الفصل الثاني

سفر في تاريخ مصر المالي١

مات (سعيد) وعلى القطر دين سائر، ودين مقترض، يزيد مجموعهما على أحد عشر مليونًا من الجنيهات، وعليه فوق ذلك قيد الامتياز الفاحش الممنوح لشركة ترعة السويس.٢

فما لبثت أن أوجبت زيارة السلطان عبد العزيز للبلاد المصرية، والكوارث الطبيعية التي تلتها، وحملة العسير، فإقدام (إسماعيل) على بث روح الحياة في أعمال القطر قاطبة، وعلى إزالة ما في امتياز شركة السويس من جائر نفقات ومصروفات جعلت الخزينة المصرية تشكو العوز والضيق، بالرغم من الخيرات الكثيرة المتدفقة إلى البلاد من وراء ارتفاع أسعار القطن، وزيادة صادراته.

فكلف (إسماعيل) نوبار باشا بالسعي إلى عقد قرض جديد في الأسواق الأوروبية أثناء وجوده في باريس، للعمل على الفوز بالمطالب المصرية من شركة القنال.

فأقبل نوبار، في شهر يونية سنة ١٨٦٤، على مخابرة المحال المالية في شأن ذلك القرض، واستمر في أخذ ورد معها مدة ثلاثة أشهر، حتى تمكن من إبرام عقد الاتفاق في ٢٤ سبتمبر من السنة عينها، فتعهد بموجبه المتعاقدون بأن يدفعوا إلى الحكومة المصرية خمسة ملايين جنيه إنجليزي على أربع دفعات متساوية، تستحق في نوفمبر سنة ١٨٦٤، ويناير وفبراير وأبريل سنة ١٨٦٥، وأن تسدد لهم الحكومة المصرية ذلك المبلغ بفوائده، على خمسة عشر قسطًا سنويًّا، قدر كل قسط منها ستمائة وعشرون ألفًا ومائتان وأربعة وتسعون جنيهًا، وأن تكون إيرادات مديريات الدقهلية والشرقية والبحيرة ضمانة لذلك، وتحول رأسًا إلى الدائنين.

والذي استلفت الأنظار في تحرير هذا العقد، بادرة ذُكرت فيه، أشارت من طرف خفي إلى رغبة البلوغ، إلى الاستقلال، المتقدة في قلب (إسماعيل)، فبينما اشترط في المادة الرابعة منه وجوب حصول المقترض على رضى السلطان، كما كان ذلك مشترطًا في عقد القرض الذي أبرمه (سعيد باشا) في سنة ١٨٦٢، فقد اتفق من جهة أخرى على أن يكون المرجع والحكم فيما قد يحدث من منازعات أو خلافات بسببه إلى (إسماعيل)، بدلًا من أن يكون للصدر الأعظم، كنص قرض سنة ١٨٦٢.

ثم تلا هذا القرض، القرض الذي عقده (إسماعيل) لنجدة المزارعين المصريين في الأزمة التي أصيبوا بها على أثر نزول أسعار القطن نزولًا فاحشًا عقب وضع الحرب الأمريكية الأهلية أوزارها، وبلغ نيفًا وخمسة وثلاثين مليونًا من الفرنكات، وقد سبق لنا بيانه في غير هذا المكان.

غير أن ما أنفق في سنة ١٨٦٥ على مقاومة الكوليرا، والثلاثة الملايين التي دفعت في سنة ١٨٦٦ للحصول على فرمان تغيير مجاري الوراثة، والعشرة الملايين من الفرنكات التي استرد بها تفتيش الوادي من شركة ترعة السويس، وما أنفق أخيرًا في تجهيز الحملة إلى كريت، وتسفيرها وإقامتها من جهة، وما اعتاده (إسماعيل) من الإنفاق عن سعة، والإكثار من دواعي الترف، ومظاهر العز والعظمة حول عرشه، وتوسيعه قصوره وحدائقه، وإنشاؤه منظرة الجيزة بالقرب من الأهرام، واقتناؤه في دار السعادة عينها سراي الأميركون البديعة، وإسرافه على إعدادها وتجهيزها، إعدادًا وتجهيزًا فائقين من جهة أخرى — كل ذلك جعل الخزينة المصرية، وخزينة الأمير الخصوصية في حاجة إلى نقود، بالرغم من زيادة الإيرادات، ومن سلفة الخمسة الملايين الأخيرة.

وكان (إسماعيل) يتوقع ذلك الاحتياج قبل حصوله.

لذلك رأى، وهو في فيشي، أن يتدبر للطوارئ قبل حدوثها، شأن المتبصر في العواقب، فاستدعى إليه نوبار باشا وكلفه بالسعي إلى عقد قرضين جديدين يكونان شخصيين، وتكون ضمانتهما السكك الحديدية — وكانت ملكًا خاصًّا للأمير — وأملاك (إسماعيل) الشخصية الأخرى، أي دائرته السنية.

فجد نوبار حتى تمكن في ١٧ أكتوبر سنة ١٨٦٥ من عقد القرض الأول مع محل «أپنهايم نيڨيه» قيمته ثلاثة ملايين من الجنيهات الإنجليزية، وضمانة سداده السكك الحديدية.

وكانت تعليمات (إسماعيل) تقضي بأن يكون معدل الفوائد ثمانية أو تسعة في المائة سنويًّا، ولكنهم وجدوا، عند فحص حساب التقسيط، أن معدلها يبلغ أربعة عشر في المائة تقريبًا.

فاستاء (إسماعيل)، وامتعض من نوبار، وضاعت ثقته في كفاءة هذا الوزير للأمور المالية.

ولكن الفريقين المتعاقدين بعد أخذ ورد عنيفين، وبعد أن تشبث كل منهما برأيه: هذا أن العقد باطل وملغًى، وذاك أنه صحيح وواجب التنفيذ، اتفقا في نهاية الأمر على إلغائه وإبداله بعقد آخر، عرف بعقد ٥ يناير سنة ١٨٦٦، أقرض (إسماعيل) بمقتضاه ملايين الجنيهات الثلاثة السابق الاتفاق عليها، بسندات السكك الحديدية، تضمنها المالية المصرية، وبمعدل ستة في المائة سنويًّا، على أن يسدد ذلك جميعه على ستة أقساط سنوية متساوية، ابتداء من أول يناير سنة ١٨٦٩.

فأصدرت تلك السندات، وابتاعها محل «أوپنهايم وشركائه» بمبلغ مليونين وستمائة وأربعين ألف جنيه إنجليزي، على أن يدفع نصف المبلغ نقدًا، ويقدم بالنصف الآخر أدوات سكك حديدية، يكون له عليها عمولة معدلها خمسة في المائة.

أما القرض الثاني — قرض الدائرة السنية — فبعد تزاحم بنك الأنجلو، ومحل أوپنهايم وشركائه على عقده، فاتفاقهما على عقده معًا، فانسحاب محل أوپنهايم في آخر لحظة، بل في دقيقة التوقيع عينها، بناء على إشارة برقية وردت من باريس إلى النائب عنه في العباسية بمصر، حيث كان الاجتماع معقودًا في كشك أنشأه الأمير حديثًا، وبعد قبول الأنجلو القيام به وحده، على أن يكون ثلاثة ملايين وثلاثمائة وسبعة وثمانين ألفًا وثلاثمائة جنيه أوراقًا مالية، بفائدة سبعة في المائة، ولا يقرض نقدًا في الواقع سوى ثلاثة ملايين فقط، وتكون مدة التقسيط خمسة عشر عامًا، وضمانة السداد تحويل إيرادات أملاك (إسماعيل) الخاصة إلى الدائنين، وتوقيع رهنية على ثلاثمائة وخمسة وستين ألف فدان، ألحق كشف ببيانها بعقد القرض عينه، وبعد طرحه في السوق لتغطيته، والفشل في ذلك، لعدم تغطية سوى سبعة ملايين من الفرنكات من الخمسة والسبعين مليونًا المطلوبة، ورجوع الأنجلو على الدائرة السنية لإجبارها على استرداد السندات غير المكتتب بها — بعد ذلك جميعه، قرَّ الرأي في نهاية الأمر بين حافظ باشا ناظر الدائرة السنية عن الأمير، ومالي يقال له المسيو تشرنسكي، على أن هذا المالي مقابل قيام (إسماعيل) بإيداع ما قيمته مليون وخمسمائة ألف جنيه إنجليزي من تلك السندات في البنك العقاري في باريس، يضع تحت تصرف الدائرة السنية اثنين وعشرين مليونًا وخمسمائة ألف فرنك، منها اثنا عشر مليونًا وخمسمائة ألف فرنك في نوفمبر، وعشرة ملايين في ديسمبر سنة ١٨٦٦، مقابل عمولة قدرها واحد ونصف في المائة، تستقطع عند صرف كل من القسطين، وفي نظير فوائد قدرها عشرة في المائة سنويًّا، على أن يسدد رأس المال والفوائد في ٣١ ديسمبر سنة ١٨٦٧، وإلا بيعت ضمانات السداد.

ولكنه ما أتت سنة ١٨٦٨ إلا وكان الحصول على فرمان ٨ يونية من السنة السابقة المانح (إسماعيل) لقب «خديو»، وإقامة قسم المعرض المصري في معرض باريس العام، وزيارة (إسماعيل) للعاصمتين الفرنساوية والإنجليزية، وما أحاط تلك الزيارة به من مظاهر الترف والبذخ ليجعل مركز مصر سنيًّا، ودرجتها رفيعة في الأنظار، وما أنفقه بعد ذلك في الأستانة، لإظهار ولائه للسلطان، ولاستصدار فرمان سبتمبر سنة ١٨٦٧، الموضح ما غمض في فرمان ٨ يونية السابق، من الامتيازات الممنوحة، قد أدى إلى ضيق في المالية، ارتفع معه معدل الخصم إلى ١٦ في المائة، وبات من المحتم النظر في إفراجه.

فقر الرأي على اقتراض قرض جديد، ووافق (إسماعيل) على ذلك.

وما ذاع سر الرغبة فيه إلا وبرز محل أوپنهايم وشركائه على مسرح المعاملات، وتقدم ليكون واسطة في استصداره.

غير أن الفصل البارد الذي ارتكبه أثناء المخابرات في قرض السنة السابقة، كان لا يزال ينغل قلب (إسماعيل) عليه، فما وسع ذلك المحل إلا مراقبة تطورات المخابرات الجديدة عن كثب، لاغتنام أول سانحة تجيز تداخله، وخلا الجو لتشرنسكي — وكان نجاحه في إتمام قرض سنة ١٨٦٦ قد جعله مقربًا إلى قلب الخديو الأول — فكلفه راغب باشا، كبير الوزراء ووزير المالية في تلك السنة، بالسعي إلى إتمامه.

وكان راغب باشا هذا من الأسرى اليونان المسيحيين الذين أتى بهم (إبراهيم) الهمام أرقاء إلى مصر، فلما اعتنقوا الدين الإسلامي أعتقوا وأحسنت تربيتهم، (وهو والد إدريس راغب بك أستاذ الماسونية المصرية الأكبر)،٣ وكان في سنة ١٨٦٨ شيخًا جليل القدر، ضيق الفكر، ليس عنده من الحذاقة المالية إلا ما يتفتق له ذهنه من الحيل في سبيل تأجيل دفع المستحقات من أجل إلى أجل، ودفعها بعد ذلك نقطة نقطة. فلم يكن إذًا بالمالي الذي يميز الغث من السمين في الارتباكات المالية، ولا بالرجل الذي يصح الاعتماد عليه في الشدائد.

وكانت الأقدار قد ساقت إليه، لسوء حظه، رجلًا ألزاسيًّا أتى مصر قبل بضع سنوات، فتعين رئيسًا لقلم قضايا وزارة الأشغال العمومية في عهد إسنادها إلى نوبار باشا، لشدة الاحتياج فيها إلى رجل خبير بالتشريع والقوانين، يمكن الوقوف بواسطة خبرته في سبيل مطامع الأجانب الذين يتعاقدون مع الحكومة، وغرضهم الحقيقي ليس إتمام عمل، ولكن التذرع بأية وسيلة لجعل الحكومة مسئولة عن عدم إتمامه، وإلزامها ثمت بتعويضات يثرون منها بسهولة.

وكان ذلك الإلزاسي على تمام درايته بالقوانين، تام الاستقامة، نزيه النفس، ذا ذاتية خاصة به، تميز ذكاءه عن كل ذكاء آخر، حسن المعاشرة، عذب المحادثة، محبًّا للكلاب، مغرمًا بالصيد والقنص، ذا دراية لا بأس بها بالطب البيطري، لا يحنف عن التنجيم أحيانًا — وتصح معه صناعته — لطيف التنكيت والمزاح، فصيح اللهجة، حائزًا — بالاختصار — كل ما كان من شأنه جعله محبوبًا عند الخديو ومقربًا إليه. وكان على قلة بضاعته في الأمور المالية، قد انتقل من وزارة الأشغال العمومية إلى وزارة المالية، فعهد الوزير إليه أمر الاهتمام بإتمام القرض الجديد، ووضع شروطه مع المسيو تشرنسكي.

ولكن ذلك الإلزاسي رأى أنه يستطيع تقديم خدمة إلى الخديو، أجل من الخدمة التي كلف بها، وأخذ على نفسه إتمام مخابرات خاصة ينشرح لنتيجتها صدر (إسماعيل) انشراحًا كبيرًا.

فشرعت الألسنة تتداول ذكره، وبدأت التخمينات تتضارب فيما عسى أن يكون العامل المالي الجديد العتيد ظهوره، فبعضهم يذهب إلى أن المخابرات دائرة مع «المصرف الشرقي»، وآخرون إلى أنها دائرة مع رجل يقال له (لاشيڨارديير) بالنيابة عن بيت «كارتريه» الشهير، وغيرهم يذهب مذهبًا آخر، والكل على اختلاف مراكزهم من الوزير إلى آخر سمسار في البورصة يتطلع إلى إنهاء تلك المخابرات، ونجاحها بسرعة كلية.

وذلك لأن الضيق المالي كانت قد استحكمت حلقاته، وباتت النقود قليلة في السراي الخديوية عينها، وأمسى الحريم المصون نفسه في حاجة إليها — و(إسماعيل) مع ذلك مكب بكل ما أوتي من نشاط على إشباع رغبة التشييد والتعمير التي عادت نفسه ممتلئة بها إثر زيارته لباريس ولندره، مشدد في طلب الأموال من خزينة المالية، لتصليح الأزبكية، وتكييفها تكييفًا جديدًا، وإنشاء مضمار سباق للخيل، وإتمام حي الإسماعيلية، وفتح شوارع العاصمة الجديدة، وابتناء قصور في العباسية، والقبة، وعابدين، والجيزة، وتجاه جزيرة الروضة، وفي مصطفى باشا، وتزيينها بالرياش الفاخر، وهلم جرَّا — فبذل المتخابرون جهدهم حتى وصلوا إلى اتفاق أقروه، وللحال ذاعت في الأسواق والأوساط المالية أنباء عقد القرض المرغوب فيه، بين الوزير راغب باشا عن الخديو، وبين (لاشيڨارديير) عن محل كارتريه وشركائه (٣ فبراير سنة ١٨٦٨).

فنزلت أسعار الخصم من ١٦ في المائة إلى ١٢ في المائة، وبات تحسينها المطرد منتظرًا من الجميع، لما أشيع عن اشتمال ذلك القرض على مزايا قل توقع نظيرها أو ما يضاهيها في عالم الاقتراض.

فتناقلت الألسنة أن المبلغ المقدم سيكون ٦٤٥٠٠٠٠٠٠ من الفرنكات، لتوحيد عموم الديون المصرية (بما فيها دين السكة الحديدية، وما خلا أذنات القرى)، وأنه سيقسط على ٤١ سنة، باعتبار القسط السنوي ٨٧٥ في المائة من الدين الاسمي، أي أن المبلغ الذي يجب على الحكومة المصرية دفعه كل ستة أشهر لا يزيد أبدًا على ٢٧٣٤٣٧٥٠ فرنكًا، وأنه يدفع في أول يناير، وأول يولية من كل سنة، وأن العربون الذي يقدم فورًا سيكون عشرين مليونًا من الفرنكات. وأما ضمانات السداد، فعموم الإيرادات التي ما زالت حرة، والتي ستصبح حرة في المستقبل بعد سداد الدين الذي هي ضمانته، وأنه اشترط أن تنشئ الحكومة سجلًّا عامًا للديون المصرية، وتضع له نظامًا خاصًّا به، وتتعهد بأن لا تقترض في المستقبل إلا على قدر الزيادة في ميزانيتها السنوية.

غير أن المزايا النادرة ذاتها، المتفق عليها لمصلحة المقترض في ذلك العقد كان من شأن المبالغة الظاهرة فيها إلقاء الريب والشك حول إمكان توقيعه حقيقة؛ لذلك أخذ الخبيرون في الأمور المالية يتسارون بأنه لا بد من وجود مخدوع بين الطرفين المتخابرين، وأنه يصعب أن يكون ذلك المخدوع المحل المالي.

وما لبثت الأيام أن أظهرت أن همسهم كان على حقيقة، فإنه لما كلف الخديو الموظف الإلزاسي بدرس أوراق التوكيل التي قدمها (لاشيڨارديير) في أول المخابرات إلى وزارة المالية، والتثبت من حقيقتها، لمعرفة ما إذا كان محل كارتريه وشركائه قد خوَّل وكيله المذكور حق التوقيع على العقد بالنيابة عنه أم لا، وأقبل ذلك الموظف على البحث عنها في ملف أوراق المفاوضات، وجد — وكل كيانه ينتفض وجلًا — أن تلك الأوراق قد أخفيت، وأنه لم يبق لها من أثر، فأدرك في الحال أنه قد هزئ به، ونصب عليه وعلى موكله معًا، وكاد يفقد رشده.

وشاع نبأ ذلك في الدوائر المالية، فأثار فيها عاطفة سخرية وقلق معًا. ولما اطلع (إسماعيل) على الأمر استشاط غضبًا، وصب جام سخطه على رأس وزير ماليته التعس راغب باشا، وعلى رأس ذلك الألزاسي المتداخل فيما لم يكن من اختصاصاته، وعزلهما من خدمته.

فمرض كلاهما مرضًا كاد يودي بحياتيهما. واضطر الألزاسي بعد ما نهض من سرير أسقامه إلى مغادرة الديار.

فلما خلت وزارة المالية من شاغليها، رأى الخديو أن يقلد منصبها رجلًا قريبًا من قلبه، كان سبق له امتحانه في وظائف أخرى ذات مسئولية خطيرة، فوجده راجحًا، وآنس منه ذكاء نادرًا، وتفننًا غريبًا، وإخلاصًا متناهيًا في خدمته، فاستدعاه إليه، وعينه وزيرًا لماليته.

وكان اسم ذلك الرجل إسماعيل صديق، ويعرف «بالمفتش» لسابق تقلده وظيفة التفتيش في الصعيد على أعمال دائرة الخديو الخاصة أولًا، فعلى أعمال الحكومة المصرية.

وكان ابن والدين من فلاحي الوجه القبلي، عقليته عقلية فلاحينا المصريين، وأخلاقه أخلاقهم.

ولما كان أخا الخديو في الرضاعة، اختص (إسماعيل) بخدمته لذاته، منذ أن كان لا يزال أميرًا، وما فتئ يقدمه في أعمال دائرته، ويرفع من درجته فيها بقدر ما كان يبدو له من الدراية والكفاءة إلى أن أبلغه أسماها، ثم نقله إلى خدمة حكومته، وما زال يرقيه فيها — وإسماعيل صديق يعمل على ما فيه مصلحة مولاه ورضاه قبل كل شيء، وفوق كل شيء — إلى أن بات أكبر المقربين من قلبه، وآمن المؤتمنين عنده.

وكان إسماعيل صديق هذا رجلًا ماهرًا في الواقع، ثاقب الرأي، أصيله، متفتق الذهن، يدري، كما لا يدري أحد غيره،كيف تستخرج النقود من مدافنها، وكيف يتوصل إلى تحقيق الرغائب ونيل الأغراض، لا يوقفه في سبيل إحراز رضا مولاه هاجس، ولا يهمه أن يرتكب دنية، بل ولا إثمًا، إذا كانت تلك الدنية وذلك الإثم يعززان مركزه، ويظهرانه في مظهر الرجل المخلص. وكان — علاوة على ذلك — همامًا، نشيطًا، يحب الشغل، ويلج أبوابه برغبة أكيدة، كما أنه كان كبير المطامع، شبقًا نساء وأموالًا ولذائذ.

فما استلم دفة وزارة المالية، إلا وظهر حالًا، الفرق بينه وبين سلفه، وحل تشهيل الأعمال محل المطل فيها، والبت بسرعة في الأمور محل التخبط والتردد، ودفعت الأذنات المالية في أوقات استحقاقاتها بدون إبطاء، لإدراك الوزير الجديد ما في عمل ذلك من المصلحة لمركز الحكومة.

وبما أن إسماعيل صديق لم يكن، في بادئ أمره، خبيرًا بالأمور المالية — وإن صحت تسميته ماليًّا ولادة — فإنه اتخذ أخصاء من ذوي الدراية فيها، وتلقى عليهم دروسًا عملية جعلته في مدة يسيرة كفؤًا لمقاومة أحذق عمال السلفيات ومتداوليها، ومناضلتهم، فلم يعد يوقفه وسواس، مهما كان نوعه، عن السوق مباشرة إلى ما يقصد من الأغراض، وبرع في ضروب المخاتلة براعة حملت بعضهم على إلباسه بحق قول القائل «إنما أعطيت الكلمة للإنسان لكي يخفي فكره.»

وظهر ذلك جليًّا للماليين الغربيين الذين استمرأوا حلاوة التوسط بين الخديو والأسواق المالية الأوروبية.

فما خلا الجو من لاشيڨارديير ومحل كارتريه إلا وتقدم المسيو تشرنسكي لإنهاء مسألة القرض الذي فشل، فدارت المخابرات بينه وبين الوزير الجديد. وفي الليلة ما بين ١٩ و٢٠ أبريل انعقد في سراي الجيزة اجتماع حضره الخديو نفسه، وشريف باشا كبير وزرائه، وإسماعيل باشا المفتش، وحافظ باشا ناظر الدائرة السنية من جهة، والمسيو تشرنسكي، والمسيو باستري من جهة أخرى. وبعد تباحث جدي دام طويلًا، انتهى بهم الأمر حوالي الساعة الثالثة صباحًا إلى اتفاق تام، كانت نتيجته أن لسان البرق كلف بحمل بشائر انعقاد السلفة إلى محافظ الإسكندرية ومديري الأقاليم، وإلى الوسطاء المجدين في باريس للاستقراض أو الخصم.

وبناء على إشارة الخديو وقَّع المسيو تشرنسكي على العقد، فوضعه وزير المالية في جيبه، ووعد بإعادته إليه في الصباح، مختومًا منه، لتقدم ساعات الليل، واحتياج الكل إلى راحة، وانفصل المتعاقدون وصدورهم منشرحة.

فلما كان الصباح اكتشف الوزير عيبًا في شكل العقد، وحمل مولاه على نقض ما أبرم.

فكان ذلك أول تأثيرات المفتش السيئة في الشؤون العمومية، وهي تأثيرات توالت فيما بعد حتى أدت في نهاية الأمر إلى انحراف القلوب عن الخديو، بالرغم من استمرار نياته حسنة، وإلى خراب البلاد، بالرغم من كثرة الأسباب الموجبة عمارها.

فما علم محل أوپنهايم بفشل مسعى المسيو تشرنسكي إلا وتقدم خاطبًا ود المالية المصرية، وعرض إقراض ثلاثة ملايين من الجنيهات، نصفها يدفع فورًا، والنصف الآخر عند الاختيار.

ولكن الشروط التي عرضوها كان فيها من التقييد لحرية الخديو وسلطته ما حمله على رفضها، فتحول عن ذلك المحل مؤقتًا، ورأى أن يشرك معه في الأمر مجلس النواب المنعقد إذ ذاك.

فبناء على طلب إسماعيل باشا صديق، وعلى أمر الخديو، اقترح رئيس ذلك المجلس العدول عن الاقتراض الخارجي إلى الاقتراض الأهلي، وحمل المجلس على قبول اقتراحه.

فقرر أن يكون القرض ثلاثة ملايين من الجنيهات الإنجليزية، وأن تسري عليه فوائد للمكتتبين فيه، بواقع عشرة في المائة سنويًّا، وأن يسدد ذلك القرض في بحر ثماني سنوات، بسحوب يانصيبية يبدأ بها بعد مضي ثلاث سنين على الإصدار.

ولكن الوزير أهمل أن يقدم ضمانة للسداد، فلم يقبل على الاكتتاب إلا نزر يسير، فرأى أن يشرك غير الأهالي مع الأهالي فيه، وأن يجعل القرض داخليًّا بدلًا منه أهليًّا فقط، ولكنه أهمل أيضًا تقديم الضمانات، فكان نصيب القرض الداخلي نصيب القرض الأهلي.

على أن وزير المالية لم ينتظر انجلاء نتيجته، بل أقدم تحت طي الخفاء على خصم أذنات مالية، بما بلغ مقداره مليونين من الجنيهات، ثلاثة أرباعها عند محل أوپنهايم، وبعض مصارف مصر والإسكندرية.

وفي الوقت عينه دبر مشتري مياه الإسكندرية بأذنات مالية أيضًا، ودفع بها كذلك الباقي — وقدره ثلاثون مليون فرنك — من أصل المبلغ المحكوم به لشركة ترعة السويس.

فكانت نتيجة ذلك جميعه زيادة ما يقرب من مائة مليون فرنك على الدين السائر، وملء الخزينة مؤقتًا بمبالغ تمكنت بها الحكومة من سد الطلبات الملحة الوقتية، وتمكن الخديو من الذهاب إلى رحلته الصيفية التي أشار الأطباء عليه بها للعلاج من الداء الذي ألم بحنجرته، وجيوبه ملأى ذهبًا، يصرف منه على تحقيق رغائبه.

على أن الجريدة الرسمية لم تعلن خبر سفره إلا بعد ثلاثة أيام، في عددها الذي نشرت فيه ملخص المباحثات التي دارت في مجلس النواب على الحال المالية، وميزانية الحكومة عن العام القبطي سنة ١٥٨٥، أي من سبتمبر سنة ١٨٦٨ إلى سبتمبر سنة ١٨٦٩.

ولما كان يتضح من تلك الميزانية أن هناك زيادة للحكومة في الإيرادات على النفقات تقدر بأكثر من ثلث مجموع تلك الإيرادات، فإن مجلس النواب أقدم على المناقشة، والتماس الإيضاحات عن ضيق المالية المزعوم، واضطرارها إلى الاقتراض.

فكلف ناظر المالية وناظر الداخلية بتقديم تلك الإيضاحات إلى لجنة يعينها المجلس خاصة لهذا الغرض، وقدماها في الواقع.

فرفعت اللجنة بها تقريرًا إلى المجلس، اتضح منه أن مصدر الضيق إنما هو الدين السائر، البالغ قدره عشرة ملايين من الجنيهات الإنجليزية تقريبًا، ومصدر الإحراج اضطرار الحكومة إلى سداده في الحال.

فاتفق المجلس مع وزير المالية على إبدال القرض الداخلي الذي فشل بضريبة سدس، تضاف من باب الاستثناء إلى مجموع الأموال المربوطة، وتحصل مدة أربع سنوات متواليات ابتداء من سنة ١٥٨٤ القبطية.

ولما كانت قيمة هذا السدس، الإجمالية، لا تزيد على مليوني جنيه إنجليزي، اقترح الوزير إصدار قرض قدره ستة ملايين من الجنيهات الإنجليزية، يخصص فقط لسداد الدين السائر، بحيث لا يعود لذلك الدين من أثر في الوجود.

فصدق المجلس على ذلك، وشرع الوزير، حالًا، يخابر محل أوپنهايم في تولي أمر إصداره، على أن يكون سداده على خمسة عشر قسطًا سنويًّا، وتكون ضمانته إيرادات الجمارك، ورسوم الهواويس، والمتحصلات من المصائد، ومكوس الملح والمملحات إلخ — ومجموع مبالغها كلها مليون جنيه إنجليزي سنويًّا — وتعهدت الحكومة بأن تدفع للمتعاقدين كل ستة أشهر قسطًا قدره ٨٤٨٥٩٥ جنيهًا إنجليزيًّا، فوائد واستهلاكًا وجوائز يانصيب، وحظرت على نفسها عقد أي قرض جديد قبل مرور خمس سنوات.

على أن الوزير لم يقف عند هذا الحد، ولكنه في ٤ يونية أمضى مع محل أوپنهايم ملحقًا تعديليًّا للاتفاق الأول، ثم أمضى في ٨ يونية ملحقًا غيره رفع بمقتضاه مبلغ القرض إلى سبعة ملايين من الجنيهات الإنجليزية، ومد أجل السداد، فجعل واحدًا وعشرين عامًا، وزيد مقدار القسط السنوي فجعل ٨٧٠٠٤٢ جنيهًا إنجليزيًّا، وأضيف إلى الضمانات السابقة عوائد الأملاك والمواشي والسرج.

وأخيرًا قرَّ القرار النهائي في ٧ يولية على أن يكون مبلغ القرض ثمانية ملايين من الجنيهات الإنجليزية، ومبلغ القسط السنوي ٩٥٣٢٩٧ جنيهًا مصريًّا، ومدة التقسيط الاستهلاكي ثلاثين سنة، وأبدلت ضمانة عوائد الأملاك بضمانة رسوم القبانة والملاحة النيلية. واتفق على أنه إذا أخذ محل أوپنهايم وشركائه على عهدته دفع مبلغ الثمانية الملايين، فإنه يكون حرًّا في ترتيب إصدار الأوراق المالية الجديدة إزاء الجمهور.

فكأن الوزير أراد من رفع مبلغ القرض من ستة ملايين إلى ثمانية ملايين أن يضع تحت تصرف الخديو المطلق مبلغ الفرق — أي مليونين من الجنيهات — لينفقه في دار السعادة، على تقديم مشروعاته في سبيل تحقيقها، وعلى إزالة العقبات التي قد تصادفها في طريقها.

وبما أن العملية كانت، في الحقيقة، في منتهى النفع للمكتتبين — لأن المائة فيها لم تكن في الواقع مائة، بل واحدًا وستين وربعًا فقط — نجح تصدير القروض نجاحًا بينًا في ١٦ و١٧ و١٨ يولية سنة ١٨٦٨، وبلغ عدد المكتتب به أحد عشر مليونًا وثمانمائة وتسعين ألف جنيه إنجليزي.

ولكنه بعد تصفية كل حساب لم يدخل منه في خزينة الحكومة سوى سبعة ملايين ومائة وخمسة وتسعين ألفًا وثلاثمائة وأربعة وثمانين جنيهًا إنجليزيًّا، وذلك رفع معدل الفوائد من سبعة في المائة إلى في المائة، وزاد على سابقة الديون المصرية ثمانية ملايين أخرى.

ولو أن الوزير اكتفى بما فعل لكان الشر يسيرًا على جسامته، ولكنه عاد إلى إصدار أذونات مالية جديدة، حتى قبل الفراغ من تسليم سندات القرض الجديد.

وكان الخديو في تلك الأثناء مقيمًا في الأستانة العلية، يعالج نجاح مشروعه القضائي، ويجتهد في توسيع دائرة استقلال البلاد الداخلي.

على أن مساعيه في هذين السبيلين كلفته أموالًا جسيمة، ابتلعتها العاصمة العثمانية فبلغ القلق في الأوساط المالية أشده، وباتت القلوب تشتهي بحرقة أن يقصر مدة إقامته في تلك المدينة الشرهة.

وكأنى به قد شعر باشتياق رعاياه إلى عودته، فاقتلع نفسه من وسط أسباب الغواية العديدة الحافة به، ورجع إلى القطر المصري في اليوم الثاني والعشرين من شهر سبتمبر سنة ١٨٦٨.

فاحتفلت الإسكندرية والعاصمة احتفالهما المعتاد بعودته، وأطلق في كل منهما مائة مدفع ومدفع، وأهدته والدته الجليلة ثلاث حوريات شركسيات، أرادت أن ينافس جمالهن السماوي جمال صبية يونانية اشتراها (إسماعيل) عينها ببيكوس بثمن خرافي، وكان من شأن حسنها الفائق، وتأثيره العميق في قلبه إثارة ثورة غيرة بين نسائه الأخرى، طول مدة السفر البحري من الأستانة إلى الإسكندرية، واضطر الخديو لاجتناب تكرار مثلها في سراي رأس التين أن يرسل تلك اليونانية رأسًا إلى القاهرة.

وكانت أسعار السوق مستمرة في تحسينها الذي أعقب عقد القرض الجديد.

ولكن البوليس لكي ينال محظوظية عند الخديو، ويظهر لسموه تيقظه وسهره على حياته، أخذ على عاتقه إثارة القلق، فأقدم في شهر أكتوبر من السنة عينها على اكتشاف مكيدة، زعم أن حليم باشا دبرها لاغتيال ابن أخيه، فنصب شراكه، وبث زبانيته. وفي الثاني والعشرين من الشهر المذكور أعلن للملأ نجاح مسعاه، وتمكنه من القبض على المتآمرين على حياة مليك البلاد.

فاضطر (إسماعيل) إلى إبعاد عمه عن القطر، واتخذ في ذلك احتياطات، صبغتها النفاثات في العقد السياسية صبغة غير حقيقية، أدت إلى انسدال قتام على سوق الأوراق المالية المصرية.

فبالرغم من الاحتفالات التي أقيمت بمناسبة عودة الأمير إلى القطر، ودامت أيامًا، وكلفت البلاد نيفًا وستة آلاف جنيه في كل ساعة، وبالرغم من الاحتفالات البهية والمراقص التي تلتها بسبب حضور اللورد ناپيير أوڨ مجدلا، قاهر النجاشي تيودوروس، ليقلد سمو الخديو وسام نجم الهند الأكبر، وتصادف وجود والي الهند اللورد مايو في ذلك الوقت بمصر، وبالرغم من نجاح القرض، انتهى عام سنة ١٨٦٨ والجو المالي مكفهر بمصر، لا سيما عقب نشوء الخلاف بين اليونان والدولة العلية بسبب الثورة الكريتية المستمرة.

ذلك الخلاف ما فتئ يتطور ويشتد، حتى بلغ منتهاه في أوائل سنة ١٨٦٩، إذ باتت الحرب بين الدولتين قاب قوسين أو أدنى، وأخذت الجالية اليونانية الغنية والقوية بمصر تشعر باضطراب وارتجاج في حياتها المدنية، لدى تصورها اضطرار مصر إلى ولوج باب تلك الحرب، فيما لو شبت، وتأدية ذلك إلى نزاع عنيف بين وطنيتها الشديدة الاستعار، ومصالحها المادية — من تجارية واستغلالية كثيرة — المتشعبة في القطر المصري.

فاغتنمت ألسنة السوء اكفهرار الجو المالي المؤقت لتذيع في الملأ على لسان بعض جرائد أوروبية أنباء إقدام الحكومة على عقد قرض جديد، عقب مصاريف الصيف الجسيمة في الأستانة العلية.

فرأى (إسماعيل) أن يهدئ روع بلاده المضطرب بدون سبب، فافتتح سنة ١٨٦٩ بسلسلة أعياد واحتفالات باهرة، بينما كان جميع مستخدمي الحكومة الذين لهم معرفة باللغة الفرنساوية يشتغلون في نقل مؤلفات «أُفنباخ» — مثل «العين المثقلة»، و«هيلانة الجميلة»، و«ثلاثاء المرفع»، وغيرها — إلى العربية ليتمتع برؤية تشخصيها ساكنات دور الحريم، ومن لم يكونوا يفقهون سوى العربية من اللغات.

وتوجت تلك الأعياد كلها بالمرقص العظيم الذي أقيم؛ احتفالًا بعود يوم الجلوس المأنوس في سراي الجزيرة وبستانها، وكلف الكوبري المؤقت الذي أنشئ على النيل لخدمة العبور في تلك الليلة فقط ثمانية آلاف جنيه، فما بالك بالتكاليف الأخرى؟!

ثم أمر باجتماع مجلس النواب، وافتتحه في ٢٨ يناير سنة ١٨٦٩ بخطبة جميلة، شرح فيها أولًا حالة الحكومة المالية، فمر بجميع الديون، التي عليها، وقال: إنها بعد أن كانت ٢٢ مليونًا من الجنيهات عند موت (محمد سعيد باشا) أصبحت في تلك السنة ١٧ مليونًا فقط، بما فيها مبلغ القرض الأخير.

ثم توسع في تعداد الأعمال العمومية المفيدة التي تمت على يدي حكومته منذ ارتقائه العرش، ليبرر الأقراض المعقودة، فذكر السكك الحديدية المنشأة حديثًا، وأحواض تصليح السفن، والأرصفة، والجسور والترع، والمسنوات (هواويس)، والمدارس على أنواعها، إلخ.

وأفاض أخيرًا في بيان الإصلاحات العديدة المدخلة على تنظيم القوى البرية والبحرية وتسليحها بالأسلحة الحديثة.

وختم خطبته الجليلة بشكر العناية الإلهية التي ألهمته في شئون إدارته الداخلية تنفيذ أجزاء خطة السير الخمسة التي وضعها نصب عينيه عند ارتقائه سدة الأحكام تنفيذًا تامًّا في جميع دقائقها، وهي:
  • (١)

    إلغاء السخرة.

  • (٢)

    توسيع نطاق التجارة والزراعة.

  • (٣)

    نشر التعليم العام.

  • (٤)

    تعيين مرتب خاص لنفقاته الشخصية.

  • (٥)

    الإصلاح القضائي، الذي أكد للمجلس أن جميع الدول الكبرى قد صدقت على مبادئه.

ولم يكن في جميع ما ورد في تلك الخطبة من شيء مخالف للواقع، إلا ما جاد به منجم إسماعيل صديق باشا، فإن الدين المخلف من (سعيد) لم يكن ٢٢ مليونًا من الجنيهات، ولا ما يقرب من هذا المبلغ الجسيم بالكلية، بل كان مائتين وتسعة وسبعين مليونًا من الفرنكات فقط، أي ما يقرب من الأحد عشر مليونًا ونصف من الجنيهات، ومبلغ الدين المصري في تلك السنة لم يصبح سبعة عشرة مليونًا كما ورد في الخطبة ولكن ثلاثين مليونًا من الجنيهات الإنجليزية.

على أن تأثير الخطبة على السوق المصرية كان حسنًا للغاية، فعادت الثقة عن تزعزعها إلى ثباتها، وخلت أفكار (إسماعيل) من كل شاغل مؤقت إلا شاغل الاحتفال. (أولًا) بمقدم البرنس أوڨ ويلز، والأميرة زوجته. و(ثانيًا) بفتح ترعة السويس في أواخر ذلك العام.

ولكن ذينك الاحتفالين أعقبا ضيقًا ماليًّا شديدًا بسبب ما أنفق عليهما من أموال طائلة، نعم إن قرض سنة ١٨٦٨ كان يساوي في لندن بفضل الضمانات الخصوصية التي أسند إليها ٧٧، أي وحدتين فوق سعر إصداره، ولكن أذونات أي إفادات المالية آلت إلى نزول مستمر، وخصم المستحق منها بعد مرور شهر إلى بعد مرور أربعة وعشرين شهرًا كان بمعدل و١٤ في المائة.

ومع ذلك فإن إقبال الأسواق الأوروبية على مشتراها كان كبيرًا بسبب ما حملت بهجة أعياد ترعة السويس من ثقة إلى القلوب.

فرأى الوزير إسماعيل صديق أن يغتنمها فرصة للحصول على جانب من النقود التي كان في احتياج إليها لدفع جانب من المستحقات التي أوجبتها احتفالات فتح الترعة.

فقدم إلى سوق باريس إفادات مالية بمبلغ مليونين وأربعمائة ألف جنيه إنجليزي بخصم معدله ١٢٪، واستحقاقات متسلسلة من ١٢ شهرًا إلى ٢٠ شهرًا.

ولكن تسرعه في التقديم أيقظ مخاوف المشترين، فلم يكتفوا بطلب ١٤٪، بل حتموا أن يكون الدفع في باريس، وأن تتعهد الحكومة بعدم إصدار إفادات جديدة لمدة حددوها. وبما أن الوزير لم يكن ليرضى مطلقًا أن يتقيد بمثل هذا القيد، أهمل مخابراته، ورجع عن غرضه.

غير أن المطالبة بسداد الديون التي أوجبتها الاحتفالات العظمى المنقضية ازدادت اشتدادًا عليه، فاضطر، لكيلا يحرج مركزه، إلى ربط ضريبة جديدة مقدارها خمسة عشر قرشًا صاغًا على كل فدان يزرع، ما عدا أطيان الدوائر الخديوية — فإنها لم تكن تدفع ضرائب مطلقًا — فاجتمع لديه من ذلك خمسمائة ألف جنيه إنجليزي — أي أقل من نصف المبلغ المطلوب — فأصدر للحصول على الباقي إفادات مالية جديدة، خصمها ٢٢٪، بيد أن ذلك لم يجد نفعًا، فالتجأ إلى وسيلة حال ضيقه دون إدراك فهمه عدم مشروعيتها.

وذلك أنه كان في بحر صيف سنة ١٨٦٩، باع، نقدًا، نيفًا وخمسمائة ألف أردب بذرة قطن، على أن يسلمها بعد خمسة أو ستة أشهر، أي بعد بيع المحصول الذي كان لا يزال قائمًا على ساقه في الأرض.

فتربص المشترون ريثما تنقضي أشهر المهلة، ولكن ما أكبر ما كان اندهاشهم حينما تحققوا استمرار شون الحكومة خالية خاوية، بالرغم من بيع أقطانها، وحلول مواعيد التسليم، وذلك لإقدام الوزير على بيع كل ما وصل إليه من بذور القطن أولًا فأولًا، ونقدًا نقدًا، بدلًا من تخزينه لتغطية تعهداته.

على أن بيع الشيء عينه مرتين، كان من شأنه وضع ذلك الوزير الخرب الذمة تحت رحمة مدائنيه. ولا شك في أنهم لو أرادوا مقاضاته لوجدوا إليها سبيلًا واسعًا، وتعضيدًا حقًّا من صاحب الأمر الأسمى، ولكنهم لحسن حظ إسماعيل صديق المؤقت، وسوء حظ الحكومة المصرية كانوا أبعد الناس عن الإقدام على قتل الدجاجة ذات البيض الذهبي. وعليه، فإنهم اكتفوا بأن باعوا إلى الحكومة بسعر ٧٨ قرشًا صحيحًا ما كانوا قد اشتروه منها بسعر ٧١ قرشًا، ورضوا بأن تدفع لهم القيمة إفادات مالية، تسري عليها فوائد بواقع ١٢٪ سنويًّا، أي أنهم ربحوا في ذلك فائدة تعدل بثمانية عشر في المائة سنويًّا.

غير أن هذا جميعه لم يكن إلا تحايلًا على التخلص من ضيق مؤقت ولم يكن ليرضي وزير المالية، لذلك أخذ يفكر في كيفية تمكنه من جمع مبالغ وافية، تعد بملايين الجنيهات. ورأى، بعد طول التدبر، أن خير وسيلة لنيل المبتغى إنما هي إجبار الأرض المصرية على تقديم قرض قدره خمسة عشر مليون جنيه، يوزع على مساحتها المزروعة، ما عدا أطيان الدوائر الخديوية (السنية)، باعتبار خمسة جنيهات عن كل فدان. ولما استقر هذا الرأي في تصميمه، طفق ينتظر، بفروغ صبر التئام مجلس النواب السنوي ليحمله على تقريره.

فالتأم ذلك المجلس كالعادة في أول فبراير سنة ١٨٧٠، وكان الكل شيقًا للوقوف على ما عساه يقال ويتم في جلساته، لأن الكل كانوا يتوقعون أن توضح خطبة الخديو حالة القطر الداخلية والخارجية، إيضاحًا تامًّا، ويؤملون أن يجدوا فيها على الأقل تأكيدًا صريحًا بتسوية الخلاف الذي نجم مع الأستانة عن حفلات ترعة السويس، وبيانًا لما تراه الحكومة في أمر مبلغ الضرائب، وتسوية الدين السائر.

ولكن الخطبة الخديوية لم تذكر من ذلك شيئًا، واكتفت بشكر العناية الإلهية على ما أولت من نعم، وطلب معونة الله فيما ينوي من مشروعات خيرية، ثم أحالت النواب الراغبين في الوقوف على أعمال الإدارة على الوزارات المختصة، ووقفت عند ذلك الحد.

فكان وقعها في الأوساط المالية الأجنبية سيئًا، لأن تلك الأوساط علقت على عدم تكلمها عن الحالة المالية ألف تعليق وتخرص.

فرأى المفتش أن يزيل التطير الذي أوجدته تلك التعاليق والتخرصات في القوم، فأذاع قرب وصول صرٍّ من الأستانة قدره أربعمائة ألف جنيه إنجليزي، من أصل ثمن المدرعات والبنادق ذات الإبر المسلمة إلى الباب العالي.

ولكن الإشاعة لم تجد تصديقًا، وطار في البلد يقول «ما هذا؟ ذهب السلطان يسير إلى القاهرة؟ إن من يصدق هذا، يصدق أيضًا أن ماء النيل يجري من مصبيه إلى منابعه.»

على أن الوزير أراد في الوقت عينه أن يضمن لنفسه مبلغًا يكون وصوله إلى خزينته آكد من وصول تلك الأربعمائة ألف جنيه.

لذلك بذل ما في وسعه لجعل مجلس النواب يعتمد القرض الإجباري الذي ارتآه، ويطلب إجراءه مقابل اثني عشر إذنًا سنويًّا، يقوم تقديم كل واحد منها مقام دفع الضريبة السنوية.

ولكن بالرغم من تصديق المجلس على طلبه، لم يمكن الوزير تنفيذ ذلك القرض الاغتصابي، لعدم استطاعة الأهالي تقديمه، وبعد تحصيل بضعة آلاف جنيه فقط، اضطر إلى العدول عنه.

غير أن الخزينة كانت فارغة، والطلبات ملحة، ودفع قطعية قرض سنة ١٨٦٤ مستحقًا في أول أبريل التالي، والاضطرار إلى النقود هائلًا، فما العمل؟

فتمارس الوزير — أولًا — في بيع عدة إفادات مالية تعهد بسداد قيمتها بعد ثلاثة أشهر، بفوائد قدرها ١٤٪، علاوة على نصف في المائة على سبيل العمولة.

ولكن هذا لم يجد، بل زاد الطين بلة، لأن مهلة الثلاثة الأشهر، فقط، جعلت الناس يتساءلون: «هل هذا يكون، من الآن فصاعدًا، أقصى حد لثقة الماليين وأصحاب المصارف بالحكومة المصرية؟»

وزاد اضطراب السوق، وقلق الدائنين، وبات الوقت حرجًا جدًّا للوزير

ولكن الرجل كان جسورًا، مقدامًا، فرأى أن يدع جانبًا كرامة المنصب السامي الذي هو فيه، ويتدنى إلى انتهاج أكثر الوسائل تلبسًا بالمخاطرة، من المضاربة عينها.

غير أن المال ذاته اللازم للمضاربة المنوية كان يعوزه، فسعى حتى تحصل عليه بعمل عملاء موثوق برصانتهم وحذقهم، باع بواسطتهم كميات عظيمة من الإفادات المالية المتسلسلة الاستحقاق، من اثني عشر شهرًا إلى ثلاثين شهرًا، على أن يكون دفع ثمنها نقدًا مقابل خصم ٪، ويكون تسليمها بعد ثلاثين يومًا.

ولما بات المال المجموع هكذا في قبضة يده، كلف بعض المصارف بمشتري كل ما يعرض من إفادات للبيع داخل ستة أشهر، معينًا بنفسه الإفادات التي يعرف أنها أخف من غيرها ثقلًا، وأكثر، بالتالي قابلية للتحسين.

فكانت النتيجة مدهشة وتهافت الناس على بيع ما كان لديهم من تلك الإفادات فسقط معدل الخصم من ١٤٪ إلى ٩٪. ولما شحت الإفادات ذات الاستحقاق القريب، اضطر أصحاب رءوس الأموال إلى مشتري الإفادات البعيدة الاستحقاق، لتجد لنفسها استثمارًا، فتمكن الوزير بذلك من تسليم المشترين منه ما شاءوا من كمية الإفادات المباعة إليهم، واستمرت العمليات راجحة ناجحة، حتى نفر الناس من الطلب هبوط الأسعار المتجاوز كل حد.

ولكن اللعبة كانت قد تمت، والدين السائر الذي كان بالأمس موجبًا قلقًا لا يطاق، أجلت المطالبة به إلى ثمانية عشر شهرًا، على أقل متوسط.

فلو أمكن تثبيت الأمور على هذا المجرى، وتقييد المستقبل بحيث لا يعود يثقل على الحاضر، كان ذلك منتهى الحذق والمأمول.

لذلك أخذت المخابرات بين المالية المصرية، والشركة المصرية العمومية التي أنشأها الخديو في باريس تروح وتجيء والآمال بالحصول على نقود منها تحيا تارة، وتموت أخرى، حتى تغلب اليأس على الأمل، وبات لا يرجى من تلك الشركة خير.

فتحولت الأنظار عنها إلى محل أوپنهايم وشركائه، وكادت المخابرات معه تفضي إلى النتيجة المرغوبة، لولا أن شخصًا يقال له هكتور بك، كان وكيلًا بمصر لمحل بيشوفشهم، وجولدشمدت وشركائهما، وتمكن من نفس (إسماعيل) بحسن أساليبه، حال دون توقيع العقد، وحول الطلب إلى محل مخدميه.

ولما كان فرمان نوفمبر سنة ١٨٦٩ يحظر في بعض منطوقه عقد أقراض جديدة على خديو مصر، اتفق الطرفان المتعاقدان على أن يكون القرض الجديد باسم الخديو الشخصي، وأن ترهن أملاك الدائرة السنية ضمانة لسداده.

وبناء على هذا الاتفاق، قدم محل بيشوفشهم وجولد شمدت للخديو مبلغًا اسميًّا قدره سبعة ملايين ومائة واثنين وأربعين ألفًا وثمانمائة وستون جنيهًا إنجليزيًّا، ونال مقابل ذلك امتيازًا لتأسيس مصرف (بنك) يدعى «البنك الفرنساوي المصري»، كان الخديو نفسه أكبر مساهميه، واكتتب بربع أسهمه، أي بما بلغت قيمته ستة ملايين ومائتين وخمسين ألف فرنك، وقام مؤسسوه ببعض شئون تصدير القرض الجديد.

على أنه بالرغم من تصديره بواقع — ويقول بعضهم بواقع ٧٠ فقط — وبالرغم من أنه بعد استبعاد المتعات والعمولات نزل صافي التصدير إلى ٦٧، فإنه لم يغطِّ سوى ثلثيه فقط، ولم يكتتب أحد في الثلث الباقي، فأوجبت الحال خفض أسعاره فيما بعد، وكانت نتيجته الصافية أنه بالرغم من كونه قرضًا بفوائد قدرها ٧٪، وواجبًا تسديده بكمال قيمة تصديره الاسمي، إلا أنه لم ينتج للمقترض سوى خمسة ملايين من الجنيهات فقط، ورتب عبئًا على إيرادات الدائرة السنية السنوية قدرها ستمائة وثمانية وستون ألفًا وتسعمائة وستون جنيهًا إنجليزيًّا، أي ما يقرب من ١٣٫٣٨٪ من أصل رأس المال المدفوع.

على أن المرجع في عدم نجاحه بالرغم من الاحتياطات التي اتخذت لذلك كتكليف «الكمپتواردسكمپت»، أي «بنك الخصم» بمهمة إصدار معظمه، وإقدام توكيل هذا البنك بالإسكندرية على طلب زمرة قوَّاصة من الحكومة لإقامتهم عند الحواجز التي أنشأها أمام محله، لحفظ النظام بين جمهور المكتتبين إشعارًا بتوقعه ازدحام أقدامهم هناك، وكمجيء وزير المالية نفسه على رأس فئة من أصدقاء الحكومة، ليكتتب، فيكون مثله قدوة للغير، ويحيي خور تلك الحواجز ولو لحظة، بالرغم من أن الغرض الذي أذيع أن القرض معقود لأجله كان من أجل الأغراض، ألا وهو إنشاء معامل للسكر، وسكك حديدية زراعية لاستغلال المائة والخمسين ألف فدان المقدمة رهنًا على سداد المال المرغوب في اقتراضه — أن المرجع في عدم نجاحه ربما كان إلى قيام بعض الصحف للتنديد به، وادعاء عدم مشروعيته، ومطالبتها الباب العالي، والمتعاقدين في قرض سنة ١٨٦٨ إلى التداخل لمنعه، وإلى تداخل الباب العالي في الواقع، وإصداره أمره إلى القنصل العام العثماني في لندن بالاحتجاج عليه ومعاكسته.

وبينما الكل بمصر، من الأمير إلى أصحاب المصارف، وأصحاب رءوس الأموال، وجميع المشتغلين في الأمور المالية، مرتاحو الفكر، مطمئنو البال، يقضون أيامهم في أتم هناء، وبينما خصم إفادات المالية في أوائل شهر يولية لا يتجاوز ثمانية ونصفًا في المائة، متى كان الاستحقاق قريبًا، ولا يتجاوز عشرة في المائة في الاستحقاقات البعيدة، المتراوحة بين ٢٤ شهرًا و٣٠ شهرًا، وسعر قرض سنة ١٨٦٨ الذي كان الإقبال عليه أكثر منه على غيره، يتراوح بين ٨٣ و٨٤، إذا بأنباء الحرب بين پروسيا وفرنسا دوت في الآفاق، وألقت الفزع في الأسواق المالية كلها.

ففي بضعة أيام سقط سعر القرض المرغوب فيه إلى ٦٤ أي بنقص عشرين بنطًا، وارتفع معدل خصم الإفادات المالية القريبة الاستحقاق إلى ٣٠ و٣٥ في المائة، ومعدل خصم الإفادات المستحقة بعد سنة فقط إلى ٢٠ و٢٢ في المائة، ومعدل خصم الإفادات المستحقة بعد ١٨ شهرًا لغاية ٣٠ شهرًا إلى ١٦ و٢٠ في المائة، فعمَّ الضيق، واشتدت الأزمة.

فرأى إسماعيل صديق باشا أن خير ما يداوي به الحال الحرجة، ويحيي به الآمال، ويبقي الوثوق بالمالية المصرية محفوظًا، هو إذاعة أنباء تفريج عتيد يوسع حلقات الضيق المؤقت.

فشرع يشيع تارة أن الحكومة عازمة على بيع سككها الحديدية إلى شركة إنجليزية يمثلها المستر فولر المهندس بمبلغ قدره عشرين مليونًا من الجنيهات، وطورًا أن المالية على وشك إجراء عملية بعيدة الأطراف تستبدل بمقتضاها الإفادات القريبة الاستحقاق بالإفادات التي لا تستحق إلا سنة ١٨٧٣، فتصيب من وراء ذلك البدل ربحًا قدره اثني عشر مليون جنيه، وإشاعات أخرى من هذا القبيل كان لها حقيقة وقع حسن، وأدت إلى ارتفاع سعر قرض سنة ١٨٦٨ إلى ٧٤.

هكذا تمكن من حفظ كفة التوازن، بينما وقائع الحرب تتوالى بسرعة صاعقية، تجعل عقد الصلح بين الدولتين المتحاربتين قريبًا، لتمكن إحداهما من الأخرى تمكنًا لم يرو التاريخ مثله.

ولكي يشعر الخديو العالم المالي كله بأن مركز مصر المالي أقوى من أن يتأثر تأثرًا سيئًا بالتماوجات البورصية التي أحدثتها، وما فتئت تحدثها تلك الحرب الشعواء، عقد قبل نهاية عام ١٨٧٠، مع محل جرينفلد وشركائه الهندسي بلندن، العقد الذي كلف بمقتضاه ذلك المحل ببناء ميناء الإسكندرية.

وبينما الأشغال في إنشائها سائرة، عقد الصلح بين ألمانيا وفرنسا، وبات من المنتظر صعود أسعار الأوراق المالية.

ولكن التحسين لم يكن على نسبة المتوقع، ولم يطرأ في الحقيقة إلا على قرض سنة ١٨٦٨، وأما الإفادات فبقي معدل الخصم فيها طوال فصل الصيف، متراوحًا حول ١٤ في المائة، وهذا لم يكن ليدل على أن مركز مصر المالي في الأسواق الأوروبية مركز ثقة متينة.

فالحال باتت إذًا حرجة، لا سيما أنه حتى خريف سنة ١٨٧١ كان جانب عظيم من قرض بيشوفشهيم لا يزال مكشوفًا، بين أن جانبًا عظيمًا من الإفادات المالية وأذونات الدائرة السنية كان يقترب من مواعيد استحقاقه، وأن عدم الدفع لدى الاستحقاق كان من شأنه القضاء على الثقة في كلتيهما، إلا إذا جددت تلك الإفادات والأذونات.

على أن تجديدها لم يكن بالشيء السهل، ولا إجراؤه ممكنًا إلا بخسائر باهظة، وأما الدفع من الإيرادات العادية فكان متعذرًا بالكلية، حتى لو لم يكن الوزير قد تصرف مقدَّمًا في ضرائب ذلك العام.

ولكن مهارة إسماعيل صديق المالية وتفننه لم يكونا لينكسرا أو يخورا أمام مثل هذه العقبات البسيطة، فجمع شتات فكره لحظة، ورأى أن الوقت آن لتحقيق فكرة استخلاص نقود كثيرة من الأرض المصرية، وهي الفكرة التي جالت في خاطره في أوائل العام الماضي، وحمل مجلس النوَّاب على اعتمادها ومطالبة تنفيذها.

ولكن حيث إنها لم تنجح في شكل سلفة إجبارية، وجب وضعها في شكل جديد يضمن لها النجاح.

فأخذ إذًا يعمل فكرته ويجهدها، حتى جعلها تجود بمشروع لم يسبقه أحد إليه، لا في العالم الغربي مهد التفنن المالي، ولا في العالم الشرقي مهد التفنن في المظالم.

ذلك المشروع هو «قانون المقابلة».

وما أدراك ما «المقابلة»؟

«المقابلة» دفع الضرائب المربوطة على الأرض المصرية عن ست سنوات مقدَّمًا، مقابل إعفاء هذه الأرض، فيما بعد، من نصف تلك الضرائب إلى الأبد.

فلما اختمر المشروع في فكره، جمع المجلس الخاص، وأقنعه بوجوب إجراء ذلك القانون، بعد تفهيم المصريين ما هو الغرض المقصود منه، وتحبيبه إليهم.

فاتفق رأي المجلس الخاص على رفع تقرير إلى الخديو يميط اللثام عن دواعي وضع ذلك القانون، وعلى نشر نبذة باللغة العربية، وتوزيعها في كل جهات القطر، لتوضيح المقصود من تلك «المقابلة».

أما التقرير فهاك أهم ما جاء فيه:
إن المجلس الخاص يرى أن حالة مصر المالية لا توجب القلق مطلقًا، ولكنها تستلزم عناية سموكم من جهة مراعاة رخاء البلاد في المستقبل. ومن المعلوم أن الأسباب التي أدت بالخزينة العامة إلى شبه الضيق المالي هي:
  • أولًا: العجز المخلف عن سعيد باشا.
  • ثانيًا: الاشتراك في إنشاء القنال، والمصاريف الباهظة التي جر إليها ذلك الاشتراك.
  • ثالثًا: الأموال الجزيلة المصروفة في سبيل مقاومة طاعون المواشي، وملافاة مضاره.
  • رابعًا: الأشغال التي أجريت لترقية شئون الزراعة والتجارة.
  • خامسًا: وأخيرًا الأزمة القطنية المسببة عن انتهاء الحرب الأمريكية.

    فالبلاد لغاية الآن — بفضل الرخاء المنتشر فيها وفلاحها — تمكنت من القيام بمقتضيات العبء الثقيل الملقى على عاتق الخزينة، ولكن الفطنة تشير مع ذلك بالبحث عن دواء ناجع للمستقبل.

غير أن الوصول إلى اكتشاف الدواء يستلزم معرفة الداء، فأين هو الداء؟

الداء في سعر الفوائد المرتفع التي تدفعها حكومة سموكم، والتي تبلغ وحدها أكثر من نصف الإيرادات العمومية، فهل لا يستطيع الأهالي تحويل دفع هذه الفوائد إليهم بإقدامهم على مشتري رأس مال الدين؟ فإنه على قول وزير المالية يوازي ستة أضعاف مجموع الضرائب العقارية التي تتقاضاها حكومتكم سنويًّا من الأرض.

فليدفع الأهالي إذًا ضرائب مضاعفة مدة ست سنوات، والدين كله يسدد، وفي مقابل ذلك تعفيهم الحكومة إلى الأبد من دفع المبالغ المقدمة منهم لسداده على هذه الطريقة، أي أنها تعفيهم أبدًا من نصف الضرائب المربوطة على أرضهم، وتجري ذكر هذا الإعفاء على حجج ملكيتهم.

وعلاوة على ذلك فإنه سيصدر قانون يضمن لهم
  • أولًا: أن الضرائب المنقصة على هذا النمط لن تعلى في المستقبل مطلقًا، مهما كانت الظروف.
  • ثانيًا: أنه حتى تحت تأثير قوة قاهرة، كشرق أو غرق أو أشغال منفعة عامة، لن يجوز مطالبتهم، ولو بسلفة مؤقتة، إلا بعد التصديق على ذلك من مجلس النظار، ومجلس النواب.

وأما النبذة العربية التي وزعت في كل قرى مصر ومدنها، فإن أهم ما جاء فيها تفهيم الأهالي أن هذا المجهود العظيم المطلوب منهم إنما هو الوسيلة الوحيدة لإنقاذ الوطن من مخالب المرابين الغربيين، الذين أدى تقاضيهم ربا فاحشًا من الحكومة المصرية إلى ضيقها المالي المؤقت، واضطرارها إلى ربط الضرائب والمغارم الثقيلة حول أعناق الأهالي.

فصدق الخديو على تقرير مجلسه الخاص، واعتمده، وبعد أخذ رأي مجلس النواب، أمر بوضع قانون «المقابلة» وتنفيذه. وطفق إسماعيل صديق، نفسه، يطوف الوجه البحري كله مقنعًا الأهالي بجودته وفائدته، محرضًا إياهم وحاثًّا على نفاذه بكل ما في وسعهم، بينما كان شاهين باشا، وزير الحربية، يطوف الوجه القبلي للغرض عينه.

أما قانون «المقابلة» فخمس وأربعون مادة، لا بأس من ذكر بعضها لأهميتها.

فالمادة التاسعة والعشرون تقضي بأنه لا يسوغ لوزير المالية، بعد الحصول على جميع المبالغ المطلوبة إصدار إفادات مالية جديدة، ولا عقد أي قرض مطلقًا.

والمادة الثالثة والثلاثون تقضي بإنشاء مجلس إدارة مالية يناط به وضع ميزانية عامة سنوية، مبنية على الميزانيات الخصوصية المرفوعة إليه من كل إدارة من إدارات الحكومة ومصالحها، تعرض على مجلس النواب، ولا تصبح تنفيذية إلا بعد تصديق سمو الخديو عليها.

والمادة السابعة والثلاثون تقضي بتعيين لجنة يناط بها تحصيل الدفع واستلام الأذونات والوصولات المقدمة إشعارًا بالدفع.

والمادة الأربعون وما يليها من المواد تنص على أن المبالغ المحصلة تودع في خزينة خاصة تحت حفظ صيارف خصيصين، وتخصص فقط لاستهلاك الدين لا سيما الإفادات المالية التي يجب أن تكون أول ما يستهلك.

هذه اللجنة تحرر كل خمسة عشر يومًا كشفًا بالإفادات المالية، وأوراق الإقراض الداخلة خزنتها في هذه المدة، ويقوم وزير الداخلية بإحراق تلك الإفادات والأوراق المالية بحضور أعضاء المجلس الخاص، ثم يحاط العموم علمًا بمجموع المبالغ المتلفة هكذا.

والمادة الخامسة والأربعون تقضي بأنه إذا أعوزت النقود الخزانة الخاصة، فلم تتمكن من مواجهة سداد إفادات مستحقة، فلوزير المالية أن يفتح اعتمادًا قصير المدى يسدد حالما ترد النقود إلى تلك الخزينة، حيث إنه لا يجوز له، عملًا بنص المادة التاسعة والعشرين، إصدار إفادات مالية جديدة.

هكذا كان كل شيء مرتبًا، مقننًا، منظمًا، على ما ورد في الأمر العالي الذي صدر به ذلك القانون «لتحسين حال الحكومة المالية، وزيادة الرخاء والفلاح العامين، وضمانة للسير بالبلاد في معارج التقدم والرقي.»

وكان صدور الأمر العالي إلى وزير الداخلية بتنفيذ قانون «المقابلة» في أواسط شهر أغسطس سنة ١٨٧١، فما أتى آخر ديسمبر من السنة عينها إلا وقدر أن ما ورد بموجبه إلى الخزينة الخاصة بلغ خمسة ملايين من الجنيهات الإنجليزية.

هذا كان بدءًا يبشر بخير نجاح، ولولا أنه علم أن معظم موردي ذلك المبلغ الضخم إنما هم كبار المزارعين والباشوات — لتحرر لهم وتسلم إليهم بسرعة حجج أملاكهم الجديدة، وهؤلاء إرضاء للخديو مولاهم — لأمكن بناء التفاؤل بنجاح المشروع نجاحًا تامًّا على أسس متينة لا تتزعزع، ولكن الصعوبة كانت كلها في تحصيل الضرائب المضاعفة من صغار الملاك والمزارعين، وفي مقدرة هؤلاء على دفعها.

مهما يكن من الأمر فإن ذلك المبلغ كان كافيًا لمشتري نصف الدين السائر تقريبًا، وسداد استحقاقاته لغاية أبريل سنة ١٨٧٢.

فعم الفرح دوائر الحكومة والقصور الخديوية والوزيرية، وأمكن القيام بالحفلات، والأعياد الشتائية المعتادة في سنة ١٨٧١، بأبهة وبهجة وبذخ فاقت مظاهره مظاهر كل ما رؤي من نوعها في السنوات الماضية، وافتخرت الأوپرا الخديوية والمسارح الأخرى، والهپودروم بحور وغادات، كأنها النجوم المتلألئة، شعت شعاعًا غير معهود أخذ بمجامع الأبصار والقلوب والجيوب، فجرى الذهب من المالية وعابدين، كأن نهر الپكتول — نهر ليديا الذهبي الذي أثرى منه قارون ملكها — هو الجاري بالقرب منهما — لا نهر النيل — ولو أن النيل في يد حكم حكيم خير من ألف پكتول.

فنجم عن ذلك أن وزير المالية بالرغم من أنه تعهد تعهدًا صريحًا نشرته «الوقائع الرسمية» الصادرة في ١٣ أكتوبر من ذلك العام بأن لا يصدر إفادات مالية جديدة، تذرع بحرفية نص المادة التاسعة والعشرين من قانون «المقابلة» القاضية بأن إصدار الإفادات المالية يحظر عليه بعد الحصول على جميع المبالغ المطلوبة، لكي يبرر أولًا في بحر شهر أكتوبر، ذلك عينه، إصدارين بلغ مجموعهما مليونين ونصفًا من الجنيهات، بحجة أنه لم يرد بعد إلى الخزينة إلا قليل من الأموال المطلوبة، ثم في يناير ومارس ويونية من سنة ١٨٧٢ إصدارات أخرى بلغ مقدار واحد منها فقط خمسة ملايين من الجنيهات، بحجة أنه لم ترد بعد إلى الخزينة جميع الأموال المطلوبة.

فاستدان بذلك ما بين ٣٠ سبتمبر سنة ١٨٧١ وأول يولية سنة ١٨٧٢، أي في ظرف تسعة أشهر فقط اثني عشر مليونًا من الجنيهات الإنجليزية!

وليت الاستدانة كانت بإفادات مالية من نوع سابقاتها، فقد كان الشريكون أهون، لأن المشترط في الإفادات المالية السابقة كانت أن تدفع قيمتها بمصر أو الإسكندرية، فمتى حل الاستحقاق، وتعذر وجود نقود في الحال، كان الصراف يعطي نمرًا ترتيبية للمطالبين المزدحمين على بابه، فيتمكن بفضل تباطئه المفتعل في الصرف، من كسب ثلاثة أيام أو أربعة أو خمسة، وتارة ستة، وربما لجأ الوزير إذا وجد نفسه مخنوقًا بالمرة إلى طلب تجديد، قلما كان المطلوب منه التجديد يرفضه.

وأما الإفادات الجديدة، فقد اضطر تداخل رءوس الأموال الأوروبية في ماجريات الأمور المصرية إلى تغيير شكلها، والتزم الوزير، بعد أن أبدى مقاومة لم تجده نفعًا، بقبول تحتيم دائنيه الجديدين، وتحويل تعهداته من إفادات إلى محض حوالات قابلة الدفع في لندن وباريس، بالرغم مما في ذلك من خسارة للخزينة، ومضايقة للحكومة، التي عدمت كل طريقة تحايل، وأصبحت مضطرة إلى الدفع في يوم حلول استحقاقه، وإلا صودرت قضائيًّا، وهو ما أصبح من شأنه أن يسبب خسائر جمة للافتداء من ضيق مؤقت، علاوة على استدعائه عمولات ومصاريف باهظة.

وليت الخزينة وجدت في تخفيض خصم هذه الحوالات ملطفًا ومخففًا لبهاظة جميع الأعباء الناجمة عنها، ولكن الأمر كان بالعكس، وبلغ معدل الخصم فيها ١٤ في المائة سنويًّا!

فما أضر وجود رجل مثل إسماعيل صديق على دفة خزينة حكومة! وما أسوأه على سمعة مولاه الواثق به — وإن التمس للمولى عذر مما في قول الشاعر «وعين الرضا عن كل عيب كليلة» من حقيقة ناصعة!

وماذا كان الإصدار الذي قلنا إنه بلغ وحده خمسة ملايين من الجنيهات؟

كان عملية اشترك فيها محل أوپنهايم والبنك السلطاني العثماني، والبنكان الفرنساوي المصري (فرانكو إچپسيين)، والإنجليزي المصري (إنجلو إجپشن)، موضوعها إبدال إفادات قصيرة المدى بإفادات استحقاقاتها متسلسلة من سبتمبر سنة ١٨٧٣ إلى مارس سنة ١٨٧٦، وبلغت قيمتها بما فيها الفوائد بواقع ١٣ في المائة، والعمولة بواقع واحد في المائة ستة ملايين وخمسين ألفًا من الجنيهات الإنجليزية.

ولكن ما الذي حدا بمحل أوپنهايم وشركائه المعروف بالرصانة والطمع معًا إلى تحمل مبلغ جسيم كهذا، بدون تحتيم ضمانات ترتاح إليها المسئولية؟

الأمل!

فقد كان المتوقع بمجرد الوقوف على حركة مصروفات الحكومة المصرية، أن هذه الحكومة لن تبلغ شهر يولية سنة ١٨٧٣ بكل جهد جهيد، إلا وترى نفسها مضطرة إلى توحيد دينها السائر مرة أخرى.

فكان يهم جدًّا، والحالة هذه محل أوپنهايم أن يضمن لنفسه عملية ذلك التوحيد، بأن يقيم نفسه مقدمًا في مركز يمكنه من وضع السكين على العنق في الوقت المناسب.

لذلك قبِل تحمل مسئولية الملايين الخمسة من الجنيهات التي أنتجتها تلك العملية.

على أنه لم يكن في الحقيقة يخاطر مخاطرة كبيرة حتى فيما لو خابت، لأن باب إدخال قيمة الإفادات، التي قد يكون لا يزال حاملًا لها، ساعة عقد القرض المستقبل، في هذا القرض عينه كان مفتوحًا أمامه، علاوة على أنه كان في وسعه فيما لو لم توافقه شروط ذلك القرض العتيد، إما بيع تلك الإفادات، وإما المطالبة بقيمتها لدى استحقاقها.

ولم يكن يقع في خلد أحد حينذاك أن الثقة قد تعوز يومًا ما الحكومة المصرية، وأن الأرض قد تنخسف بقواعدها بسبب ثقل الديون المتراكمة عليها، بل إن منظور ما كانوا يدعونه، منذ ذلك الحين، «بالقرض العظيم» كان يحمل جميع حملة الأسهم والإفادات بدون فرق على الثقة والاطمئنان، وكان الكل يتهافت على اقتناء كل تصدير، بحيث إن الدائرة السنية ذاتها بعد أن بقيت متنحية برهة، نزلت إلى المعمعان، ووضعت إمضاءها على أذونات بلغت ما ينوف على أربعة ملايين من الجنيهات، فيما بين نوفمبر سنة ١٨٧١ وديسمبر سنة ١٨٧٢، وبحيث إن معدل الخصم هبط من ١٤ في المائة إلى في المائة.

فنجم عن ذلك جميعه أن النقود أفعمت الخزائن والجيوب، وأن الخديو تمكن في الأسبوع الثالث من شهر يونية سنة ١٨٧٢ من السفر إلى الأستانة، سفرته السنوية، وعينه قريرة وقلبه محط آمال يثق بتحقيقها.

وكانت أنباء عمليته المالية مع محل أوپنهايم قد سبقته إلى تلك العاصمة الجشعة، فلعلمها بمجيئه إليها مملوء الجعبة، استعدت لاستقباله استقبالًا حافلًا، وما وطئت قدماه أرضها إلا وأظهر له السلطان من الحفاوة فوق كل منتظر، ورحب به محمود باشا الصدر الأعظم ترحيبًا بالغًا.

ولما كان (إسماعيل) قد صمم على إجراء عمليته المالية العظمى التي كان الملأ يدعونها مقدمًا «القرض الكبير»، والتي حببها إليه وزير ماليته ووضعها في شكل العملية الوحيدة التي يمكن إنقاذ البلاد بها، أقبل من فوره يبذل الوسائل الذهبية التي تقضي في دار السعادة كل الأوطار، لينال الفرمان الذي يمنحه الحق في عقد ذلك القرض، ليس فقط، بل وينيله توسيع حدود الاستقلال وأبهة مظاهر الملك الحقيقي فنجم عن ذلك ما قد يأبى التاريخ تصديقه، لولا أن أكبر الثقات المعاصرين شهدوا بوقوعه، وهو ما سبق لنا بيانه في حينه.

على أنه حينما عاد إلى عاصمة بلاده، بعد فوزه بجميع مطالبه، وجد أنه لم يكن يمر شهر، بل أسبوع، بل نكاد نقول يوم على وزارة ماليته بدون إقدامها على عمل جديد. وبلغت قيمة ما جادت به قريحة إسماعيل صديق، في شهر نوفمبر وحده، بين عمليات مالية كبيرة، وصغيرة نيفًا ومليونين ونصفًا من الجنيهات، بمعدل خصم سنوي من ١٣ إلى في المائة.

على أن الذي استلفت إليه الأنظار، في تلك العمليات لم يكن جسامتها على بهاظتها، ولكن ظهور أوراق مالية جديدة فيها كانت غريبة الغرائب، وأبعد ما ينتظر من الوقائع.

وما أدراك ما كانت تلك الأوراق المالية الجديدة؟

كانت حوالات على لندره بمبلغ ٦٠٠٠٠٠، يستحق دفعها بعد مضي سنة، بضمانة وإمضاء رئيس لجنة «المقابلة»، أي أن الوزير حول عملًا وضع لاستهلاك عموم الديون المصرية إلى معمل إصدار ديون جديدة!

فأوجب الأمر في بادئه ترددًا في السوق، ولكن ذلك التردد لم يمكث إلا لحظة وانقضى، لأن الجد لم يكن له من أساس في الأخلاق، فاستطاع الوزير في أيام ديسمبر الخمسة عشر الأولى تصريف أوراق من تلك الأوراق الجديدة الغريبة بما بلغت قيمته مليونًا ومائتي ألف جنيه.

ولما رأى الريح موافقة أقدم على عمليات أخرى لحساب وزارته، وحساب الدائرة السنية، بلغت قيمتها المجموعة لغاية آخر ديسمبر نيفًا وأربعة ملايين ونصفًا من الجنيهات.

فلما كثرت الأموال على هذا المنوال، أقدم الخديو على تزويج أولاده الأمراء الثلاثة محمد توفيق (ولي العهد)، وحسين وحسن وابنته الأميرة فاطمة هانم، وأقام لهم مهرجانًا لم تر مصر نظيره أبدًا.

وكان الأمير حسن قد عاد من أوروبا من عهد قريب، فإن أباه أرسله أولًا إلى أكسفورد، حيث قضى مدة في قسم كليتها المعروف «بكرايست تشرتش» (كنيسة المسيح)، وحاز منها في يونية سنة ١٨٧٢ شهادة فخارية تعرف في تلك البلاد بشهادة D. C. K، واشتهر في مدة إقامته هناك بالولائم الفاخرة التي كان يولمها لزملائه وأصدقائه، وببهجة الملاهي التي كان يدعوهم إليها وكثرتها، ثم سار من أكسفورد إلى برلين، ودخل هناك بصفة ملازم ثان في فرقة الهوسار الپروسيانية، ثم غادرها بعد سنة، وعاد إلى مصر مؤقتًا ليتزوج، وقد أنعم عليه برتبة القائمقامية الإكرامية.

وبينما احتفالات هذه الأعراس، وباقي الملاهي الشتوية سائرة في مجراها، كان الوزير إسماعيل صديق باشا مستمرًّا على المخر بسفينة الخزينة المسلمة إلى عهدته في المياه المضطربة التي ذكرناها، حتى بلغ دين الدائرة السنية السائر أربعة ملايين من الجنيهات، وبلغت ديون الحكومة السائرة ستة وعشرين مليونًا، باستحقاقات يتوالى معظمها من مارس سنة ١٨٧٣ إلى آخر مارس سنة ١٨٧٤، ومن ضمنها حوالات بإمضاء رئيس لجنة «المقابلة»، وضمانته تبلغ قيمتها ثمانية ملايين ونصفًا.

وكان الوزير يعلق آماله في سداد هذا الدين الهائل، الذي كانت فوائده بواقع ١٤ في المائة تقريبًا، تبتلع أكثر من نصف الإيرادات العقارية على القرض العظيم العتيد.

ولكن أنَّى كان له أن يبرر ضرورته بعد انتهاكه حرمة التعهدات التي تعهد بها قانون «المقابلة»، وتعهد بها هو نفسه في عدد «الوقائع الرسمية» الصادر في ١٤ أكتوبر سنة ١٨٧١؟

مهما كان جبينه من نحاس، فإنه لم يستطع حمل نفسه على عمل ذلك بشخصه، وعليه فإنه بعد أن أشار على مولاه بعقد مجلس النواب، لنيل التصديق منه على ما جرى، رجا منه أن ينيط بشريف باشا وزير الداخلية أمر عرض الحال كما هي على تلك الهيئة النيابية.

فأمر المجلس بالالتئام، وفي جلساته المتوالية في شهري مارس وأبريل من سنة ١٨٧٣ قام شريف باشا بالمهمة الثقيلة التي أُلْقِي عبؤها عليه، إرضاء لمولاه، بالرغم من امتعاض نفسه.

فتلا على المجلس تقريرًا وافيًا من وضع إسماعيل صديق باشا، ذكر فيه «إن الأقراض المختلفة التي أقدمت الحكومة المصرية عليها لم تكن شيئًا يذكر بجانب الأعمال المفيدة العظيمة التي أجرتها في البلاد، كإقامة الكباري والجسور والخزانات، ومد خطوط السكك الحديدية والتلغرافات وغيرها، ولئن بلغ الدين السائر خمسة وعشرين مليونًا ونصفًا من الجنيهات، فما شيء أسهل من تبرير الدواعي التي أوجبته فإن إنشاء ترعة السويس، وثمن الأسهم المأخوذة من الحكومة في شركتها، والتعويض الذي دفع لهذه الشركة بناء على تحكيم الإمبراطور نابليون الثالث، ومشتري الترعة الحلوة من الشركة عينها وتتميمها، ومشتري تفتيش الوادي منها أيضًا — كل ذلك كلف الحكومة مبلغ ستة عشر مليونًا وثمانمائة ألف من الجنيهات، وتصفية الشركتين الزراعية والعزيزية كلَّف ثلاثة ملايين ونصفًا، وما صرفته الحكومة لمعالجة أضرار طاعون المواشي بلغ كذلك، ثلاثة ملايين، وما سددته عن المزارعين بما هو معروف باسم أذونات القرى بلغ ثلاثة ملايين أيضًا، وما تنازلت عنه من الضرائب للمصابين بشراقي سنة ١٨٦٥ وسنة ١٨٦٧ بلغ مليونًا ومائتي ألف جنيه، فالمجموع خمسة وعشرون مليونًا ونصف، أي مبلغ الدين السائر وهو دين يستهلكه مع فوائده ما يرد أولًا فأولًا إلى الخزينة من جراء تنفيذ قانون «المقابلة».

على أن هناك أمرًا جديرًا بالاعتبار وهو أن قيمة مجموع الصادرات زادت على قيمة مجموع الواردات، منذ ارتقاء سمو الخديو عرش أبيه وجده، بما ينوف على سبعين مليونًا من الجنيهات. فإذا علم أنه لم يدفع من هذا المبلغ الجسيم الذي دخل جيوب الأهالي سوى عشرين مليونًا فقط لأوروبا لاستهلاك مبالغ الإقراض، كان مبلغ النقود الباقية في البلاد، مما ورد إليها من الخارج فقط، خمسين مليونًا من الجنيهات. ومما يؤسف له أن البلاد لا تستفيد شيئًا مطلقًا من هذا المبلغ الهائل، لعدم استغلاله، فيجدر — والحالة هذه — بالمجلس الموقر أن يتخذ الاحتياطات اللازمة لملافاة هذا الضرر.»

وماذا كان إسماعيل صديق يقصد يا ترى من هذه الجملة الأخيرة التي ختم تقريره بها؟ أنيل التصديق، ضمنًا، على القرض العظيم العتيد؟ أم أراد منها أن ترن في آذان الحائزين المزعومين لتلك الملايين الخمسة، بمثابة إنذار يزعج أعماقهم، ويذيب عزائمهم عن مقابلة ما سيستنبطه من الطرق لاستخراج ذلك المال من مدافنه بضروب واحتيالات من عندهم، لمنعه عنه، وحمايته منه؟

مهما يكن من الأمر، فإن شريف باشا بعد فراغه من تلاوة ذلك التقرير، تلى على المجلس أيضًا ميزانية السنة المالية الجديدة، التي أولها ١٠ سبتمبر سنة ١٨٧٣ وآخرها ١٠ سبتمبر سنة ١٨٧٤، فعين المجلس لجنة لفحصها، ففحصتها في أربعة أيام، ورفعت عنها للخديو تقريرًا موجزًا، لا يتجاوز خمسة سطور، فوقعها الخديو، وأرفض المجلس في الحال، بعد أن بلغ عدد جلساته ستًّا فقط.

على أنه إن لم يكن هناك من شيء يستغرب له في أمر اعتماد لجنة مجلس النواب الميزانية الجديدة في مدة وجيزة، كالتي ذكرناها، لأن موادها كانت تقريبًا مواد السنة السابقة بعينها، ما عدا بعض تعديلات طفيفة، فإن الأمر لم يكن كذلك في عدم انتباه اللجنة والمجلس معًا إلى أن عجز الإيرادات العقارية في الميزانية الجديدة عن التي سبقتها بلغ ستمائة وخمسة وعشرين ألف جنيه. وبما أنه كان ناجمًا عن إعفاء الأطيان، التي دفعت ضعف الضرائب المطلوبة من نصف الضرائب المربوطة عادة عليها، تنفيذًا لقانون «المقابلة»، فإنه كان يعني أن المال الذي ورد إلى الخزينة، ليكون «مقابلة» لذلك الإعفاء بلغ سبعة ملايين من الجنيهات.

فكان الواجب، إذًا، أن يتساءل المجلس ويستقصي عما فعله الوزير بذلك المبلغ الهائل، وفيم صرفه؟ إذ إن الدين السائر الذي كان قبل إصدار قانون «المقابلة» نيفًا وأحد عشر مليون جنيه، أصبح بعد إصدار ذلك القانون وتنفيذه خمسة وعشرين مليون جنيه ونصف مليون، وأن عشرة ملايين جنيه تقريبًا، من هذه الملايين الخمسة والعشرين ونصف، كانت حوالات تعهدت بدفعها لجنة «المقابلة» أي لجنة الضريبة التي إنما قررت لسداد عموم ديون القطر المصري من المال المتحصل بموجبها.

ولكن المجلس لم يسأل، ولم يستقص كأن الأمر لم يهمه مطلقًا، وكأنه لم يكن هناك للدفاع عن مصالح البلاد، فكان سكوته عن تصرفات وزير المالية الغريبة إما اعترافًا منه بأنه لم يكن يفقه شيئًا، حتى ولا المبادئ في الأمور المالية، وإما أنه يغطي، تحت رداء مسئوليته النيابية، مسئولية ذلك الوزير الوظيفية.

على أن كلا الأمرين ثبتا لدى إسماعيل صديق باشا، فرأى أن الجو أمامه خلا خلوًّا تامًّا لإنهاء مسألة القرض العظيم المنتظر، الذي بات الوسيلة الوحيدة للخروج من المأزق البالغ منتهى الحرج، والمسبب عن اضطراره إلى دفع فوائد قدرها ١٤٪ على مبلغ الدين السائر، فوق دفع فوائد الديون الثابتة.

على أنه كان لديه وسيلة أخرى للخروج من ذلك المأزق، وهي إشهار إفلاس الحكومة المصرية، وربما كان هذا، في تلك الظروف، أقل ضررًا على البلاد من الإقدام على ما كان قد ثبت الإقدام عليه في تصميم الوزير. ولكن إسماعيل صديق لم يكن ليجد في مثل ذلك الإشهار الفوائد الشخصية التي كان يمني نفسه بها في عقد القرض.

فلكي يبرر عمله، أوعز إلى مشايعيه أن يهولوا بعظيم الفائدة التي تعود على المالية المصرية من وراء تحويل الدين السائر إلى دين ثابت، لما يوجبه هذا التحويل من وفر واقتصاد في سعر الفوائد المتقاضاة. ولما وثق بأن كيفية نظره إلى الأمور وقرت في النفوس، أقبل يخلق وسطًا يكثر فيه حب استطلاع كنه القرض العتيد، والميل إلى الاشتراك فيه.

فشرع الناس يتساءلون كم عسى يكون مبلغ هذا القرض، فبعضهم يؤكد أنه لن يقل عن ٤٠ مليونًا من الجنيهات، وآخرون يزعمون أنه قد يزيد على ذلك، بينما غيرهم يذهبون إلى أن المصلحة قد لا تقضي باستلاف أكثر من خمسة وعشرين مليونًا — أي المبلغ المطلوب لتحويل الدين السائر إلى دين ثابت — ويقول فريق آخر إنه قد يكون ذلك، ولكن على شرط أن لا يزيد مبلغ الدين السائر، فإذا زاد، زاد أيضًا مبلغ القرض.

وبينما هذه الأحاديث تجعل النفوس قائمة قاعدة، كانت المخابرات بشأن ذلك القرض جارية مجراها على قدم وساق مع المحلات التجارية، وكان محل أپنهايم وشركائه في مقدمتها، طبعًا، إذ آن له أوان جني ما زرع.

على أن إسماعيل صديق باشا، ليتمكن من انتظار يوم الوصول إلى الغاية، وهو في سعة من المال، عاد إلى إصدار إفاداته المالية، فصرفت الدائرة السنية منها، في ظرف سنة، ما قيمته ٦٣٠ ألفًا بخصم معدله ١٣٪ وتلتها «المقابلة»، فصرفت هي أيضًا، ولكن في ظرف شهر فقط حوالات بلغ قدرها مليونًا وستمائة وخمسين ألفًا من الجنيهات بفائدة معدلها ١٢٪.

وبذا تمكن الوزير في أوائل أبريل من لصق إعلان في بورصة الإسكندرية، مؤاده استعداده لخصم كل إفادة مالية، وحوالة، وأي ورقة أخرى بواقع ٨٪، على شرط أن تكون من المشترط دفعها بالقطر المصري، فكان من شأن ذلك تحسين معدل أسعار الخصم بسرعة، وتخفيفها بعد أن كانت قد ارتفعت من إلى ١١٪.

وبينما الأمور جارية على هذا المنوال، وردت من مصر إلى البورصة، عينها، إشارة تلغرافية في ١٩ أبريل منبئة بعقد القرض، وبلوغ مبلغه ٢٥ مليونًا من النقد منها ١٥ مليونًا مدفوعة حالًا، والباقي عند الاختيار، بفوائد قدرها ٩٪، وعمولة قدرها ١٪.

فصدق ذلك النبأ تصديقًا أعمى، أدى إلى إقبال هائل على عمل عمليات على قاعدة و١٠٪، ولكن الثقة بدأت تتزعزع في اليوم التالي، لعدم ورود تأكيد لخبر الأمس. وما لبث الملأ أن علموا أن المخابرات — إن لم يصح القول عنها إنها خابت كلية — قد أجلت على الأقل إلى أجل غير مسمى.

ثم انقضى شهر أبريل، وفي ١٧ مايو انتشر في البورصة خبر مؤداه أن وكيل الخديو بالأستانة أجرى عملية مالية مبلغها ثلاثة ملايين من الجنيهات، فتطيرت الأوساط المالية، وثبت لديها أن البت في مسألة القرض الكبير أصبح بعيدًا.

ولكنها لو علمت أن هذا المبلغ لم يقترض لمواجهة الاستحقاقات المقبلة البالغ قدرها من أول يونية إلى آخر ديسمبر نيفًا و٢٤ مليونًا من الجنيهات، ولكن لوضعه تحت تصرف الخديو في رحلته العتيدة إلى الأستانة، لما تطيرت ذلك التطير، ولأدركت أن القرض لا بد منه.

وفي الواقع فإن الخديو لم يكن ليستطيع الذهاب إلى الأستانة في غرض والمثول بين يدي السلطان، ووفاضه خالٍ من نقود، فخصم وزيره، إذًا، جانبًا من حوالات لجنة «المقابلة»، عند بعض صيارفة «غلطه»، وسلم مولاه معظم المتحصل من ذلك الخصم، ثم صرف حوالات «مقابلة» أخرى بما قيمته مليونا جنيه، وأعطاه له أيضًا.

وأما القرض — فسوى الآخذين مهمة إصداره على أنفسهم، والوسطاء الذين كانوا يأملون إصابة فوائد كبيرة من وراء توسطهم في عقده، وعلى رأسهم إسماعيل صديق باشا — فإنه لم يكن في وسع أحد الرضى عنه أو تحبيذه.

وذلك لأنه — والخديو في الأستانة يسعى إلى نيل آخر فرماناته — اتفق بين وزير المالية والراغبين في تصديره على أن يكون مبلغه الاسمي اثنين وثلاثين مليونًا من الجنيهات الإنجليزية، وأن يسدد هذا المبلغ كله حقيقة في ظرف ثلاثين سنة، بعد دفع فوائد سنوية عليه قدرها ٧٪.

وتعهد مصدروه أي محل أوپنهايم وشركائه بأن يأخذوا على عهدتهم الشخصية تقديم نصفه الاسمي، أي ١٦ مليونًا بسعر ٧٥، على ما قد يساوي من الثمن في ١٥ أكتوبر سنة ١٨٧٥، أي أنهم قبلوا دفع ١٢ مليونًا في الواقع، وتعهدوا بأن دفعوا مقدمًا من هذا المبلغ بلندن ٥٠٠ ألف جنيه في أول يولية سنة ١٨٧٣، و٥٠٠ ألف جنيه في أول أغسطس الثاني، ومليونًا في أول سبتمبر، وأن يسددوا العشرة الملايين الباقية بلندن أيضًا في ١٥ أكتوبر، على شرط أن يكون لهم الحق في دفع تسعة ملايين منها «أوراقًا مالية»، أي ««إفادات مالية» و«حوالات مقابلة» من جميع الاستحقاقات، بخصم معدله ٧٪، بدلًا من الدفع نقدًا — فكأنهم اشترطوا — والحالة هذه — وقبلت الحكومة شرطهم أن يشتروا مبلغ الخمسة الملايين التي قدموها في العام السابق، ويتخلصوا أيضًا من أوراق مالية قيمتها في نزول مستمر، بما يوازي ذلك المبلغ تقريبًا — وتعهدوا بأن يصدروا في الوقت عينه لحساب الحكومة المصرية اكتتابًا بالنصف الثاني، أي بالملايين الستة عشر الباقية من قيمة القرض الاسمية، فإذا ما تجاوزها الاكتتاب العام، فالزيادة تكون للحكومة المصرية مقابل عمولة للمصدرين قدرها ٣٪ من أصل تلك الزيادة الاسمية، تخصم أولًا، ثم يكون الباقي موضوع خيار بسعر ٧٥ أيضًا.

واتفق على أن يعطي للمصدرين — علاوة على كل امتيازاتهم — مبلغ ٦٠ ألف جنيه للمصاريف، وربع في المائة على عمليات القطع (كوپون) والسندات المستهلكة، وأن تتعهد الحكومة المصرية بأن تمتنع عن تصدير أي قرض عام آخر لغاية ١٥ يولية سنة ١٨٧٥، على أن يكون لها الحق في إصدار عشرة ملايين من الجنيهات، تحت أسماء مختلفة، ما بين ١٥ يولية سنة ١٨٧٥ و١٥ يولية سنة ١٨٧٨ بشرط أن يصرف هذا المبلغ على أعمال تكون فائدتها عامة.

وأمام فوائد ومزايا للمصدرين — كالتي ذكرناها — كان من المؤكد أن يجد محل أوپنهايم وشركائه مزاحمين عديدين. وفي الواقع، فإن محلًّا فرنساويًّا آخر تقدم إلى الحكومة المصرية بشروط أحسن من الشروط المعروضة عليها، وإلى الوزير ووسطائه برشاوٍ أجسم من التي منوا بها، وظن لحظة، حتى في نفس الليلة السابقة ليوم عقد القرض، أن المحل الفرنساوي المذكور يحل محل أولئك اليهود، وينتزع منهم امتياز الاختصاص بتصدير القرض.

ولكن النائب عن محل أوپنهايم وشركائه أبدى في تلك الليلة من التهديدات والتهويلات ما حال دون نجاح مزاحميه، ولاعتزازه بما أكسبته من خبرة العمليات المالية السابق لمحله عقدها مع الحكومة المصرية، بلغت به القحة مبلغًا حمله على أن لا يبالي بأن يقول للوزير بتعالٍ وتشامخ «إن ما للملأ من ثقة بماليتك إنما هو تحت رحمتنا، فإن عدلت عن الاتفاق معنا هدمنا تلك الثقة، وحُلنا دون أن يهب أحد إلى مساعدتكم بسنتيم واحد.»

ولما كان يعلم من هو في الحقيقة ذلك الوزير، تركه بعد أن قال له ذلك، لينام بصحبته الخوف الذي أوجده في قلبه، وانصرف، وهو متأكد به من إسماعيل صديق باشا سيدعوه في الغد ليوقع العقد.

وقد كان!

فانعقد الاتفاق على ذلك القرض المشئوم في ساعة سوداء، وبالشروط والبنود التي ذكرناها، مقابل تقرير للضمانات الآتية:
  • أولًا: كل إيرادات القطر المصري العامة.
  • ثانيًا: إيرادات سكك الحديد في الوجه البحري، وقدرها ٧٥٠ ألف جنيه.
  • ثالثًا: إيراد الضرائب الشخصية وغير المقررة، ومبلغه مليون جنيه.
  • رابعًا: إيراد المكس على الملح، ومبلغه ٢٠٠ ألف جنيه.
  • خامسًا: مليون جنيه من المقابلة.
  • سادسًا: كل الإيرادات المؤمنة لسداد الأقراض الأخرى، حالما تصبح حرة، أي في الواقع كل مورد من موارد الحكومة التي يصح تأمينها بلا استثناء.

    ولما كان مجموع إيراد هذه الموارد السنوي مليونين وتسعمائة وخمسين ألفًا من الجنيهات، وكان المبلغ الواجب استهلاكه سنويًّا من أصل الدين، بما فيه الفوائد، مليونين وخمسمائة وخمسة وستين ألفًا وستمائة وواحد وسبعين جنيهًا، كان الاتساع بين الرقمين خير ضامن لسهولة السداد، ومتانة الثقة به.

على أن باطن الضمانات المقدمة كان غير ظاهرها.

فالضرائب الشخصية — مثلًا — وإن ذكرت في ميزانية سنة ١٨٧١–١٨٧٢، فإنما ذكرت وعليها التأشير الآتي «هذه الضرائب الشخصية قد ألغيت بعد عرض هذه الميزانية.» وفي الواقع فإنها لم تذكر في ميزانية سنة ١٨٧٢–١٨٧٣.

والضرائب غير المقررة لم يكن لها أثر بالمرة، حتى ولا في الميزانية المصححة المنشورة في ٣ أكتوبر سنة ١٨٧٣، والمكس على الملح، فإنه كان من ضمن الضمانات المختص بها قرض سنة ١٨٦٨، عملًا بالبند الأولى من عقده. والمليون الناتج عن «المقابلة» لم يكن الاعتماد عليه ممكنًا إلا لغاية سبتمبر سنة ١٨٧٧، وذلك عملًا بالمادة الثانية من قانون «المقابلة» عينها، المعين لتمام إجرائها مهلة ست سنوات. وأما القرض فنهاية استهلاكه سنة ١٩٠٣.

ولا شك في أن اليهود الذين أخذوا على أنفسهم تصدير القرض بالضمانات التي ذكرناها كانوا أدرى الناس بحقيقة قيمتها الصحيحة، فإذا أقبلوا — بالرغم من ذلك — على تصديره، فلأنهم كانوا متعمدين السرقة تعمدًا أكيدًا، ولم يكن ليهمهم ما داموا يستردون من الحكومة المصرية الملايين الخمسة التي أقرضوها إياها في العام الماضي بأرباح هائلة، ويصرفون أيضًا بما يوازيه، وبسعر جيد أوراقًا مالية مصرية لا يستطيعون مطلقًا تصريفها في أي سوق بذلك السعر، لم يكن ليهمهم أن يحرق دم الشعب المصري، ولا أن تعرض أموال المكتتبين المزمعين في القرض إلى بعض الضياع.

أما وزير المالية، فلم يكن هو أيضًا ليجهل طبعًا أن الضمانة الوحيدة الأكيدة التي يصح أن يرتكن إليها أصحاب أموال «القرض الكبير» العتيدون، إنما هي إيرادات السكة الحديدية لا غير، لأن ضمانة الإيرادات عينها، المؤمنة لسداد الأقراض السابقة الأخرى، حينما تصبح حرة، كانت وهمية أكثر منها صحيحة، وذلك لأن تلك الأقراض لم تكن لتسدد إلا في سنة ١٨٩٢ وسنة ١٨٩٨، ما عدا قرض سنة ١٨٦٢ الذي كان يتم سداده في سنة ١٨٧٩.

فإقدام إسماعيل صديق باشا على عقد اتفاق ذلك القرض المشئوم لم يكن ليبرر إلا بأن هذا الوزير أصاب من عمليته فائدة شخصية جسيمة، وأنه ربما أقدم على عمليته وهو موطن نفسه منذ ذلك الحين على أن يخرج مؤقتًا من الورطة التي هو فيها، فيتمكن بذلك من سرقات جديدة ما استطاع إليها سبيلًا، ثم يشهر إفلاس الخزينة المصرية، حينما لا يعود يجد في السداد بابًا لانتفاع تالٍ.

وإلا فإنه كان يعلم حق العلم أنه إذا اتخذت ميزانية سنة ١٨٧٢–١٨٧٣ قاعدة للميزانيات التالية، فإن الزيادة التي تقررت تعليتها على الجزية السنوية المربوطة سابقًا، والمبلغ الذي يصبح دفعه واجبًا سنويًّا في استهلاك القرض الجديد، وعجز النصف في إيرادات الضرائب العقارية، بسبب تنفيذ قانون «المقابلة»، كل ذلك إذا أضيف إلى المصروفات السنوية المقررة في تلك الميزانية أوجب عجزًا سنويًّا قدره أربعة ملايين ونيف وربع مليون من الجنيهات — وهو عجز يتعذر استمرار الحكومة على احتماله.

وكان يعلم من جهة أخرى حق العلم، أن الدين السائر — وقد قدره هو نفسه بخمسة وعشرين مليونًا من الجنيهات في شهر مارس المنصرم — كان قد ازداد في بحر الثمانين يومًا التالية، بما صرف من حوالات «المقابلة»، أي بما بلغت قيمته سبعة ملايين ومائة وخمسين ألف جنيه، فأصبح ذلك الدين السائر اثنين وثلاثين مليونًا على الأقل — وهو مبلغ لم يكن في الاستطاعة تغطيته بما يحصل من صافي القرض حتى لو حصل هذا الصافي كله، لأنه يستحيل أن يزيد على أربعة وعشرين مليونًا من الجنيهات، في أحسن الاقتراضات، فكيف ولم يكن يصح لعاقل توقع تحصيل ذلك الصافي كله، لا سيما بعد التصريح لمحل أوپنهايم وشركائه بدفع تسعة ملايين، ورقًا ماليًّا بدلًا من دفعها نقدًا؟

فالمعقول إذًا هو أن الوزير إنما رأى في ذلك القرض الباهظ وسيلة للخروج من ضيق مؤقت بملء خزينته الشخصية دون مبالاة بالعواقب، وذلك لاعتماده منذ تلك الساعة على أن تكون العاقبة النهائية الإفلاس.

في هذه الظروف، وبتأثير الرغبة في السرقة عند المتعاقدين، أصدر محل أوپنهايم وشركائه «القرض الكبير»، موزعًا على مليون وستمائة ألف سهم، قيمة كل منها عشرون جنيهًا إنجليزيًّا، بفائدة سبعة في المائة، وفتحوا قوائم الاكتتاب فيه يومي ٢٩ و٣٠ يولية سنة ١٨٧٣ بباريس ولندن والإسكندرية وأمستردام وبروكسل وأنڨرس وچنيفا والأستانة، و٦٤ مدينة من المدن الفرنساوية التي كان «للشركة العمومية» توكيلات فيها، بعد أن أعلنوا عنه مدة في كل جرائد المعمور، وبعد أن نشر في ٢٢ يولية من السنة عينها، في «الوقائع الرسمية»، نص الفرمان الأخير الصادر من السلطان، ومصدق عليه من الدول، اطمئنانًا للخواطر، ولكيلا يحول دون نجاح الاكتتاب خوف على المصالح المالية من نشوء خلاف بين مصر وتركيا كخلاف سنة ١٨٦٩.

ولكن إما بسبب الاضطراب المالي الناشئ عن الخوف الفجائي الذي أسقط الأسعار إسقاطًا فاحشًا في أميركا قبل ذلك بأشهر، وإما بسبب أن سعر التصدير كان في البدء عاليًا أكثر مما يصح ( )، فإن هذا القرض، الذي اشرأبت إليه الأعناق وانتظرته المضاربة أكثر من سنتين، خاب خيبة تامة، بالرغم من كل الاحتياطات التي اتخذت لإنجاحه.

فلم يغط منه إلا القليل من الزائد على ما كان يلزم لتغطية مسئولية مصدريه، أوپنهايم وشركائه، ولم يصل منه نقدًا إلى الخزينة المصرية في نهاية الأمر، وبعد تقلبات أسعار لا داعي لذكرها هنا سوى صافٍ يقرب من أحد عشر مليونًا من الجنيهات، في نظير دين أركب على عنق تلك الخزينة قدره اثنان وثلاثون مليون جنيه، وسعر فائدته ٨ في المائة سنويًّا.

وهو ما لم يرو ولم يسمع عن مثيله في تواريخ قروض العالم كافة، بل ولا في تواريخ الربا والمرابين قاطبة، بل لم يذكر في تواريخ العالم كلها أن شعبًا وحكومته سرقا سرقة وقحة كهذه السرقة!٤

وعليه، فإن هذه السنة، سنة ١٨٧٣، التي حصل (إسماعيل) فيها على فرمان ٨ يونية، فأصبح بمقتضاه، فيما عدا الجزية السنوية المفروضة عليه ملكًا حقًّا مستقلًّا تمام الاستقلال ببلاده، وحقق بالتالي كل أماني أيامه الماضية هذه السنة، التي كان يجب — والحالة هذه — أن تكون بدء ارتقاء سعده، وتاريخ بلوغه أوج مجده، وفاتحة سيره إلى عز أقعس، بلا قيد يعرقل أعماله، ولا عقبة تسد السبيل في وجهه، هذه السنة عينها أمست، بفضل القرض المشئوم الذي عقده وزيره إسماعيل صديق باشا، بواسطة أوپنهايم وشركائه الماليين اليهود، بدء اشتداد الصعوبات المالية حول مشاريعه ومصروفاته، وتاريخ بلوغه إلى مأزق ملكه الحرج، وفاتحة تنازعه على البقاء تنازعًا دخل فيه غشمشمًا مستبسلًا، ولكنه أدى به في نهاية أمره، وبفضل قيام الدول الأوروبية معضدة للمرابين، وحملة الأسهم، وازدرائها بالحقوق المكتسبة من الفرمانات المصدق عليها منها هي نفسها إلى السقوط والمنفى عقب حوادث لم يكن التاريخ ليصدقها، لولا أنه مضطر إلى اعتمادها لكونها واقعية.

فالمؤرخ غير المتحيز، الكاتب تحت تأثير ما توحيه إليه الحقائق، لا يسعه إلا أن يأسف أسفًا شديدًا على ما كان من غض نظر (إسماعيل) عن تصرفات وزير ماليته، لشدة وثوقه به، واعتقاده أنه إنما يعمل لخدمته وخدمة مجده، بينما الرجل لم يكن يعمل إلا لمصلحته الشخصية، لأنه لولا ذلك لتمكن هذا الخديو الهمام، البعيد النظر، والكبير المطامع، من إنشاء دولة مصرية مجيدة، لها القدح المعلى والكلمة العليا فيما يتعلق بشئون المدنية الحديثة، ومقتضياتها، في القارة الإفريقية بأسرها.

•••

إزاء الخيبة التي صادفها تصدير ذلك القرض، فإنه لم يكن في الاستطاعة عمل شيء ما سوى استهلاك الإفادات المالية، وحوالات المقابلة، والأوراق المصرية الأخرى التي من هذا القبيل، ذات الاستحقاقات القريبة جدًّا.

وأما الإفادات المالية وحوالات المقابلة والأوراق المصرية التي لم تدفع احتسابًا من ثمن أسهم ذلك القرض المشئوم، فتركت وبختها، وأجل النظر فيها إلى يوم استحقاقها ليقضي الله أمرًا كان مفعولًا. فإما أنها تدفع يومئذ، إذا تيسر المال لدفعها، وإما أنها تجدد بفوائد أخرى محرقة.

أي أن الحكومة المصرية بعد استدانتها ذلك الدين الجديد الفظيع لم تستفد منه سوى تأجيل استحقاقات همومها بضعة أشهر فقط، ولم تر بدًّا من العود إلى دحرجة صخرة «سيزيف»٥ الهائلة، المكتوب عليها «الديون المصرية»، المقضي عليها بدحرجتها إلى ما شاء الله.

فكانت أولى نتائج ذلك أن معدل الصرف صعد بالإسكندرية صعودًا مزعجًا، ولولا تحالف بعض المصارف لملافاة الضرر لانقلب إلى كارثة مخيفة.

وبلغ من قلة ثقة الماليين أنهم بدأوا ينفرون من تجديد أذونات الدين السائر، حتى في مقابل فوائد قدرها ٢٥٪.

فأراد الوزير أن يسترجع تلك الثقة، ولكنه لم يرَ لذلك وسيلة خيرًا من الكذب، فأصدر في ٣ أكتوبر نشرة تصحيحية لميزانية سنة ١٨٧٤ و١٨٧٥، أظهر فيها أن الإيرادات تزيد مليونًا على المصروفات، ثم نشر في «الوقائع المصرية» كشفًا بالدين السائر، يتضح منه أن المتبقي قبضه من أصل القرض، يكفي لسداد كل هذا الدين، ما عدا ٨٦ ألف جنيه منه، وهو مبلغ لا يؤبه به.

غير أنه رأى حالًا أن الكذب لم يعد يجدي نفعًا، وأنه لا بد له من إيجاد وسائل أخرى، فأقبل يتخابر في بيع السكر، ففي بيع بذرة القطن، ففي الاتفاق على إعلان الاختيار، ففي الحصول على مليونين من الجنيهات لمواجهة استحقاقات ديسمبر، وبالاختصار في كل ما من شأنه حمل النقود على التداول، وإعادة الثقة إلى الحكومة.

ولكن الخيبة كانت ملازمة لمساعيه، فلم يلبث الملأ أن علم أن بيع السكر لم ينجح إتمامه في ساعة توقيعه عينها دون أن يعلم ما السبب.

ولئن نجح بيع بذرة القطن، فإنه كان نجاحًا شرًّا من خيبة، لأن الوزير التزم بموجب عقد الاتفاق أن يبيع مليونًا و٢٠٠ ألف إردب بسعر ٥٥ قرشًا، يدفع ثلث ثمنها في ٢٥ نوفمبر، والثلث الثاني في ٥ ديسمبر، والثلث الثالث في ١٥ ديسمبر، على أن يعود إلى مشتراها بسعر في ١٥ يناير و١٥ فبراير و١٥ مارس التالية بأذونات على الدائرة تستحق بعد ثلاثة أشهر بفوائد ١٢٪، أي أن عمليته هذه كلفته دفع فوائد قدرها ٣٣٪، ونجم عنها أن خصم أذونات الدائرة السنية صعد حالًا إلى ٣٠٪.
فكانت النتيجة النهائية لكل ذلك أن إسماعيل صديق باشا لكي يتمكن من دفع استحقاقات النصف الثاني من شهر ديسمبر اضطر إلى تحرير حوالات، يدفع أصلها مع فوائده (بواقع ٢٠٪) بعد شهرين وثلاثة أشهر، مقابل سندات تدفع قيمتها بلندن بعد خمسة عشر يومًا، بخسارة قدرها ٪ قيمة فرق صرافة، وعمولة قدرها ١٪.

وهذا كان منتهى استسلام حكومة إلى الاختناق في براثن الربا فانتهت سنة ١٨٧٣، وتلك المخالب قد تعمق انغراسها في عنق مصر تعمقًا مزعجًا.

وبينما هذه الحالة السيئة تتمخض بصعوبات جديدة للمستقبل، شجر في أوائل سنة ١٨٧٤ بين شركة ترعة السويس والدول البحرية، بخصوص الرسوم المطلوبة على محمول السفن، نزاع كاد يفضي إلى تحميل الخزينة المصرية عبء نفقات لم تكن في الحسبان.

فإن الشركة — اتباعًا لحرفية الامتياز الممنوح لها — كانت لغاية صيف سنة ١٨٧٢ قد تقاضت عشرة فرنكات على كل شخص، وعشرة فرنكات على كل طن، من السفن التي اجتازت ترعتها، على أنها تقاضت ذلك الرسم فيما يختص بوزن الحمولة، على قاعدة المتبع لدى كل دولة في تقرير حمولة سفنها.

فما لبث أن اتضح لها أن المبالغ المتحصلة على هذه القاعدة لا تكفي لتوزيع أرباح، فأعلنت العموم بأنها ابتداء من أول يولية سنة ١٨٧٢ ستحصل الرسم المفروض على محمول السفن، على قاعدة محمولها الحقيقي، لا على قاعدة محمولها المسجل.

فأبت شركة «المساجري البحرية» الإذعان إلى ذلك الطلب، فقاضتها شركة ترعة السويس أمام المحاكم الفرنساوية، وفازت عليها.

فطلب التجار وأصحاب المراكب البريطانيون إلى وزارة الخارجية البريطانية التداخل في الأمر، فأدى ذلك إلى مخابرات سياسية، فإلى تعيين مندوبية دولية مؤلفة من مندوبي اثنتي عشرة دولة بحرية، اجتمعت في الأستانة في أكتوبر سنة ١٨٧٣، لدرس المسألة.

فبعد تداول آراء وأفكار ونتائج مدة ثلاثة أشهر، أصدرت المندوبية تقريرًا أنكرت فيه على الشركة مطلوبها، ولكنها اعتبارًا للضحايا التي تكبدها المساهمون، أشارت بزيادة أربعة فرنكات على الرسم المقرر على كل طن مسجل على غير الطريقة الإنجليزية، وزيادة ثلاثة فرنكات على الرسم المقرر على صافي كل طن مسجل طبقًا لتلك الطريقة.

وصدق الباب العالي على هذه القاعدة، بصفته صاحب الشأن السياسي على القنال، وكلفت الشركة بتنفيذ قرار المندوبية ابتداء من ٢٨ أبريل سنة ١٨٧٤.

فاحتج المسيو دي لسبس على ذلك، وهدد بغلق القنال، فأنذره الخديو، بناء على أمر ورد إليه من الأستانة، بأنه إذا نفذ تهديده فالحكومة المصرية تأمر جنودها باحتلال الترعة، وتدبير شئونها بنفسها.

فامتثل دي لسبس إذ ذاك، وحصلت الرسوم لغاية فبراير سنة ١٨٧٦ على القاعدة التي قررتها المندوبية إلا فيما يختص بسفن جميع الدول الحربية وجنودهم، فإنها استمرت تدفع الرسم الأول.

وكأننا بالخديو لغاية هذا الحين لم يكن واقفًا على حال ماليته الحقيقية، ويظنها بناء على تفهيمات وزيرها متينة القواعد، مفعمة الخزائن.

ودليلنا على ذلك انشغاله بتوسيع نطاق الأعمال التجارية في بلاده، وفي توسيع دائرة فتوحاته.

أما توسيع نطاق الأعمال التجارية فقد رأينا — في غير هذا المكان — أن سموَّه ما فتئ يواليه منذ ارتقائه عرشه. ولا غرابة، فإن ميوله التجارية لم تكن سرًّا لأحد، وإقدامه على الاتجار بمحصولات أملاكه، حتى بعد ارتقائه سدة الإمارة، بلغ حدًّا حمل من كان يزاحمهم في الميدان، على الطعن عليه بمرارة في عدة جرائد، كأن الاتجار محظور على أمير. وبلغ من هيامه في ذلك، أنه قال يومًا في باريس عند اطلاعه على حركة العمل في بورصتها (إذا صحت الرواية): «لو لم أكن خديو مصر، لتمنيت أن أكون سمسارًا هنا.»

ففي أوائل ربيع هذا العام ١٨٧٤بعث يطلب من وزراة الخارجية الإنجليزية أن ترسل إليه موظفين من ذوي الدراية والخبرة لتنظيم وزارة التجارة التي عزم على إيجادها، ولوضع خطة لعدة إصلاحات وإنشاءات يرى البلاد في أشد الاحتياج إليها، من ذلك تحرير إحصائيات كاملة لحركة التجارة المصرية، وإجراء تعداد شامل لسكان القطر المصري، وإنشاء غرف تجارية، ومراقبة سيرها وأعمالها، ووضع قوانين للسماسرة والصيارفة والباعة المتجولين، وتشجيع العمل الاستغلالي والفنون الاستغلالية، وتوسيع نطاقها بإيجاد مدارس للصنائع والفنون، وتقرير الموازين والمكاييل وتنظيمها، وتجهيز ما يلزم من معاهدات تجارية، وتعريفات للجمارك والمكوس، ومراقبة جميع الأحواض والمخازن الجمركية المصرية، ووضع نظام للمصايد في النيل والبحيرات، ومراقبة أعمال ترعة السويس، ودرس ما لدى البلاد الأخرى من تشريعات تجارية.

وطلب أن يكون المندوبان مستعدَّين، إذا لزمت الحال للسفر إلى الخارج في مهمات تجارية، فلبت وزارة الخارجية طلبه، وأرسلت موظفين من كبار موظفي وزارة التجارة البريطانية، اسماهما نيل واكتن، أخذا على عاتقهما القيام بالمهمات العديدة التي عهدت إلى كفاءتهما.

وأما توسيع دائرة فتوحاته، فقد تكلمنا عنها بتفصيل في غير هذا المكان.

وبينما هو منهمك في ذلك جميعه كان إسماعيل صديق، السيزيف الجديد يكد، من جهته، كدًّا عنيفًا في دحرجة صخرة ماليته.

ولكن الأنباء التي وردت من دار السعادة، في تلك الأثناء، زادت في مشقة مهمته، فإن الحوالات التركية المستحقة الدفع في ١٣ يناير سنة ١٨٧٤ بلندرة لم تدفع، واحتج عليها. ومع أن المالية المصرية كانت منفصلة تمام الانفصال عن المالية التركية، وليس هناك تضامن بين الاثنتين، فإن الملأ لم يسعه لدى ذلك التوقف، إلا تقرير مقارنة وارتباط بينهما، وتوقع حذو المصرية حذو التركية.

فنجم عن ذلك رعب فجائي في الأسواق المصرية كاد يكون قاتلًا.

ولما كانت الأملاك الخديوية قد أصبحت بمجهودات إسماعيل صديق باشا مشتبكة تمام الاشتباك بصعوبات الخزينة المصرية، ومهددة بما يهدد هذه، رأى الوزير أن يعزز مركزه لدى مولاه بإبداء نصيحة مفيدة له، فأشار عليه بأن لا يبقى على اسمه من ممتلكاته سوى معامله السكرية المرهونة ضمانة لسداد قرض سنة ١٨٧٠، وما يقرب من مائة ألف فدان، وأن ينقل باقي أملاكه بكيفية شرعية إلى أسماء الأميرات والأمراء من أسرته الخاصة.

فاستحسن (إسماعيل) الرأي بعد أن وثق من الخطر الذي بات يهدد ثروته، وأنشأ دائرة جديدة دعاها «دائرة الأمراء»، وكلف قاضي القضاة، ومفتي الديار، ورجال الشرع، ومستخدمي المحاكم بالاشتغال في نقل تكليف أملاكه الباقية إلى أسماء الأميرات زوجاته، والأمراء أولاده، فقضى رجال الشرع في ذلك العمل نيفًا وشهرين، وأبرزوا الحجج الجديدة متصفة بجميع الأوصاف الشرعية المطلوبة، وموقعًا عليها بالأختام التي من شأنها حمايتها من كل طعن.

وأقبل (إسماعيل) يفكر في الوقت عينه في أمر تأسيس شركة فنية استغلالية، يكون غرضها حفر ترعة تسير من مصر الوسطى، فتنحدر نحو الشمال، محاذية السلسلة العربية، فتجتاز القاهرة بين تجاويف جبل المقطم الوسطى، فتمكن من ري الجزء الشرقي من قمة الدلتا، ومن إنشاء جملة شلالات مياه متعاقبة ذات قوة هائلة، يستطاع استخدامها لتحريك آلات مصانع كبرى.

ولكن الماليين أبوا — بالأسف — أن يمدوه بالأموال اللازمة لإنجاز ذلك المشروع البديع. ولا ندري لماذا لا يقدم على تنفيذه الآن، فتولد من تلك الندافات قوة كهربائية عنيفة تغني مصر في استنارتها بالنور الكهربائي، وفي تشغيل معاملها، عن الفحم الحجري والكيروسين.

وكانت نتيجة الاضطراب الهائل الذي أحدثه في السوق المصرية توقف تركيا عن الدفع، ونتيجة ازدياد الصعوبات والشدائد حول المالية المصرية أن إسماعيل صديق باشا شرع يفكر للخروج من مأزقه الحرج في الإقدام على بيع أطيان الأوقاف الخيرية كلها التي في القطر المصري، وعرض المشروع على الخديو، وحببه إليه.

ولكن (إسماعيل) أبى اعتماده، وزجر وزيره عنه، فحول الوزير وجهه شطر عمليات بيع، وتمكن (أولًا) من تصريف حوالات بمبلغ مليون من الجنيهات يستحق دفعها بعد ستة أشهر، بفوائد قدرها ٢١ في الماية. و(ثانيًا) من بيع مليون إردب قمح، بسعر جنيه إنجليزي الإردب، وخمسائة ألف إردب فول بسعر ٨٢ قرشًا صاغًا الإردب، تسليم سبتمبر وأكتوبر، على أن يكون دفع ثلثي ثمنها في مارس، والثلث الباقي في أبريل.

ولكن الأحوال — بالرغم من ذلك جميعه — استمرت سائرة من سيئ إلى أسوأ، فبلغ خصم حوالات المقابلة في أواخر شهر مارس من ٢٣ إلى ٢٦٪، وبلغ سعر الفوائد المطلوبة على كل عملية من عمليات التحويل أو العكس بالبورصة، ٤٨٪ وما فتئ سعر القرض يتدهور حتى نزل إلى ٦١٪.

فبلغت الأنفس التراقي، وأخذ كل المشتغلين في الأمور المالية ينتظرون بأنفس جزعة حلول ساعة الخراب العام.

ولكن إسماعيل صديق باشا، وقد أصبح مركزه أحرج من مراكز الجميع، وفق، لكثرة ما أتعب فكره، وفتقه إلى تدبير جاء للكل بمثابة الفرج الذي لم يعد أحد ينتظره، ومكنه من الاستحمام بالذهب استحمامه الأخير.

فقد كان يوجد ضمن مصالح الحكومة مصلحة بقيت بعد ذلك دهرًا، كانت تعرف باسم «مصلحة الرزنامة»، وأحسن تعريف لها أنها كانت عبارة عن صندوق أمانات، له حق التصرف في رءوس الأموال المودعة فيه تصرفًا أبديًّا على شرط قيامه بدفع معاشات متفق عليها للمستحقين.

فجمع وزير المالية المجلس الخاص، كما كان جمعه لمسألة المقابلة، وبعد أن عرض فكرة مشروعه عليه، وحمله على استحسانها، استكتبه تقريرًا للخديو جاء فيه «أن عددًا كبيرًا من الأهالي يحتفظون بأموال جسيمة لا يستثمرونها لعدم معرفتهم كيفية استثمارها، ولأن القرآن الشريف يحظر الإقراض بفوائد، فوزير المالية بعد كثرة التفكير والتأمل وفق إلى إيجاد وسيلة لاستثمار تلك الأموال بما يعود على البلاد بأكبر رخاء، وعلى المشروعات التجارية بأكبر سعة، وعلى الفنون والصنائع الاستغلالية بأعظم فائدة، تلك الوسيلة هي أن تصدر الرزنامة سندات إيراد مؤبد بما لا تتجاوز قيمته خمسة ملايين من الجنيهات الإنجليزية.

ولا يرى المجلس أن يتعدى هذا المبلغ، لا لأن المال غير موجود في البلاد، ولكن لأن مشاغل الحكومة كثيرة، ومهما بلغت رغبتها في العمل على الخير العام، فلا قبل لها على تحمل أعباء قد تنوء بها.

وبناء على ذلك، فإن المجلس الخاص يقترح إصدار سندات رسمية بالقيمة المذكورة، تكون المائة فيها مائة، ويكون ثمن بعضها جنيهين ونصفًا، وثمن البعض الآخر خمسة جنيهات، وتسري عليها فوائد بواقع ٩٪ سنويًّا تدفع شهريًّا للمكتتبين في عموم المراكز، وأن تبقى سجلات الاكتتاب مفتوحة مدة خمسة أشهر، وتدفع قيمة السندات حين الاكتتاب بها.»

فاعتمد الخديو ذلك التقرير، وأمر بتنفيذه في الحال، وهو معتقد أنه ينفع رعاياه وحكومته معًا.

فما مضت أيام قلائل على فتح سجلات الاكتتاب إلا ووردت الأنباء من داخلية البلاد بأن الدفع فاق مليونين وخمسمائة ألف جنيه، وأن اكتتاب أهالي مدينة طنطا وحدها بلغ نصف مليون جنيه، ومع استمرار الضغط والتأثير على عقول الريفيين والمدنيين، وعلى بطون أرجلهم، ما فتئ قدر المبالغ الموردة يرتفع، حتى بلغ ثلاثة ملايين وأربعمائة وعشرين ألفًا من الجنيهات.

فلم يكن بد والحالة هذه من أن تتأثر أسعار السوق بهذه النتيجة الباهرة، ففي طرفة عين تحسن معدل خصم حوالات «المقابلة»، وأذونات الدائرة ٥٪ وصعدت أسهم القرض الأخير ٣٪.

وبفضل تلك العملية أصبح في الإمكان التطلع بهدوء سريرة وارتياح قلب إلى دخول الصيف. ومما زاد الطمأنينة رسوخًا هو أن الخديو صمم على عدم مغادرة القطر في تلك السنة للذهاب إلى أوروبا أو الأستانة، وعزم على تمضية فصل الصيف على ساحل البحر الأبيض في مصيفه بالرمل، وأن هذا العزم حدا بجميع ذوات القطر إلى الاقتداء به، لأنه مع بقاء سموه على ضفاف النيل لم يكن يحسن بكل من كان ذا وجاهة السفر إلى الخارج فإن (إسماعيل) كان يعرف سراة عاصمتيه واحدًا واحدًا، ولم يكن ليرى بعين مرتاحة مغادرة أحدهم القطر، مع بقائه هو فيه، فاقتصدت بذلك مبالغ جسيمة كانت تصرف سنويًّا في المصايف الأجنبية، وعاد اقتصادها على المداولات النقدية بخير عميم.

ووقرت في النفوس مقدرة المالية المصرية على الخروج من المآزق الحرجة، وشرع الوزير يؤيد هذا الاعتقاد في قلوب المرتابين، بإماطة اللثام عما لا يزال لدى الحكومة من الوسائل والموارد، كحصص التأسيس في شركة القنال، وأسهمها — وكلها لا تزال خالية من كل رهن — والخيرات العميمة الموجودة في البلاد، والتي في استطاعة إدارة جيدة إخراجها منها، وشرع يردد الكلمة المروي صدورها عن أحد أكابر الماليين في وليمة في باريس، وهي «ما دام النيل يجري، فمصر لن تنفك تسدد ديونها».

فوقرت الثقة شيئًا فشيئًا في النفوس، وامتلأت أوروبا ذاتها بها، فأقبلت تتعامل من جديد مع وزير المالية بمشتري إفاداته وحوالاته، وأقدمت نقابة قوية على رفع شأن القرض الأخير، فصعدت أسعاره حتى بلغت في ٢٦ سبتمبر ٪، وصعدت أسعار الدين السائر أيضًا.

ولما كان هذا الأمر غريبًا، بدأت السوق تعتقد أن عاملًا جديدًا دخل في المضمار، وأنه لا بد من أن يكون وراء «الأنجلو اچپشن بانك» — الذي طفق يحتكر الأعمال المالية، وكان لمديريه بمصر مركز سامٍ في السراي — قوة مالية من الدرجة الأولى تسند إجراءاته، لا سيما منذ أقدم ذلك البنك على تسليف الوزير ثلاثة ملايين جنيه، مقابل سندات تدفع قيمتها بفوائدها، بواقع ١٤٪ بعد مضي سنة.

ولم يكن اعتقاد السوق في غير محله، فإن تلك القوة إنما كانت مشخصة في بنك فرنسا العقاري، وكان من شأن إقباله على مساعدة المالية المصرية تثبيت قلوب الخائفين، وتبديد مخاوف الوجلين.

فأخذت الأوامر بمشتري حوالات المالية، وأذوناتها ترد إلى الإسكندرية من لندن، وعلى الأخص من باريس، وأخذت كل سفينة ترد من الأستانة وسوريا أو من أوروبا تأتي إلى القطر بكمية لا يستهان بها من النقود، حتى نزل معدل الفوائد إلى ٩٪.

فما وسع الوزير إزاء ذلك جميعه إلا إبداء استغرابه واستعجابه اللذيذين، وبعد ما كان يتصيد المشترين والنقود، أصبح المشترون يهرولون إليه، والمال يتدفق نحوه. وأذاعت الجرائد اليومية إذ ذاك أنه رأى نفسه مضطرًّا ذات مرة إلى رفض اقتراح إبدال عدة أذونات تستحق بعد ثلاث سنوات بفائدة قدرها ١٢٪، بعدة ملايين من الجنيهات.

وأصبحت مصر مرمى أنظار المطامع المتقدة في الدوائر المالية في الأستانة وباريس، وبلغ من تلك الدوائر أنها أرسلت مندوبين من قبلها إلى الخديو لتخابره في عقد قروض جديدة، ولكن الخديو أبى الدخول في عملية مالية من ذلك النوع لاعتقاده أن البلاد غير محتاجة إليها، والوزير عينه أصم أذنيه لوقع كل اقتراح، مدعيًا أنه لا يستطيع البت في أي طلب من الطلبات المقدمة إليه، حتى يتضح له مبلغ ما حصل من اكتتابات الروزنامة، فبقيت عدة مئات من آلاف الجنيهات في أيدي أصحابها الممولين بدون استثمار.

غير أنها لم تبق طويلًا، وما لبث الوزير أن عاد إلى عبثه بالمالية المصرية.

ففي أوائل فبراير سنة ١٨٧٥ اتفق على عملية قدر قيمتها مليونان ونصف من الجنيهات على أذونات تستحق الدفع بعد ثلاثة أشهر بفوائد ١٢٪ في السنة، ثم بعد أيام قليلة ذاع في الملأ نبأ اتفاقه على عملية أخرى قيمتها خمسة ملايين جنيه بفائدة قدرها ١٢٪، تدفع ما بين أول أبريل وأول أغسطس بدل حوالات تستحق ما بين أول فبراير سنة ١٨٧٦ وأول يناير سنة ١٨٧٧، ويجب دفع قيمتها في لندن، وتلا هذه العملية عملية أخرى قيمتها ثلاثة ملايين، صدرت حوالات دائرة سنية بضمانة المالية.

فما تمت هاتان العمليتان إلا وارتج الرأي العام بأوروبا، لا سيما بلندن، ارتجاجًا أليمًا، ولكن موقف سوق باريس وعطفها على الأوراق المالية المصرية أزال ذلك الارتجاج، فعادت الحال إلى ما كانت عليه من ثقة ثابتة، ونقود غزيرة، وعاد الاطمئنان إلى القلوب.

غير أن نشوء الخلاف بين الباب العالي والجبل الأسود، وقضية فلپار التي أزعجت الأسواق برهة، ونزول الأوراق المالية التركية المستمر، ومشكلة الهرسك — هذه جميعها ما لبثت أن عكرت صفاء الجو، وزادته تعكيرًا الحالة المالية في تركيا، بالرغم من المجهودات التي بذلتها بعض الجرائد، لتبرهن على عدم وجود تضامن ولا ارتباط بين ماليتي مصر وتركيا، ولا وجه للمقارنة بينهما.

وبينما تشتد قلة النقود بالإسكندرية، أخذت أنباء أوروبا تزداد سوادًا، فالأزمة ازدادت حرجًا في الهرسك، والضيق المالي وارتفاع الخصم بلغا أشدهما في فرنكفورت وبرلين، وطلبات النقود توالت بكثرة غير معتادة في أسواق لندن، والعلائق السياسية توترت بين لندن وپيكين.

فقلقت الأفكار، وسقطت القلوب.

وإذا بإشارة برقية وردت في مساء ٧ أكتوبر إلى البورصة، تنبئ بأن الباب العالي، ابتداء من أول يناير سنة ١٨٧٦، سيدفع فوائد ديونه النصف نقدًا، والنصف الثاني سندات تحمل فوائد قدرها ٥٪.

فأبى الناس في الأول تصديق ذلك النبأ، لاستبعادهم اهتمام رجال الأستانة بما توجبه تعهداتهم ثلاثة أشهر مقدمًا، ولكن الخبر ما فتئ أن أكد، وأعلن رسميًّا.

فضجت السوق دهشة، فغضبًا، فرعبًا، وانهارت الأسعار انهيارًا مزعجًا.

فأسرع الوزير إلى إدعامها، فأمر أن تدفع استحقاقات أول نوفمبر التالي مقدمًا، وأن تخصم استحقاقات ٩ نوفمبر بسعر ٤٪، ووضع تحت تصرف بنكين سماهما للعموم مبالغ جسيمة، لتسهيل التصفية التي كان الكل يخاف عواقبها، وشهل في الوقت عينه تحصيل الضرائب، وبعث أولًا فأولًا، كل ما حصل منها إلى محافظة الإسكندرية.

غير أن أنباء الغد كانت نكبة على الأوراق المالية الشرقية، فالورق التركي المعروف بخمسة في المائة هبط إلى ، واتبع الورق المصري حركة الهبوط، فوقفت حركة الأعمال، وجمد دولابها وبات الجميع يتوقعون في التصفية المقبلة الخراب التام.

وإذا بجرائد لندن هبت تقبح المخاوف، وتثلج القلوب بنشر مقالات متتابعة لرجلين من كبار الخبيرين بالأحوال الشرقية: المستر فولر، والسير صموئيل بيكر.

أما المستر فولر فمهندس الحكومة المصرية الاستشاري، وكان الخديو قد كلفه ضمن أعمال أخرى هامة مد خط حديدي بين البحر الأحمر والنيل الأعلى، فما كان ليسع أحدًا إلا تصديق أقواله في كل ما يختص بالفن والأشغال التي تمت بمصر، كتوسيع مرفأي الإسكندرية والسويس، وزيادة سكك الحديد، وحفر عدة ترع للري، وتبليط شوارع الإسكندرية، وتصليح شوارع مصر، وإنشاء الكثير منها والأحياء العديدة، والتنوير بالغاز، وتحسين نظام الطرق العمومية في عدة مدن داخلية، وإنشاء معامل السكر في الصعيد، إلخ إلخ.

فالمستر فولر أكد في مقالاته أن كل الأموال التي حصلت الحكومة المصرية عليها بطريقة الاقتراض، صرفتها فيما عاد بالمنفعة الكبرى على البلاد، وعلى إنماء خيراتها وتكثيرها.

وأما السير صموئيل بيكر — ونحن نعلم من هو، وما كان لمؤلفاته عن رحلاته وأعماله من دوي كبير في عالم الجغرافيا والتحرير — فقد قال بصراحة في مقالاته: إن السبب في الأزمة المتعبة السوق المصرية إنما هو جهل ثلاثة أرباع حملة الأسهم ماهية العلائق بين مصر وتركيا جهلًا تامًّا، وأكد أنه ليس بين طريقتي البلدين الإدارية والمالية شبه مطلقًا. وختم أقواله بإطراء الخديو ثناءً مستحقًا، فمجد روحه الاجتماعية اللطيفة، وتنور ذهنه الفائق، وهمته الشماء، ونشاطه الذي لا يعرف الكلل ولا الملل، وسعة معلوماته، ورقي أفكاره، وسيرها في مجاري العقليات الحرة السامية، ورغبته الأكيدة في وضع القطر المصري في مصاف دول أوروبا الأكثر تمدينًا، واهتمامه في حفظ سمعته نقية، لا تشوب طهارتها شائبة، إلخ إلخ.

وانضم إلى هذين الكاتبين كاتب ثالث يقال له المستر شو، تطوع هو أيضًا من تلقاء نفسه بإزالة الريب، والشكوك المحيطة بحال السوق المصرية.

فوقعت كتاباتهم موقع الاستحسان عند «الستوك إكستشنچ» (بورصة) بلندن، وساعدت حركة التحسين التي بدأت بشائرها في ٢٥ أكتوبر، واستمرت آخذة مجراها حتى مرت تصفية القرض الأخير بسهولة، خلافًا لما كان يخشى.

وإثباتًا لحقيقة أقوال أولئك الكتاب، وتأكيداتهم بأن المالية المصرية قوية لا تتزعزع، أصدر محل «درڨيني وشركائه» — وكان بنكًا من بنوك الإسكندرية الأكثر أهمية — تقريرًا جاء فيه «إن مبلغ عموم أقراض الحكومة والدائرة معًا يبلغ لغاية أول يناير سنة ١٨٧٧ ستين مليونًا وخمسمائة وواحد وثلاثين ألفًا وثلاثمائة وستين جنيهًا، توجب دفعًا سنويًّا للفوائد والاستهلاكات، قدره ستة ملايين ومائة وثلاثة وثمانون ألفًا ومائة وأربعة وثلاثون جنيهًا، وأن مبلغ الدين السائر بات ينحصر في العمليتين الأخيرتين اللتين تمتا بواسطة «الأنجلو اچبشين» أي في ستة عشر مليونًا، توجب دفعًا سنويًّا للاستهلاك والفوائد، قدره مليونان ونصف من الجنيهات، أي أن جميع ما يوجبه الدين المصري بأكمله من الدفع للاستهلاك والفوائد مبلغ ٦٦٨٣١٣٤ جنيهًا.

وبما أن مجموع إيرادات القطر يبلغ نيفًا وعشرة ملايين جنيه، فإذا خصم المبلغ المذكور أعلاه منه بقي لدى الحكومة مبلغ ٣٤٠٠٠٠٠ جنيه لمصاريف الإدارة، وهو مبلغ كافٍ تمام الكفاية.»

هذا التقرير المبني على أرقام صحيحة قوبل من الرأي العام مقابلة جميلة، وكان له الشأن الممدوح في إعادة الثقة بالحكومة المصرية إلى حملة أسهمها.

ولكن أنباء السوء ما فتئت تتوالى وتتعاقب فلا لندن ولا باريس كانتا خاليتين من المشاكل السياسية والمالية، وأخبار الأستانة كانت تزداد خطورة يومًا فيومًا، وآخر ما ورد منها مقابلة بين السلطان والجنرال إجناتييف الروسي، علقت الجرائد والمحادثات العمومية عليها تعليقات ذات شأن، والإشارات البرقية أخذت تتمخض بأهوال عما قد يقع على الحدود الفاصلة بين النمسا وتركيا، وأتت خطبة ألقاها المستر دزرائيلي، كبير وزراء الإنجليز، واشتملت على خوف وهلع من جراء ما قد تجر إليه نكبة تركيا المالية من مصائب، ضغثًا على إبالة، وذلك بينما الأيام تدني استحقاق أول ديسمبر، أي استحقاق دفع عدة ملايين من الجنيهات إدناء سريعًا، والشعور عام بأنه ليس لدى المالية ما يمكنها من دفعها، بل وحديث البعض أن الوزير — وقد أعيته الحيل — ضجر ومل، واعتراه يأس لا يقاوم فبات ينتظر وقوع الحوادث بما تشاء أن تجري، دون أن يكون لديه رغبة أو نية في درء عواقبها، أو تحويل مجاريها، قائلًا لمن أراد تنبيهه إلى أي عمل «المكتوب مكتوب».

فهل من الغرابة إذا بات الموقف في منتهى الحرج؟ وإذا تناقلت الألسن أن أحد أصدقاء إسماعيل صديق باشا ذهب ليزوره، لكي يقف منه على حقيقة أحوال المالية، فرجع من عنده، والهول كاد يجعل شعر رأسه أبيض؟ فإن الوزير حينما رأى نفسه مشددًا عليه في عقر داره، اعترف لزائره بأن الخزينة لم يعد فيها من النقود إلا ما يكفي لسداد احتياجات بضعة أيام فقط، وأما بعد، فيفعل الله ما يشاء.

فذهب الزائر من عند إسماعيل صديق باشا إلى قصر الخديو، ووجه إليه باحترام بعض أسئلة من التي كان قد وجهها إلى وزير المالية، فأبدى (إسماعيل) جهله الحالة المالية بالتمام لتركه إياها تحت تصرف وزيره الأمين، وقال: إنه لا يشك مطلقًا في أن الخزينة ستقوم بدفع ما عليها حينما يطلب منها دفعه، لأن صدِّيقًا لم يقل له أبدًا ما يشتم منه أنها في ضيق. فنقل محادثه إليه، في الحال، آخر ما أجاب به إسماعيل صديق على أسئلته، وأكد له أن الخزينة تصبح خالية خاوية بعد خمسة عشر يومًا. فأجاب (إسماعيل) «أجل، إن يكن الأمر كما تقول، فإنا سنفعل كما فعل السلطان.»

وليته فعل حينما آن الوقت، أو ليت فعل ذلك كان في الاستطاعة، فإن المرابين الذين استغلوا مجهوداته المبذولة في سبيل تقدم بلاده الأدبي والمادي، وجعلها شقة من أوروبا، ليخربوه ويخربوا بلاده، إنما كانوا لاقوا في خسارة جانب من أرباحهم الجائرة، لا من رءوس أموالهم المقروضة، جزءًا من الجزاء الذي كانوا يستحقونه، والذي كان يجب قانونًا أن ينالهم، لأنهم إنما تقاضوا على زعمهم ربا فاحشًا، بسبب وجود خطر على نقودهم المسلفة، فما كان أجدر بهم إذًا أن يتحملوا عواقب تلك المخاطرة.

ولكن محادث (إسماعيل) أخذ يبرهن له أن موقف تركيا إزاء أوروبا فريد في بابه، وأن المقتضيات السياسية الموجبة مراعاة المالية العثمانية بنوع خاص، لا وجود لها بالنسبة لمصر، وأن الأفضل — والحالة هذه — دفع الدين ولو باحتمال تضحيات جمة أولى من خلق أسباب لمداخلات أجنبية في شئون الحكومة، قد تغير الأيام والحوادث شكلها، وتصبغها بغير صبغتها الأصلية، وأنه يرى أن الأنسب إزاء الصعوبات الكائنة، أن يتقدم الخديو بنفسه إلى طلب مراقبة أوروبية على ماليته، لإثبات استقامة حكومته التامة ومحاسن نياتها، وصدق مجهوداتها في خير الشعب، وشدة اجتهادها الاجتهاد كله للقيام بتعهداتها المالية، قبل أن تقدم أوروبا على إيجاب تلك المراقبة عليه، لأنه إن يفعل ذلك، فقد يجد في المستقبل درءًا لكل شبهة بل لأردأ الطوارئ، فيما لو أبى النحس إلا وقوع ما ليس في الحسبان!

فراقت النصيحة في عين (إسماعيل)، ولم يمض أسبوع على إبدائها إلا وشاع الخبر في لندن في ١٠ نوفمبر سنة ١٨٧٥ أن خديو مصر بعث يطلب من الحكومة البريطانية إرسال بعض كبار موظفي ماليتها لمراقبة الأقلام المالية المصرية.

وفي الوقت عينه أصدر الخديو أمره إلى وزير ماليته ببذل ما يمكن لضمان سداد استحقاق أول ديسمبر، والدفع المطلوبة على الدين السائر لمدة أربع سنوات، على قدر ما يستطيع.

فأقبل الوزير بواسطة الأنجلو إچپشن، وتحت رعاية البنك العقاري الفرنساوي الخفية، يتخابر في أمر إصدار سندات مالية قيمتها ستة عشر مليونًا من الجنيهات لمدة أربع سنوات، تسري عليها فوائد بواقع ١٥٪، وتكون أسهم شركة السويس التي بيد الحكومة المصرية ضمانة لسدادها، على أن تحول تلك السندات فيما بعد إلى قرض حالما يفرغ من سداد قرض سنة ١٨٦٤.

ولكن المخابرات طالت، والوقت أزف، والوزير لم يكن يستطيع الانتظار، فرغب في أن يستفيد حالًا من اﻟ ١٧٦٠٠٠ سهم التي بيده، وشرع يتخابر سرًّا في بيعها بواسطة بنك فرنساوي بالإسكندرية.

فعلم قنصل إنجلترا بالمخابرات المعقودة، وأبلغ سمو الخديو؛ بناء على تعليمات وردت إليه من دولته، أن الحكومة البريطانية وطنت عزمها على المزايدة على كل ثمن يدفع في الحاضر أو في المستقبل من أي كان لمشتري تلك الأسهم.

فأدى ذلك إلى تزاحم بين عمال النفوذ الفرنساوي، وعمال النفوذ الإنجليزي بمصر وأوروبا، وأخذت المخابرات هنا وهناك لتكيف تارة بشكل تأمين تلك الأسهم على سلفة، وطورًا بشكل بيعها، والقنصل الفرنساوي بمصر يجدُّ ويجتهد ليضمن لماليي أمته، أو لحكومته، إما هذا الأمر وإما ذاك. والأنجلو إچپشن يسعى في تخييب مجهوداته، لرغبته في أن يكون هو المفضل، والقنصل الإنجليزي يجاهد جهادًا عنيفًا لتحويل أنظار الحكومة المصرية نحو عاصمة بلاده، حتى أدى السعي في النهاية إلى تخلي الحكومة الفرنساوية والدوق دي كازوزير خارجيتها، بالرغم من صداقته الشخصية للخديو عن رغبة الشراء، وإلى تشبث المستر دزرائيلي كبير وزراء إنجلترا به تشبثًا كليًّا.

ولما كان البرلمان مفضوضًا مسرحًا، وكان غير متيسر لذلك السياسي الحصول على تصديق منه لمشتري تلك الأسهم، توجه دزرائيلي من وقته إلى بيت روثتشايلد الإنجليزي، وعرض رغبته عليه، وسأله عما كان يريد أن يقرضه المبلغ المطلوب، ريثما ينعقد البرلمان على أن تكون ضمانته الوحيدة لغاية ذلك الحين، كلمة شرف وزير بريطانيا العظمى الأول، فكان جواب روثتشايلد أنه قام وأخرج من خزنته المبلغ المطلوب، ووضعه من وقته تحت تصرف قاصده.

فأبرقت أسرَّة دزرائيلي طربًا، وأبرق في الحال إلى قنصل إنجلترا بمصر «أن أخبر الخديو أن الحكومة الإنجليزية تقبل شراء أسهمه في ترعة السويس بمبلغ أربعة ملايين من الجنيهات» — وهي تساوي الآن مائتي مليون تقريبًا.

فرفع القنصل الخبر إلى (إسماعيل)، ولما كان في المبلغ المعروض ربح للحكومة المصرية قدره ٤٥٠٠٠٠ جنيه، وكانت كوبونات — قطعيات — تلك الأسهم لغاية سنة ١٨٩٤، قد فصلت عنها، فيما دفع لدي لسبس، فلم يكن ثمت خسارة أي إيراد وقتي للحكومة المصرية، قبل (إسماعيل) البيع، وصدق عليه.

فلما انتشرت أنباؤه وذاعت، كان لها وقع شديد في كل جهات المعمور، ماليًّا وسياسيًّا.

أما سياسيًّا، فلأن الكل رأوا في إقدام إنجلترا على مشتري تلك الأسهم عملًا خطيرًا، قد تنجم عنه نتائج تؤدي إلى انقلابات ليست في الحسبان، إن لم تكن قاضية قضاء مبرمًا على مستقبل تركيا ومصر معًا، فعلى علاقات مصر بتركيا على الأقل. وعليه فإن الدوائر الرسمية في ڨيينا وبرلين وبتروجراد وباريس علقت على المشتري تعليقات اشعرت بالاضطراب العميق الذي اعتراها.

وأما ماليًّا، فلأن دفع استحقاقات أول ديسمبر أصبح ممكنًا، بل مضمونًا، وباتت شجون القلق، والمخاوف المنتابة الصدور بمخالب حادة، مقضيًّا عليها، وأضحى من المؤكد بعد ذلك أن مساعدة إنجلترا المالية لمصر لن تقف عند ذاك الحد.

وفي الواقع فإن حكومتها أجابت طلب (إسماعيل)، واختارت المستر إسطفان كيڨ، ليشغل مركز مستشار مالي له.

والمستر إسطفان كيڨ كان من الأهمية الشخصية بحيث لم يكن يمكن أن تقف مهمته عند حد التقاط الاستعلامات اللازمة لتحرير تقرير شامل عن الحال فقط، بل كان لا بد من أنها تتجاوزه إلى الإشراف على أعمال الحكومة المالية، وتسييرها في طريق قويم.

وظهرت نتائج ما كان لنبأ شراء الأسهم من وقع في الثمل الذي لعب برهة بعقول المضاربين، لا سيما المطلعين منهم على لهجة الجرائد الإنجليزية، فإنه خيل إليهم لحظة أن الأوراق المصرية أصبحت تساوي الأوراق الإنجليزية عينها، وإلا فإنها أصبحت تساوي على الأقل مساواة تامة الأوراق الهندية في قيمتها ومتانتها، كما أن تلك النتائج ظهرت أيضًا في حركة الصعود التي ذهبت بأسعار قرض سنة ١٨٧٣ من ٥٤ إلى ٧٢ في ظرف خمسة عشر يومًا.

ومما زاد في ثقة السوق أن أموال الضرائب أخذت ترد بغزارة إلى محافظة الإسكندرية، لحض عمال الحكومة المزارعين على دفعها حضًّا فعالًا.

فأصبح مركز وزارة المالية قويًّا ثابتًا، وعاد الطلب يبحث عن إفاداتها، ويقتني أطولها استحقاقًا، كأنه يخشى أن لا يعود يجد منها.

وفي وسط هذا الثمل العام، أي في ١٦ ديسمبر سنة ١٨٧٥ وصل إلى الإسكندرية المستر كيڨ، ومعه الكولونيل ستوكز، وزمرة منتخبة من موظفي وزارتي المالية والخارجية الإنجليزيتين، وسافر جمعهم إلى العاصمة في الحال.

فاستقبلوا فيها استقبالًا شائقًا، وأنزلوا على الرحب والسعة في ضيافة ولي النعم.

فلما وقف الجمهور على ماهية وظائف الأعضاء المؤلف منهم هذا الوفد، والملتفين حول رئيسهم، المستر كيڨ، أخذ يتأكد من أن المهمة التي أتوا من أجلها ليست مالية فحسب، بل مالية وسياسية معًا، وأقبل حملة الأسهم يمنون أنفسهم بأعذب الأماني، ولكنهم ما عتموا أن رأوا أن الحقائق غير الآمال، حينما دنت تصفية أول يناير سنة ١٨٧٦ فإن النقود أخذت تتوارى وتقل، وارتفع الخصم من ٣ إلى ٤٪، ونزل القرض ثلاثة بنوط، وبدأت السوق تشعر بأن مؤثرات مختلفة تتضارب حول العرش المصري، بين أن دي لسبس، حالما علم بيع أسهم الحكومة المصرية في ترعة السويس، هرول إلى مصر في أمل شراء حصص التأسيس المعطاة لهذه الحكومة عينها، وعددها خمس عشرة في المائة من مجموع الحصص كلها.

ولكن الحكومة طلبت لتبيعها مبلغ أربعين مليونًا من الفرنكات، وحيث لم يسع دي لسبس دفعه، فإن البيع لم يتم، وبقيت الحصص بين يدي مصر، وعلى ذلك انتهت سنة ١٨٧٥.

على أنه بالرغم من المصاعب المالية والسياسية المشتدة حول عرش (إسماعيل) اشتدادًا بلغ حدًّا أحرمه استمراء كل لذة، بل حال دون دخوله دور حريمه نيفًا وستة أشهر، على ما أكد هو نفسه للمستر إدون دي ليون قنصل أمريكا العام، وبالرغم من دوي المدافع المصرية في جنوب القطر، وجنوبه الشرقي دويًّا أزعج هذا القطر عينه، وأوجب زيادة في اشتداد المصاعب المالية والسياسية، فإن هذه السنة التي تم فيها (لإسماعيل) تأسيس المحاكم المختلطة الإصلاحية، أي تقرير سلطته التشريعية المدنية على عموم النازلين في بلاده تقريرًا نهائيًّا، كانت العام الذي بلغ هو فيه سؤدده الحقيقي، وحق له، لولا تلك المصاعب المالية الواخزة وخزًا أليمًا، أن يستوي بهناء على عرشه، ويقول «لقد أصبح المستقبل لي حقًّا.»

١  أهم مصادر هذا السفر «تاريخ مصر المالي» ما بين سنة ١٨٥٤ و١٨٧٧ لمجهول اسمه چ.س. فيحسن الرجوع إليه بكلياته. وهو يوجد بمكتبة بلدية الإسكندرية، ومكتبة سليمان سامي بك، وفي دار الكتب المصرية بمصر، و«المالية المصرية» لمكهل في الكونتمپوردي رڨيو أكتوبر سنة ١٨٨٢.
٢  انظر «مصر» لمالورتي ص٧٠ و٧١، وانظر «مصر كما هي» لماك كون ص٩٢، و«مالية مصر» لردجواي ص٤ والحاشية نمرة ٣٢٠ في كتاب «مصر» لمالورتي.
٣  كتب في سنة ١٩١٨.
٤  انظر «تاريخ مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص١٥٦.
٥  «سيزيف» مؤسس مدينة كورنتس بشبه جزيرة المورة، وملكها اشتهر بنهبه وسلبه وقطعه الطريق على عابريها. قتله تيزنس ملك أثينا جزاء شروره، وحكم عليه في جهنم بدحرجة صخرة كبيرة مستديرة، من أسفل جبل إلى قمته. فكانت قواه كلما بلغت الصخرة الذروة تخور، فتسقط الصخرة إلى الأسفل فيعود إلى دحرجتها، وهكذا إلى الأبد.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠