الفصل الثاني

الكتابة على الحائط١

ستبدي لك الأيام ما كنت جاهلًا
ويأتيك بالأخبار من لم تزود
طرفة

على أن الذي جعل على الأخص الفلاحين المصريين يسيئون الظن في الموظفين الغربيين، ويكرهونهم كراهة لا حد لها، ويزدادون تمسكًا بالخديو وولاء له، هو ما قلناه عن اضطرار أولئك الموظفين إلى إرهاقهم إرهاقًا فاحشًا، ومضاعفة الضرائب الشخصية عليهم، لتحصيل الأموال اللازمة لسداد قطعيات (كوبونات) الديون.

فإنه ما مضى على تنفيذ مرسوم ١٨ نوفمبر سنة ١٨٧٦ شهران حتى استحقت القطعية الأولى، وقدرها ٢٣٠١٠٠٠ جنيه إنجليزي، فدفعت، ولكن كتابة السير ڨيڨين عن كيفية تمكن المندوبين الغربيين من دفعها أدل برهان على ما استعمله هؤلاء من وسائل غليظة، فقد قال القنصل المذكور في تقريره المرسل منه إلى خارجية دولته ما نصه: «إن الضرائب تجمع في بعض المراكز قبل أوانها بستة أشهر وبشدة متناهية، لأجل التمكن من دفع القطعية الأولى.»

على أنه لم يمضِ على دفع هذه القطعية ستة أشهر إلا واستحقت القطعية الثانية، قطعية شهر يولية، وقدرها ٢٠٧٤٩٧٥ جنيهًا إنجليزيًّا، فدفعت أيضًا، ولكن السير ڨيڨين عينه كتب إلى وزير الخارجية البريطانية في ١٢ يولية ما نصه «إن النقود المطلوبة دفعت كلها بالأمس، ولكني أخشى أن الوصول إلى هذه النتيجة إنما أمكن بتحميل الفلاحة المصرية خسائر وضحايا لا طاقة لها بها، فقد أجبر الفلاحون على بيع محصولاتهم قبل نضوجها وجنيها، وجمعت منهم الضرائب تسعة شهور، وفي بعض المراكز اثني عشر شهرًا مقدمًا، لست أشك أن هذا جميعه خطأ في خطأ، لا سيما في قطر أرهقته، بل سحقته الضرائب، وأخاف في الأثناء أن تكون الإدارة الأوروبية سائرة، على غير شعور منها، إلى القضاء على الفلاحين الذين هم عماد هذه البلاد وقاعدتها القضاء المبرم، وأرى أن الإنجليز بشدهم أزر مثل هذه المظالم يحملون أنفسهم مسئولية خطيرة.»

وفي سبتمبر التالي ذكر الخديو السير ڨيڨين عينه، أثناء محادثة دارت بينهما «أن القطعيتين اللتين، دفعتا عملا بمشروع المستر جوشن، إنما دفعتا بتحصيل الضرائب مقدمًا، وأن دفع قطعية شهر يناير التالي ستلتهم طبعًا كسابقتيها، معظم ضرائب سنة ١٨٧٨»، فلم يستطع السير ڨيڨين إلا الموافقة على ذلك، وكتب إلى اللورد دربي «أنهم يحصلون الآن الضرائب مقدمًا هنا، وأن القطعيات إنما تدفع بكل نوع من الصعوبة، والاحتيال، والضحايا. ويبلغني من عدة مصادر أن الفلاحين يرهقون ويسحقون ضرائب ومكوسًا.»

فما كان من وزارة الخارجية حينما نقل إليها القنصل العام المحادثة التي دارت بين الخديو وبينه، إلا أنها كتبت له «أن يفهم الخديو أن تغيير أي شيء في التعهدات التي اتفق عليها منذ مدة يسيرة مع المستر جوشن، والمسيو چوبير، أو تعديل أي جزء منها، قد ينشئ أخطارًا مخيفة جدًّا.»

ومع أنه لو اقتصر الأمر على دفع قطعيات الديون المسجلة لكان كافيًا لتخريب القطر، تخريبًا تامًّا، إلا أنه كانت هناك ديون أخرى، غير مسجلة، لم ترَ الدول الأجنبية بدًّا من مضايقة الحكومة المصرية بخصوصها، والإلحاح عليها بدفعها، بالرغم من أن دفعها يستنفد جانبًا عظيمًا من المليون الحقير من الجنيهات الباقي لهذه الحكومة من إيرادات البلد العامة، بعد دفع كل أقساط الديون المسجلة السنوية.

تلك الديون كانت مطلوبة لمتعاقدين، وخلافهم عن بضائع ورَّدوها للحكومة المصرية، فمع أن أصحاب المحال الأجنبية المتجرة بمصر أصدروا أوامرهم إلى وكلائهم بالامتناع عن تقديم أي شيء للحكومة إلا في مقابل دفع ثمنه، نقدًا، لدى استلامه، فإن السير ڨيڨين أنذر الحكومة المصرية في أغسطس سنة ١٨٧٧ بأن الدائنين سيضطرون، حتمًا، إلى مقاضاتها أمام المحاكم المختلطة، عملًا بما لهم من حق، لا نزاع فيه، وأنها ستجد نفسها بالتالي أمام عدد غفير من أحكام صادرة ضدها، فلا يعود لها مناص من الإذعان والدفع فورًا، دفعًا تامًّا، وإلا استلفتت، حتمًا، انتباه الدول التي كان لها يد في إنشاء المحاكم المختلطة، وأثارت تهديداتها لها.

وكأن هذا الإنذار كان محرضًا لأصحاب الديون التي نحن بصددها، فإنهم هبوا كلهم مرة واحدة، وصبوا على رأس الحكومة المصرية وابلًا حقيقيًّا من إعلانات دعاو، وطلبات حضور، واستصدروا في الواقع ضدها أحكامًا مختلفة وعديدة من المحاكم المختلطة، ولكن الحكومة امتنعت عن تنفيذها، لأنها لم تكن تستطيع تنفيذها إلا بمضاعفة الضيق على نفسها، وعلى رعاياها.

فأدى ذلك فعلًا إلى تداخل الدول التي أنشئت تلك المحاكم بالاتفاق معها، ونهضت الحكومة الألمانية — على الأخص — وقالت على رءوس الأشهاد: إنها تعتبر عمل الخديو بإقدامه على رفض دفع ما تحكم به البلاد عملًا لا يصح السكوت عليه ويجب منعه، وأقبل السفير الألماني في لندرا وقال للورد دربي: «إن البرنس بزمرك يرغب في أن تتحد الدول كلها لتعمل معًا في الموضوع، إن لم يكن لشيء فلاجتناب إمكان إقدام إحداهن على العمل بمفردها»، ذلك كان الطامة الكبرى.

فإذا أضفنا إلى كل هذه الشدائد أن فيضان النيل في سنة ١٨٧٧ كان شحيحًا، وأنه نجم عن ذلك مجاعة فتكت بفلاحي مصر، لا سيما فلاحي الوجه القبلي فتكًا ذريعًا، وأن تحصيل الضرائب مقدمًا استمر — بالرغم من ذلك، ومن أن البلاد باتت لا تملك نفسًا — آخذًا مجراه القهري المهلك، وتحققنا أنه كان من شأن ظروف الوقت المعقدة إنماء سوء التفاهم بين العنصر الغربي والخديو والأهالي إنماء مطردًا، أدركنا بسهولة أن حرج المركز للجميع كان لا بد صائرًا إلى نتيجة في منتهى الخطورة، وأنه كان لا بد من الانتهاء إلى أن إحدى القوتين تسحق الأخرى.

غير أن البلوغ إلى هذا الحد لم يكن ظاهرًا بجلاء في أفق السياسة، وكانت الحكومات الغربية ثابتة الاعتقاد بنجوع الدواء، الذي جادت به قريحتا جوشن وچوبير، ولكنها بعد ما تحققت أن مواسم المحصولات المصرية لا تتفق مع تاريخي استحقاق قطعيتي الديون السنويتين، وافقت على تغييرهما وإبدالهما بتاريخين يكونان أكثر ملاءمة لمصالح الفلاحين البؤساء.

فصدر — بناء على ذلك — مرسوم سامٍ في ١٥ ديسمبر سنة ١٨٧٧ جعل موعدي استحقاقي القطعيتين المذكورتين أول مايو وأول نوفمبر من كل عام، بدلًا منهما في ١٥ يناير و١٥ يولية، وعين يوم ٣١ ديسمبر لدفع الفرق الناجم عن الإبدال.

بيد أن تمادي الأيام، وتفاقم الشرور الناجمة حتمًا عن استعمال الدواء الجوشني الجوبيري، وازدياد الصعوبات تعقيدًا حول المندوبين الأوروبيين، وكل من كان له احتكاك بالأزمة المصرية، سواء أكان رسميًّا أم عرفيًّا — كل ذلك أدى في النهاية إلى تغيير فكر الدول في نجوع الدواء المذكور، وإلى البحث عن تعديله، وإلا فإبداله بدواء غيره.

ولما كان مندوبا صندوق الدين الإنجليزي والفرنساوي أول من اقتنع بضرورة إدخال تعديلات على المشروع الجوشني، وارتأيا، قبل الإقدام عليها، لزوم إجراء تحقيق عام عن موارد إيرادات الحكومة، وأوجه مصروفاتها، لكي يكون التعديل الذي يُتفق عليه، فيما بعد، مبنيًّا على حقائق، لا على أوهام، فإنهما ما فتئا يلحان على الدوائر الرسمية الأجنبية في القطر حتى حملوها على الانضمام إليهما في رأيهما، ومطالبة (إسماعيل) بإصدار مرسوم يعين أعضاء «مندوبية التحقيق» المطلوب إنشاؤها.

غير أنه كان يلزم — أولًا — الحصول على رضا الدائنين أنفسهم، بصفتهم أصحاب شأن في الموضوع، لأن نتيجة التحقيق قد تؤدي إلى مطالبتهم بتخفيض سعر الفوائد التي يتقاضونها.

فلما فوتح في الأمر عقلاؤهم، قبلوا، على شرط أن يصطبغ التحقيق بصبغة عدم التحيز، ويتناول الدائرة المالية بجميع جزئياتها، بحيث لا يترك شيئًا غير ممحص وراءه في شكل دين مطلوب، أو ما شابهه، يكون فيما بعد قاعدة للمطالبة بتعديل جديد، فإذا اتضح حينئذ وجوب تنازلهم عن جانب من مصالحهم، فإنهم يقبلون تضحية ذلك الجانب عن طيب خاطر.

فخاطب السير ڨيڨين الخديو بعد وثوقه منهم، واقترح عليه تعيين مندوبية تحقيق جديدة، بناء على طلب الدائنين، يطلق لها الحرية التامة لإجراء بحث تفتيشي تام يتناول المصروفات والإيرادات، ويخوِّل لها حق إيجاد وسائل جديدة للبلوغ إلى مراقبة في الأقاليم على كيفية جبي الضرائب ودفعها، أقوى من الحالية، ونوَّه له في الوقت عينه، ولكن بطريق غير رسمية، أنه في حال عدم نجاح تلك المندوبية في اكتشاف موارد إيرادات غير المعروفة، فقد يطالب سموه بالتنازل عن كل الباقي له من أملاكه الشخصية للمراقبة الدولية.

ولما كان هذا الاقتراح ثقيل الوقع على نفس أي إنسان — فما بالك بثقل وقعه على نفس (إسماعيل) الأبية — فإن الخديو رفضه بتاتًا، وأبى الإصغاء إليه، وطالب القنصل بحمل الدائنين على تخفيض سعر الفوائد التي يتقاضونها إذا شاءوا أن تستمر البلاد قادرة على دفعها، بدون تداخلهم في طرق إنفاق الحكومة النقود الباقية لها، لأن ذلك ليس من شئونهم.

ولكن مندوبي صندوق الدين هبوا لنجدة القنصل، وأرسلوا في ٩ يناير سنة ١٨٧٨ كتابًا إلى وزير المالية أفاضوه كلامًا عن خطورة الحال، وأشاروا بإجراء تحقيق.

فأجاب الخديو بعد طول التردد، أنه يرفض كل تحقيق عام في الحال المالية، ولكنه لا يعارض في تعيين مندوبية تكون مهمتها الوحيدة التأكد من حقيقة مبلغ الإيرادات المصرية. وطلب من مندوبي صندوق الدَّين أن يكونوا هم أنفسهم أعضاء في تلك المندوبية، فأبوا، وكتبوا كتابًا آخر إلى الحكومة المصرية قالوا فيه إنهم يعتبرون كل تحقيق جزئي أضر من لا تحقيق على الإطلاق، وأنهم لا يوافقون إلا على تحقيق تام.

فلم يبالِ الخديو برأيهم هذا، وأصدر مرسومًا عاليًا في ٢٧ يناير سنة ١٨٧٨ عين بمقتضاه مندوبية لتحقيق الإيرادات فقط.

وما انتشر ذلك المرسوم إلا وتهيج له الرأي العام الأوروبي بالقطر المصري، تهيجًا ذكر بمثيله منذ سنتين، حينما أعلن التوقف عن الدفع.

فعقد بالإسكندرية اجتماع تهور فيه المتطرفون من المعضدين لطلبات الدائنين الأجانب تهورًا شديدًا، وبالغوا في لوم أي إجراء تحقيقي يراد عمله، لأنه في غير محله، ولأن الحكومة المصرية تستطيع القيام بجميع تعهداتها، وأقدموا في غليان مراجل سخيمتهم، على تحرير طلب إلى معتمدي الدول بمصر، شتموا فيه الحكومة المصرية شتمًا في منتهى الوقاحة والقباحة، وأرسلوه لهم، فأبى السير ڨيڨين الالتفات إليه، ورماه بامتهان٢ — ولكنه في الوقت عينه كتب إلى وزارة الخارجية البريطانية يلتمس منها تصريحًا لاستعمال تأثير رسمي على الخديو.

على أن ذلك جميعه لم ينجح في حمل (إسماعيل) على التخلي عن فكر إجراء تحقيق جزئي، ولكنه لعلمه أن الصعوبة الحائلة دون تنفيذ فكره إنما هي وجود الرجل الكفء لتلك المهمة، أخذ يقلب طرفه في عموم إدارات ومصالح بلاده عساه يجد في إحداها الشخص المطلوب.

وكان الكرنيل جردن (غوردون) قد عاد من السودان إلى مصر، في تلك الأثناء، فوقع نظر الخديو عليه، ووقع، حالًا، في خلده أن «هذا هو الرجل» فإن أخلاقه الرفيعة، ونفوذ سمعته إلى صميم تقدير الأوساط البريطانية بأسرها، وعطفه المعروف لدى الجميع على شقاء الشعب المصري وآلامه — كل ذلك يجعله الآلة المفيد استعمالها فائدة فائقة، فاقترح (إسماعيل) على السير ڨيڨين تعيينه.

ولكن القنصل ألفت انتباهه إلى أن الكرنيل جردن، بالرغم من جميع صفاته وكفاءاته السامية عديم الخبرة في الأمور المالية فلم يزد (إسماعيل) إلا تشبثًا بفكره، فاستدعى الكرنيل جردن، وطلب إليه القيام بالتحقيق المالي المطلوب.

فمال جردن في البدء إلى قبول المهمة.

ثم خاطب (إسماعيل) فردينند دي لسبس في أمر انضمامه إلى ذلك الإسكتلندي النزيه للقيام معه بالتحقيق. فأجاب دي لسبس بالقبول — ولم يكن في استطاعة الخديو أو أي أحد غيره في العالم اختيار رجلين خيرًا من هذين للقيام بأي عمل يستدعي القيام به خلقًا شريفًا، وفكرًا ساميًا.

ولكن المؤثرات من وراء الستار ما زالت تعمل في قلب جردن، وما زال هو نفسه يزن بدون تحيز كفاءته المالية للعمل، واستعداده لاكتساب كفاءة مستقبلة له، حتى أدى به الأمر إلى إبداء رغبته للخديو بالتكرم عليه باعفائه من تلك المأمورية، وإلى مغادرته القطر المصري مؤقتًا.

في الأثناء ورد إلى السير ڨيڨين التصريح الذي طلبه من الوزارة البريطانية، فقام ذلك القنصل من ساعته، وطلب مقابلة الخديو، وأبلغه «أن حكومة جلالة الملك امتنعت لغاية ذلك الحين عن مضايقة سموه، ولكنها الآن ترى نفسها مضطرة إلى تعضيد طلبات حقة، لأن للصبر وسعة الصدر حدودًا، ولذا فإنها ترى من الضروري جدًّا أن تفحص المندوبية مصروفات الحكومة.»٣

فقال له الخديو: «إذا كان لا بد من ذلك، فلتكن المندوبية التي تعيَّن مؤلفة من أربعة أوروبيين غير أعضاء صندوق الدين، لأن هؤلاء، بصفتهم ممثلي أصحاب الديون، أميل إلى مراعاة هؤلاء الدائنين في تحقيقاتهم، منهم إلى مراعاة حال الحكومة.»

فأبى السير ڨيڨين عليه ذلك، ولمح بأنه إذا لم يجب طلبه فقد ينضم إلى زملاؤه، وكلاء بقية الدول، فيقدم الجميع لسموه الطلب عينه باسم الدول مجتمعة حتى إذا أصر على رفضه، عُد مقاومًا لهن جميعًا، لا لواحدة منهن على انفراد.

فأصر الخديو على الرفض، إلا إذا شكلت المندوبية حسب رغبته.

وإذا بإلحاح ورد عليه من جهة لم يكن يتوقع وروده منها، فأدهشته وقاحته للغاية، وذلك أن المستشارين الأوروبيين بمحكمة الاستئناف المختلطة بالإسكندرية، تحت تأثير مؤثرات أجنبية، وبالرغم من خروج الأمر عن دائرة اختصاصهم بالمرة، أرسلوا إليه احتجاجًا قويًّا على تأخير تنفيذ الأحكام الصادرة من المحاكم ضد الحكومة المصرية لمصلحة الأجانب.

وكأن هذه الوقاحة لم تكفِ، فإن إحدى المحاكم الابتدائية المختلطة أصدرت قرارًا ضد الأمير حسين، وزير المالية، أمرته بمقتضاه، بالحضور أمامها بدفاتر حسابات الحكومة، وهو بعينه، ما كان النزاع قائمًا عليه بين الخديو والقنصل البريطاني.

وبينما (إسماعيل) يجتهد في تهدئة العاصفة التي أثارتها في نفسه هذه التعديات الوقحة على حقوقه الملكية، جاءه قناصل ألمانيا والنمسا وإيطاليا، معضدين طلب القنصل الإنجليزي، ثم انضم إليهم القنصل الفرنساوي أيضًا، بعد تردد كبير، سببه علم الحكومة الفرنساوية أن نتيجة التحقيق المراد إجراؤه مؤدية حتمًا إلى تخفيض سعر الفوائد التي يتقاضاها الدائنون الفرنساويون.

فاضطر (إسماعيل)، وقد اشتدت حوله المضايقة من كل جانب إلى قبول مطالب الدول، ووقع في ٣٠ مارس سنة ١٨٧٨ مرسومًا ساميًا، نشر في ٤ أبريل التالي، عين بمقتضاه مندوبية تحت رياسة المسيو دي لسبس لفحص الحالة المالية المصرية، فحصًا دقيقًا تامًّا، وفوض لها السلطة المطلقة لإجراء كل تحقيق تراه موصلًا إلى الغرض الذي أنشئت من أجله.

فتشكلت هذه المندوبية تحت رياسة الفرنساوي الكبير من مندوبي صندوق الدين الأربعة، ومن مصطفى رياض باشا، والسير ريڨرس ولسن، بصفتهما وكيلي الرئيس، ومن المسيو ليرون ديرول — وكان فرنساويًّا ماهرًا — بصفته كاتب السر.

وكان الفرنساويون قد عارضوا في تعيين أي عضو مصري بالمندوبية، زعمًا منهم أن لا مصري يستطيع إظهار استقلال في الرأي في شيء لا يستحسنه الخديو، ولكن الواقع أظهر أن مخاوفهم كانت في غير محلها، لأن مصطفى رياض باشا أبدى من الشجاعة الأدبية ما اكتسب به ثقة زملائه واحترامهم، وأبدى من الخبرة في الشئون المصرية ما جعل عضويته بالمندوبية ثمينة للغاية.

غير أن المسيو دي لسبس لم يمكث على رياسة المندوبية سوى بضعة أيام، لرغبته عن أشغال من نوع أشغالها، وميله إلى المكث في قصره بالإسماعيلية على ضفاف بحيرة التمساح، حيث كان كل شيء يذكره بأيام الاحتفالات البهيجة، فتخلى عن تلك الرياسة إلى السير ريڨرس ويلسن — وكان من كبار موظفي المالية الإنجليزية، وصرحت له الحكومة البريطانية بإجازة لكي يؤدي الخدمة المطلوبة منه بمصر — وقال بعض مترجمي حياة الفرنساوي الكبير: إنه إنما فعل ذلك لأن نفسه أبت، وهو صديق (إسماعيل) الحميم، أن يتجول في المديريات والأقاليم ليستجوب المديرين ومأموري المراكز، ونظار الأقسام، ومشايخ البلاد، ويحملهم على شهادات تذهب بهيبة صديقه ومركزه، بين أن السير ريڨرس ولسن — ولا ندري بأي حامل — وزملاءه الغربيين أظهروا استعدادهم لعمل هذا العمل بحب، واستيعاب تام كل التمام.

بيد أنهم ما شرعوا في أداء مهمتهم إلا وصادفتهم عقبة لم تكن في الحسبان، وهي أنهم عملًا بمنطوق المرسوم الخديوي المخول لهم حق استجواب كل موظفي الحكومة المصرية من أكبرهم إلى أصغرهم، استدعوا شريف باشا وزير الحقانية والخارجية، إذ ذاك، للحضور أمامهم للإجابة على بعض أسئلة يريدون توجيهها إليه.

وكان شريف باشا بعد الخديو أول ذات في البلاد، فاستكبر الدعوة، وعز على نفسه الأبية أن يقع مجرد فكرها في خلد المندوبية، فأرسل يقول إنه مستعد للإجابة كتابة على كل ما يطلب منه.

ومع أنه لم يكن يخامر أحدًا ريب في طهارة ذيله، ونقاوة يديه، وخلوه من كل مسئولية في أمر الخلل المصري المالي، وكان يصح أن تراعي المندوبية كرامته، وتحترم عزة نفسه، تعنت رجالها في إلزامه بالحضور شخصيًّا، خشية أن يذهب غيره من الموظفين إلى الاقتداء به، فتتعطل أعمال المندوبية لدى أول خطوة تخطوها.

وعضدهم في ذلك السير ڨيڨين القنصل البريطاني، فلم يعد في استطاعة شريف باشا سوى الإذعان أو الاستقالة من كلتا وزارتيه، بالرغم من إرادة مولاه، الذي عد تعنت رجال المندوبية في طلبهم، وتعضيد الحكومة الإنجليزية لهم فيه شبه إهانة شخصية له.

بيد أنه ما لبث قليلًا حتى استصغر هذه الإهانة بجانب إهانة أخرى نيلت بها كرامته، وكان في وسع المندوبية منعها عن شخصه، وتفصيلها: أن أحد محضري المحاكم المختلطة، تنفيذًا لحكم صادر منها، وبناء على طلب أحد الدائنين الغربيين المحكوم له بدين طالب به، ذهب إلى سراي الجزيرة، وأراد إلقاء حجز على المنقولات والرياش التي فيها، فأبدى ناظر السراي معارضة بينة على أن تلك المنقولات والرياش بيعت إلى بعض أمراء الأسرة الخديوية، ولم تعد ملك الخديو، ولكن المحكمة المختلطة رفضت المعارضة، وقضت باستمرار السير في التنفيذ، فعاد المحضر إلى الحجز، ولولا أن حراس السراي قاوموه بالقوة لتمكن من أداء مأموريته.

إن التاريخ المقدس يروي أن بلطشسر آخر ملوك بابل، بينما كان الفرس تحت قيادة كيخسرو (كورش) ملكهم يحاصرون عاصمته حصارًا شديدًا، أغرق ذات ليلة — في وليمة فاخرة أقامها بمناسبة عيد ميلاده، واستهزاءً بمجهودات أعدائه — في السكر والعربدة والمجون، وأنه — تماديًا في غيه — أمر بإحضار الآنية المقدسة التي نهبها أبوه نابوكودور السور (بختنصر) الكبير من هيكل أورشليم، حين استولى عليها، ودمر مملكتها، وقاد اليهود وملكهم وأمراءهم أسرى إلى بابل — وكانت آنية محرم لمسها إلا للحبر الأعظم على شرط أن يكون متطهرًا، وأن يكون قائمًا بخدمة قدس الأقداس — وأمر كبير سقاته بملئها، وإدارتها على المدعوين، فشرب جميعهم وقهقهوا طربًا.

وإذا بيد هائلة ظهرت بغتة على أحد حيطان قاعة الوليمة، وكتبت عليه بالفحم الأسود، وبخط كبير هذه الكلمات الثلاث «ماني، تيسل، فارس».

وكانت عينا بلطشسر شاخصتين إذ ذاك إلى الحائط، فنظرتا اليد والكتابة.

فهب الملك مذعورًا صائحًا، ووقعت الكأس من يده، ودب الرعب إلى قلوب جميع المتكئين، فاستدعى الملك في الحال جميع علماء مملكته، وخبيريها، وطلب إليهم قراءة تلك الكتابة المخيفة، وتفسير معناها. فلم يستطيعوا، فذكر بعضهم له أن في قصره يهوديًّا يقال له دانيال — وهو (النبي دانيال) — كان والده يعده من كبار العارفين، وأنه قد يدري ما لم يقدر على معرفته علماء الكلدانيين.

فاستدعاه الملك، فحضر وقرأ الكلمات، ثم قال لبلطشسر: إن معناها أيها الملك هو «أنك وزنت، فوجدت ناقصًا، فأخذ ملكك منك، وقسم بين الفرس والماديين.»

ويقول الكتاب المقدس «وفي تلك الليلة تمكن الفرس من الدخول إلى بابل بحيلة، وهي أنهم حولوا مجرى نهر الفرات — وكان يجتاز العاصمة — وساروا إلى قلبها من مجراه، فأخذوا حاميتها على غرة — وكانت احتفالًا بالعيد قد ترنحت سكرًا — وأعملوا فيها سيوفهم، ثم هاجموا قصر بلطشسر، وقتلوه فيه مع جميع أعوانه ومدعويه وأهله.»٤
أفلم يحق للمستر ماك كون أن يختم روايته لتلك الإهانة الشخصية التي ألحقتها المحاكم المختلطة (بإسماعيل)، مؤسسها، بقوله: «ألا من المؤكد أن الكتابة كانت قد باتت مخطوطة على الحائط، حينما أصبح في الإمكان اقتراف مثل هذا العيب ضد «أفندينا» العظيم الذي كانت كلمته، قبل أقل من ثلاث سنوات قصيرة، القانون الأعلى من الإسكندرية إلى الخرطوم؟» ألا أف لتقلبات الدهر وصروف الأيام.٥
١  أهم مصادر هذا الفصل «مصر الحديثة» للورد كرومر و«تاريخ مصر في عهد إسماعيل» لماك كون.
٢  انظر «مصر الحديثة» للورد كرومر، ص٤٣ ج١.
٣  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٢٢٧.
٤  انظر في الفصل السادس والفصل السابع من الجزء الثالث من «تاريخ شعب إسرائيل» لرينان تصحيح أسطورة الكتاب المقدس هذه.
٥  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٢٣٠.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠