الفصل الثالث

نكبة إسماعيل صدِّيق باشا١

فإن تصبك من الأيام جائحة
لم نبكِ منك على دنيا ولا دين
ابن الزبير

وبينما هذه الاضطرابات الغريبة آخذة مجراها، المندهشة له أرض الفراعنة، لعدم وقوع مثله على سطحها، منذ أن رسخ في أذهان ساكنيها وقلوبهم أن «ولي النعم» لا يقاوم، وأنه يملك ذات الأعمار والأعراض، لا الأموال والأطيان فقط، وبينما الحكومة تتوقع اشتداد الضيق حول عنقها في المستقبل، بسبب التدخل الدولي بينها وبين دائنيها، وتلوم نفسها لومًا شديدًا على أنها هي التي فتحت الباب لذلك التدخل بإقدامها على استدعاء التفتيش الأوروبي على إيراداتها وحساباتها، الاستدعاء الذي أدى إلى مأمورية المستر كيڨ، كان المستر جوشن وزميله المسيو چوبير يشدان رحالهما إلى القطر المصري، ويتزودان تعليمات من نادبيهما، حتى إذا كان منتصف أكتوبر، وصلا إلى مصر، ونزلا ضيفين رسميين على الخديو، ونقول «رسميين»، لأن كلًّا منهما كان معضدًا من وزارة خارجية دولته.

فوضع الخديو تحت تصرفهما كل التسهيلات اللازمة لكي يتمكنا من الوصول إلى الغرض الذي أتيا من أجله، وأمر عموم موظفي حكومته بأن لا يضنوا عليهما بمعلوم أو بيان يرغبان فيه، فامتثلوا على مضض منهم.

وكان أكره الموظفين المصريين لمأمورية المندوبين الإنجليزي والفرنساوي، وأعظمهم تغيظًا منها، وأقلهم موافقة وصبرًا عليها وزير المالية إسماعيل صديق باشا، والقارئ يفهم لماذا.

وكان المستر جوشن لسابقة اختلاطه بالأمور المالية المصرية، يعلم ذلك حق العلم، فصمم على أن يبادئه العداء، ويقاطعه مقاطعة تستلزم إبعاده حتمًا عن منصبه السامي.

فزار حال وصوله عموم أعضاء الوزارة المصرية، ما عدا «المفتش»، مع أنه الوزير الذي كان نوع الأشغال التي أتى من أجلها يجبره على الاختلاط به أكثر منه بباقي زملائه.

ولم يدع بعد ذلك مناسبة، مهما كانت بعيدة، تمر بدون أن يعلن ويذيع أن إقالة إسماعيل صديق لازمة لنجاح مشروعه ومهمته، ولإنقاذ الخديو من الورطة التي أصبح فيها، حتى بات مجهوده في هذه الوجهة حديث عموم الدوائر في القاهرة، وحتى رسخ في أذهان أكثر المقربين من الذات الخديوية، لا بل في أذهان أولادها أنفسهم، الأمراء محمد توفيق، وحسين، وحسن، أن بقاء إسماعيل صديق في منصب الوزارة ضار بمصالح الخديو والبلاد المصرية معًا، وحتى أصبح الجميع يتمنون ويرومون إبعاده عنها.

ولا غرابة، فإن الرجل كان قد بلغ من العز، والنفوذ، والمكانة، من قلب مولاه، والسطوة على عموم المصالح والإدارات ما لم يرو له نظير أو مثيل في التاريخ المصري بأسره.

فإسماعيل باشا المفتش — وكان يقال له «الخديو الصغير» — كان في الحقيقة الصدر الأعظم المصري، وكان وحده، دون زملائه كلهم، يعمل باستقلال تام في الرأي والتنفيذ، وبدون مشاورة مليكه، الواثق به كل الوثوق. ومع أن إدارة الأقاليم كانت من شئون وزير الداخلية، وأن وزير الداخلية كان في مدة كبيرة من عهده ولي العهد نفسه، الأمير محمد توفيق باشا، فإن إسماعيل صديق كان المعين في الحقيقة لكل مدير ووكيل مديرية، ومحافظ ووكيل محافظة، ومعظم المأمورين ونظار الأقسام في القطر كله، فكان الكل محاسيبه يفعمون جيوبه بالمال الذي يعصرونه من جسم الفلاح، ليستبقوا لأنفسهم رضاه عنهم.

وبلغ من إغراق الرجل في الاستئثار بالسلطة دون أصحابها الشرعيين، أن كل محاسيبه هؤلاء صاروا إلى الاعتقاد بأن الخديو نفسه لا يستطيع أن يمسهم بضر ما دام إسماعيل صديق باشا يظللهم بحمايته القديرة.

من ذلك ما يروى عن أحد رؤساء ميناء رشيد فإنه لما كان مدينًا بتعيينه للمفتش أبى الامتثال لأمر خديو قاضٍ بعزله من وظيفته لسوء سلوكه، ورفض التخلي عن منصبه، حتى وافاه ماك كيلوپ باشا عينه، مدير مصلحة الموانئ والفنارات بنفر من حرس البحرية، وأمر مختوم بخاتم الخديو، وطرده من مركزه طردًا بالقوة.٢ على أن هذا وقع عن طريق الشواذ، وإلا فإن الخديو كان يريد عادة ما كان أخوه في الرضاعة، إسماعيل صديق باشا، يريده، لا سيما في الأمور المالية.

ولما كان هذا الوزير أقرب إلى الرعايا، وأكثر بهم اختلاطًا واحتكاكًا، ودون المليك لهم تقليبًا، كان الخوف منه في الصدور يفوق الخوف المنبعث عن شخص الخديو إليها.

فكان من المحتم، إذًا، لجميع ذلك أن يكون إسماعيل صديق باشا موضع حسد الكثيرين وغيرتهم، وموضوع كراهة الجميع.

ولما كان من المؤكد، المعروف لدى كل إنسان، أن المرجع في أن القروض التي عقدت في عهده كانت كلها خرابًا في خراب للخزينة المصرية، إنما هو للرشاوى الجمة القدر التي كان مصدرو تلك القروض يفرغونها في جيوب وزير المالية، وأن السبب الأكبر في تراكم الدين على مصر إنما هو رغبة هذا الوزير في إقامة سراب ذهب أمام عيني مولاه — كما فعل قبله المسيو دي كانون وزير لويس السادس عشر الفرنساوي، لإحراز رضا الملكة ماري أنطوانيت، وأمراء بطانتها وأميراتها — لكي يتمكن هو نفسه مع وجود ذلك السراب ساطعًا أبدًا أمام نظر (إسماعيل) من إشباع طمعه الأشعبي في الأموال، وإكثار ملاذ الحياة حوله، وتمتعه بها، كان من البديهي أن تثور عليه، وتغلي مراجل السخيمة العامة.

ولما كانت الثروة التي جمعها — بالطرق غير المشروعة، والفظيعة، والمثيرة لتلك السخيمة — فاقت في مقدارها واختلاف مظاهرها ما كان منها لدى أمير مصري، وبلغ من وقاحة كيفية الإنفاق منها، عن سعة متناهية، أن ملابس نساء المفتش وحليهن، والرغد المحيط بهن، وكثرة حشمهن وخدمهن، وفخامة دورهن ومواكبهن، وكل ما كان يحيط بحياتهن من مظاهر الأبهة والجلال، أصبح مما تحسدهن عليه حسدًا حقيقيًّا ذات أميرات البيت الخديوي، وتغرن منهن عليه غيرة صحيحة — فإن ثمن إحدى مراوح زوجة ذلك الوزير المحبوبة بلغ ٣٧٥ ألف فرنك، وثمن شمسية من شماسيها بلغ ستمائة ألف من الفرنكات٣ — وكان من البديهي كذلك أن يحقد أمراء البيت المالك وأميراته على إسماعيل صديق باشا، ويبغضونه، ويرغبون في إزالته، ويعملون عليها، إن لم يكن لسبب آخر، فلعدم صبرهم على أن تبسم الدنيا كل ذلك الابتسام لمن كان مثله ابن فلاح وصعلوك الأصل، طالما مد أجداده، بل أبوه ذاته، تحت الكرباج، وازرقت أرجلهم، ودفقت دمًا من تعاقب السياط عليها.

فلما رأى تحالف هذه الأحقاد والأحساد النفور المستحكم بين المستر جوشن والمفتش، تأكد من أنها فرصة في منتهى المناسبة لدك قوائم نفوذ الوزير المكروه، وتقويض أركانه كرسيه، فالتف المتحالفون على غير قصد حول المستر جوشن، وأقبل جمعهم يذكي في قلبه العزم على مناوأة المفتش عداوة فعالة، ويوطد رغبته في العمل على عزله.

ولم يكن المفتش من جهة يخفي كراهته للمندوب البريطاني واحتقاره له، لاعتباره إياه رجلًا من الوقاحة بمكان، حيث إنه يتجاسر على تقريع اختلال موازين المالية المصرية، مع أنه هو عينه أحد كبار المرابين الذين كانوا السبب الأكبر في ذلك الاختلال، كما أنه لم يكن يخفى أن مقترحات ذلك الرجل والمشروعات التي كانت تجود بها قريحته لم يكن من الحكمة، ولا من السياسة الحسنة الموافقة عليها أو قبولها، لأن المقصود منها لم يكن حمله هو على الاستقالة، والتخلي عن دفة المالية المصرية، بل وضع مصر تحت مراقبة الدائنين، وأنها لو أخرجت إلى حيز النفاذ لقضت على السلطة الخديوية، وعلى استقلال البلد قضاء مبرمًا.

فاشتد إذًا النزاع بين الاثنين، وأخذ كل منهما يحاول التغلب على خصمه في استمالة الخديو إلى مراميه، واجتذابه إلى نظرياته.

ولما كانت منزلة المفتش من نفس الخديو أمرًا مشهورًا عند الخاص والعام، فإن الملأ اعتقد اعتقادًا أكيدًا، لغاية الأسبوع الأول من نوفمبر أن الفوز في النزاع القائم سيكون للمفتش حتمًا، لا سيما بعد أن رفض الخديو مرارًا التخلي عنه، بالرغم من أن الأصدقاء الأشد إخلاصًا له، والرأي العام المهدد، وأقرب الناس إلى سموه، بل أولاده أنفسهم طلبوا منه إبعاده.

ولكن جوشن لم يكن الرجل الذي يجهل كيف تكون طرق التغلب على خصمه.

ولما كان لا بد من تقديم ضمانات تطمئن لها ريب الدائنين وهواجسهم، اقترح أولًا تعديل الحال المالية التي أوجبها دكريتو توحيد الدين المصري وتجميده، بعض التعديل، يجعل اليد العليا للعنصر الغربي في مراقبة المالية المصرية، ثم عمل بحيث إن الألسنة في أوائل الأسبوع الثاني من نوفمبر أخذت تشيع بمصر، ولا سيما في الدوائر القنصلية أن هياجًا طفق يبدو في المديريات ضد المشروع كله، بل ضد ذات الخديو، وشرعت تلك الألسنة تبدي كلامًا يؤخذ منه أن مصدر ذلك الهياج إسماعيل صديق.

وكانت الإشاعتان قد ذاعتا كثيرًا في القاهرة، لما قصد المستر ماكون الكاتب الإنجليزي سراي صديق باشا في ظهر يوم الثلاثاء ٧ نوفمبر لتناول طعام الغداء عنده، فدار الحديث بينهما على النزاع القائم بينه وبين المستر جوشن.

ولما كان المفتش لا يتكلم غير العربية، فإن التفاهم بين محدثه وبينه كان بواسطة دهان بك، محاميه الخاص.٤ فلم يبخل إسماعيل على جوشن بشيء من الاحتقار الذي ما فتئ يتظاهر به نحوه، ولكنه لم يتفوه بكلمة واحدة ضد الخديو مولاه.

فلما كان المساء قابله الكاتب عينه مرة أخرى في عابدين على الشرفة الشمالية، المطلة على الميدان الواسع الداخلي، وسمعه هو وستة آخرون يمازح الخديو المزاح المعتاد الخالص من كل تكلف — شأنهما في ذلك من سنوات عديدة.

ولكن الخديو بعد انصراف مدعويه اختلى بالمفتش، ودارت بينهما محادثة طويلة، لم يقف أحد على موضوعها، غير أن المظنون هو أن (إسماعيل) طلب من وزيره أن يوقفه بالتدقيق على جميع تصرفاته في الوزارة، وعلى دقائق الأعمال التي أدت بالمالية المصرية إلى الضيق الحالي، مع أنه هو الوزير الذي لم يفتأ يشع أمام عينيه الذهب أبدًا، ويضع دائمًا تحت تصرفه أي مبلغ عنَّ له طلبه، مهما بلغت قيمته.

فاضطر المفتش إلى إظهار الحقائق كلها، وتوضيحها جليًّا، وإيقاف مولاه على كل أسرار إدارته.

ولما كان (إسماعيل) سريع العزم، قريب البت في الأمور، أشار على وزيره، حيث إن الأحوال هي كما قال، والأمور كما وصف، باللين والموافقة، والإقلاع عن مقاومة المندوبين الدوليين ومعاكستهما، والتنحي مؤقتًا، ريثما تمر العاصفة.

فأبى المفتش محتجًّا بأن اللين والموافقة ليسا من مصلحة مولاه، وأنه لو كانت المسألة شخصية وتنحصر في استقالته هو من منصبه الوزاري، فإنه لن يتأخر لحظة عن تضحية مركزه، بل حياته ذاتها، في سبيل إرضاء سيده، ولكن المسألة ليست شخصية، وإنما يرمي بها إلى الإضرار بالسلطة الخديوية وتقييدها.

فلما كان صباح اليوم التالي، أمر (إسماعيل) مجلسه الخاص، ومنه المفتش، بالاجتماع للمداولة في الأمر.

وبما أن عموم أعضائه كانوا يكرهون المفتش، ويتمنون زوال نعمته، فإن الآراء بدت كلها موافقة على مقترحات المستر جوشن والمسيو چوبير، ومخالفة لرأي وزير المالية.

فلم يحول ذلك الإجماعُ المفتشَ عن رأيه، بل زاده تمسكًا به ودفاعًا عنه، وتفننًا في إبداء الأدلة على أن ضياع سلطة الخديو واستقلال البلاد ناجم، حتمًا، عن نفاذ تلك المقترحات، لا سيما ما كان منها متعلقًا بالتعديلات المشير جوشن بإدخالها على الإدارة المصرية، ألا وهي تعيين مراقبين عموميين إفرنجيين أحدهما لمراقبة الإيراد، والثاني لمراقبة المصروف، ووضع السكك الحديدية، وميناء الإسكندرية تحت إدارة مجلس مؤلف من إنجليزيين وفرنساوي ومصريين، وأثبتت بحجج دامغة وبراهين قاطعة أن هذه التعديلات مرتبطة ارتباطًا كليًّا بالاقتراحات المالية الخاصة بتوحيد الديون المصرية، وأنها لا ترمي مطلقًا إلى مجرد استقالته، وأنه بما أن قبولها لا يمكن إلا مع تنازل الخديو عن سلطته، وتسليمه إدارة حياة البلاد، أي موارد ثروتها إلى قبضة الأجانب، فالأوفق رفض مشروع المستر جوشن والمسيو چوبير برمته، والتنكب عن هذين الرجلين مطلقًا في التبريرات المقتضى اتخاذها. وتطرق من ذلك إلى الطعن على مشروعية مهمة ذينك المندوبين، وتسويغ تداخل المقرضين الأجانب في شئون الإدارة الداخلية المصرية، وتطاولهم على المقام الخديوي المقدس، بحجة أن الحكومة المصرية مدينتهم. وختم كلامه بأنه يرى أن إشهار مصر وإفلاسها — مهما تكن العواقب، مع تمسك الخديو بحقوقه وسلطته — أقل ضررًا من تسليمها بمقترحات مندوبي الدائنين، وبالتعديلات التي يطالبان بإدخالها.

ولا شك في أن كلامه كان على جانب عظيم من الصواب، ولم يكن من عيب فيه سوى أنه صادر من إسماعيل صديق باشا، الرجل الذي كان أكبر جانٍ في أمر صيرورة مصر إلى ذلك الموقف الحرج، موقف الدولة التي ترى نفسها لضعفها مضطرة، إما إلى التسليم بأن يعبث باستقلالها، وببعض حقوقها الملكية، وإما إلى تعريض نفسها للضياع كلية.

على أننا لا ندري هل كان رفض مقترحات جوشن وچوبير يؤدي إلى إقبال الدول الغربية على حماية مصالح مدائني مصر من رعاياهم بقوة السيوف والمدافع أم لا، لا سيما وقد رأينا من الحكومة الإنجليزية إعراضًا ثابتًا عن رغبة التداخل رسميًّا بين أولئك الدائنين والحكومة المصرية.

ولكنا نظن أن الرفض قد كان يؤدي إلى تحرك الدوائر الرسمية الأوروبية للإقدام على عمل سياسي ضد الحكومة المصرية، تخرج عواقبه عن حد التقدير. وهو ما خافه رجال المجلس الأعلى المجتمعين للمداولة في الأمر، علاوة على كراهتهم للمفتش، ورغبتهم في التخلص منه بأية وسيلة كانت.

لذلك صمم جميعهم على وجوب قبول مقترحات المندوبين الإنجليزي والفرنساوي، واعتبار قبولها أخف الضررين المهددة مصر بهما.

ولكي يتغلبوا على وزير المالية، تظاهروا بأنهم يعتقدون أن مقاومته مبنية على كراهته الشخصية للمستر جوشن، لعلمه بأنه إنما يرمي إلى عزله.

وكان أشد أعضاء المجلس تظاهرًا بهذا الاعتقاد الأمراء الثلاثة محمد توفيق، وحسين، وحسن.

فنظر المفتش إليهم نظرة المستهزئ بحداثة سنهم، العالِم ما لا يعلمون، وقال: «إنكم لا تزالون أولادًا، فلا تستطيعون إدراك كنه الأمور، ولذا فإنكم تأخذونها بظواهرها.»

فاستشاط الأمير حسين غضبًا لهذا الكلام — وكان عصبيًّا، سريع الانفعال — فهجم على المفتش، وصفعه على وجهه صفعة شديدة لوت سلك نظارته الذهبية، وقال: «أولادًا؟! وهل بلغت بك القحة إلى حد مخاطبتنا بمثل هذا الكلام؟»

فأصلح المفتش سلك النظارة بهدوء، وأجاب: «إني إنما أتكلم للمصلحة العامة، ولو كانت المسألة شخصية كما تقولون، وتنحصر في هل أبقى وزيرًا أم لا، أكان قناصل الدول كلهم يتداخلون لتعضيد طلبات المندوبين؟ إنهم لأحرص على كرامة دولهم من أن يعرِّضوا بها في أمر داخلي محض، فالمسألة ليست مسألة عزل وزير، بل إلغاء وزارة المالية، بصفتها وزارة مصرية محضة.»٥

فارفض المجلس، والأمير محمد توفيق يقول: «ما أوقح هذا الرجل! ما أوقح هذا الرجل!»

وكان (إسماعيل) ينتظر على أحر من الجمر نتيجة مداولة مجلسه الخاص، فلما رفعت إليه أقرها واعتمدها، وأعلن بذلك المفتش لوقته.

فبعث إسماعيل صديق باستقالته إليه، ضمن خطاب أوضح فيه الأسباب التي حملته على تقديمها.

فأبى الخديو قبولها، وأجَّل مطالعة كتابه ريثما يعرِّفه إرادته في المساء.

فلما كان المساء، انتشر في المدينة الخبر أن الاستقالة قبلت، وأن الأمير حسين باشا، وزير الحربية، عُين وزيرًا للمالية، وأن الأمير حسن باشا، خلفه على الحربية.

ثم أشيع أن المفتش استُدعِي إلى السراي بعابدين، وأنه في محادثة طويلة مع سمو الخديو.

والذي علم فيما بعد عن هذه المحادثة هو أن (إسماعيل) استقبل وزيره القديم ببشاشة، ولطف فوق المعتاد، وأنه أمر أن يتركا وحدهما، وأن لا يدخل عليهما أحد، فلما نفذت أوامره، أقبل على أخيه في الرضاعة، وقال: «اجلس بجانبي هنا، قريبًا مني، وانظر إلي، وكلمني قلبًا لقلب: ما أنت عامل الآن؟»

وكان المفتش لا يزال تحت تأثير انهيار سلطته الوزارية الفجائي، فمر سؤال (إسماعيل) على أذنيه، وظهر كأنه لم يدخل إليهما، فكرره الخديو مرة أخرى، وقال: «أسألك يا إسماعيل صديق، ما أنت عامل الآن؟»

وكأن المفتش أفاق من منام، فهذب سلك نظارته الذي لوته في الصباح صفعة الأمير حسين، وقال وفي صوته شيء من التهكم: «ما أنا عامل يا مولاي؟ لست محتاجًا إلى الاستفسار، فإني كما يقضي علي واجب العبد الخاضع لإرادة سيده، سأسلم زمان وزارتي إلى خلفي البرنس حسين نجلكم، متمنيًا له كل توفيق.»

قال (إسماعيل): «أراك زعلانًا مني، يا صدقي، فأنت غلطان، فإن الذي عملته هو الشيء الوحيد الذي كان يمكنني عمله في هذه الظروف، ريثما تنفرج حلقات الضيق.»

قال صديق: «ليسمح لي مولاي أن أخالفه في فكره، وأن أرى رأيًا غير رأي سموه.»

قال (إسماعيل): «يدهشني ذلك منك، أو لم تفهم ما هو قصدي من تأليفي الوزارة الجديدة العائلية المحضة؟»

– «كلا، وإذا سمح لي مولاي أن أكلمه بالصراحة.»

– «تكلم، تكلم، أنا أطلب منك ذلك، لا بصفتك وزيرًا، بل بصفتك صديقًا لي.»

– «أنا إذًا أرى أن سموك أخطأ في أنه حملني على الاستقالة، ثم أخطأ في تعيين أحد الأنجال مكاني. أما الخطأ في حملي على الاستقالة فلأنه لم يرو التاريخ حتى هذا اليوم — على قلة علمي به — أن مليكًا ضحى وزيره لينقذ نفسه، وأما الخطأ في تعيين أحد الأنجال مكاني؛ فلأن قلة مسئولية الأمير الشاب لن تخفى عن أحد، ولأنه لن يقوم شيء بينه وبين سموك يحول سخط الناس عنك، كما كان قائمًا بين سموك وبيني.»

– «هذا كلام صحيح يا صديق، وأنت تعلم أني لم أفترق عنك بطيب خاطر، وإني رفضت تضحيتك حينما طلبها مني قنصلا إنجلترا وفرنسا العامان، ورفضتها بالرغم من إلحاح جوشن وچوبير علي بها، ولم أضطر إليها إلا بعد أن تخلى عنك المجلس الخصوصي.»

– «ليس المجلس الخصوصي فقط، ولكن أولاد سموكم، لست ناقمًا عليهم؛ لأنهم يجهلون ما ندريه سموكم وأنا، وإذا دروا؛ فإنهم لا يستطيعون أن يفهموا أن هناك تضامنًا لا يمكن هدمه أو تقسيمه. قد قلت لسموك يا مولاي، وأعيد الآن، أنه لو كان هلاكي وحده يكفي لإنقاذكم، فلا أدري إذا كان يكون لدي أقل رغبة في أن أحمي منك القليل الباقي من عمري، ولكن الحال ليست كذلك. وأعتقد أن الخلاص لن يأتي للبلاد ولنا إلا ببقائنا متحدين، فكما أني لا أستطيع أن أنجو بدون سموكم، فإن مولاي لا يستطيع أن يخرج من المأزق بدوني.»

هنا سكت المفتش، كأنه يريد أن يزن مقدار التأثير الذي كان لكلامه على مجرى أفكار مولاه، ولكن الخديو لم يبد أقل تغير، ولم يسمح لعرق فيه أن ينبض، وقال للمفتش مظهرًا إصغاء تامًّا: «كمل حديثك.»

فقال المفتش: «إني أقبل يا مولاي أن أتحمل ثقل المسئولية كلها وحدي، وأن أقول في كل مكان إني خالفت أوامرك، بدلًا من تنفيذها حرفيًّا — وهذا كان الواقع في معظم الأحيان — فهل يصدقني أحد؟ اقبل أن أسلمك خاتمي لتوقع به على كل الأوراق التي تريدها، إثباتًا لأن الذنب في الخلل الحاضر إنما هو كله ذنبي، فهل يصدق أحد؟ والكل يعلم أن الخديو الدولة دون غيره، وأنَّا كلنا آلات صماء بين يديه؟ ثم إني مشير عثماني — ومولاي يعلم أني كمشير عثماني، لا أحاكم إلا في الأستانة، وهبني تنازلت عن حقي هذا، فالباب العالي لن يتنازل عنه، فيرى سموكم منذ الآن ماذا تكون نتيجة محاكمتي هناك، ومقدار ما ينجم عنها من فضيحة، لا سيما في الظروف الحاضرة، والدولة التي خلفت هناك دولة عبد العزيز، شيقة إلى تسويء سمعة سلفتها.»

وإنما ذكر المفتش أنه مشير عثماني لكي يقضي على عزم الخديو في مهده، فيما لو كان ذلك العزم قد بدأ يتوجه نحو إساءته. وأشار إلى ما قد تنتجه أية محاكمة أو تحقيقات احتمالية من مخوفات، إرهابًا لمولاه، ورغبة منه في حمله على الرجوع إلى آرائه.

وأدرك (إسماعيل) غرضي وزيره معًا، وعلم أن الرجل يلعب معه لعبًا دقيقًا، فقال: «صحيح أنت مشير عثماني»، وضحك دقيقة، ثم قال: «قد كنت نسيت ذلك، هذا لقب فيه من الأمان ما في أي مؤمن آخر. ولا يسعني إلا الموافقة منذ الآن على كل ما ترى وجوب إجرائه، فيما لو قضت الحال، على أننا لم نبلغ بعد إلى هذا الحد، ولله الحمد وتراني مقتنعًا بأن فيما قلته جانبًا عظيمًا من الحق، وليس فيه ما يجرحني مطلقًا، وإنما الصعوبة كل الصعوبة في خروجنا من المأزق بكيفية ترضينا معًا، فابحث يا صديقي، اجهد نفسك، فتق ذهنك، حك قريحتك. وإذا وفقت إلى إيجاد طريقة غير التي اتبعتها أنا، وكانت جيدة، فثق بأني لا أطلب إلا استعمالها، وإني أعتبرها خدمة جليلة منك، أضيفها إلى خدماتك الخطيرة السابقة.»

فتنهد المفتش الصعداء، ورفع نظارته، لكي يمسح بطرف منديله دمعة بدأت تتلألأ في جنب عينه، ثم أخذ يد (إسماعيل)، وقبلها، وقال: «قد استعدت الآن — ولله الحمد — سيدي وملاذي.»

وتذكر حينذاك الإشاعتين اللتين كانتا تتداولهما الألسن في العاصمة، وخطر له في الحال أن يستخدم السلاح الذي أراد خصومه أن يحاربوه به، ليطعنهم به في نحرهم طعنة قاتلة.

فقال (لإسماعيل): «إن الوسيلة يا مولاي جاهزة لديَّ، ولست أشك في أنها ناجحة.»

فهش الخديو وبش، لأنه كان يود حقيقة الإفلات من أيدي مندوبي دائنيه، بكيفية لا تمس شرفه ولا سلطته، وسأله «ما هي؟»

فأجاب المفتش: «بما أن مطالبتنا المرابين الذين مصُّوا دماءنا بتخفيض مبلغ المطلوب لهم إلى معدَّل المبالغ الحقيقية التي أقرضونا إياها، وتخفيض سعر الفوائد التي يتقاضونها منَّا إلى السعر القانوني المعقول لمطالبة لا فائدة منها، وبما أن التجاءنا إلى الأستانة لتساعدنا على نيل مطالبنا لن يجدي نفعًا (لأن السلطان في مأزق أحرج من المأزق الذي نحن فيه)، فإنه لم يعد يبقى لنا لفض مشاكلنا كلها إلا الرجوع إلى القرآن الكريم، والاستعانة على تنفيذ نصوصه بالرأي المصري العام.»

فقال الخديو: «وكيف ذلك؟»

قال المفتش: «مولاي يعلم أن القرآن ينهى عن الربا، وينذر المتعاملين به بعقاب شديد، فما علينا — والحالة هذه — إلا تفهيم الأمة المصرية أن معظم الأموال التي تدفعها إلى خزينة الميري، لكي تقيم الحكومة بواسطتها قواعد إدارتها، وتجري الأشغال العمومية التي تقتضيها المصلحة العامة، وتوطد دعائم الأمن العام في البلاد، يذهب إلى أيدي الفرنجة بصفته ربا الأموال التي قدموها إلينا من تلقاء أنفسهم، وأن ذلك هو السبب في أن الحكومة مضطرة إلى إرهاق الأمة بالضرائب العديدة الثقيلة التي تحصلها منها.»

فأبرقت أسرَّة (إسماعيل)، وقال: «أجل، ولكن كيف تفهم الأمة ذلك؟»

فقال المفتش: «نكلف علماءنا وقضاتنا ومفتينا بهذا العمل، وأنا أضمن أنهم لن يخيبوا لنا غرضًا، وأنهم يخدموننا خير خدمة، ومتى هبت الأمة بأسرها للمطالبة بالتمسك بنواهي القرآن الكريم، فإنا سنتخذ مطالبتها سلاحًا نرهب به أوروبا الرسمية، ونقضي به على جشع دائنينا. وإني — إذا سمح مولاي — آخذ على نفسي تحريض رجال الدين الإسلامي على مباشرة هذا العمل منذ اليوم.»

فأذن له الخديو بذلك، وشكره على فكرته، ثم صرفه، وهو يتمنى له النجاح ويريه المستقبل عائدًا إلى الابتسام له — وإنما كان ذلك تظاهرًا منه فقط، لأنه صمم منذ ذلك الحين على إنزال العقاب به.

ولكنه كان قد بلغه أن المفتش، منذ أن اشتد توتر العداوات حوله، شرع في العمل على التجنس بجنسية أجنبية، اقتداء بنوبار باشا المتجنس بالجنسية البروسيانية، منذ زمن، وشريف باشا المتجنس بالجنسية الفرنساوية، فلما حول المفتش انتباهه إلى كونه مشيرًا عثمانيًّا، خطر في باله أن يحقق صحة ما بلغه من عدمها.

فأرسل واستدعى أحد أخصاء إسماعيل صديق باشا — وكان هو نفسه المبلِّغ — وسأله عما إذا كانت مساعي المفتش التجنسية قد تمت، فأجاب الرجل أنها لم تتم بعد، ولكنها سائرة على قدم وساق في القنصلية الفرنساوية، وأنها أوشكت تنتهي.

فبعث (إسماعيل) إلى هذه القنصلية وغيرها يستفهم عن حقيقة الأمر، فأجابته كلها أنها لا تعلم من ذلك شيئًا، ولا حادثها إسماعيل صديق في ذلك مطلقًا.

ولما كان اليوم الثاني، وشاع في المدينة خبر اختلاء الخديو بوزير ماليته مدة طويلة من الزمان، وأن الوزير خرج عقب تلك المقابلة من عابدين، وعلامات الابتهاج والاعتزاز بالفوز بادية على وجهه، وبلغت تلك الإشاعة آذان المستر جوشن، اعتقد أن المفتش تمكن من استمالة المليك إلى آرائه، والعود إلى الجلوس في صدر «محظوظيته» ثانيًا.

فرأى أنه لا سبيل إلى التغلب على ذلك الداهية إلا بجره أمام المحاكم الجديدة بصفة لص، ومقاضاته مقاضاة جدية.

فبعث إليه من أنبأه أن المندوبين الدوليين تحققا بعد التنقيب في حسابات المالية ومصروفاتها من وجود عجز فيما هو مخصص لهما يبلغ مقداره أربعين مليونًا من الفرنكات لم يجدا له مبررًا، وأنهما بناء على ذلك سيعلنانه عن قريب بطريق وكالتهما عن حملة الأسهم، للحضور أمام محكمة مصر المختلطة، لكي يحقق معه هناك تحقيقًا دقيقًا عن سبب ذلك العجز وكيفيته.

فلما بُلِّغ هذا النبأ إلى إسماعيل صديق باشا، أظهر له من الارتياح والابتهاج ما أدهش نفس مبلِّغه، وتحول ذلك الاندهاش إلى أخذ بعيد الوقع، حينما قال المفتش له: «اذهب وقل لجوشن إنه لن يستطيع عملَ عملٍ يبسطني ويسرني بقدر هذا، وسترى المحكمة عند تحقيقها، ما هو سبب ذلك العجز وما هي حقيقته.»

ولما خرج المبلِّغ من عنده، أسرع إسماعيل صديق، وأبلغ النبأ إلى الخديو، لأنه كان لا يزال موجسًا منه خيفة، ويرى الاحتياط واجبًا.

فأدرك (إسماعيل) الغرض الذي رمى صدِّيق إليه، واضطرب، لأنه تيقن أن الرجل غير مبقٍ على صداقته ووده، وأنه إنما يهدده تلميحًا، بكل وسيلة يراها صالحة، بأنه غير خاشٍ بأسه من جهة، لتدرعه برتبة المشيرية العثمانية التي هو حائز لها، وأنه من جهة أخرى لن يحجم ساعة اللزوم عن نسبة كل خلل المالية المصرية إلى أوامره السامية وطلباته.

وكان عنده في خزينته أربعة عشر مليونًا من الفرنكات، فأخذها من وقته، وأرسلها باسم المفتش إلى المندوبين الدوليين، ورجا منهما أن يرجئا إعلان صديق حتى يقابله هو نفسه مرة أخرى — ولم يخف (إسماعيل) الفضيحة مرة في حياته، خوفه منها في ذلك اليوم.

وبينما هو في حجرته يحرق الأرم عقب إرساله تلك الملايين الأربعة عشر إلى المستر جوشن، وينتظر الرد، أنبأه أحد رجال التشريفات أن بالباب وفدًا مؤلفًا من شيخ الإسلام، وقاضي القضاة، ومفتي الديار، ونخبة من كبار العلماء يريد مقابلته.

فتنهد (إسماعيل) الصعداء، وقال: «ألا هل تمكن صديق من إتمام وعده بكل هذه السرعة؟» وأمر بإدخالهم.

فأدخلوا، فقابلهم بإكرام زائد واحتفى بهم، وسألهم عما أوجب حضورهم في تلك الساعة، فقال مدرههم: إن الذي جاء بهم إنما هو مقابلة وقعت بينهم وبين وزير المالية إسماعيل صديق.

فابتسم الخديو، وقال: «إن إسماعيل صديق رجل في منتهى الذكاء، وتوقد الذهن، وصدق التقوى، ولكنه في الآن نفسه، كبير الجسارة، وشديد على الأجانب جدًّا.»

وإنما أراد من قوله هذا أن يحمل كلامه على محملين: أحدهما في مصلحة المفتش، فيكون دليلًا على رضاه عنه، وثانيهما في عكس مصلحته، فيدل على غضبه عليه، وذلك لكي يتمكن رجال الوفد من التمسك بالمحمل الموافق للغرض الذي أتوا من أجله.

غير أن أولئك العلماء لم يدركوا مرامي كلامه، لعدم تعودهم محادثة رجال السياسة في الأرض. وبينما كان ميل (إسماعيل) يذهب إلى أن يدركوا أنه يكون مسرورًا من انقيادهم إلى إيعاز المفتش، تمسكت أفكارهم بالشطر الأخير من قول المليك، وقال مدرههم: «نعم يا أفندينا، إنه لرجل خطر للغاية، فقد أتانا بالأمس زاعمًا أن أفندينا والبلاد في ضيق شديد بسبب الإفرنج، وتقاضيهم من حكومة سموكم ربا فاحشًا، وأن هذا هو السبب في كثرة المظالم والمغارم الموضوعة على رقاب العباد — وحاش لله أن تكون مظالم ومغارم في عهد سموكم — وأنه يجدر بنا، والحالة هذه إهاجة الرأي العام المصري على الدائنين من الإفرنج، وحمل الأهالي على إيفاد الوفود إلى سموكم ليسألوكم، بإلحاح، الامتناع عن دفع الربا إلى أولئك الدائنين، وإجبارهم على أن لا يأخذوا من الخزينة المصرية سوى النقود التي أقرضوها حقيقة، والتي قد استردوها لغاية الآن وزيادة.»

فظن (إسماعيل) لأول وهلة أن المفتش نجح في مهمته، وأخذ السرور ينتشر على محياه، فدنا من أريكة واستلقى عليها، ثم أدنى العلماء منه، وسألهم مبتسمًا «وأنتم، ماذا أجبتم؟»

قال مدرههم: «أجبنا يا أفندينا، كما يجب أن يجيب العبيد المخلصون الولاء لسموكم وسدتكم السنية. قلنا له «إننا نعلم حق العلم أن الإفرنج أصدقاء سموكم المخلصون، وأن مركزهم في البلاد لا تقوم له قائمة يوم يروق لسموكم طردهم منها، وأن الأموال أموال سموكم، وأننا جميعنا بمالنا ونسائنا وأولادنا عبيد لسموكم، والعبد وما ملكت يداه لمولاه، وأدركنا أن الرجل بعد أن تخلت نعمة سموكم عنه أصبح من الخائنين، وأنه يرغب في تحريك فتنة في البلاد، وقد قال الله — سبحانه وتعالى — وَالْفِتْنَةُ أَشَدُّ مِنَ الْقَتْلِ

فتيقن الخديو أن بين ما أدركه القوم وبين ما كان يريد هو أن يدركوه، بُعد ما بين السماء والأرض. ولما كان قدريًّا كمعظم الرجال العظماء المقامين من مدبر الأكوان لغرض خاص يريده، اعتقد أن ما وقع كان لا بد من وقوعه، وأن ما كتب للمفتش أصبح لا بد من نفاذه، لأنه لعب آخر ورقة في لعبه وخسرها.

فأطفأ نور الابتسام المشع من عينيه وثغره، وكسا وجهه جدًّا واهتمامًا، وقال: «أجل، أجل! إن ما أدركتم قد يكون الواقع، ولكن الكلام حجة واهية، ويفيد حكومتي أن يكون بين يديها دليل كتابي على مسعى المفتش، فليتفضل أحدكم وليكتب ما قاله لي لسانكم، وليتفضل الباقون بتوقيعه.»

فأسرع رجال الوفد وامتثلوا لأمر الخديو، وحرروا الكتابة المطلوبة منهم، ثم قدموها إلى (إسماعيل) فأخذها منهم وصرفهم.

ولكنه عاد ووقع في خلده بعد أن خرجوا من الباب أن يستدعيهم ثانية، ويقول لهم «إن المفتش صادق فيما كلمهم عنه، وإنه هو— الخديو — يوافق عليه.»

غير أن الأمير محمد توفيق، ولي عهده، دخل عليه إذ ذاك وقال بانفعال: «أرأيت يا مولاي مساعي إسماعيل صديق، وكيف أنه حاول إيقاظ فتنة في البلد ضد الفرنج؟ ولولا أني تداخلت في الأمر، وأفهمت العلماء ما هي أغراضه الخفية، لصدقوا زعمه بأنه لسان سموكم ورسولكم إليهم.»

فهز (إسماعيل) كتفيه، وأوقف نظره برهة، وكله تهكم وسخرية، على ولي عهده، ولو كان للحركات لسان لفهم ذلك الهز وتلك النظرة ولي عهد العرش المصري مقدار الخطأ الذي ارتكبه أمام عيني أبيه؛ بتداخله بين المفتش والعلماء.

على أن تيقن (إسماعيل) أن الأمير محمد توفيق الذي كان يعتبره أقل أولاده ذكاء ونباهة، هو، هو السبب في أن إسماعيل صديق الداهية — الذي قلما كان له مثيل بين رجال الذكاء والتفنن بمصر — خسر آخر ورقة وضعتها الأقدار بين يديه، قوَّى فيه الاعتقاد بأن المفتش لا مفر له من نفاذ المقدور فيه.

فأمر ولي عهده باستدعاء أخويه الأميرين حسينًا وحسنًا والعود معهم.

فلما حضروا، أطلعهم على الورقة التي كتبها العلماء، وأوقفهم على رغبته في إلقاء القبض على إسماعيل باشا، ومحاكمته أمام المجلس الخصوصي.

وكان الأمراء — كما قلنا — يكرهون الرجل كراهة كلية، لجميع الأسباب التي ذكرناها، وعلى الأخص لأنهم كانوا يعتبرونه العدو الأكبر لحسن سمعة المليك والدهم، والسبب الأعظم في الإحن المتوالية عليه.

فأشار الأمير حسين على والده باتخاذ الاحتياطات اللازمة لذلك، لكيلا يثير القبض على المفتش فتنة في البلد، لكثرة محاسيب الرجل في المصالح وبين الأهالي، ولأنه بلغه أن بعض أولئك المحاسيب جهزوا مركبًا لنقله إلى الأستانة لدى أول تهديد.

وقال الأمير محمد توفيق: «يجدر بسموكم — والحالة هذه — إصدار أمركم إلى مصطفى فهمي باشا محافظ العاصمة، بإعداد ألفي عسكري، وإرسالهم ليحيطوا بسراي المفتش بالإسماعيلية.»

فقال الأمير حسين، بتهكم: «ألفي عسكري؟! لم لا تقول الجيش كله؟»

فقال حسن: «يكفي للغرض ضابط وبضعة عساكر.»

ولكن (إسماعيل) لم يوافق على آرائهم، وقال: «إني لا أحتاج إلى جنود مطلقًا، وسأقوم بالأمر بنفسي، على أني أريد منكم:
  • أولًا: أن تأمروا محافظ العاصمة بتجهيز مركب بخارية غدًا في النيل عند مرسى سراي الجزيرة.
  • ثانيًا: أن تخطروا أعضاء المجلس الخاص بالاجتماع غدًا الساعة الحادية عشرة صباحًا، وتكلفوا العلماء الذين حرروا هذه الكتابة بالحضور لأداء شهادتهم أمامه.»

فانحنى الأمراء وخرجوا، ولكن ولي العهد تردد لحظة على الباب، كأنه أوتي فكرًا مباغتًا أراد إبداءه. فلحظ (إسماعيل) ذلك، وسأله إذا كان يريد أن يقول شيئًا.

فأجاب ولي العهد: «نعم يا مولاي، فقد غاب عن فكر سموكم أن غدًا الجمعة، وأن العلماء ما بين الساعة الحادية عشر والساعة الواحدة يكونون مشغولين في أمر الصلاة الجامعة، ولا يستطيعون الحضور لتأدية الشهادة.»

فضم (إسماعيل) شفتيه لحظة، ثم نظر لابنه النظرة عينها التي أوقفها عليه، حينما علم أنه هو الذي كان السبب في خيبة مسعى وزير المالية، وقال له: «أجل، دعهم إذًا في شئون صلاتهم، لا سيما أنه لا فائدة من حضورهم، مع وجود توقيعاتهم على هذه الكتابة»، فانحنى ولي العهد وانصرف.

وفي الغد أرسل الخديو إلى إسماعيل صديق باشا واستدعاه لمقابلته في سراي عابدين، الساعة التاسعة.

وكان المفتش قد قضى الليل كله مضطربًا، منفعلًا، يعتقد، تارة، أنه ناجح في مسعاه، ساحق أعداءه فتسكره أفكار الفوز، ويعتقد، تارة أخرى، أن نجمه أفل، وسعده ولى، وأنه قد يصعق، بغتة، من حيث لا يدري فيسقط في يده، وتخور قواه. وكثيرًا ما أوفد في السر إلى سراي عابدين مستخبرًا عما يفعله الخديو، خائفًا عودة المجلس المخصوص إلى الانعقاد.

فلما أتته الدعوة الخديوية، بلغت العواطف التي كانت تساوره أشدها فابتهج أولًا كأنه إنما يدعى إلى النصر، ثم انقبض وارتعد، كأنه يدعى إلى الهلاك، ثم تذكر أن اليوم يوم جمعة، وأنه، إذا صحت تذكارات صباه، ليوم فضيل، فهدأت أعصابه وسار إلى عابدين، وهو إلى العشم بالخير أقرب منه إلى الاضطراب بالعواصف.

فقابله (إسماعيل) خير مقابلة، وأجلسه برهة إلى جانبه، ثم قال له: «إني فكرت الليل كله في مركزنا، فانتهيت إلى الموافقة تمامًا على آرائك، فعساك نجحت في المهمة التي انتدبت نفسك إليها.»

فأجابه المفتش، وقد زالت عن قلبه مخاوفه كلها «الآن، وقد تأكدت أن قلب مولاي عاد إلي، فإني لن أدع ممكنًا إلا وأقدم عليه لأبعد عن مولاي أي مزعج»، وأخذ يد (إسماعيل) وقبلها مرارًا بحرارة.

فترك الخديو يده له مدة، ثم سحبها، ومر بها على جبينه وقال: «لكني أشعر بوجع في رأسي على أثر هذا السهاد، فهل تريد أن نخرج لنتنزه معًا كالمعتاد؟» فطار قلب المفتش فرحًا وهو يجيب بالقبول، ومر أمام عينيه مر البرق الوقع الذي يكون في قلوب الناس حينما يرونه من جديد على يسار الخديو في عربة (إسماعيل) الخصوصية، يجتاز معه شوارع العاصمة كالسابق، وهما يتهامسان. ورأى الغيظ والحنق اللذين يخنقان قلب المستر جوشن حينما ينظرهما معًا، أو يبلغه نبأ ذلك، فاعترته هزة عزة ونصر سرت في جميع عروقه، وأبرقت في عينيه السوداوين، فلمحها (إسماعيل)، وابتسم لها ابتسامًا خفيًّا.

فلما صارا إلى داخل العربة المكشوفة، قال (إسماعيل): «لا ندري إلى أين نذهب، هل تريد أن نطرح ريشة في مهب الرياح، فتذهب بنا إلى حيث تشاء الأقدار؟»

فقال المفتش: «لنطرحها، لنطرحها يا مولاي، فإن الأقدار لا تريد بنا إلا خيرًا إن شاء الله.»

ففكر الخديو لحظة، ثم قال للحوذي: «سر بنا إلى الجزيرة» والتفت إلى المفتش وقال: «قد يزيل نسيم النيل العليل الوجع الذي أشعر به في رأسي، وأغتنم، بالمرة فرصة وجودي في سراي الجزيرة لألاحظ إتمام بعض الأشغال الجارية فيها، ثم إننا نمر في الوقت عينه على سرايك بالإسماعيلية، فقد نرى ابنك، فأسأله عن فايق هانم أميرتي الصغيرة، وأوصيه بها خيرًا، فأنت تعلم أنها عزيزة علينا جدًّا، أميرتنا الصغيرة.»

فاحتار صدِّيق كيف يشكر (إسماعيل) على كل ذلك اللطف والتعطف، وزاد سروره لدى فكره أن آل منزله سيرونه مع الخديو متنزهًا، فيعلمون أن «محظوظية» مولاه عادت إليه، وأنه رجع إلى ما كان عليه من العز والسؤدد.

وأما فايق هانم الأميرة الصغيرة، التي ذكرها (إسماعيل) فإنها كانت غادة في منتهى الجمال، ربتها والدة (إسماعيل) نفسها كأنها ابنتها مع زينب هانم بنت الخديو، وزوجتها ابن المفتش، إنماء لولاء هذا الوزير، واستزادة لنشاطه، وتفننه في خدمة ابنها.

فلما مرت العربة بهما أمام سراي المفتش، وجدا ابن صدِّيق على الباب، يستعد هو أيضًا للخروج، فأدناه (إسماعيل) منه، وعطف عليه كأب، ثم استأنفا السير، ولم تمض بضع دقائق إلا ومرت بهما المركبة على كوبري قصر النيل البديع، وانطلقت نحو السراي الخديوية التي كانت بالجزيرة، ووقفت أمام أهم أبوابها، فنزل (إسماعيل) أولًا، فرآه ضابط الحرس القائم هناك، فصرخ بجنده أن يقدِّموا التحية العسكرية، فقدموها، فأومأ إليه الخديو بالاقتراب، فدنا الضباط منه، فأمره أن يلقي القبض حالًا على المفتش، وكان هذا نازلًا من العربة.

فلما سمع إسماعيل صديق الأمر ضحك أولًا، لاعتقاده أنه مزاح، ولكن الخديو دخل السراي بدون أن يوجِّه إليه أية كلمة، ولكن الجند بسطوا أيديهم عليه وأمسكوه من عنقه، وجرُّوه بعنف من رحبة السراي الفسيحة إلى مدخلها الواسع، فمن حجرة إلى حجرة حتى قاعة صغيرة في مؤخرة البناء، أقفلوها عليه، وأقاموا عند مدخلها حارسًا، كأنهم ينفذون أوامر أعطيت لهم مقدَّمًا، بالرغم من ندائه لمولاه وتكراره قول «مولاي مولاي إنهم يقبضون عليَّ، وأنا ضيفك.»

فأدرك أنه سقط في شراك، وأن ساعة هلاكه دقت.

أما (إسماعيل)، فإنه عاد إلى عابدين، واستدعى إليه أولاده، وسألهم عما إذا كان المجلس الخصوصي قد التأم. فأجاب حسين «إن الساعة الحادية عشرة لم تأتِ بعد، وإن الأعضاء أُخطروا جميعًا، واستدعوا للحضور.»

فنظر (إسماعيل) إلى ساعته وقال: «حقًّا، حقًّا، إن الأمر قد انتهى بأسرع مما كنت أتوقع.»

وبعد أن أخبر أولاده بما تم، أمر ابنه حسنًا بالتوجه إلى سراي الجزيرة لمراقبة السجين.

ولم تمض نصف ساعة إلا وانتشرت في عموم أنحاء العاصمة الأنباء بأن المفتش أمسك متلبسًا بجريمة التآمر على سمو الخديو تآمرًا خطيرًا، وأنه ألقي القبض عليه، ووضع تحت المحاكمة.

وبلغت تلك الإشاعة آذان الكاتب الإنجليزي، المستر ماك كون، السابق ذكره، فأدهشته دهشة عميقة لما شاهده قبل يومين فقط، من حسن العلاقات الودادية بين الخديو ووزيره.

فأسرع إلى عابدين ليتأكد من حقيقتها، وتشرف بمقابلة (إسماعيل)، فأنبأه الخديو أن المفتش أرسل إليه بالأمس صباحًا كتابًا لم يفضه إلا في المساء، وأنه لما فضه وجده عبارة عن استقالة من منصبه، يقدمها له، ولكنها محررة بألفاظ لم يجسر وزير قبله، أبدًا، على إبداء مثلها لملكه. وقال: «إني لا أشك في أنه كان سكرانًا حينما حررها، ولا أستغرب ذلك منه، لأنه لا ينفك يتجرع خمرًا طول النهار.»

فقال الكاتب: «أتعشم يا مولاي، عشمًا كبيرًا، أن هذا لن يؤدي إلى موته، لأنه إذا مات في هذه الظروف، فإن موته لن يؤول في أوروبا إلا تأويلًا واحدًا، وسموكم أدرى به مني.»

فأجاب (إسماعيل) بانفعال: «وماذا يهمني أن يحيى أو يموت؟ الذي أعلمه هو أنه سيستمر غالبًا على الإغراق في السكر، حتى يوافيه الحمام، ولست بمانع عنه أية خمر يطلبها.»

فلما سمع الكاتب هذا الكلام أدرك أن حياة إسماعيل صديق باتت لا تساوي مراهنة على قرش، على فرض أن حبلها لا يزال غير منصرم.٦

وكانت الأسلاك البرقية قد شغلت منذ الصباح، فلم ينقض يوم تلك الجمعة الفضيلة إلا ووردت إشارات تلغرافية من نيف واثنتي عشرة مديرية، تحمل إقرارات مختلفة تؤيد التهمة على الوزير الذي هوى.

فلما اجتمع المجلس الخصوصي، عرضت عليه الكتابة التي وقعها وفد العلماء، والبرقيات المرسلة من المديريات، فأظهر المجلس بالإجماع — ما عدا صوتًا واحدًا صوت أقل الوزراء ثروة — أنه مقتنع بإدانة المفتش، وثبوت تهمة الخيانة والمؤامرة عليه، وقضى غيابيًا بنفيه إلى دنقلا، وسجنه فيها مؤبدًا.

وفي صباح اليوم التالي نشرت الجريدة الرسمية المصرية البيان الآتي، لتحيط عموم الأهالي والدوائر الأجنبية علمًا بمضمونه بكيفية رسمية:

إن إسماعيل صديق باشا، وزير المالية السابق، سعى إلى تدبير مؤامرة ضد سمو الخديو، بإثارة عواطف الأهالي الدينية ضد المشروع الذي اقترحه حضرتا المستر جوشن والمسيو چوبير، فاتهم الخديو ببيع مصر إلى المسيحيين، وأقام نفسه مقام المدافع عن بيضة الدين ومصلحة البلد، فأبلغ مفتشو الأقاليم العموميون ورجال البوليس سر هذه المساعي، وأيدتها عدة عبارات وردت في كتاب أرسله صديق باشا عينه إلى سمو الخديو، يرفع به استقالته إلى سموه، فلدى تلقي الخديو أنباء خطيرة كهذه، طرح الأمر على مجلسه الخصوصي ليرى رأيه فيه، فحكم المجلس على إسماعيل صديق باشا بالنفي إلى دنقلا، وسجنه هناك، سجنًا سحيقًا.

ولما كان الغد، أرسل الخديو بما وقع من المفتش وما قرره المجلس الخصوصي نبأ بريديًّا إلى الأستانة، فبلغها بعد أسبوع، فأبرقت في الحال تأمر بإرسال الوزير المتهم إليها، ليحاكَم فيها، حيث إنه حائز لرتبة المشيرية العثمانية الرفيعة.

فتمهل (إسماعيل) في الإجابة أسبوعين وأكثر، ريثما أتاه النبأ الرسمي من دنقلا، يفيد بأن إسماعيل صديق باشا مات هناك من كثرة انهماكه في السكر، فأبلغه إلى الأستانة، فاضطرت إلى قبوله كما هو، وأهملت كل مخابرة تالية في شأنه، على حسب عادتها.

ولما كان الاقتداء بالأستانة في غير وسع التاريخ، وكان الوقوف على الحقائق أمرًا من واجباته، لكي يروي عبرها لقرائه، فإنه منذ أن رأى المفتش يجر إلى الحجرة الصغيرة في مؤخرة بناء سراي الجزيرة، أخذ يصيخ بسمعه لما يقال، ولو همسًا، وينقب على ما يدون، ولو سرًّا، حتى تمكن من معرفة نهاية المأساة التي ذهبت بحياة إسماعيل صديق بعد انهيار بنيان عزه، ووقف على تفاصيلها المختلفة، المتحدة في الجوهر، بالرغم من اختلافها في العرض.

فمما قصه إسحق بك، أحد موظفي الدائرة السنية بالمنيا في سنة ١٨٨٩ — وكان، حينما سقط المفتش في الهاوية، ضابطًا بمصر معروفًا بقوته العنترية — هو ما يأتي، والعهدة في صدق روايته عليه:

بعد إلقاء القبض على المفتش بساعة، استدعيت إلى الحجرة التي كان ذلك الوزير محبوسًا فيها، فوجدت هناك الأمير حسن باشا واقفًا عند الباب، والمفتش مجردًا من ملابسه في أحد أركانها، فأومأ الأمير إليَّ بيده، فدنوت منه، وسلمت السلام العسكري، فهمس في أذني أمرًا قاضيًا باستعدادي لنقل المفتش، في الليل، إلى الباخرة التي أعدت للسفر به إلى دنقلا، إلا إذا مات قبل ذلك، فأدركت من قوله «إلا إذا مات» أن موته مرغوب فيه، لا سيما أنه بعد أن قال ذلك سلم المفتش إلي عهدتي، وتوجه إلى مكان آخر، فسرت حينئذ إلى المفتش، وألقيته على ظهره، وكممت فمه بيدي اليسرى لكيلا يسمع له صراخ، وأقبلت أسحق خصيتيه بيدي اليمنى، فقاومني مقاومة عنيفة، بالرغم من أنه كان نحيف البنية. ولما اشتد عليه الألم، وأخذت روحه تتقعقع في صدره، بلغت مقاومته أشدها، وخيل إلي أنه أوتي قوة تضارع قوتي، فتمكن من القبض على إبهام يدي اليسرى بين أسنانه، والعض عليه عضة قطعته لوقته، ولكن تلك كانت حركته الأخيرة، فإنى بالرغم من شدة الوجع الذي شعرت به في يدي، شددت عليه شدة أخمدت معها أنفاسه، فسقط تحتي جامدًا، ودقت رأسه بالأرض، ولما جن الليل لفت جثته في قماش، وضمت إليها مثقلات جمة، ونقلت إلى ظهر الباخرة الراسية عند قدمي السراي، فسارت بها نحو الجنوب، حتى إذا جاوزت جزيرة الروضة طرحت تلك الجثة في النيل، فوارتها الأثقال في أعماقه.

وكان إسحق بك، إثباتًا لصحة كلامه، يُرى يدًا مقطوعة إبهامها، ويبرز أوراقًا تؤيد ترتيب معاش له بعد ذلك، ما فتئ يتناوله لغاية أوائل صيف سنة ١٨٧٩، إذ ارتقى (محمد توفيق) عرش أبيه، وقطعه عنه. فتحرر بذلك لسانه من عقاله على زعمه، وأصبح يستطيع رواية قصة قتله المفتش العظيم الذي كان مجرد اسمه يرعب القلوب.٧

هذا ما رواه إسحق بك، وربما كانت روايته صحيحة فيما يختص بما عمله هو نفسه، ارتكانًا على ما أساء فهمه من كلام الأمير حسن، ولكنا نستبعد صدق روايته فيما يتعلق بالمعاش الذي عين له، اللهم إلا إذا كان جزاء لعمل غير إقدامه على قتل المفتش، فإن الملوك قد يكافئون أحيانًا أجرامًا ترتكب إرضاء لهم، ولكنهم إنما يكافئونها بمبلغ يعطونه مرتكبيها، أو بمنصب يرفعونهم إليه، ولم نقرأ أبدًا في التاريخ أنهم منحوا من أجرم ليرضيهم مكافأة مستمرة، ما تفتأ قائمة تنم عليهم، وتثير حولهم وتنشر رائحة الجناية المرتكبة. هذا إذا صح التسليم بأن الخديو رضي عن الجرم الذي ارتكبه إسحق بك من تلقاء نفسه، أو اعتبره خدمة أداها ذلك الضابط له، وهو ما لا يستطيع أحد التسليم به بسهولة وخفة، أو بدون أن يدعم تسليمه به بمستندات تاريخية قوية.

وقد اطلعنا لأحد كبار الجالية الغربية بمصر في تلك الأيام على رواية للواقعة كلها، لا نرى بأسًا من إيرادها هنا، من باب الفكاهة، لما في أسلوبها من أخذ للنفوس، قال:

«حالما وصل الخديو وإسماعيل صديق باشا في العربة إلى باب سراي الجزيرة، نزل الأول مسرعًا، ونزل المفتش بعده، فدخل (إسماعيل) بالسرعة عينها إلى السراي، واجتاز الرحبة، ودخل غرفة أمامه، وأسدل على بابها الستار.

فأراد المفتش اتباعه، ولكن ٢٤ شاويشًا تحت قيادة إسحق بك الياور وقفوا دونه وسدوا عليه الطريق، وتقدم إسحق بك منه، وقال له بخشونة: إنه أسيرهم.

فصاح المفتش: «مولاي، مولاي، يقبضون علي، وأنا ضيفك يا أفندينا.»

فلم يجب نداءه أحد، فقال المفتش: «أكان إذًا شراكًا؟» ولم يبد مقاومة مطلقًا، بل سقط في يده، واستكان إلى تصرف الشاويشية فيه.

فقادوه إلى طرف الحجرة التي هو فيها، وأقاموا حوله يحرسونه.

فسأل ضابطهم، والخوف قد انتشر في عينيه: «ما أنتم فاعلون بي؟ ما هي الأوامر؟» فأجابه الضابط: «الأوامر هي أن نقيم عليك حراسًا في هذه الحجرة، وأن نعطيك كل ما تحتاج إليه.»

قال إسماعيل: «أشكرك، فأعطني إذًا ورقًا وحبرًا.»

– «هذا لا، وأنت تفهم أنه خارج عما قد تحتاج إليه، وماذا تريد أن تفعل بالورق والحبر؟»

– «أريد أن أكتب كلمتين توصلهما إلى أفندينا.»

– «أفندينا لم يعد هنا، اسمع، ها وقع مركبته يبتعد.»

فأصاخ المفتش سمعه، فتحقق أن المركبة التي أتت به مع مولاه راجعة بالخديو وحده. فعض على أنامله حتى أدماها.

فقال له الضابط: «ألا تريد شيئًا آخر؟» فأجاب «كلا.»

وإذا بأغوين دخلا بصينية عليها أكل وشرب، فحول الضابط انتباه المفتش إليها، فيما لو كان جائعًا، أو كان يختلج في صدره ظمأ.

ولكن المفتش قال له: «كلا يا إسحق بك، كلا، فأنا أعرف طعام الخديو، وأعرف أنه جيد للغاية فإذا أكل منه امرؤ لا يعود قادرًا على أكل غيره، ولست أراني قد بلغت ذلك الحد.»

وكان الخديو قد عاد، في الأثناء، إلى عابدين، وبعد أن سأل عن ولديه حسين وحسن وعن انعقاد المجلس المخصوص، اطلع على سجل أسماء الزائرين، وقال: «إني أقابل اليوم كل من شاء مقابلتي، فلنبدأ بالقناصل، لأني أريد أن أطلعهم بنفسي على الأمر.

فأذن للقناصل، فدخلوا عليه، فروى لهم حكاية المؤامرة التي سعى المفتش إلى عقد عروتها، وقال: «وقد أمرت بإلقاء القبض عليه، ومحاكمته أمام المجلس الخصوصي.»

فلم يجب القناصل شيئًا، لأنهم لم يدروا ماذا يجيبون، وإذا كان كلام الخديو يؤذن بتمثيل رواية مضحكة، أم ينذر بقرب وقوع مأساة دامية.

وفي الساعة الحادية عشرة انعقد المجلس الخصوصي في جلسة وجيزة ساكتة، فعرضت عليه التهمة، وأطلع ولي العهد الأعضاء واحدًا فواحدًا على الورقة الموقعة من وفد العلماء، فأصدر المجلس حكمه في الحال وبإجماع الأصوات، ما عدا صوت أقل الوزراء المصريين ثروة، بنفي المفتش إلى دنقلا، وسجنه فيها تحت الاحتياط الشديد.

وكان الخديو قد سبق وأنبأ الأستانة بالأمر، وطلب التصريح للمجلس الخصوصي بمحاكمة المتهم، فلما ورد الرد كان المفتش قد صار إلى حيث لم تعد محاكمة أية محكمة أرضية تمسه، بعد نزع مخيف، وآلام موت أدبية ومادية ترتعد لها الفرائص.

فإنه حينما دقت ساعة الظهر، بدأ يشعر أنه قد يضطر إلى تناول طعام، فذهب نحو المائدة التي كانت الصينية عليها، وأخذ زجاجة من الشامبانيا الموضوعة تحت تصرفه، وشرع ينظر إليها ويزنها، كأنه يريد أن يشف الزجاج عن سرها.

فقال أحد الچاويشية لزميله همسًا: «ها قد أتى.»

فأجابه الآخر: «أجل، فقد جاء بغيره، خيرًا منه، إلى موقفه هذا.»

فسمع المفتش الهمس والإجابة. فاضطرب، وقال ملتفتًا إلى الچاويش الثاني: «من أنت؟» فقال الچاويش: «لا تؤاخذني يا سعادة الباشا، فقد افتكرت بأحمد بك الخازندار، ولست تنكر أنه كان خيرًا منك، ومع ذلك فسعادتك قد قتلته.»

فارتعدت فرائض المفتش وقال بلهفة: «أنا لم أقتله، هذا كذب، هو الذي قتل نفسه، هو الذي جلب المصيبة لشخصه، بسبب علائقه بحريم أفندينا.

فهز العسكري رأسه هزة غير المصدق، وقال: «أنا أعرف الحكاية كلها، فالخازندار قص علي كل شيء، في هذه القاعة عينها. وا أسفاه أحمد بك، الرجل الطيب القدير، كان قد أنقذ حياتي، وكان فضله علي عميمًا، ومع ذلك، فأنا المسكين التعس الحظ لم أقدر أعمل شيئًا له في ساعة ضيقة وخطرة، وا ويلاه.»

فصمت المفتش ولم يجب، وأحس بأن ذكر الخازندار في موقفه، والظروف المحيطة به نذير وبال لا محالة، لأنه يذكِّره، رغم أنفه، بعمل شرير من أعمال حياته، فزاد ارتعاد فرائصه، ومرت أمام مخيلته الحادثة كما وقعت:

فأحمد بك الخازندار كان رجلًا من الأخصاء، حائزًا لثقة الخديو ومقربًا إليه، ولما كان المفتش يأبى أن يقترب غيره من قلب مولاه، ويشاركه في التعطفات الودية الخديوية، فإن الحسد اتقد في قلبه، وجعله يود، لو استطاع، هدم مركز مزاحمه، بأية وسيلة تكون، فنجم بينه وبين الخازندار نزاع عنيف لم تخفَ آثاره على أحد.

فحدث، ذات يوم، أن الخازندار بدر منه ما أوجب قيام قرائن حملت (إسماعيل) على الظن بأنه حاد عن جادة الحرص والاحترام في علائقه بالحريم المصون، فحادث بذلك المفتش، فاغتنمها المفتش فرصة موافقة للتخلص من الخازندار، فأوغر صدر (إسماعيل) عليه، ولما تأكد أن الغضب المثار عن الظنون السيئة والكبرياء المجروحة بلغ أشده، وأن ضغط مؤثراته الشديد تغلب على عواطف (إسماعيل) الطيبة في قلبه، أشار على مولاه بإطفاء النيران المتقدة فيه بأن يستعمل الوسائل التي تستعملها الأستانة في مثل هذه الأحوال، ألا وهي السكوت، وزكيبة، وتغطيس قهري تحت أجنحة الظلام في مياه النهر، ففعل، واختفى خبر أحمد بك الخازندار فجأة، دون أن يدري أحد إلى أين كان مصيره.

ولما مرت هذه الحادثة أمام عيني المفتش، وضع يده على جبينه وفكر هل تكون هذه آخرته أيضًا؟ وهل يكون نصيب أحمد بك الخازندار نصيبه، هو المشير، هو الكبير بين كبراء الدولة العثمانية؟»

وبينما هو يفكر في ذلك تفكيرًا عميقًا مضطربًا، أقبلت يده على غير تنبه منه، تقلب خاتمه المعلق بسلسلة ذهبية مطوقة عنقه، ومتدلية على صدره، فبصر إسحق بك بذلك الخاتم، وشرع يقترب من المفتش رويدًا رويدًا.

فلمح المفتش حركته، فأفاق إلى نفسه وأخفى خاتمه في صدره، وقال: «أجل يا إسحق بك، أنا فاهم، أنت تريد أخذ خاتمي، أنت مأمور بأخذ خاتمي مني، حالما يوافيني كوب من هذا الكنياك بسكتة فجائية، لا يزال هذا بعيدًا يا صديقي، لا يزال هذا بعيدًا.»

ولما كانت الساعة الثالثة بعد الظهر، أتى إلى المفتش مصطفى فهمي باشا، محافظ العاصمة في ذلك العهد — وهو الذي آلت إليه، فيما بعد، رياسة الوزارة مرتين، وأقام عليها المرة الثانية في عهد (عباس الثاني)، ولورد كرومر، ثلاث عشرة سنة — وأبلغ إسماعيل صديق منطوق حكم المجلس الخصوصي.

فاحتج المفتش احتجاجًا عنيفًا، (أولًا) على صدور الحكم غيابيًّا، مع أنه كان من الممكن دعوته للدفاع عن نفسه. و(ثانيًا) على تعرض المجلس للنظر في قضية ليست من اختصاصاته، لكون المتهم مشيرًا عثمانيًّا، والمحكمة الوحيدة المختصة بالنظر في أمره محكمة الدولة المتبوعة العليا، وأنذر مصطفى باشا بإبلاغ احتجاجه إلى الخديو رسميًّا، وإلا كان خائنًا نحو الباب العالي.

ومع أن مصطفى باشا كان متأثرًا جدًّا، ومتكدرًا غاية الكدر من أن وظيفته تحتم عليه عمل ما يعمل، إلا أنه لم يستطع إجابة طلب المفتش، وقال له: «ما الفائدة من ذلك يا باشا؟ أنت تعلم جيدًا أن الپاديشاه بعيد، وأن الخديو قريب، فأنى ليد جلالته أن تحميك من يد سموه؟»

فقال المفتش: «لا بأس، جرِّب يا صديقي، جرِّب، فإني لست أدافع عن حياتي فقط، بل عن حياتك أيضًا، وعن حياة ذات الذين حكموا علي اليوم بدون سماعي، فما قد وقع لي قد يقع لكم، من ذا الذي يوقف الخديو في الطريق الذي أقدم على السير فيه إذا تركتموه ينتهك، في شخصي، حرمة الضمانات الممنوحة لمركزنا، ويدوس على قداسة الحق الذي لنا بأن لا نحاكَم إلا أمام الأستانة؟ فإن يكن اليوم دوري، فقد يكون غدًا دوركم. لا تقل (كلا) بهزة رأسك هذه، فأنت غلطان. نعم، أنا أقرأ في عينيك الخاطر المتجول في فكرك. أنت تقول (نحن نكون أكبر منك فطنة وحرصًا، نحن لن نفعل ما فعلت، لن نتآمر على سلطة الخديو) ألا يا باشا، هل أنت معتقد صحة هذه المؤامرة؟ أنا؟ أنا أتآمر عليه؟ أنا أخامر عليه؟ كلام فارغ! مخابراتي مع العلماء ورجال الدين كانت بإذنه وتصريحه، والله والله وثروتي وأملاكي، بالرغم من كل الظواهر، لم أقتنها بسرقة أموال الحكومة، وإنما اكتسبتها بمضاربات خصوصية، أنا أقسم لك على ذلك يا مصطفى، إذا كان يوجد اختلاس في الأموال العمومية — كما يقولون — فلست أنا اللص، والخديو يعرف ذلك.»

وكان صوته بتأثير الانفعالات الشديدة المتسلطة عليه، قد علا أكثر مما كان يوافق مصطفى باشا الحريص. فقال له: «هس يا صدِّيق، لا تتكلم هكذا، لا سيما بمثل هذا الصوت العالي، فربما كانت معرفة الخديو نصيب ما تقوله من الصحة هي السبب في أنك صرت إلى الحال التي أنت فيها. تشجع،كل شيء لم يفقد بعد. ليس السفر إلى دنقلا موتًا، فقد رأينا مَن أتى من أبعد من ذلك، وعوضت عليه خسارته المؤقتة أضعاف أضعافها.»

فشخص المفتش إلى مصطفى باشا، كأنه يوبخه على محاولة الضحك عليه مثلما لو كان ولدًا صغيرًا، وعلى تعليله إياه بأماني ليس لها في نفسه أثر، فلم يستطع مصطفى باشا احتمال اللوم المنبعث عن تلك النظرة، وحول رأسه عن المفتش.

ولما كانت الساعة الخامسة، وصلت الباخرة التي أعدت للسفر بإسماعيل صديق إلى دنقلا، وأخطر أحد الچاويشية المحافظ بذلك.

وما هي إلا لحظة حتى دخل إسحق بك، هو وأجناده — وكانوا قد خرجوا لدى قدوم مصطفى فهمي باشا — وقال للمفتش: «هيا بنا يا باشا»، وأومأ إلى الچاويشية الأربعة والعشرين، فأحاطوا بصديق وقادوه إلى ظهر الباخرة صاغرًا، وأنزلوه حالًا إلى حجرته، وأوصدوا نوافذها، وتبعه مصطفى فهمي باشا إلى الباخرة بحكم وظيفته.

وبعد أن أقام المفتش في حجرته لحظة، دنا منه چاويش الخازندار، وقال له همسًا: «إني متأكد يا سعادة الباشا، إنها هي هي بذاتها.»

فقال المفتش: «ما هي؟»

قال الچاويش: «الباخرة التي حملت الخازندار إلى حيث تعلم، ليس هناك شك، فقد وضع في هذه الحجرة عينها التي أنت فيها، وجلس حيث أنت جالس الآن، بالضبط، فكأني أراه حينما ضاقت به أخلاقه، فعزم على الشرب على صحة أفندينا.»

وكان المفتش، حالما وضع رجله على ظهر الباخرة، أدرك أن أجله حمَّ، وأنه لم يعد في سعته اجتناب كأسه المقدورة، فلم يعد مهتمًا إلا بالخلاص حالًا من الآلام المعنوية التي كانت تعذب روحه.

فلما سمع كلام ذلك الجندي، أبدى حركة من انتهى به التفكير إلى توطين العزم على حل نهائي، وقال: «أجل، لنفعلنَّ إذًا مثله، ولننتهين، فقد مللت النزاع، ولم يعد لي طاقة على احتمال ما أنا محتمل، سأعمل مثلما عمل أحمد بك، يا چاويش، وأشرب أنا أيضًا على صحة أفندينا.»

ثم دعا إسحق بك وقال له: «قدم لي ما تريد.»

فأمر إسحق بك فأتى بالصينية، وعليها الطعام والمشروب، فملأ المفتش كوبًا شمپانيا — وكان المشروب المفضل لديه — وتجرعه دفعة واحدة.

فلما مرت ساعة بدأ يشعر بالألم، وأحس كأن نارًا أخذت ترعى أحشاءه، ولكنه كان خبيرًا بالمفعول ودرجته. فقال لمصطفى باشا ضاحكًا: «يا عزيزي مصطفى باشا، ماذا قلت لي، منذ لحظة، عن الرجوع من دنقلا؟ أراني لن أرجع منها إلا يوم الحشر.»

فأراد مصطفى باشا أن يقاوم فكرته، ولكن المفتش قال له: «صه، صه، يا مصطفى أنت تعلم، كما أعلم أنا، أن إحدى قدمي قد دخلت القبر، أريد أقول «اللجة» منذ أن تجرعت هذا الكوب، غير أن هؤلاء البهائم قد غلطوا في الكمية التي أمروا بوضعها في الزجاجة، وما جاء منها في الكوب التي تجرعتها منذ ساعة قد يبقيني حيًّا حتى غدًا، وهذا ما لا أريده، فسأشرب، إذًا، كوبًا ثانيًا على صحة الذين سيتبعوني قريبًا في هذا السفر الميمون على صحتك يا مصطفى.»

وشرب كأسًا أخرى.

ولكن بنيته كانت قوية ومتينة، على ضآلة جسمه، فزادت الكوب الثانية آلامه، ولكنها لم تصعقه، كما كان ينتظر، ودقت الساعة السابعة وهو لا يزال على قيد الحياة.

ولكنه كان قد شرع يتمرغ على أرض الحجرة، ويشهق شهيقًا متقطعًا، وأما ملك الموت فكان لا يزال واقفًا بعيدًا، ينظر إليه بتهكم، ولا يدنو منه إلا خطوة خطوة.

وكان مصطفى فهمي باشا، وإسحق بك واقفين في الحجرة يشاهدان ذلك المنظر المفجع، أما الأول فإن اصفرار الموت كان قد علا وجهه كما علا وجه المفتش، وتصبب العرق من جبينه وجسمه كله، ولم يسعه، وشهيق المفتش يتزايد حتى بلغ درجة من الشدة مزعجة للغاية، سوى أن يصم أذنيه، لكيلا يسمعه.

وأما إسحق بك فكان متضجرًا لا يخفي قلة صبره على طول ذلك النزع المخيف.

فلما دقت الساعة الثامنة أسرع ملك الموت نحو الرجل المحتضر، فظهر كأن كل شيء قد انتهى، لأن كل حركة خمدت في المفتش، وتخشب جسمه.

فاقترب إسحق بك منه، لظنه أنه مات، وشرع ينزع السلسلة التي فيها خاتمه.

وكأن المفتش كان ينتظر هذه الحركة لكي لا يفارق هذا العالم إلى الأبد، فأدار رأسه بتشنج فظيع، وفتح فمه وعض، بكيفية افتراسية، يد الجسور الذي أقدم على سلبه قبل أن يبيت جثة هامدة.

فصرخ إسحق بك صرخة عظيمة من شدة الوجع الهائل، وإذا بأسنان المفتش المائتة قد قطعت إبهامه قطعًا باتًّا.

فجنَّ الرجل، وأمر الچاويشية فطوقوا عنق المفتش بحبل، وشدوه، فخنقوه، ثم وضعوا جثته — وهي سخنة بعد — في الزكيبة المملوءة حديدًا، المعدة لذلك الغرض، وبعد أن اجتازت السفينة بهم سراي الوالدة جهة القصر العالي، وتجاوزت جزيرة الروضة طرحوها في النيل.

فلما توارت في اللجة، نظر چاويش الخازندار حوله، ثم هتف بتعجب حاد «بالضبط، في المحل عينه الذي طرحت فيه جثة أحمد بك، الله أكبر.»

ثم رست السفينة، جهة مصر العتيقة، بعيد قصر الشمع، ونزل منها مصطفى فهمي باشا، وإسحق بك والأربعة والعشرون چاويشًا، وعادوا كلهم إلى مصر فإن مهمتهم كانت قد انتهت.

أما الباخرة فاستمرت في سيرها بنوتيتها إلى دنقلا، كأن الأسير فيها، وأخذت بين حين وحين ترسل برقية تنشرها الجريدة الرسمية بلا خجل، فحواها هو هو دائمًا: «أن المشير إسماعيل صديق باشا مكب على البكاء والسكر معًا، بلا انقطاع.»

وربما استمر ذلك أشهرًا وأشهرًا، ولكن الباب العالي طلب بعد ثلاثة أسابيع إرسال المفتش إليه ليحاكمه، دون غيره.

ففي الغد نشرت الجريدة الرسمية المذكورة خبر موته، وأن ذلك الموت وقع بدنقلا في ٤ ديسمبر سنة ١٨٧٦.»

وما يدل على أن هذه الرواية، التي سردناها، إنما هي بنت المخيلة أكثر منها بنت الحقيقة، وأن مخيلة صاحبها إنما جادت بها لإشباع رغبته في النَّيل من (إسماعيل) برمح حاد من وراء ستار، هو ما أخذ الرأي العام يتقوَّل به من أقاويل، ويرويه من حكايات في أمر زوال نعمة المفتش ومصيره. وأهم ما لِيك من تلك الحكايات هو أن المفتش إنما مات في الحقيقة يوم ١٠ نوفمبر، وأنه مات مقتولًا في الليل على ظهر الباخرة التي أعدت لنقله إلى دنقلا، وأن الذي خنقه خصيان أرسلا إليه من سراي الجزيرة، وأنهما طرحا جثته في النهر بعد فراغهما من مأموريتهما الموتية، وأن الباخرة التي اجتازت النيل صعدا إلى دنقلا بنوافذ موصدة ومسمرة، كأنها نعش محمول على سطح المياه، والتي قال نوتيتها للذين قابلوهم — ومن ضمنهم جوردون — أنها تحمل المفتش إلى منفاه، لم تكن في الحقيقة تحمل الوزير لا حيًّا ولا ميتًا.٨

على أن المثل القائل: «ليس من دخان بلا نار» ينطبق هنا انطباقًا كليًّا.

نعم، إن الحكومة كذبت الإشاعات والأقاويل تكذيبًا رسميًّا صريحًا نشرته في «الوقائع المصرية»، وقالت: «إن الحقيقة هي أن المفتش وصل إلى دنقلا حيًّا، ولكنه مات هناك من شدة إفراطه في السكر.» وأذاعت — إثباتًا لذلك — صورة شهادة طبية بموته حررها بدنقلا عينها طبيب إيطالي، وأطلعت قناصل الدول عليها.

نعم، إنه أشيع في كل مكان وكل نادٍ أن إحدى نساء المفتش في اليوم ذاته الذي هوى فيه نجمه، تمكنت من المثول بين يدي الخديو، وتوسلت إليه بدموع سخينة أن يبقي على حياة زوجها، فوعدها أفندينا، وعد شرف، بأن المفتش سيحاكم محاكمة عادلة أمام المجلس الخصوصي، وأنه مهما يكن الحكم الذي سيقضي به ذلك المجلس، فإن زوجها لن يعاقب بالإعدام مطلقًا، وأنه أرسل في، الوقت عينه، رسولًا إلى ابن الرجل ليحمله على الاطمئنان، ومداومة الثقة به.٩
ولكن علاوة على أنَّا نستبعد صحة هذه الإشاعات، فإنا نعلم، من جهة أخرى، علمًا يقينًا، أن (إسماعيل) كان يقول، فيما بعد، للمخلصين من محادثيه الغربيين، لا سيما لموبرلي بل: «إن موت المفتش كان أصبح أمرًا لازمًا لا بدَّ منه.»١٠

فنستنتج من ذلك أن قصد المجلس الخصوصي من حكم النفي، والسجن الدقيق الذي أصدره ضده إنما كان في الحقيقة الإعدام.

ومتى تقرر هذا — وهو ما لا شك فيه لدينا — فإنه يصبح سيان عندنا أين وكيف نفذ ذلك الحكم.

ونرانا أميل إلى الاعتقاد بأن مصلحة الدولة — كما فهمها القابضون على زمام الأمور — قضت بنفاذه في أقرب وقت، ولو أنها قضت، من جهة أخرى، بتدبير «فرسة» الباخرة التي تظاهرت بنقل صديق إلى دنقلا، وقابلها جوردون بالقرب من كورسكو، ولما علم من تحمل، وإلى أين، ولماذا، وتذكر أنه حينما أقلع إلى السودان كان إسماعيل صديق باشا الوزير القدير، صاحب التحكم المطلق في الشئون المصرية، أغرق في التفكير في أن مجد هذا العالم باطل، وأنه سريع الزوال.

والذي يزيل كل شك من اعتقادنا في أن قصد المجلس الخصوصي من حكمه إنما كان الإعدام هو أولًا ما نعلمه من أن المفتش إن لم يتآمر على الخديو في مسألة الدين المطلوب للأجانب، فقد خامر حقيقة على قتله. نأخذ ذلك مما رواه الأمير محمد توفيق نفسه للمستر بتلر، أستاذ ولديه الأميرين عباس ومحمد علي، قال: «ما فتئ والدي يسيء الظن بي، ويسيء معاملتي إلى درجة أن أحد وزرائه — ولم يكن أرفعهم شأنًا — تطاول عليَّ ذات يوم إلى حد امتهاني، وتهديدي بأن والدي قد يبعث بي إلى السودان إن لم يجد مني زيادة إقبال على مساعدته في مشروعاته الرامية إلى توسيع نطاق المدينة الغربية في القطر، فأجبته: «إن الخديو أبي وولي نعمتي، فإن شاء فله أن يبعث بي حيثما يريد، ولو إلى أقاصي السودان، بل له أن يأمر بطرحي في النيل، وما أنا إلا بممتثل لأوامره بكل خضوع.» غير أن بعض أهل البلاط كانوا يعتقدون أن تلك المعاملة قد أقرحت قلبي، وجعلتني أتمنى في صميمي أن تسرع الأيام نحوي بالعرش، فعرض عليَّ وزير آخر من وزراء أبي — ولعله كان أقربهم إلى قلبه — بكتابات مرتين أن يعمل على تغريقه في ميناء الإسكندرية لدى عودته إليها من الأستانة، فيما لو وافقت على ذلك، فأبيت باشمئزاز. وقد أطلعت والدي، فيما بعد، على تلك الكتابات، فعانقني طويلًا، والدموع ملء عينيه، وقال لي: «لقد كنت مغشوشًا فيك يا بني، وأعتقد أنك تخامر علي فاصفح عما مضى.»١١

فأي وزير من وزراء (إسماعيل) — غير المفتش — كان يستطيع أن يعرض على الأمير محمد توفيق ارتكاب مثل تلك الخيانة؟ في خلد أي منهم — إلا خلد المفتش — كان يمكن أن يقع فكر الإقدام على ذلك النكر بتلك الجسارة؟ فأخلاق شريف ونوبار أعلا من أن تسمح بتطرق الريب إليهما، علاوة على أن أولهما كان أبعد الناس عن كل ما ينافي الصراحة والإخلاص، وأن ثانيهما كان لا ينفك متغيبًا عن القطر في مهماته الخارجية. وأما رياض فلم تأتِ الأيام به إلى هذا المستوى إلا في سنوات (إسماعيل) الأخيرة، فيبعد عن الظن أنه يجسر، وهو يطمع في التقدم، على مراودة (توفيق) على عمل من شأنه خسف الأرض به خسفًا، فيما لو أبى (توفيق) — كما كان المنتظر من شاب تقي مثله — موافقته عليه، بعكس المفتش فإنه — إن أفشى (توفيق) سره — كان له من قربه إلى قلب (إسماعيل) قربًا شديدًا، ومن مركزه السني في دولته ألف مكذب لمزاعم ولي العهد.

ولئن لم يعلن (إسماعيل) مخامرة المفتش على حياته، وينشر كتب ذلك الوزير إلى ولي العهد، فلأنه لم يكن يوافقه مطلقًا — والأفكار حوله مضطربة، وجمال الدين الأفغاني ينشر تعاليمه النارية بين طلبة الأزهر، والبابية تقيم البطاح والجبال وتقعدها، والثورة في الأستانة قد ذهبت بعرش عبد العزيز وحياته، وبعرش مراد خليفته وحريته — لم يكن يوافقه مطلقًا أن يقف الملأ المصري على تلك المخامرة، وأن تنفتح الأذهان إلى أن أقرب الناس إلى الخديو، وأحب وزرائه لديه تآمر هو نفسه على قتله.

والأمر الثاني الذي يحملنا على الاعتقاد الثابت بأن قصد المجلس الخصوصي من حكمه بالنفي والسجن على المفتش إنما كان بإعدامه — بالرغم من أن الحكومة ألقت القبض على كل من كان في إمكانه، من خدم إسماعيل صديق وحشمه، أن يروي روايات ويذيع إشاعات عنه، وبلغ عدد المقبوض عليهم مائة شخص تقريبًا، وأنها نفتهم نفيًّا إداريًّا إلى مصوع عيانًا وجهارًا، (ولا نعلم أوصلوا إليها أم لم يصلوا، لأن أخبارهم انقطعت، منذ أن بارحوا القاهرة، وألسنتهم عقلت إلى الأبد)١٢ — هو أنه تلا تنفيذ الحكم عليه تعيين مندوبية لتقوم عقارات المفتش، ومجوهراته، ومنقولاته، وأسهمه، وأوراقه المالية، وجواريه، لبيعها بالمزاد.

أما العقارات فكانت نيفًا وثلاثين ألف فدان من أخصب الأطيان العشورية، وثلاثة قصور فخمة في القاهرة، عدا قصر بديع على ضفاف المحمودية، وكلها مؤثثة ومفروشة بأفخر الأثاث والرياش.

وأما المجوهرات فكانت قيمتها تزيد على ستمائة وخمسين ألف جنيه إنجليزي.

وأما الأسهم والأوراق المالية فكان ثمنها يربو على نصف مليون من الجنيهات. وأما الجواري فكنَّ يزدن على سبعمائة ما بين حورية شركسية بيضاء، ذات ثمن يفوق كل تقدير، وخمرية مسكرة، وسمراء غانجة، وحبشية شعرية، ذات أعين بقرية، وبرنزية موشومة، ذات نهود سفرجلية، وسودانية فحماء، متقدة الدم الهائج.

ولكن المندوبية قدرت تلك الثروة كلها تقديرًا إجماليًّا، بولغ في الميل به إلى جهة البخس، بمبلغ يقرب من ثلاثة ملايين من الجنيهات، مقابل دين يقرب من مائتي ألف جنيه.

أما الجواري فاختير أجملهن خلقًا، وأخفهن دمًا، وأمهرهن صناعة، وأدخلن ضمن الحريم الخديوي، أو أهدين إلى كبار ضباط الجيش، وكبار رجال الدولة، إما لكي تقع نطقة من دم صديق على كل منهم، وإما — وهو الأقرب إلى المعقول — لكيلا يفوت البغاث شيء من فضلات النسر، والباقيات بيعت إلى من شاء مشتراهن من الأفراد والنخاسين.

ثم أقيم مزاد في سراي المفتش بالإسماعيلية؛ لبيع الرياش والمجوهرات، فكأنما أعيدت في القاهرة عينها أيام الأسبوع الذي تلا موت العاضد لدين الله الفاطمي إذ فرَّق صلاح الدين الأيوبي بين كبار رجال جنديته ودولته الجديدة متاع الخلافة الفاطمية، وجواري الخليفة المتوفى.

والفارق الوحيد بين الأسبوعين هو أن البائع هناك كان الوزير الفائز، والمبيعة أمتعته ونساؤه العاهل المذلول — وهو ما خولفت فيه النظامات الاجتماعية العادية، ومجاري الأمور السياسية اليومية — وأما هنا، فإن البائع كان المليك القاهر، والمبيعة أمتعته ونساؤه الوزير المقهور — وهو الجاري، عادة، بين بني الإنسان.

وكان المستر إدون دي ليون قنصل الولايات المتحدة العام، الحديث التعيين، لدى حكومة سمو الخديو، قد وصل إلى العاصمة بُعيد نكبة المفتش، فأراد أن يغتنم فرصة البيع السائر، ويزور سرايات ذلك الوزير المشهور، عقب إعلان بيع منقولاته وممتلكاته، سدادًا للديون المطلوبة لدائنيه، وذلك لكي يتأكد بعينيه صدق ما كان يروى عن ثروة المفتش الفائقة حد التصور وإسرافه.

وهاك ترجمة ما دبجه يراعه الفصيح في هذا الموضوع:

«إن وولسي، صاحب قصر همپتن كورت، الذي اعتبره الملك (هال) السمين أكبر مما يصح لأحد رعاياه امتلاكه١٣ يكاد يكون شيئًا لا يذكر إذا ما قورن بهذا اللص، الذي سرق ما لم يسرقه ملوك، والذي — مع أنه نبت من عشة وحل حقيرة على ضفاف النيل — بلغ في أقل من عشر سنوات ما امتلك بمقتضاه قصورًا ومجوهرات ونساء وجوارٍ أكثر مما كان يستطيع سليمان في كل مجده أن يفتخر بامتلاكه من هذا جميعه.

فسراياته الثلاث في حي الإسماعيلية عبارة عن مجموعات مبانٍ، منفصل بعضها عن بعض، يحيط بها كلها سور شاهق، وتغطي البساتين والحدائق التابعة لها مساحة من الأرض قد لا تقل عن مساحة الأرض التي عليها الأهرام الثلاثة، وهي كلها مبنية ومنقوشة على الطراز الفرنسي الحديث، بدون مبالاة بما قد تبلغ التكاليف. وإذا أراد الإنسان أن يتفرج عليها كلها، وهو مستمر على المشي بدون انقطاع، فلا يكفيه صباح برمته.

ولا شك في أن الأبسطة والستائر والرياش والنقوش كلفت مبالغ تتعب التصور، لأن الذي يظهر للمتفرج هو أن صاحبها أطلق اليد للمنجدين في الصرف كما يشاءون، ويقال إن ألوف الحجر في تلك السرايات تحوي كلها رياشًا فاخرًا سنيًّا، ومن طراز واحد فخم، وإن الذهب واللألأة يسطعان على ذلك جميعه، فيبهران الأعين.

كل ستائر الشبابيك من القطيفة الفاخرة جدًّا، وتختلف ألوانها بكيفية محسوسة من الشوكولاطة إلى الأصفر والسنجابي، والكراسي والأرائك في كل حجرة مكسوة بالقطيفة ذاتها ومن لونها على الطريقة الفرنساوية.

على أن عدد الأرائك كان قليلًا، ولم يكن يوجد منها إلا في بعض الحجر المعدة لاستقبال أصدقاء الوزير من أولاد البلد.

أما الميزة الجلية فهي أن لون كل حجرة كان يتظلل بلون الحجرة التالية من الأسود إلى الفاتح، وبالجمع ما بين عموم ألوان قوس قزح. وكان التفنن في ذلك عجيبًا، حتى إن ألوان ذات السدول على الأبواب، والستائر الثقيلة على الشبابيك كانت مندمجة في بعضها بالكيفية عينها.

ففي هذا الوسط الفخم كان يتربع ذلك الفلاح العديم التربية، الذي لم يكن يفقه شيئًا سوى السرقة والنهب، وتحيط به أزواجه ونساؤه.

أما الأزواج، فما بين شرعيات وسراري، فكن ستًّا وثلاثين، وكان لكل واحدة منهن ست جواري بيض، وجم غفير من الجواري السود مخصصات لخدمتها، بحيث كان عدد الساكنات داخل تلك القصور الثلاثة، المجموعات هناك، لترتاح إلى التمتع بهن كبرياء ذلك الفلاح الحقير، وشهواته الحيوانية، يوازي عدد سكان قرية صغيرة.

وما أكثر القصص التي أخذت الألسنة ترويها بعد سقوطه عن قسوته، وفساد أخلاقه، وتباريح شهواته — وهي قصص لم يكن ليهمس بها قبل نكبته إلا الجسورون — وكان الكل متفقًا على أنه استحق، عن جدارة، المصاب المخيف الذي حل به، بما جنت يداه من آثام وجرائم، ولو أنه لم يصدق أحد أنه نكب بسبب المؤامرة التي أذاعتها الدوائر الرسمية، ورأى الكل أنه إنما نكب لضرورة دولية قاسية كضيق القبر.

فلما دخلنا السراي الأولى كان البيع بالمزاد سائرًا، بنشاط وهمة، في وسط بابل من الاختباط والاختلاط، في قاعة الاستقبال العظمى المكتظة بأناس من جميع الأجناس والألوان. وفي وسط هذا الجمهور المتنوع الأشكال كان يتجول نفر من الأرقاء، من بيض وسود، بصواني ملأى مجوهرات، وعلب كبيرة تشتمل على حلي نسائية من كل صنف ووصف، من الأحزمة الذهبية المرصعة بالماس، البالغ ثمن الواحد منها سبعة آلاف جنيه، إلى المصوغات الرخيصة الأكثر تداولًا بين يدي الاستعمال، وكانوا يقدمونها، ويبيحون التفرج عليها للجمهور، فيتداولونها من يد إلى يد بدون أقل اعتناء، بينما كان حاملوها ينادون بأعلى أصواتهم الأثمان المعطاة للأشياء السابق عرضها، فإذا شاء أحد المزايدة، فإن كاتبًا كان يقيد في الحال اسمه وعطاءه، وعند الفراغ من المزاد، في آخر النهار، كان يقيد جميع المزادات، ثم تسلم الأشياء إلى من رسا مزادها عليه، إذا وافق الثمن المعطى من الشخص المنوط به أمر التصفية.

وقد قيل لي إن المبيعات كانت تأتي بأثمان غالية إما لأن الشرقيين يميلون إلى وضع نقودهم في مثل هذه المجوهرات، وإما لأنهم كانوا يخصمون ٥٠٪ من الثمن لدائني المفتش، ولأن معظم هؤلاء الدائنين كانوا ممن يرون أن نصف رغيف خير من لا رغيف مطلقًا.

ولا شك في أن المبدأ الشرقي القديم الذي يحيط الحريم بحجاب من القداسة لا يجوز تجاوزه، قد انتهك في هذه الظروف، لأنه من البديهي أن تلك المجوهرات كانت جزءًا من المسلوب من زوجات هذا السرداناپال١٤ المصري ونسائه. فليت شعري ما الذي حل بصاحباتها البيضاء والسمراء؟ المظنون أنهن مزجن في هيئات أخرى من نوع التي كن فيها، ولكن هل كان ذلك بطريق البيع أم بطريق الهبة؟ ليس من يعلم، وليس من يهمه علم ذلك.

فيا لخفة وزن التقدير البشري.

ولئن بلغ من ذوق المفتش في اختيار الحوريات ما بلغ منه في انتخاب المجوهرات فإنه كان إذًا حائزًا لجوقة ملائك في خدمته، مؤلفة من جميع الأجناس.

ومع أنه لم يكن في شخصه سوى ابن فلاح من الطبقة الحقيرة، وقذر البزة على ما كان يصفه عارفوه، فإن التباين بينه وبين المظاهر المحيطة به كان لا مشاحة آخذًا بالألباب.

ثم مررنا من القاعة التي كانت تباع المجوهرات فيها إلى مخادع أخرى، أو بالحري إلى سلسلة مخادع (بلوكات)، فرأينا خوانات مغطاة بالآنية الذهبية والفضية، من شغل الشرق ومن شغل الغرب، فإن ذلك الفلاح الرغد عيشه لم يعد يوافقه أن يخدم إلا بالأواني المصنوعة من هذين المعدنين الثمينين وذات الأباريق والطسوت المستعملة لغسيل يديه وأيدي ضيوفه كانت من الفضة الخالصة. ولا نبالغ إذا قلنا إن قيمة عدة آلاف من الجنيهات كانت مطروحة على خوانات إحدى تلك الحجر فقط.

وكانت السراي الأولى ملأى أرائك، ولست أشك في أنها كانت معدة لنساء المفتش أو ضيوفه لأن مظهر الرجل في النهار — على قول معارفه — كان مظهر رجل نام في الليل على أريكة بملابسه.

أما البساتين الممتدة أمام السرايات الثلاث فواسعة وجميلة للغاية، ولا مشاحة في أن ثمن كل هذه العقارات رفيع جدًّا، ولكنهم ماذا عساهم يصنعون بهذه المباني الضخمة المكتظة بالرياش والستور، والتي لا قيمة لها بدونها؟

يقول بعضهم إنهم قد يحولونها إلى مصالح عمومية، ولكنهم لو حولوها إلى مستشفيات لكان ذلك أحسن، على ما أظن، لأنها في منتهى الموافقة لهذا الغرض، لولا أن نقوشها وزينتها زائدة عما يلزم.

أما الآن، فهذه المباني هي الأثر الوحيد الباقي للرجل الذي حكم مصر ثماني سنوات بعصى من حديد، ثم مات في النهاية موت كلب مسعور.

ورأينا ابن المفتش جالسًا بهدوء في إحدى الغرف كأنه يلاحظ سير المزاد، ويقدم القهوة لأصدقائه، كأنه لا يزال سيد البيت، لا إحدى ضحايا الكارثة التي ذهبت بأبيه، وأصابت كل ما كان مرتبطًا به إما من جهة الدم، أو من جهة المصلحة مع أنه لم يصَب في ثروته فقط، وفي جميع أمنياته في المستقبل، بل انتزعت زوجه منه أيضًا، لأنه أجبر على طلاقها حالًا بعد سقوط أبيه. وبالرغم من ذلك فإنه كان جالسًا هناك، والابتهاج وعدم الاهتمام منتشران في الظاهر على وجهه، كأن دعجاء أسرته، إنما هي فصل تمثيل ساكت من التمثيلات المعتاد إقامتها في بلاد الغرب في عيد ميلاد المسيح، وكأنه هو أحد المتفرجين على ذلك التمثيل، لا اللاعبين فيه. ولست أشك في أن الأوروبيين قد يستطيعون وعظ الغير على التلبس بفلسفة عملية كهذه، ولكنهم لا يستطيعون التلبس بها، هم أنفسهم.»١٥

ومع أنه لا سبيل إلى الشك في أن المفتش إنما استحق استحقاقًا تامًّا الجزاء الذي حل به، إلا أنه قد وجد من المؤرخين من آخذ (إسماعيل) على أخذه ذلك الوزير أخذ عزيز مقتدر، وعدَّ إنقاذه القطر المصري من قبضته الفظيعة، حالما اتضحت له حقيقة تصرفاته ونياته، جرمًا ارتكبه هذا الخديو.

وقد وجد من الغربيين القاطنين مصر، في ذلك العهد، من أول عمل الخديو تأويلًا، مفاده أن (إسماعيل) حينما رأى جوشن وچوبير معضدين من وزارتي خارجيتهما، وأنه لا طاقة له على مقاومتهما، ظن أنه بتضحيته (صديقًا) لهما، يرضيهما ويحوز ثقتهما، فأقدم على تضحيته، لا سيما أنه بإعدامه إياه إنما أعدم عاملًا كانت مجموعة معارفه تجعله خطرًا للغاية، وبات نفوذه عليه ثقيلًا على نفسه.

على أن هذا لم يكن رأي السير ڨيڨين، القنصل البريطاني العام في تلك الأيام بمصر، فإنه أبلغ النبأ إلى الوزارة البريطانية هكذا:

حدثت البارحة بمصر حادثة فاجعة من الحوادث الخاصة بالحياة والتاريخ الشرقيين، فقد وافاني وزير الخارجية بنبأ مؤداه: أن وزير المالية قد أُلقي القبض عليه وسُجن بتهمة إثارة فتنة في الرأي العام، وتدبير مؤامرة ضد الخديو، وتصويره أمام الملأ في صورة الرجل المسئول وحده دون غيره عن المصائب والبلايا المحيقة بمصر، والسارق ثروة البلاد بالاتفاق مع الأوروبيين.

على أنه قد لا يعرف أبدًا إلى أي حد أساء الوزير المعزول استعمال الثقة الموضوعة فيه، وكم خان فيما اؤتمن عليه من الأمور الهامة، وما مقدار ما تألمت به مصر من قلة ذمته، وسوء إدارته وتصرفه.

وبما أنه كان أكبر حجر عثرة في سبيل كل إصلاح مالي أو إداري فلا مشاحة في أن سقوطه، كيفما وقع، لا يمكن أن يعتبر إلا مصلحة عامة كبرى، وخيرًا عميمًا.

١  أهم مصادر هذا الفصل كتيب لكاتب اكتفى من اسمه بذكر أحرفه الأولى وهي پ.ل.ﻫ.دي.س، وعنوان الكتيب «تراجم مصرية إسماعيل صديق باشا وموت المفتش»، و«تاريخ مصر في عهد إسماعيل» لماك كون.
٢  انظر «مصر كما هي» لماك كون ص٩٥ الحاشية.
٣  انظر الكتيب المعنون «تراجم مصرية إسماعيل صديق باشا وموت المفتش» طبعة سنة ١٨٧٩ ص٧ و١٢ لمؤلفه پ.ل.ﻫ.دي.س.
٤  هو والد الأستاذ «دهان» المحامي بالإسكندرية لدى المحاكم المختلطة، وقد قتله سمسار أرمني بالإسكندرية كان يقال له «مرزان» لأسباب لا تزال مجهولة.
٥  انظر الكتيب المعنون «تراجم مصرية» ص١٢.
٦  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص١٩٤ و١٩٥.
٧  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص١٩٨ و١٩٩.
٨  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص١٩٩ و٢٠٠.
٩  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص١٩٩.
١٠  انظر «خديويون وباشاوات» لموبرلي بل ص٢٢.
١١  انظر «حياة البلاط بمصر» لبتلر، ص٢٠٦ و٢٠٧ و٢٠٨.
١٢  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٢٠٠.
١٣  الملك هال السمين هو هنري الثامن، ملك إنجلترا، المشهور في التاريخ بتقلب غرامه، وتسببه بانفصال المملكة الإنجليزية عن الكرسي البابوي الروماني. وولسي (أو كما يقول بعضهم وولزي) هو الكردينال الذي كان وزيره الأكبر وخادمه الأمين، وتخلى الملك مع ذلك عنه، لأنه أبى موافقته على طلاق زوجته الملكة كاترينا أوف أراجن.
١٤  سرداناپال آخر ملوك نينوى، بالقرب من الموصل، اشتهر في التاريخ بكثرة إغراقه في اللذات البهيمية والترف ومات محروقًا.
١٥  انظر «مصر الخديوي» لادون دى ليون من ص١٩١ إلى ١٩٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠