرى حياتيهما كثيرة وغريبة، كل منهما يكره الآخر، ولكن التاريخ العادل يعترف ويذكر بأن كلًّا منهما في سبيله خدم بلاده خدمات جليلة: فكلاهما احتمل متاعب جمة في أيام (إسماعيل)، بسبب وقوفه موقفًا غير متفق مع رغائب ولي النعم، وكلاهما اجتهد — ولو سدى — في إيقاف تيار الاستدانة الذاهب بالبلاد إلى الهاوية. ولئن افتخر نوبار بما شاده للعدالة من قواعد، فإن رياضًا يفتخر بما أبداه من شجاعة أدبية في وقوفه في وجه (إسماعيل)، وتعضيده لرجال لجنة التحقيق في النزاع الذي دخلوا فيه، لإنقاذ المالية المصرية، وقد بدا من كليهما بعد الاحتلال الإنجليزي وجوه تشابه تستوقف النظر: فكل منهما صدَّق على جهود إنجلترا الإصلاحية، واشترك مع الإنجليز إلى حد ما في أعمالهم، ولكن كلًّا منهما امتعض أيضًا لما كانت توجبه الرقابة البريطانية من قيود على الأهواء الاستبدادية، وانتهى إلى رفض مساعدتها، ولقد كان أشهر من نار على علم أن رياضًا قبل توزُّره كان يشكو مرَّ الشكوى من عدم تداخل الإنجليز في الأمور تداخلًا كافيًا ليكفل تقويم معوجها، وأنه لم يمضِ على استلامه زمام الحكم مدة مديدة إلا وطفق يتذمر من أنهم يتداخلون أكثر مما يطاق.

هذا فيما يختص بأوجه الشبه، وأما أوجه عدم التشابه فلا بد من الاعتراف بأن رياضًا قد لا يُلتمس له العذر الذي يُلتمس لنوبار على دخوله في عراك مع الرقابة البريطانية، فإن أحوال مصر حينما استلم نوبار دفة الإدارة كانت في فوضى نظام قلما يستطيع الإنسان وصفها، واستمر الإنجليز مدة يزيدونها تعقيدًا بكيفية تضجر الرجل وتململه، ولقد اصطدمت إدارته، دومًا وفي كل شيء، بإمساك وزارة المالية، واضطر إلى تحمل مسئولية كل ما كان كريهًا في سياسة كان هو أول الناقمين عليها من صميم فؤاده.

نعم إن الحالة في سنوات وزارته الأخيرة كانت قد تحسنت تحسنًا بينًا، ولكن التقدم — ولو أنه كان لا بد من الشعور بالإجراءات الصارمة اضطرارًا، التي كان من شأنها ضمانة حدوثه واستمراره — لم يكن قد ظهر بعد بكيفية عامة ترتاح إليها النفوس، وأما رياض فإنه استلم أزمة الأحكام في أحسن الأوقات وأطيبها تفاؤلًا، لا في زمن أزمة وإحن، بل في ساعة تجدد وإحياء، واستمر الجو صافيًا زاهيًا طوال مدة إدارته، فكان من سعادة حظه أنه رأى الجيش المصري، المحقر جدًّا في الماضي، يفوز على الدراويش، وعبء الدَّين العمومي يخفف، ومصر تحرر تحريرًا تامًّا وإلى الأبد من السخرة والعونة، والضرائب العقارية تخفض إلى أكثر من ثلاثين في المائة في أشد الأقاليم فقرًا، وزيادة الإيرادات على المصروفات تنمو سنة فسنة، بالرغم من ذلك التخفيض، ورأى كل هذا ينسب إليه، ويرتفع عبير الثناء حول شخصه عليه.

فلو كان ذا طبع غير طبعه لكان جمع قلوب المصريين على حبه أكثر من كل وزير سواه، ولاستطاع البقاء على دفة الحكم بين تصفيق الجميع، وهو متمتع بحرية عمل تكاد تكون تامة، ولكنه ما أقام على منصة الأحكام سنتين إلا وقد نفرت منه قلوب كل ذي حيثية في القطر. ومع أن إدارته نجحت نجاحًا غير منقطع، فإنه أصبح مكروهًا من الجمهور أكثر مما كُره نوبار في حياته، وذلك لأن رياضًا كان ذا كفاءة غريبة في إثارة عداء الناس له حالما يتربع في دست الوزارة، وإنه لشيء عجيب في الحقيقة أن يكون هذا الرجل على مثل هذه القلة في جدارته لاستلام زمام الحكم، فهو ما دام بعيدًا عن كرسي الإدارة وملازمًا الحياة الفردية الخاصة يرى عدد مريديه يزداد يوميًّا في البلد، وذلك لأنه بصفته مسلمًا تقيًّا، يُجمع على حبه كل ذوي النفوذ الديني في القطر، وبصفته مزارعًا وفلاحًا عريقًا في شئون الفلاحة، وواقفًا تمام الوقوف على حياة الشعب واحتياجاته وأفكاره، يعرف كيف يهتم بمصالح مشايخ البلاد، وكيف يكتسب حبهم، ولكنه حالما يتربع في الدست يصبح كالقنفذ، كله شوك، وعصبيًّا إلى حد عدم استطاعة الصبر على ما في الإدارة من موجب للضجر والملل، فلا يلبث أن يندفع مع تيار تحرك وتقلب كتحرك وتقلب المصاب بحمى، فينجرح شعوره لكل حيف، ويصبح يرى في النصائح، حتى متى قدمت له بغاية التأدب والاحترام، ضروبًا من الإهانات والانتقاص.١٠
على أننا نرى أن نضع إزاء ما جاء في آخر وصف اللورد ملنر هذا لرياض، ما قاله عنه صاحبا المقتطف بعد أن ذاق الرجل كأس المنون، قالا:

وقد تيسر لنا أن ندرس أخلاقه وصفاته وطباعه عن قرب، وأن نمحص ما يقوله أنصاره في مدح أعماله، وخصومه في ذمها، ونعلم مقدار ما في أقوال الفريقين من الصواب والخطأ.

فلا ريب عندنا أن الفقيد كان رجلًا رفيع الآداب، صادق الوطنية، شديد الغيرة على مصر، والرغبة في إبلاغ أهلها أعلى غاية في كل أمر حميد. ولا ريب أنه كان حسن المقاصد، يحب الخير للناس، ويحب خيار الناس، وينفر من شرارهم نفورًا ظاهرًا لا يخفيه عنهم، وكان لشدة غيرته على قومه يحسب نفسه مسئولًا عن كل مصري، فيدافع عنه دفاع الأب عن ابنه، ويوبخه أيضًا، ويعنفه بكلام مؤلم إذا رأى منه ما لا يعجبه، فلذلك كان بعض الذين يوبخهم من كبار الموظفين يخطئون الباعث الحقيقي له على ذلك، فيستاءون منه، وربما حقدوا عليه ورموه بالكبر وحب الاستبداد، وباتوا من خصومه والمتكلمين في حقه.

ثم إنه كان إذا رأى السيئة يطلب إزالتها أو إصلاحها بأقرب الطرق التي يدله عليها ذكاؤه الفطري والإدارة التي ألفها واعتادها في زمانه، فإذا وجد أمامه حوائل وعوائق نظامية، عيل صبره عليها، وأراد التخلص منها، بما اتصف به من شدة العزيمة وقوة الإرادة، وهذا ما أوقع الخلاف بينه وبين رجال القانون في الحقانية والمحاكم، وجعل كثيرين من هؤلاء يرمونه بحب الاستبداد بالأمور، وكراهته للنظامات الدستورية، وهذا ما أوقع الخلاف بينه وبين بعض الأوروبيين الموظفين في الحكومة وخارجها، وجعلهم يرون رأي رجال القانون في أفعاله.١١
ولخص اللورد كرومر رأيه في رياض باشا في خطبته الوداعية سنة ١٩٠٧، حيث قال بعد ذكره نوبار باشا:
وأذكر أيضًا اسم رجل آخر من أرباب السياسة، وأنا مسرور بمشاهدته الآن بيننا، ألا إنه صديقي القديم المؤتمن صاحب الدولة رياض باشا. إننا أيها السادة في زمان لا يحتاج فيه الشاب المصري الذي يتظاهر بمظهر المصلحين إلى شجاعة تذكر، ولكن ما هو كائن الآن لم يكن كذلك طول الزمان. كان (لإسماعيل) باشا — رحمه الله — طرق عنيفة في معاملة الذين لا يطأطئون الرءوس أمامه، ولا يعنون لهيبته، ومع ذلك وقف رياض باشا منذ ثلاثين سنة، واعترض بكل جرأة على سوء الإدارة، وأقام الحجة على فساد الأحكام، الذي كان متغلبًا على مصر في تلك الأيام، وعلق الجرس بعنق الهر، فأعجبت بشجاعته هذه حينئذ. وكثيرًا ما وقع بيني وبين صديقي ورصيفي القديم خلاف بعد ذلك، ولكني لم أكفَّ قط عن النظر إليه بعين المحبة التي تستحقها صفاته العبقرية.١٢
قال صاحبا المقتطف: «وحقيق بلورد كرومر أن يقول هذا القول عن رياض باشا، لأن رياض باشا كان يثق به ثقة لا يخامرها ريب. قال اللورد كرومر في كتابه «مصر الحديثة» إن شركة إنجليزية تألفت لتشتري سكك الحديد من الحكومة المصرية في وزارة رياض باشا الأولى، ولما عرض الأمر على النظار التفتوا إلى لورد كرومر — وكان مراقبًا من قبل إنجلترا — ليروا ما هو رأيه فيه، فقال لهم: «إن الأمر في يدكم أنتم، فإذا كنتم ترفضون البيع، فأنا أوافقكم على الرفض، وإذا كنتم تقبلون به، فأنا أبذل جهدي حتى لا تغبنوا في الثمن.» فقرَّ قرارهم على رفض البيع، وبعد أيام طلب منه أن يفض خلافًا بين الحكومة المصرية والخواجات جرنفلد الذين أنشأوا مرفأ الإسكندرية، وكان لا بد من أن يوقع رياض باشا شروط الحل التي وضعها لورد كرومر فأخذها ومضى بها إليه وهو لا يصدق أنه يستطيع أن يوقعها في ذلك اليوم؛ إذ لا بد من النظر فيها. أما رياض باشا، فقال له: «هل أنت موافق على هذه الشروط ومقتنع بعدالتها؟» فقال: «نعم.» فأخذها منه، ووقَّعها من غير أن يقرأها لشدة ثقته به.»١٣

ولما ألف لورد كرومر كتابه «مصر الحديثة» تكلم على رياض باشا بإسهاب، فقال: إن حياته السياسية يمكن أن تقسم إلى أربع مدد مختلفة: (الأولى) كناظر وأحد أعضاء لجنة التحقيق في عهد (إسماعيل باشا)، و(الثانية) كرئيس للنظار في عهد (توفيق باشا) مدة المراقبة الإنجليزية الفرنساوية، و(الثالثة) كرئيس للنظار في عهد (توفيق باشا) أيضًا، زمن الاحتلال، و(الرابعة) كرئيس للنظار في عهد (عباس الثاني).

ففي المدة الأولى ظهر بأعظم مظهر للعالم؛ فقد سخط مما حل بوطنه من الخراب الذي جرَّه عليه حكم (إسماعيل باشا)، ووقف نصيرًا للإصلاح وقفة مَن لا يهاب أحدًا في سبيل الإصلاح، أيام كان المصري لا يجترئ أن يجاهر برأيه ما لم يعرِّض حياته للخطر، وماله للضياع. ومهما كان الخطأ الذي يمكن أن يكون رياض باشا قد ارتكبه في تقلبه في الوظائف بعد ذلك، فلا يبرح من الأذهان أنه أظهر حينئذ شجاعة عظيمة حقيقية، ونظرًا بعيدًا في العواقب.

وفي أوائل المدة الثانية؛ أي مدة المراقبة الثنائية، ظهر أيضًا كما ظهر في المدة الأولى، ورأى فائدة الذين كانوا يشتغلون معه من الأوروبيين، لأنهم وقفوا بينه وبين أرباب الديون الذين كانوا كالذئاب الجائعة، وكان يعلم من نفسه أنه غير قادر على تخليص الحالة المالية من التشويش الذي كان فيها من غير مساعدة الأوروبيين، وفي أواخر تلك المدة عرضت مشكلة لم يقوَ على حلها، ولم يكن قد انتبه إلى أهميتها، وهي الثورة العرابية، فجرفه سيلها الجارف.

وفي المدة الثالثة خلف نوبار باشا رئيسًا للنظار، وفي أوائل هذه المدة جرت الأمور مجرى حسنًا، وهو يمتاز على نوبار باشا بحسن الإدارة، وبمعرفته الأمور الزراعية وأحوال المزارعين، والموظفون المصريون يهابونه هيبة شديدة، ويسهل على المسلمين الخضوع للمسلم المتمسك بدينه، لكنه كان شديد التمسك برأيه، فعسر عليه أن يدير دفة السياسة في زمن الاحتلال، واضطر إلى الاستعفاء.

ولم يتكلم لورد كرومر عن المدة الرابعة، لأن كتابه لا يتناولها، ثم ودَّ لو يكثر في مصر الوطنيون المتصفون بأسمى المناقب مثل رياض باشا.١٤

نقول: ومن يقرأ أقوال لورد كرومر يفتكر حالًا في مثلين عربيين، وهما: «إنما يحمد السوق من ربح»، و«كلٌّ يغني على ليلاه».

وقد افتتح زكي باشا سكرتير مجلس النظار في ذلك الحين خطبته التأبينية لرياض باشا في الحفلة التي أحياها ولدا الفقيد لمرور أربعين يومًا على وفاته، وختمها بالكلام الآتي:

رجل كرياض — والرجال قليل — في بلد كمصر، عهده بالحرية قريب؛ رجل كرياض، يفاخر به النيل — ويحق له الفخر — في هذا العصر الجديد؛ رجل كرياض، نبغ في عهد (إسماعيل)، وامتاز في ذلك الدور بالشكيمة والأثر الحميد؛ رجل كرياض، خدم هذا الجيل إلى أن دخل القبر، وهو قدوة الشبان والشيب؛ رجل مثل رياض، وأرجو أن يكون رياض مثالًا لكل رجل، لا يكفينا أن نرى قومه وأهله يقيمون له حفلة تتلوها الأخرى، وتعززها الثالثة، بل ينبغي لهذه الأمة الناهضة أن يتضافر أفرادها على تخليد ذكراه، ليكون موته له ولها حياة.

على أن الأمة لم تنهض، ولا تضافر أفرادها على تخليد ذكراه.

وأما إسماعيل صديق باشا، فإن القارئ سيتعرف به معرفة تامة في الجزء التالي.

١  أهم مصادر هذا الفصل: «نوبار باشا» لهولنسكي، و«نوبار باشا» مجموعة الخطب التي ألقيت ساعة كشف الستار عن التمثال الذي أقيم له في الحديقة المدعوة باسمه في الإسكندرية، و«إنجلترا في مصر» للورد ملنر، و«مصر الحديثة» للورد كرومر، و«شريف باشا» للمسيو دي بوف، و«وصف رياض باشا» في المقتطف، و«تأبين رياض باشا» لأحمد زكي باشا، و«الخطط التوفيقية» لعلي مبارك باشا، و«خديويون وباشاوات» لموبرلي بل.
٢  أخذنا معظم ما كتبناه عن نوبار عن الكتاب المعنون «نوبار باشا أمام التاريخ» لإسكندر هولنسكي.
٣  انظر: «مصر الحديثة» للورد كرومر، ج١ ص١٩.
٤  انظر: «مصر الخديوي» لإدون دي ليون ص١٥٦.
٥  انظر: «نوبار باشا» لهولنسكي ص٣١.
٦  انظر: بعض اعتبارات في نظام القطر المصري لنوبار باشا في كتاب «نوبار باشا» لهولنسكي من ص٦٢ إلى ٦٥.
٧  أخذنا معظم ما كتبناه عن شريف باشا عن كتاب «شريف باشا» للمسيو دي روف، وكتاب «خديويون وباشاوات» لموبرلي بل.
٨  مأخوذ عن مذكرات علي مبارك باشا نفسه.
٩  مأخوذ عن المقتطف الصادر في شهر أغسطس ١٩١١، والخطبة التأبينية التي ألقاها صاحب السعادة أحمد زكي باشا في السنة عينها في احتفال الأربعين، وعن «خديويون وباشاوات» لموبرلي بل، وعن المقارنة بين رياض ونوبار في «إنجلترا بمصر» للورد ملنر، وعن الفصل الثالث والأربعين من «مصر الحديثة» للورد كرومر.
١٠  انظر: «إنجلترا في القطر المصري» للورد ملنر، من ص١٥٥ إلى ١٥٩.
١١  انظر: «المقتطف» الصادر في أغسطس سنة ١٩١١ ص١١٢.
١٢  انظر: «المقتطف» عينه ص١٠٧.
١٣  انظر: «المقتطف» الصادر في أغسطس سنة ١٩١١ ص١٠٧ و١٠٨.
١٤  انظر: «المقتطف» المتقدم ص١٠٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠