الفصل الأول

نحو التوقف عن الدفع١

إن الرياح إذا ما أعصفت قصفت
عيدان نبع ولا يعبأن بالرتم

ولكن الأيام الغشومة أبت إلا أن يكون بلوغ (إسماعيل) أوج عزه وذروة مجده سرابًا فقط وأبت — انظر إلى تهكم الأقدار وعبثها بالموضوعات البشرية — أبت إلا أن يكون الإصلاح القضائي ذاته، الذي اعتبره هو نفسه، والذي كان في الحقيقة تاج مساعيه كلها، الآلة الهادمة لذلك العز، والعجلة المدهورة لذلك المجد، من الذروة إلى الحضيض! فما أكبرها عبرة! وما أشد وقعها على النفوس!

ولو لم يكن هناك دليل على أن (إسماعيل) كان يفضل المصلحة العامة على مصلحته الشخصية، وعلى أنه كان يعتبر قيام مجد ملكه الحقيقي على ما يعمله من مصلحة لبلاده، لا على ما يحتاط به من ملاذ، ولا على ما يحتفظ به لنفسه من استبداد بالسلطة والنفوذ سوى سعيه إلى إصلاح شئون العدالة في القطر، ورغبته في توحيد المحاكم، ومنحه لها حق القضاء حتى بينه وبين العموم من رعاياه، ورعايا الدول الأجنبية، فيما قد ينجم بينه وبينهم من منازعات لكفى.

ولا غرابة إذا أجمع كل المؤرخين والمعاصرين على اعتبار تأسيس تلك المحاكم أكبر إصلاح أجراه (إسماعيل) في مدة ملكه، وخير ما دل به على حقيقة نياته الصالحة نحو أمته وبلاده.

بيد أنه، بينما كان هذا الإصلاح الخطير يتأصل في الديار، ويبدأ بنشر ظله الوارف عليها، كان المستر كيڨ والموظفون الذين معه يوالون العمل الذي أتوا من أجله، ويغربلون حسابات وزارة المالية والدوائر الخديوية، للوقوف بقدر الاستطاعة على ديونها وإيراداتها، والخديو يصدر الأوامر تباعًا، ويتخذ الاحتياطات كلها ليوجِد لهم جميع التسهيلات التي بها يتمكنون من الوقوف على حقائق الأمور.

فكانت نتيجة مجهوداتهم، تقريرًا مفصلًا وضعه المستر كيڨ بعد وصوله بشهرين، ورفعه إلى الوزارة البريطانية، دون أن ينشره بمصر، أو يعلن أهم محتوياته على الأقل، مع أن الرأي العام المهتم بالشئون المصرية كان ينتظره، ويترقب إعلانه بفروغ صبر، تهدئة للخواطر واطمئنانًا للقلوب، إذا أظهر أن الحالة موجبة ذلك، أو إنذارًا لاتخاذ الوسائل الواقية الممكنة، إذا أظهر أن الهاوية أصبحت مفتوحة تحت الأقدام.

وإنما كانت مشغولية الرأي العام، وقلق أفكاره ناجمين عن أنه منذ حضور المستر كيڨ هذا انقسمت المعية الخديوية الرسمية وغير الرسمية إلى دائرتين متعاكستين، لكل منهما زعيم أو مدره، وماليون، ومؤثرات صغيرة وكبيرة، لا بل وعيون مبثوثة حول الأمير، ونظام احتياطات يرمي إلى تملك أذنه وقلبه، دون الدوائر الأخرى.

هاتان الدائرتان كانتا دائرتي الحزب الفرنساوي والحزب الإنجليزي، والنتيجة الوحيدة الواضحة لمجهوداتهما كانت تعذر الوصول إلى إتمام أي مشروع، بسبب العراقيل التي أخذ يقيمها كل حزب في طريق خصمه، وعدم تمكنهما من الاتفاق على العمل معًا، لأنه بينما كانت مرامي الحزب الفرنساوي مالية اقتصادية فقط، كانت مرامي الحزب الإنجليزي سياسية قبل كل شيء.

فانقضى شهر يناير سنة ١٨٧٦، والحالة هذه بدون التوفق إلى اتخاذ أية وسيلة لدرء الطوارئ المخيفة، المتوقع قدومها مع استحقاقات الدفع الموشك حلولها، وزاد المخاوف هلعًا استمرار إقامة المستر كيڨ في القطر، واستمرار مباحثه، ودروسه دون ظهور أية نتيجة لها بعد، وانتشار أبعد الأخبار غرابة في الأوساط المالية المحلية عن المجهودات المبذولة من كلا الحزبين البادي ذكرهما، لحمل الخديو على قبول هذا الاقتراح أو ذاك العرض المقدَّمين تارة من هذا الحزب، وطورًا من ذاك.

أما المشروع الذي كان ينسب السعي في تحقيقه إلى الحزب الفرنساوي، والذي كان في الواقع مرمى مساعي هذا الحزب، وعلى رأسه الأنجلو إچپشن بنك، فكان توحيد الدين السائر.

وأما ما كان ينسب السعي نحو تحقيقه إلى الحزب الإنجليزي، وما كانت الأوساط المالية الغربية وغيرها بمصر تعتقد في نجاحها لرغبتها فيه، فكان أن تأخذ الحكومة الإنجليزية على عاتقها جميع الديون المصرية، المضمونة منها وغير المضمونة، وتتولى هي سدادها، على شرط التنازل لها عن السكك الحديدية وميناءي الإسكندرية والسويس، وأشياء غيرها من هذا القبيل، ومن هذه الأهمية.

وبينما هذه الإشاعات تذاع وتتضارب، إذا بنبأ طار في ١٧ فبراير أن الأنجلو عقد مع إسماعيل صديق باشا عقدًا ماليًّا قدم له بموجبه، ومن أصل المطلوب لتثبيت الدين السائر، مبلغ ثلاثة ملايين جنيه منها مليونان نقدًا، والمليون الباقي عند الاختيار.

فدل ذلك على تفوق الحزب الفرنساوي على خصمه.

ولم تمض على ذلك أيام إلا وطار نبأ آخر بسفر مسيو پاستري، مالي هذا الحزب إلى باريس، وفي جيبه مشروع مصدق عليه من الخديو لكي يعرضه هناك على النقابة التي كان هو مندوبها بمصر، أي على فريق الماليين الذي كان البنك العقاري الفرنساوي زعيمهم وروحهم.

وبما أن العالم المالي المصري لم يكن مرتاحًا إلا إلى نجاح المشروع المنسوب إلى الحزب الإنجليزي ولا كان يهمه إلا قليلًا نجاح الحزب الفرنساوي، فإنه قابل النبأين ببرود وظنون ثائرة، ولم يتبع إلا بفتور المخابرات التي باشرها المسيو پاستري بعد وصوله إلى باريس مع نقابته.

أما المشروع الذي ذهب ليعرضه عليها فكان عبارة عن إنشاء بنك أهلي، رأس ماله من أربعة إلى خمسة ملايين جنيه، يناط به جمع كل إيرادات القطر المصري في خزائنه، فيستعبد ما يلزم منها لخدمة الدين، ويسلم الباقي إلى الحكومة، أو يبقيه تحت تصرفها، ويناط به أيضًا أمر سداد الدين السائر، بواسطة إصدار أذونات لثلاثين سنة، تكون ضمانة سدادها إيرادات سكك حديد الصعيد، والدخوليات، وميناء الإسكندرية، وما يخص حصص التأسيس في شركة ترعة السويس الباقية في حيازة الحكومة.

ولكي يضمن أن يكون عمل ذلك البنك نظاميًّا مرتبًا، وتقام الثقة به على أسس متينة، فإن الدول الثلاث ذات المصالح الكبرى في القطر، وأعني بهن فرنسا وإنجلترا وإيطاليا، تعين ثلاثة مندوبين غربيين يختارهم الخديو، فيراقبون الأعمال، ويسهرون على أن لا تحول الإيرادات الخاصة بخدمة الدين عن الغرض الذي جعلت لأجله.

وبينما المسيو پاستري يتبع مجرى مخابراته في باريس، كان المستر كيڨ قد فرغ من العمل الذي انتدب لأجله، وبعد أن رفع التقرير الذي قلنا عنه، أقلع إلى برندزي، وقد تلاشت عند مؤخر السفينة التي أقلته جميع الأحلام والأماني التي أثارها مقدمه في القلوب والعقول، وتغذت هذه القلوب والعقول بها طوال مدة إقامته.

فازداد القلق والاضطراب، وكثر الأرق في الأوساط المالية، كلما أدنى تصرم أيام فبراير شهر مارس ذا الاستحقاقات المخيفة، وتناول المعية الخديوية ذاتها.

فأخذ الوزير إسماعيل صديق باشا، وقد كثر حوله ضرب الأخماس للأسداس يتفنن، ويجتهد، ويبذل وسعه، ويستنبط الحيلة بعد الحيلة لإخراج النقود من كل خزنة يظن أو يبلغه أنها نائمة فيها، ومن أيدي الماليين الزائدة الفطنة فيهم على الطمع، حتى اهتدى في نهاية أمره إلى طريقة إصدار أذونات على بياض وهي أذونات من نوع خاص تستخرج من سجلات ذات قطع متسلسل خاص، وذات حساب خاص بوزارة المالية، وشرع — مثلًا — مقابل مائة ألف جنيه تدفع إليه نقدًا، على أن يسددها بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أشهر بفوائد ٢٠٪ أو أكثر سنويًّا، يعطي أذونات بقيمة مائتي ألف جنيه وثلاثمائة ألف جنيه وأربعمائة ألف جنيه ضمانة للسداد.

ولما كانت الفوائد الجسيمة الموعود بها، على هذه الطريقة، من شأنها إثارة مطامع الجشعين، أقبل كثيرون على هذا الفخ الجديد، وسقطوا فيه، ولات حين مندم!

فتمكن الوزير بهذه الوسائل من دفع استحقاق أول مارس في حينه، ولم تكن على الدفع شية سوى أنه لم يكن كله ذهبًا، واضطر حاملو الأسهم إلى استلام من ١٠ إلى ١٢٪، من الواجب لهم، ريالات مجرية فضية عليها صورة الإمبراطورة ماريا تريزا.

وتمكن كذلك من دفع استحقاقات ١٠ مارس و٢٠ مارس بواسطة تجديدات قبلت بعض المصارف أن تجريها له مقابل إعطائه لها ضمانة للسداد أذونات على بياض، قيمة كل منها ضعفا قيمة السند المجدد، بل ثلاثة أضعافه أحيانًا.

وتمادى الوزير في أمر إصدار تلك الأذونات على بياض، والتعامل بها إلى حد رأى نوبار باشا معه أن إسماعيل صديق باشا عامل على حفر فوهة بركان، في الحقيقة، تحت قواعد الحكومة المصرية، فسافر إلى أوروبا في ٢١ مارس بدون إخطار أو إشعار أحد.

ولما كان الملأ الأجنبي ينظر إليه، ويعتبره بطل المقاومة البادية حول العرش ضد الإجراءات المصبوغة بصبغة اليأس وقلة الذمة، التي كان يجريها زميله إسماعيل صديق باشا، وكان يعتقد فيه، وحده، الكفاءة والحكمة اللازمتين للخروج من تلك الأزمة الحادَّة، بدون إلقاء الشرف المصري في مهاوٍ سحيقة — وليس من داعٍ هنا للبحث في ما إذا كانت نظرية الملأ الأجنبي، وآراؤه فيه صائبة أم مخطئة — فإن سفره الفجائي أبلغ الاضطراب والقلق أقصاهما، وعده الناس إنذارًا بأن السقطة باتت قريبة لا مفر منها، لا سيما أن الأنباء عن تأسيس البنك الأهلي، الذي كان المسيو پاستري يتخابر في أمره، انقطعت بالمرة.

ولكن الحكومة المصرية رأت أن ترفع ثقة النفوس قليلًا، وتقوي آمال القلوب، فأشاعت أنها اتفقت مع الحزب الفرنساوي على استبدال ذلك البنك الأهلي بصندوق استهلاك تدفع الخزينة إليه سنويًّا المبالغ اللازمة لدفع فوائد الدين المصري واستهلاكه. والمقصود بالدين المصري أقراض سنة ١٨٦٢ وسنة ١٨٦٤ وسنة ١٨٦٦ وسنة ١٨٦٧ وسنة ١٨٦٨ وسنة ١٨٧٣، والدين السائر، والقسط السنوي المطلوب للحكومة البريطانية بصفة فوائد على اﻟ ١٧٦٠٠٠ سهم من أسهم القنال التي اشترتها، والجزية الواجب دفعها سنويًّا إلى الأستانة.

ولزيادة الضمانة يحظر على ذلك الصندوق الدخول في أية عملية تجارية أو استغلالية، وتسلم إدارته إلى ثلاثة مندوبين أوروبيين إلخ. (كما أشيع عن نظام البنك الأهلي المزعوم)، ويوضع تحت ضمانة المحاكم المختلطة المنشأة حديثًا، ويصدر في أول يناير من كل سنة بيانًا لمجرياته، طبقًا لجداول يضعها وزير المالية بالاتفاق مع المندوبين، وهلم جرَّا.

ودارت المخابرات فعلًا بين الماليين الفرنساويين والحكومة المصرية على إنشاء ذلك الصندوق.

ولما رأى الدوك ديكاز وزير الخارجية الفرنساوية أن مدارك أعضاء وفد التخابر الفرنساويين المالية، وثبات أخلاقهم، ليست مما يوجب الثقة والطمأنينة، أوفد حالًا إلى مصر المسيو أوتريه، أحد عماله الأكثر ذكاء وحذاقة، لكي يعضدهم بنصائحه، وما له من الهيبة في النفوس، وينورهم بما له من الخبرة الشخصية في الأمور المصرية — وهي خبرة اكتسبها بمقتضى السنين الطوال التي أقامها بالإسكندرية، بصفته قنصلًا عامًّا للحكومة الفرنساوية.

فقابل الملأ الغربي، بمصر، مجيئه بارتياح تام، لوثوقه من أنه لسابقة احتكاكه بكثرة بالحكومة المصرية، ولسابق وقوع حادث بينه وبينها أثناء توظفه، لم يكن من شأن عبرته أن تنسى، ليس بالرجل الذي يستطيع إسماعيل صديق باشا الضحك على ذقنه والتلاعب به.

ذلك الارتياح تطور حتى صار ثقة تامة، لأن المسيو أوتريه ما أقام بالقرب من الخديو برهة إلا ووثق من صدق شعوره وحسن نياته، ومن أنه لن يستطيع على مجرد فكرة الإفلاس صبرًا، وأنه سيبذل إذًا وسعه للقيام بتعهداته إلى النهاية.

وبلغت به الثقة التي أخذ يجتهد في إدخالها إلى القلوب أنه أنبأ يومًا بأن قرض سنة ١٨٧٣ لا بد من أن يصعد عن قريب إلى ٨٠، ولا غرابة في ذلك، فإن سياسة الحكومة الفرنساوية بمصر كانت مبنية على عمل ما في الإمكان لمساعدة مصر على الخروج بشرف من الأزمة الحادة المنشبه مخالبها في صدر خزينتها، لأنه كان يهمها جدًّا أن لا تصاب بضرر المصالح المالية الجسيمة التي كانت للفرنساويين في القطر، لا سيما للبنك العقاري الفرنساوي الذي كان تحت مراقبتها.

ولكن بينما كانت خطة الحكومة الفرنساوية ترمي إلى إحياء الثقة في القلوب، وإلى إيجاد أدوية فعالة تخفف وطأة الداء، إن لم تشفه تمام الشفاء، كانت مظاهر خطة الحكومة الإنجليزية تحمل على الاعتقاد بأنها إنما تريد بالخديو سوءًا، وإنما تقصد جره إلى التهلكة، لكي يتسنى لها فيما بعد، وفي الوقت المناسب أن تمد إليه يدًا منقذة لن يعود يستطيع سوى التمسك بها، فيصبح هو ومصر تحت رحمتها.

ومما كان يدل على أن هذه هي خطتها، على ما فيه من حوامل على الاشمئزاز والكره، هو أنه كلما وفق الراغبون في مداواة الأدواء المصرية إلى استنباط طريقة أو تدبير من شأنهما تخفيف الوطأة عن الصدور، كان ممثلو تلك الحكومة يهبون حالًا إلى معاكستهما باقتراح مشروع عكسهما تجود به قرائح الخواجات إيليوت وجرينفلد، أو يبني على نصائح المستر كيڨ، أو المستر ريفرس ولسن، بعده، أو أيضًا على نصائح الكرنيل ستنتن، القنصل البريطاني العام نفسه، فيؤدي الاقتراح إلى تأجيل الطريقة أو التدبير.

ومع أن الحكومة البريطانية كانت أول الطالبين بوضع الإدارة المصرية تحت مراقبة مالية أوروبية، فإنها حينما طلب إليها أن تعين مندوبًا من قبلها للاشتراك مع المندوبين الفرنساوي والإيطالي، والقيام بشئون تلك المراقبة، ترددت، ثم اختلقت العائق بعد العائق، وأخيرًا تقهقرت ورفضت. وبلغ من إغراق الماليين البريطانيين في الوقت عينه، في الإقدام على الحط من سعر الأوراق المالية المصرية في بورصة لندن أنه لم يعد في الاستطاعة نسبته إلى مجرد المضاربة، وأن أحاديث الناس أخذت تنسبه إلى إيعاز سري صادر من الحكومة الإنجليزية عينها إلى أولئك الماليين.

ومما زاد الطين بلة، وألبس أعمال هذه الحكومة ثوبًا ضيقًا من الريب والشكوك، هو أن المستر دزرائيلي، رئيس الوزارة البريطانية، اليهودي الأصل، المرفوع إليه تقرير المستر كيڨ، بدلًا من الإسراع إلى نشره، تهدئة للخواطر، وإجابة للرغائب البادية من كل حدب وصوب، رأى أن يعلن في خطبة ألقاها في ٢٣ مارس من هذه السنة على مجلس العموم «أن الخديو سأله — بناء على أن حالة المالية المصرية سيئة، وأن البيانات التي قدمها للمستر كيڨ إنما كانت من نوع ما يُسر إلى الصديق، لا من نوع ما تستحب إذاعته — أن لا ينشر التقرير الذي وضعه المستر كيڨ.»

فكان لقوله هذا أسوأ وقع في النفوس، وأوجب فرقعة وغضب وغيظ في الأوساط المالية أدت إلى هبوط سعر قرض سنة ١٨٧٣ من ٦٣ إلى ٥١!

نعم إن المستر نورثكوت، وزير المالية البريطانية، حاول في جلستي ٢٧ و٢٩ مارس تخفيف وطأة ذلك الوقع السيئ المسبب عن كلام رئيسه، ولكنه لم يفلح إلا قليلًا، لأن الضربة كانت قد أصابت مقتلًا. لذلك لما أعلن في ٣١ منه وصول إشارة تلغرافية من الخديو إلى وزارة الخارجية تظهر رغبة المليك المصري في أن ينشر تقرير المستر كيڨ، لم يكن لإعلانه هذا أقل تأثير، ولم يبق التحسين الناشئ عنه في أسعار الأوراق المصرية سوى بضعة أيام،٢ مع أن التقرير كان في مجموعه موجبًا للارتياح والاطمئنان.

نعم إنه اعترف، صراحة، بأن مبالغ جسيمة صرفت في وجوه عديمة الفائدة، أو في أعمال مفيدة نفذت على غير المرام أو بسرعة ضارة — على أن مصر تشترك فيما هو خاص بهذا النوع من الأعمال مع كل البلاد الحديثة، كالولايات المتحدة وكندا — وأن مبالغ أخرى جسيمة فُقدت في حملات عسكرية لا طائل تحتها، أو التهمها أفاقون ماليون وسياسيون، أو موظفون تمكن بعضهم بعد خدمة بضع سنوات من الانسحاب بثروة طائلة، بالرغم من أن مرتباتهم لم تزد على أربعين جنيهًا شهريًّا.

نعم إنه أعلن بأن كل ما يمكن أن يكون ضمانة لسداد الديون قد أصبح مرهونًا، وإن لم يعد في وسع الحكومة افتداء الدين السائر، ولكنه أكد في الوقت عينه أن مصر — بالرغم من ذلك جميعه — إذا ساعدتها قوة خارجية كافية على الاقتصاد في مصروفاتها، وأعادت إليها ثقة الغير بها، تستطيع سداد جميع ما عليها من الديون، والخروج من الأزمة التي هي فيها بشرف وسلامة معًا.

على أنه يجب لذلك:
  • أولًا: أن توحد ديون الحكومة والدائرة السنية معًا، ومقدارها ٧٦٧٤٦٨١٢ جنيهًا.
  • ثانيًا: أن تستبعد من هذا القدر أقراض سنة ١٨٦٤ وسنة ١٨٦٥ وسنة ١٨٦٧ القصيرة المدى، وتسدد من متحصلات «المقابلة».
  • ثالثًا: أن الباقي مضافًا إليه مبلغ مليوني جنيه قيمة هذا الاتفاق الجديد، ومليون جنيه، قيمة تكاليف حرب الحبشة، يجمد ويجعل دينًا واحدًا بفائدة ٧٪ سنويًّا، ويسدد في سنة ١٩٢٦.

وكان المسيو پتريه قد عاد في، الأثناء، إلى مصر بخفي حنين، وأخذ يجري المخابرات، ولكن في وجهة أخرى.

غير أنه ما لبث، برهة، إلا واضطر إلى إيقافها بغتة، وذلك لأن الساعة باتت خطيرة وحبلى بحوادث جلي، فإن أثمار مماطلات إسماعيل صديق باشا بلغت النضوج، وأصبح الزمان لا يستطيع سوى قطفها.

هذا الوزير بفضل مركزه، وقربه من قلب أخيه في الرضاعة السامي، كان قد تمكن لغاية ذلك الحين من التملص من كل ارتباط مقيد بضوابط محددة، ووجد طريقة لتأخير توقيعه أو رفضه، كلما كانت تدق الساعة الموجبة ذلك التوقيع، وغرضه استغلال سهولة تصديق عمال البنك العقاري الفرنساوي في وعوده المزوقة، ليثبت عندهم الاعتقاد بأنه لن يتفق مع غيرهم مطلقًا على إنشاء البنك الأهلي أو صندوق الاستهلاك، أو مشروع تجميد الدين السائر، ويتذرع بهذه الوسيلة إلى وضع معظم هذا الدين السائر على عاتقي ذلك البنك، بأمل جعله دائنه الوحيد دون غيره.

ولكن أولئك العمال أدركوا في نهاية الأمر أن تلك الوعود إنما هي في الحقيقة شراك ينصبها ذلك الوزير لهم، فأخطروه بصراحة أنهم يرفضون تقديم أية سلفة جديدة قد يطلبها منهم إن لم يعلن أولًا اعتماده اقتراحاته الأخرى اعتمادًا نهائيًّا، ويوقعها.

تلك كانت الحال في ٢٨ مارس، أي خمسة أيام بعد أن اضطربت الأسواق المالية لخطبة المستر دزرائيلي اضطرابها الهائل، وثلاثة أيام قبل استحقاق أول أبريل.

فالساعة كانت إذًا خطيرة كما قلنا لأنه ما من أحد إلا وكان يعلم أن الوزير لمرور فصل تحصيل الضرائب، وضياع الثقة في القطر وفي أوروبا على السواء، لم يستطع جمع النقود اللازمة لتغطية المطلوب في ذلك الاستحقاق، فإلى أين يكون — والحالة هذه — المصير؟

على أن إسماعيل صديق باشا لما وجد الأبواب كلها موصدة، لم ير بدًّا من اطلاع مولاه على الضائقة التي باتت ماليته فيها، فأدرك الخديو أن تداخله في الأمر أصبح محتمًا، وأن النجاة لن تأتي إلا من عمل يعمله هو.

ففي الحال، لكي يحفظ سمعة بلده وشرفه، أقدم على مخابرة الحكومتين الفرنساوية والإنجليزية، وطلب إليهما بتوسل، على ما في التوسل من مضاضة على نفسه الأبية، أن تذكرا وثاقات الصداقة القديمة التي تربطهما به، وتمدا يد المساعدة إلى حكومته وإليه، لكيلا يحيق به عار الاحتجاج على السندات الممضاة بإمضائه.

أما الحكومة الإنجليزية، فأجابت برفض مر، في مبناه ومعناه، ولا غرابة فإن نيات المستر دزرائيلي اليهودي الأصل، السيئة بمصر وخديوها، لم تعد سرًّا لأحد.

وأما الحكومة الفرنساوية، فهاجتها رسالة (إسماعيل) المسلمة إليها في صباح ٣١ مارس، فطرح المسيو ديكاز مضمونها على بساط مداولة مجلس الوزراء الملتئم لهذا الغرض. ولما كانت مصالح البنك العقاري الفرنساوي، ومصالح تابعه البنك الزراعي مرتبطة ارتباطًا كليًّا بالمصالح المصرية، فإنه كان من البديهي أن لا تتخلى الحكومة الفرنساوية عن مساعدة المالية المصرية، لئلا يصاب بمصيبتها ثاني محل مالي بفرنسا كلها، وتنجم عن تلك الإصابة عواقب في منتهى الخطورة لمركز فرنسا المالي.

فاقتنع الوزراء الفرنساويون بما أبداه لهم زميلاهم الدوق دي كاز والمسيو ليون ساي من البيانات الموجبة للتداخل، وبعد أن اتفقوا مع المسيو جمبتا، زعيم أكبر الأحزاب البرلمانية، لكي يتقوا كل سؤال في هذا الشأن يعنُّ لأحد النواب طرحه عليهم، فيحرجهم ويزيد في حرج مركزهم، أرسلوا في مساء ذلك اليوم عينه إلى لندن المبالغ اللازمة لدفع استحقاق الغد.

وبينما تلك المداولة الوزارية تدور في باريس، كان قلق النفوس بالإسكندرية، لا سيما في البنوك ذات الشأن الكبير في استحقاق أول أبريل، قد بلغ أشده، وأخذت الهواجس تعذب القلوب عذابًا أليمًا، لأن افتقار الحكومة الكلي إلى نقود كان معروفًا لدى الجميع، وبالتالي تعذر الدفع عليها بما لديها من الوسائل، فإن لم يأت الفرج من الخارج، أفلا تقع الصاعقة؟

فلا غرابة والحالة هذه في أن الكرى هجر جفون رجال البنوك كلهم في الليلة ما بين ٣١ مارس وأول أبريل سنة ١٨٧٦، وأن عيونهم اكتحلت بسواد الاضطراب الناشب في أفئدتهم، فأخذوا يساورون شجونهم باجتماعات هنا وهناك، يتداولون فيها فيما يجب عمله، ويترقبون بفارغ الصبر ورود الأنباء من الخارج، ويقيمون حول تواكيل التلغراف من يكفلونهم بأن يأتوهم بالإشارات البرقية ساعة ورودها، عسى أن يكون ضمنها الإشارة المنقذة، ويجتازون ساعات الليل وهم حاملون عبء يزداد شعورهم بثقله، كلما تقدمت تلك الساعات نحو النهار، واشتد الأمل بقرب الفرج.

فلما كان الفجر — وقد أخذ اليأس يخنق الحناجر، وبغلت مخالب الاضطراب صميم الأفئدة — وردت الإشارة الطيبة المنتظرة، وما هي إلا لحظة وطيرت في جميع أرجاء المدينة، فأوجبت ارتياحًا عظيمًا، وشكرانًا لرجال البنك العقاري الفرنساوي يشوبه شيء من التهكم.

على أن الطمأنينة التامة ما زالت مبتعدة عن القلوب، لعلم الناس أن الأزمة إنما انفرجت مؤقتًا، وأن استحقاقات ١٠ أبريل و٢٠ أبريل وأول مايو، وهلم جرَّا تقفو أثر استحقاق أول أبريل، وأنه ما دام الدين السائر متحركًا في الفضاء المصري، كنجم ذي ذنب لا ضوابط له، وما دام وزير المالية حرًّا في تصرفاته، لا قيد عليه، فلا بد من بقاء الحال مضطربة، والخوف من المستقبل حيًّا.

على أن المسيو باستريه كان قد عاد إلى مخابراته، وطارت الأنباء بأنه أوشك أن ينجح فيها.

ولكن وزير المالية ولفيف المحيطين بالخديو اجتمعوا في الأثناء اجتماعًا سريًّا، وشرعوا يتباحثون في اللازم عمله: «أيصبرون على سقوط موارد الثروة المصرية العمومية، الواحد تلو الآخر، وعلى الاستمرار على مص ثديي تلك الثروة، بالرغم من جفافهما، للتمكن من سداد الفوائد الهائلة الجائرة، المطالب بها جمهور المرابين، أصحاب الديون المصرية، الذين لو حوسبوا حسابًا دقيقًا لظهر أنهم استردوا فوائد ما أقرضوا أصلًا، وزادوا عليه كثيرًا؟ أيصبرون على ذهاب ثروة الخديو وثروة أسرته الكريمة برهن بعد رهن، وتحويل إيراد تلو تحويل إيراد إلى أيدي أولئك المرابين أنفسهم، الذين إنما غشوا في الأول، إذ أطمعوا في الاقتراض منهم، وتفرعنوا في الآخر، إذ علموا أنه لم يعد هناك باب لتحقيق المكاسب الفظيعة التي حققوها في بادئ عملهم؟ وما الفائدة من ذلك الصبر، إذا كان لا بد في النهاية من التوقف عن الدفع؟ فلم لا يكون التوقف منذ الآن — ولا يزال بعض الشيء في الأيدي — بدلًا من التوقف بعد غد، إذ تكون بصرة قد خربت، ولات حين مندم؟»

وعلى ذلك أقروا التوقف عن الدفع، منذ ١٥ أبريل، ولكن كيف يبلغ التوقف إلى من يهمهم الأمر؟ وكيف يكون شكله؟

فاتفقوا بعد بحث خفيف على أن التوقف يتخذ في الأول شكل مد أجل فقط، أي أن دفع استحقاقات أبريل ومايو يؤجل إلى بعد ثلاثة أشهر، وقر الرأي على أن يخطر العموم بذلك، بموجب إعلان تصدره محافظة الإسكندرية.

فعلق هذا الإعلان فعلًا يوم ٨ أبريل صباحًا في بورصة الإسكندرية، ومع أن الجميع كانوا يتوقعون مضمونه، إلا أن وقعه في النفوس كان شديدًا، على أن بورصتي الإسكندرية ولندن بقيتا متماسكتين إما لأن الإعلان دوخهما، فلم تفقها معناه في الأول، وإما لأنهما رأتا اضطرارهما إلى التجلد واجبًا للتبصر.

ولكن التردد لم يستمر طويلًا، وما لبثت الأسعار أن انهارت انهيارًا مخيفًا فمن ١١ أبريل إلى ١٥ منه هبط قرض سنة ١٨٧٣ إلى ٤٢.

١  أهم مصادر هذا الفصل: الفصلان التاسع والعاشر من «تاريخ مصر المالي» لمجهول البادي ذكره، والفصل التاسع عشر من كتاب «مصر الخديوي» لإدون دي ليون، و«المالية المصرية» لملهل، والفصل السادس من كتاب «مصر كما هي» لماك كون.
٢  انظر «تاريخ مصر المالي» لمجهول اسمه ج.س. من ص٢٢٢ إلى ٢٢٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠