الفصل الأول

تعقد حلقات الضيق١

عياش إنك للئيم وإنني
مذ صرت موضع مطلبي للئيم
حبيب

ومن المؤكد أن سقوط المفتش كان بدء عصر جديد لمصر، ولكنه كان في الوقت نفسه فاتحة ويلات على الخديو، ومدخلًا إلى صعوبات قوية، جعلت أيام خديويته التالية تنازعًا عنيفًا على البقاء.

فما كاد النيل يجمع مياهه على جثة الوزير الملقاة فيه إلا وصدر مرسوم خديوي في ١٨ نوفمبر سنة ١٨٧٦ أشعر الملأ بفوز جوشن وچوبير، وانصياع (إسماعيل) إلى آرائهما، وإلى رغائب وزارتي الخارجيتين الإنجليزية والفرنساوية، المعضدتين طلبات أصحاب الديون.

ذلك المرسوم نص على ما يأتي:

إن الأقراض المعقودة سنة ١٨٦٤ وسنة ١٨٦٥ وسنة ١٨٦٧ لما لم يكن مركز الخديو المالي مضطربًا اضطرابه الخطير التالي، والبالغ قدرها ٤٢٩٣٠٠٠ جنيه، تستبعد من الدين الموحد الذي أدخلها فيه مرسوم ٧ مايو الماضي، وتجعل موضوع اتفاق خاص بها.

وتستبعد كذلك من الدين الموحد أقراض الدائرة السنية، وديونها البالغ قدرها ٨ ملايين و٨١٥ ألف جنيه — وكان مرسوم ٧ مايو أدخلها فيه أيضًا — وتجعل بالمثل موضوع اتفاق جديد خاص بها. وما بقي من الدين المصري يقسم إلى قسمين: الدين الممتاز، وقدره ١٧ مليونًا من الجنيهات، تتقاضى عليه فوائد سعرها ٥٪ سنويًّا، والدين الموحد، وقدره ٥٩ مليونًا، تتقاضى عليه فوائد سعرها الإجمالي ٧٪ سنويًّا.

وكان الخديو، وكل الواقفين على حقيقة ثروة البلاد يودون جعل الفوائد كلها بسعر ٥٪، ودافعوا لينالوا ذلك دفاعًا قويًّا، ولكن الدوائر الرسمية بإنجلترا وفرنسا، بواسطة القنصلين البريطاني والفرنساوي بالعاصمة المصرية أبت إلا أن تجعل سعر الفوائد على الدين الموحد ٧٪ سنويًّا، إرضاء لأطماع حملة الأسهم، فضحت بذلك الفلاح المصري، ولم تفد الديون فائدة حقيقية، لأنها خالفت المثل العامي القائل «خشكار دائم، ولا علامة مقطوعة.»

وقضى ذلك المرسوم أيضًا:
  • أولًا: بتعيين مراقبين عامِّين للمالية المصرية، أحدهما بريطاني، والآخر فرنساوي، الأول لمراقبة عامة الإيرادات، وملاحظة دفعها إلى الجهات المعينة لها، والثاني لمراقبة عامة المصروفات، ومنع إنفاق أي شيء منها من أية جهة، أو مصلحة تكون بدون توقيعه. هذان المراقبان يكوِّنان مع وزير المالية لجنة مالية عليا تراقب جميع الاتفاقات التي توجب إنفاقًا يزيد على واحد من اثني عشر جزءًا من الميزانية السنوية، أو يستلزم صرفًا في أكثر من سنة واحدة.
  • ثانيًا: بتعيين مندوبية للدين العام، مؤلفة من أجانب تعرض حكوماتهم أسماءهم على الحكومة المصرية، وتنحصر مهمتهم في استلام إيرادات الجهات المرهونة ضمانة لسداد أقساط الدين السنوية من يدي مراقب الإيرادات العام، وتسليمها لبنكي إنجلترا وفرنسا، واتخاذ الاحتياطات والإجراءات اللازمة لاستهلاك ذلك الدين.
  • ثالثًا: بتعيين مندوبية أخرى لإدارة مصلحتي السكك الحديدية وميناء الإسكندرية، مؤلفة من مصريين وفرنساوي وإنجليزيين، تحت رياسة أحد العضوين الإنجليزيين، وتنحصر مهمتهما — علاوة على الأشغال الإدارية — في تسليم إيراد هاتين المصلحتين إلى مندوبي الدين العام.

فعملًا بهذه النصوص عينت فرنسا البارون دي مالاريه مراقبًا عامًّا فرنساويًّا، والمسيو دي پلينيير مندوبًا فرنساويًّا لصندوق الدين، وأبقت النمسا وإيطاليا مندوبيهما السابق تعيينهما، وهما الهرفون كريمر، والسنيور بارڨلي، وأما الحكومة الإنجليزية فأبت تعيين المراقب العام، والمندوب البريطاني لصندوق الدين بنفسها، فطلب الخديو من المستر جوشن إرشاده إلى من يصلح تعيينه، فأرشده إلى المستر دي رومين للمراقبة، والميچر بيرنج للمندوبية، فعينهما، وعين الجنرال مريوت الإنجليزي مديرًا للسكك الحديدية وميناء الإسكندرية، فكان هو المندوبية كلها، لأنه لم يعين معه أحد خلافه.

فلما تمت هذه التعيينات، أخطرت الحكومة البريطانية الخديو بأنها لا تقبل أية مسئولية تنجم عنها، ولا تعترض على أي تعيين منها.

فاستلم الموظفون الأوروبيون المعينون هكذا مهام الوظائف التي عهد بها إليهم، ولكي يتمكن المستر رومين، المراقب البريطاني، من ضبط أعماله، اصطحب معه المستر چرلد فتزجرلد، أحد موظفي حكومة الهند، لترأس إدارة الحسابات المصرية، لأنها كانت في حالة من الفوضى يصعب تصورها، ويستحيل معها إتمام أي إصلاح مالي أو إداري.

يتضح مما تقدم أن فوز المستر جوشن والمسيو چوبير تكيف بشكلين مختلفين أحدهما مالي بحت، والآخر إداري بحت.

فالمالي البحت، لم يكن يختلف كثيرًا عن المشروع الفرنساوي الذي قامت له الدوائر المالية بلندرا وقعدت، وليس لتقديره حق قدره خير من وضع جدول هنا نفصل فيه المبالغ التي استلمتها الحكومة المصرية حقيقة من دائنيها، إزاء المبالغ التي وضع مشروع جوشن وچوبير قيدها الثقيل على عواهن البلاد، بالرغم مما كان قد سدد منها إلى ذلك اليوم.

ومجرد الاطلاع عليه يكفي ليقنع من كانت عينه مجردة من القذى أن الرجلين لم يضعا نصب عينهما، في مشروعهما، سوى ضمانة كل الأرباح الجائرة للمرابين الغربيين الذين انتدبوهما دون مبالاة بأبسط مبادئ الإنصاف، ودون التفات إلى أن الفلاح المصري، المقدم دمه لإرواء عطش أولئك المرابين، لم ينتفع إلا بالجزء اليسير من تلك الأموال التي اقترضها حكامه، وها هو ذلك الجدول:
تاريخ القرض المعقود باسمه القرض الاسمي المدفوع حقيقة
جنيه جنيه
سنة ١٨٦٢ فروهلنج وجوشن ٣٢٩٣٠٠٠ ٢٦٤٠٠٠٠
سنة ١٨٦٤ فروهلنج وجوشن ٥٧٠٤٠٠٠ ٤٨٦٤٠٠٠
سنة ١٨٦٥ الأنجلواچپشن بنك ٣٣٨٧٠٠٠ ٢٧٥٠٠٠٠
سنة ١٨٦٦ فروهلنج وجوشن ٣٠٠٠٠٠٠ ٢٦٤٠٠٠٠
سنة ١٨٦٧ البنك السلطاني العثماني ٢٠٨٠٠٠٠ ١٧٠٠٠٠٠
سنة ١٨٦٨ أوپنهايم وشركائه ١١٨٩٠٠٠٠ ٧١٩٣٠٠٠
سنة ١٨٧٠ بيشو ڨشهيم ٧١٤٣٠٠٠ ٥٠٠٠٠٠٠
سنة ١٨٧٣ أوپنهايم وشركائه ٣٢٠٠٠٠٠٠ ١٧٠٠٠٠٠٠
الجملة ٦٨٤٩٧٠٠٠ ٤٣٧٨٧٠٠٠

ويتضح من البيانات المقدمة من وزارة المالية المصرية إلى المستر كيڨ والتي تحقق هذا المندوب من صحتها، بمراجعتها على المستندات المرفقة بها، أن الحكومة المصرية كانت، لغاية سنة ١٨٧٥، قد دفعت على هذا المبلغ فوائد، فقط، قدرها مبلغ ٢٩٥٧٠٩٩٤ جنيهًا.

ومع ذلك فمشروع جوشن وچوبير أضاف إلى تلك الديون الاسمية الدين السائر برمته، ودين الدائرة السنية السائر أيضًا، وربط بذلك على عواتق فلاحي مصر، سداد مبلغ إجمالي قدره خمسة وثمانون مليونًا من الجنيهات.

وأما شكل هذا المشروع الإداري فإنه وضع بجانب الحكومة المصرية زمرة رجال غربيين، قُلدوا سلطة واسعة، لم يسبق لغربيين غيرهم تقلد مثلها بمصر، وكانوا على أخلاق وكفاءة لم يعهدها أحد في الغربيين الآخرين الذين بليت البلاد بهم، لغاية ذلك الحين، وجلبوا على أوروبا بسوء تصرفاتهم وفساد سيرتهم سخط المصريين العام واحتقارهم.

ولو استطاعت الحكومة المصرية تقدير كفاءاتهم ونياتهم حق قدرها، وأقدمت على العمل معهم، يدًا بيد بذكاء وإخلاص، فلا شك في أن كثيرًا من الشر التالي كان قد منع، وأن تدرج البلاد في معارج الرقي والحضارة كان اتخذ شكلًا طبيعيًّا هينًا، وتم بكيفية مرضية.

ولكن سوابق الغربيين الفاسدي الأخلاق والعديمي الكفاءة، الذين تقلدوا وظائف الحكومة المصرية قبلهم، حالت بما أوجبته من احتقار وضياع ثقة دون تقدير أولي الأمر الفرصة الجديدة التي جادت بها الأيام عليهم، فتركوها تمرُّ، ولم يغتنموها.

فنجم عن ذلك أن أولئك الموظفين أنفسهم، لما تبين لهم أن الحكومة المحلية إنما تحتملهم على غير صبر مجرد احتمال، وأنها لولا خشية الارتباكات الخارجية لأطرحتهم جانبًا، وأنها تعتبر قيامهم بواجبات وظائفهم، قيامًا حسنًا، افتياتًا على حقوقها، لا تستطيع عليه صبرًا، وأنها بالتالي تعمل في الخفاء على معاكستهم، وتخييب الإجراءات التي يتخذونها، لم يروا بدًّا من مقاومتها، والانصراف بوجوههم عنها إلى مجرد مراعاة مصالح دائنيها.

فأدى ذلك إلى شد حبل الأمور من جهة ومن أخرى، واضطرابه، واختلاله اختلالًا عميمًا، فإلى أزمات توالت وتعاقبت بشدة متناهية، فإلى نزاع عنيف بين الدول الأوروبية المدافعة عن حقوق المرابين، وسمو الخديو المدافع عن حقوقه الموورثة، فإلى تغلب تلك الدول عليه، لا بقوة الحجة التي تدرعت بها فقط، بل بقوة هيبتها ونفوذها.

ومن جهة أخرى، فإن الظروف، غير العادية، التي أدت إلى تعيين أولئك الموظفين، كان من شأنها أن تخلق، حتمًا، بينهم وبين الحكومة سوء التفاهم والمنافسة، حتى لو رغب كل من الطرفين رغبة صادقة في حسن التفاهم والمحاسنة، كما أنه كان من شأنها، حتمًا أن تحول عن أولئك الموظفين قلوب المصريين، وتملأها سخطًا عليهم.

وذلك لأن القصد من تعيين أولئك الموظفين لم يكن مجرد مصلحة الحكومة بتنظيم إدارتها وماليتها، ولا مجرد مصلحة الرعية بوضع أزمة أمورها بين يدي حكومة منظمة ساهرة على مصالحها، بل قصد من تعيينهم مجرد مصلحة الدائنين المرابين الأجانب.

فكانت الحكومة مضطرة بطبيعة الحال إلى اعتبار الخلل خير نظام لها، لأنه يمكنها من أن تحول إلى جيبها النقود التي كان أولئك المرابون يشتهون إنشاب مخالبهم في صررها.

وكان الموظفون الغربيون مضطرين بطبيعة الحال أيضًا إلى إرهاق الفلاح المصري لكي يتمكنوا من جمع المبالغ اللازمة لسداد استحقاقات الفوائد المطلوبة لأولئك المرابين.

فكان لا بد إذًا للفلاحين من أن يعتبروهم خلفاء المفتش، ويحولوا كراهتهم لذلك الوزير إليهم، مزكاة بأن هؤلاء الخلفاء ليسوا أجانب فقط، بل وغير مسلمين.

وظهر كل هذا جليًّا مذ شرع في تنفيذ ما قضت به نصوص المرسوم الصادر في ١٨ نوفمبر، البادي ذكره.

فالحكومة، من جهة، رأت أن معظم إيرادات البلاد قد تحوَّل إلى صندوق الدين لسداد المرابين، ودفع فوائد أسهم شركة السويس للحكومة البريطانية، ودفع الجزية السنوية للحكومة العثمانية، وأنه لم يعد بين يديها للصرف على إدارة البلاد سوى ما لا يزيد عن مليون جنيه، إلا قليلًا، من مجموع قدره نيف وتسعة ملايين ونصف من الجنيهات، وإنها أصبحت لا تستطيع — والحالة هذه — القيام بالشئون العمومية، إلا إذا احتالت على ذلك احتيالًا.

ولم تكن تستطيع الاحتيال إلا بكيفيتين: (الأولى) بعدم دفع مرتبات موظفيها ومستخدميها، و(الثانية) بالعمل على تحويل ما يمكنها تحويله من الإيرادات العامة إلى صندوقها الخاص. ولما لم يكن لها بد من ركوب أي مركب خشن تضعه الظروف تحت تصرفها، أقدمت عليها بدون مبالاة، بالرغم من الأخطار المخيفة المحدقة بها.

فعاد بؤس أيام (سعيد) الأخيرة من جهة إلى التخييم على مصالح الحكومة، وأخذت الشهور تلي الشهور وكل من في الخدمة الأميرية لا يتعاطى مرتبًا، فيتضور ضيقًا وجوعًا، أو ينصب على عيشته نصبًا، ويكدس على رأسه الديون تكديسًا.

ووقع الموظفون والمستخدمون، من جهة أخرى، بين نارين، إن هم أدوا واجباتهم بأمانة وصداقة، فدفعوا إلى إدارة صندوق الدين إيرادات مصالحهم، عملًا بنصوص المرسوم الخديوي، والتعليمات، والأوامر الرسمية، أثاروا غضب الحكومة عليهم، وألقوا بأنفسهم في محظور، إن لم يكن إلى تهلكة.

وأقرب مثال على حقيقة ذلك ما رواه اللورد كرومر عن معرفة شخصية في كتابه «مصر الحديثة»، ومفاده أنه بعد تعيين مندوبية صندوق الدين بقليل، لوحظ أن مديرًا جديدًا عُين لإدارة جمرك السويس مكان المدير القديم، وأن إيرادات هذا الجمرك، الواجب توريدها إلى الصندوق، لكي تدخل فيما يدفع سدادًا للدين، نقصت عقب تعيينه، وقلت دفعة واحدة بدون سبب معقول. وبالرغم من أن وصولات التوريد، لكي تكون صحيحة، كان يجب أن يمضيها أحد المندوبين، فأثار العجز الغريب الظنون في قلوب أعضاء المندوبية، وبعثوا يستفهمون من الحكومة عن السبب الذي أوجب تغيير المدير، فأجيبوا أجوبة لا طائل تحتها، فألحوا، وطلبوا بشدة، إحضار المدير السابق أمامهم حيًّا كان أو ميتًا، فأدى ذلك إلى مكاتبات مُرَّة اللهجة تبودلت بينهم وبين الحكومة، كانت نتيجتها أن المدير القديم بعد مرور عدة شهور، حضر إلى مكتب مندوبي الدين، وأخبر إجابة على أسئلة وجهت إليه، أنه لما كان مديرًا تلقى أمرًا من الحكومة مؤداه: دفع إيرادات جمرك السويس رأسًا إلى الخزينة الخديوية، بدلًا من دفعها إلى صندوق الدين، فأجاب أنه إذا فعل ذلك بعد صدور المرسوم الخديوي المؤرخ ١٨ نوفمبر سنة ١٨٧٦ يكون مخالفًا للأوامر الخديوية السامية، ومتجاوزًا حدود وظيفته. فما كان من الحكومة إلا أنها ألقت القبض عليه، وأرسلته مكبلًا بالحديد إلى أحد الأصقاع السودانية القصية، وأنه لولا تداخل المندوبين في أمره، وإلحاحهم الشديد لما عاد من منفاه السحيق العمر كله.٢

وإن لم يؤد أولئك الموظفون واجباتهم بأمانة وصداقة، ولم يدفعوا إلى صندوق الدين ما حتم عليهم دفعه إليه، عرضوا أنفسهم إلى التأنيب والتثريب، فإلى العزل والطرد على أيدي المندوبين الغربيين المؤتمنين على إيرادات ذلك الصندوق.

والموظفون الغربيون من جهة أخرى، رأوا أن الحكومة لن تنفك محاولة الاستيلاء على ما أقره المرسوم الخديوي للدائنين، ولن تنفك ناجحة في محاولاتها، ما دامت موارد الإيراد غير معروفة بالتمام، وما دامت مواضع الإنفاق غير محددة تحديدًا بينًا، وأنه يصلح — والحالة هذه — أن تدخل تعديلات جديدة على النظام الذي أقره مرسوم ١٨ نوفمبر سنة ١٨٧٦، بناء على إرشادات المستر جوشن، والمسيو چوبير.

غير أنهم، بدلًا من جعل مصلحة الحكومة، ورفع الضيم عن الفلاح الغرض الذي يُرمى إليه من إقرار تلك التعديلات، بدلًا من أن يحاولوا بما في وسعيهم أن يحملوا المرابين القساة، الغلاظ الأكباد، الناهشين لحم مصر نهشًا، على القبول بتخفيض أسعار الفوائد التي يتقاضونها — فكان يكون مسعاهم مبرورًا، وعملهم إحسانًا — بدلًا من اجتهادهم في تفهيم أصحاب الديون أن مصلحتهم الحقيقية تقضي عليهم بأن لا يقتلوا البقرة الحلوب، بالإغراق في حلبها، على جفاف درها تدريجيًّا، وأن لا يميتوا الدجاجة ذات البيض الذهبي، بقهرها بأشد الوسائل على بيض أكثر مما تستطيع بيضه اضطروا بحكم وظيفتهم، وبالنسبة للظروف التي قضت بتعيينهم، إلى الأخذ بأقاويل الدائنين الفرنساويين المؤكدين أن الخديو لن يجهده دفع ما عليه من ديون، إذا شاء دفعها حقيقة، وأن الضيق المصري المزعوم إنما هو حجة كاذبة، وأن الأدلة المتخذة من متربة البلاد لأدلة مصطنعة، والغرض منها إثارة عواطف الإنسانية والشفقة، حيث لا يلزم إظهارها، وتوجيهها إلى من هو غير جدير بها، وأن الخديو مدخر كنوزًا يمكنه السحب منها لو افتكر أن السحب يجديه نفعًا، كما أنهم اضطروا أيضًا إلى الأخذ بما كتبه اللورد ڨيڨين القنصل البريطاني العام إلى حكومته في ٨ ديسمبر سنة ١٨٧٦، ومؤداه «إنه لمن المتعذر بيان كيف، وأين صرفت المبالغ الجسيمة التي وصلت إلى يد الحكومة المصرية في العام الماضي، فإن الأربعة الملايين من الجنيهات ثمن أسهم ترعة السويس، والخمسة الملايين كذلك قيمة المسلف من الفرنساويين، وعموم إيراد العام — كل ذلك قد اختفى، بالرغم من تأجيل دفع قطعية (كوبون) الدين الموحد، وعدم صرف مرتبات مستخدمي الحكومة، وبقاء جملة ديون ثقيلة بدون سداد.»

واضطروا — على الأخص — إلى الأخذ بعرض الحال المرسل من الجالية الفرنساوية بالإسكندرية إلى المسيو وادنجتن، وزير خارجية فرنسا، الوارد فيه ما يأتي: «ما هو مآل النقود التي دخلت القطر بتدفق منذ عدة سنوات؟ فإن الإحصائيات الجمركية تدل على أن جانبًا عظيمًا منها لم يخرج من البلاد، فكيف يصح — والحالة هذه — الكلام على متربة البلد، وعلى تعذر دفع ديونه عليه؟ لتوضح لنا الحكومة إلى مآل كل هذا الذهب؟ ولكنها لن تفعل. فمن البين إذًا أنه لا عذر لها في عدم قيامها بالتعهدات التي أخذتها على نفسها علنًا أمام وجه أوروبا بأسرها، وأن مسئولية الخراب الذي تكومه على الأرض المصرية، والمتألم منه — على الأخص — مجموع الجالية الأوروبية، تقع بكل ثقلها عليها وحدها.»٣

فترك أولئك الموظفون الغربيون كل باب كان في وسعهم ولوجه لإنماء إيرادات البلاد، بدون إحراج إحساس الخديو وكبريائه، وبدون جلب ويلات جديدة على الفلاح، وأقبلوا يفكرون في إجراء تحقيق عام في حال البلد المالية، للتمكن من وضع قيود جديدة، أشد من الأولى، على أيدي الحكومة المصرية.

والفلاحون المصريون من جهة ثالثة، مع أنه لم يكن بين عقلائهم من ينكر أن وضع تلك القيود يكون مفيدًا جدًّا، لو كانت المقاصد من وضعها مراعاة المصالح العامة، وتخفيف ويلاتهم الباهظة، وبؤسهم الفاحش، اضطروا إلى الاعتقاد بأن الغرض الوحيد من وضعها إنما هو مراعاة فوائد الدائنين دون سواهم، وذلك لأن المندوبين أهملوا، بتاتًا، المطالبة بإبطال تجاوزات عديدة، كان الاستمرار عليها مفيدًا للفرنج وضارًا بالبلاد، ولم يقوموا لمنع أي إجراء ينفذ بقوة المعاهدات، وانصياعًا للفرمانات، بالرغم من عدم صوابية إجرائه، في تلك الظروف الحرجة، ولم يهتموا مطلقًا لتظلمات الأهالي والموظفين، مع إقبالهم، من جهة أخرى، على فحص مطالبات الغربيين أيًّا كانت باعتناء تام، وتعضيد معظمها قبل الحكومة، بالرغم من البؤس الذي باتت فيه، وتشديدهم في تحصيل الأموال لسداد أقساط الديون.

فمن التجاوزات مثلًا التي كان يصح في عرف المصريين اهتمام الموظفين الغربيين بإبطالها، اهتمامًا قويًّا مستمرًّا، رفض الجاليات الغربية دفع أية ضريبة من الضرائب المربوطة على البلاد، حتى الضرائب العقارية ذاتها، وإقدامهن على التهريب بالإسكندرية، وعلى طول الساحل المجاور.

ومع أن كلا التجاوزين كانا فضاحين للكيفية التي كان الأجانب يسيئون بموجبها التمسك بحرفية امتيازاتهم، ويتوسعون في استعمال حقوق مزعومة، استنتجوها بموجب التعنت من تلك الحرفية عينها، ومع أن الضجة، في الدوائر الرسمية المصرية، ضد كلا التجاوزين، كانت قد بلغت عنان السماء، وأن كليهما كانا يسببان للمالية المصرية خسارة سنوية لا تقل عن نصف مليون من الجنيهات، فإن الأجانب، من جهة، ما فتئوا يأبون دفع أي شيء للمالية المصرية سوى العوائد الجمركية المربوطة على الواردات الأجنبية، وقناصلهم، من جهة أخرى، ما فتئوا يحولون دون إقدام الحكومة المصرية على تفتيش السفن والمراكب الأجنبية الراسية خارج الثغر الإسكندري أو الداخلة فيه، وما فتئوا يمكِّنون رعايا دولهم من تنزيل البضائع المهربة إلى البر سرًّا، وتخزينها في أي بيت من بيوت تلك الرعايا، ثم ينذرون الحكومة المصرية بالويل والثبور إذا تجاسرت على مسها، هناك، فيفعم القطر كله بتلك البضائع المهربة، ويبيعها مهربوها بين لمس الحكومة المحلية ونظرها، وهي عاجزة لا تستطيع أن تبدي حراكًا، ومع ذلك فالمندوبون الغربيون لا يبالون بوضع حد لهذين التجاوزين الضارين، بل لا يفتكرون فيهما مطلقًا، ولا يرون أن هناك إصلاحًا، غير قهر الخديو على أمره، وتنظيم دفع فوائد الديون إلى المرابين.

ولما اضطر (إسماعيل) — بعد أن بلغت روحه الترقوة من تمادي الغربيين في وضع أيديهم بقوة على القذى الذي في عينه، بالرغم من أنه سيد البلاد المطلق، على حسب معقول قطره، وتربيته وأيامه، مع إغفالهم أمر القذى الذي في أعينهم، بالرغم من أنهم دخلاء، ليس لهم من الحقوق عليه وعلى بلاده أكثر مما للدائن على المدين، وليس لهم سوى طلب إفلاسه، في حال تأخره عن دفع ما عليه، وبعد أن أحرجه من جهة أخرى، الضيق والعسر الماليان اللذان أصبح فيهما — إلى الاحتجاج بشدة على ذينك التجاوزين، ومطالبة الدول الغربية بوضع حد لهما، والإلحاح على قناصلهن بمصر بمساعدة حكومته على اجتثاث جذورهما، ولما عضد السير ڨيڨين، قنصل إنجلترا الجنرال، مطالب سموه، وكتب عن ذلك إلى اللورد دربي، وزير الخارجية البريطانية، فماذا كان رد هذا الوزير؟ إنه — أولًا — لم يرد عليه إلا بعد سبعة شهور، على أن جوابه لم يظهر اهتمامه بإبطال التجاوزين بقدر ما أظهر اهتمامه «بتنظيم المالية المصرية» — وهي عبارة تلطيفية لقولهم «مصالح الدائنين» — فقد ورد في رده ما نصه «إن حكومة جلالة الملكة لا يسعها أن «تهمل بالمرة» مطالبة الخديو، لا سيما في ظروف المالية المصرية المضطربة الحالية، ويحسن بالخديو أن يتأكد من رغبتها في مساعدته على إبطال كل تجاوز تقدم عليه الجالية الغربية، على شرط أن يبدو من سموه ما يدل دلالة واضحة على رغبته الأكيدة في إصلاح إدارته». فهل بعد هذه مراوغة؟

والذي زاد في ثقل وقع هذا الرد على نفوس المفكرين من المصريين، في ذلك العهد، هو أن وزارة الخارجية البريطانية، إزاء إظهارها عدم الاهتمام، بالمرة، بمصائب الفلاح المصري وبؤسه، كانت تبدي غيرة إنسانية في منتهى الحماسة على مطلب منع الاسترقاق، وما زالت تؤثر على الخديو، حتى حملته على توقيع معاهدة ٤ أغسطس سنة ١٨٧٧.

فحق للمصريين، لا سيما بعد اطلاعهم على البند الخامس من تلك المعاهدة، والتأثر به التأثر الذي لم يكن عنه بد أن يهتفوا بملء أصواتهم «ألا حقًّا قد أصبح الأرقاء أحرارًا، وأصبح الأحرار أرقاء.»

ومن الإجراءات — مثلًا — التي لم تكن تنفذ إلا عملًا بالمعاهدات، وانصياعًا لمنطوق الفرمانات، بالرغم من عدم صوابيتها في تلك الظروف، والتي كان يصح قيام «المصلحين الماليين» للمطالبة بعدم تنفيذها، رحمة بالمالية المصرية، وتخفيفًا لأعباء الفلاح المصري، اضطرار مصر إلى إرسال حملة عسكرية على نفقتها لمساعدة الدولة العثمانية في حربها مع الروس — وهي التي سبق لنا الكلام عنها.

فكان يجدر بالموظفين الغربيين، وهم أدرى الناس بفقر الخزينة المصرية وعجزها أن يعارضوا ولو من وراء ستار السياسة الدولية في إرسال تلك الحملة، ويعضدوا الخديو في رفضه، ويحولوا في الواقع دون إرسالها، ولو فعلوا لمنعوا ربط الضريبة الجديدة، ولاقتصدوا للحكومة المصرية مبلغًا وافرًا.

هذا ما كان يراه الفلاح المصري المفكر، ولا سبيل إلى لومه، والتماس العذر لأولئك الموظفين من باب أنهم خافوا وتحاشوا التداخل في أمر له مساس بالعواطف الدينية المصرية، الناجمة عن ارتباط المصريين مع تركيا بوثاقات دين واحد، فإنه كان لهم من معارضة الخديو نفسه خير مبرر لمعارضتهم، فيما لو أبدوها، وخير حجاب يستترون وراءه من انتقادات المتهوسين في الشعور الديني، وعلاوة على ذلك فإن الرأي العام المصري في ذلك الوقت كان — لأمية معظم المصريين، من جهة، ولاشتداد البؤس على أغلبيتهم، من جهة أخرى — لفظًا لا معنى له، وليس من السهل إثارته، ولا من الممكن جمعه على استحسان أمر أو استقباحه، لا سيما متى كان الخديو لا يريد إثارته ولا جَمعه.

ثم إننا في الحرب التي نشبت بين تركيا واليونان في سنة ١٨٩٧، قد رأينا اللورد كرومر، بالرغم من أن البلاد كانت في رخاء، والخزينة المصرية في نظام تام ومتانة كلية، وبالرغم من أن انتشار التعليم في البلاد، ونمو قوة الصحافة فيها نموًّا هائلًا، بالنسبة للحرية التي منحت لها، كانا قد أوجدا في القطر المصري رأيًا عامًّا يسهل جمعه وتسهل إثارته، رفض بتاتًا بصفته المؤتمن على الأموال المصرية، وعلى راحة الفلاح المصري الانصياع إلى ملزمات الفرمانات، وإرسال قوة عسكرية لمساعدة تركيا، مع أن خديو البلاد، وقادة الرأي العام كانوا ضده، وكانوا يستطيعون إيقاظ فتنة عليه.

ومع أنهم لم تعوزهم الإرادة في ذلك، وأن النفخ على نار العواطف الدينية زاد في تلك الأيام عند الجاعلين النفخ عليها الوسيلة الوحيدة لتعيشهم، وأن قوائم الاكتتاب بالأموال لمساعدة الدولة العثمانية دارت في القطر كله تحمل في طياتها موقظات متنوعة للفتنة النائمة، ووقودًا لها، لم يقم في البلاد اضطراب، ولا اختل فيها أمن، لشعور العقلاء بأن تركيا ليست في حاجة ماسة إلى مساعدة مصر العسكرية، وأن مصر في غنى عنها، فكان ذلك حجة ناصعة، ودليلًا ساطعًا على أن المصريين على العموم يدركون ما هي مصالحهم الحقة، وأنهم على حبهم للانتقاد، وللانتقاد المتحمس المر عينه، يعرفون، كيف يغلبون العقل، عند اللزوم على انفعالات القلب، ويرجحون كفة فوائدهم على كفة عواطفهم.

فما كان أحراهم بهذا في تلك الأيام العصيبة، إذ كانت الكلوم التي فتحتها في قلوبهم الحرب مع الحبشة لا تزال دامية، وكانت بطونهم لا تعرف الشبع، ولا تعرف جيوبهم سوى الخوى، وكان المرابون يستصفون المتبقي من دمائهم، وكانت الخزينة المصرية لا تدري من أين تصرف على الإدارة العامة؟

•••

ومن تظلمات الأهالي، والمستخدمين الوطنيين — مثلًا — التي كان يصح لأولئك الموظفين الغربيين الاهتمام بها، مسألة اضطرار الحكومة المصرية إلى الامتناع عن صرف مرتبات مستخدميها، سواء في ذلك الملكيين والجهاديين.

فإنه بينما كان يصرف لكبار الموظفين الأجانب مرتباتهم على التمام، لغاية آخر قرش، بالرغم من أنها كانت سمينة وجسيمة جدًّا، وبينما الجمهور من المستخدمين الوطنيين يسرح بدون أجر، ليدخل محله أنفار من الغربيين تربطهم بكبار النواب عن مصالح الدائنين روابط قرابة ومحسوبية، فتعين لهم المرتبات الضخمة، ويتقاضونها بأكملها — كان الموظف المصري محرومًا من قبض ماهيته منذ عدة أشهر، وكان هو وعائلته قد صاروا إلى منتهى البؤس.

فلا غرابة إذا تساءل الأهالي وقالوا: «هل من العدل والإنصاف إرهاق الأمة التي إنما هؤلاء الموظفون والمستخدمون المصريون أولادها، واغتصاب آخر قرش معها، وآخر قرش قد يكون لديها في السنوات التالية، منها، بدون أن ينال أولادها هؤلاء من أموالها شيئًا، مع أن اليسير المرتب لهم إنما هو حق عرقهم؟ هل من العدل والإنصاف أن يضحوا لمجرد التمكن من دفع الفوائد الباهظة للدائنين الأجانب، مع أن الفوائد التي تقاضاها هؤلاء الدائنون لغاية هذا اليوم أصبحت توازي قيمة ما أقرضوه كله؟»

وهاك ما كتبه السير ڨيڨين في هذا الموضوع «إن الخزينة خالية خاوية، والجيش والمستخدمين محرومون من مرتباتهم منذ عدة شهور، وحال هؤلاء قد صارت إلى أشد البؤس والفقر، والشعب المصري يتذمر من أن يدفع لأصحاب الديون كل ما لهم، بينما المستخدمون وعليهم المدار في تسيير سفينة الحكومة، لا يتقاضون شيئًا.»

١  أهم مصادر هذا الفصل «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون، و«مصر الحديثة» للورد كرومر.
٢  انظر «مصر الحديثة» للورد كرومر، ج١ ص٣١ الحاشية.
٣  انظر «مصر الحديثة» للورد كرومر، ج١ ص٣٦، وانظر العرضحال عينه برمته في دار الكتب المصرية بمصر وتاريخه ٥ فبراير سنة ١٨٧٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠