الفصل الثالث

بين يدي المندوبية١

كنت من كربتي أفر إليهم
وهم كربتي فأين الفرار؟

وبينما الشعب المصري يكاد لا يصدق نظره وسمعه، ويبدي انذهالًا ليس بعده انذهال من أن يتجاسر الفرنج على الخديو إلى ذلك الحد، ولا يخسف الخديو بهم الأرض، أو يقلبهم كلهم في البحر، كانت مندوبية التحقيق توالي جلساتها ومباحثها في طرق إدارة القطر العامة، لا سيما في نظامه المالي.

فاتضح لها أن ما كان يشاع عن التجاوزات التي ارتكبها المفتش في مدة إدارته إنما هو دون الحقيقة، وأن الشرور التي أنمي في أرض مصر غراسها الممتص تنفس البلاد لا تزال باثة سمومها، بالرغم من كل المجهودات التالية التي بذلت للقضاء عليها.

من ذلك أن جملة قوانين ولوائح سنها الخديو في مصلحة الأهالي بقيت مجرد حبر على ورق لعدم اهتمام أحد من الموظفين بنفاذها، لا بل بمعرفة وجودها، وأن جملة ضرائب جديدة ربطت، وجملة ضرائب قديمة ضوعفت بدون صدور تصريح رسمي بها، وبدون أن يفكر الأهالي المجيبة منهم في الاحتجاج عليها، لاعتيادهم هذا النوع من المظالم على أيدي حكامهم الأصاغر والأكابر منذ أجيال وقرون، وأن ضرائب وضعها الخديو على أرباب الحرف والصنائع والمهن، بقصد تخفيف الوطأة عن الفلاح وعن الأرض، قلبت إلى ضرائب على الرءوس، وأجبر على دفعها الفلاحون أنفسهم، فوق ما يدفعونه من خراج أطيانهم أو عشورها، بل أجبر على دفعها نفس من لا حرفة ولا صنعة ولا مهنة لهم. ولما سئل أحد كبار الموظفين المصريين عما إذا كان لا يستصعب جباية مثل هذه الضريبة الحرفية، ممن لا حرفة لهم، أجاب باندهاش: «وهل الذنب ذنبنا إذا امتنع أحد الأفراد عن الاحتراف بحرفة مع تمتعه بحرية الاحتراف بأية حرفة يشاء؟ فإذا فضل البطالة، فما هذا بموجب لعدم مطالبته بالضريبة، وإلا ظلم أصحاب الحرف أنفسهم»، وأن السخرة التي أعلن الخديو عزمه على إبطالها منذ أن ارتقى العرش، لم يفكر في الامتناع عنها أحد من حكام البلاد وكبار سراتها ووجوهها، وأن المديرين والمأمورين ونظار الأقسام، بل مشايخ البلاد أنفسهم، لم ينفكوا ينكبون بالفلاحين المساكين عن زراعة أطيانهم القليلة إلى الشغل قهرًا، وعلى مصاريفهم في أطيان أولئك الحكام والكبراء، وأن المديرين والمكلفين بأمر الخدمة العسكرية بدلًا من العمل بنصوص اللوائح المسنونة لذلك، كانوا يجرون التجنيد بكيفيات وحشية، لا سيما في الصعيد، والجهات الأخرى القصية البعيدة عن عين ولي الأمر، وأنهم كثيرًا ما كانوا يأخذون من المطلوبين للخدمة العسكرية نقود البدلية، معلى عليها ما أمكنهم الحصول عليه، ثم يجندونهم، بالرغم من ذلك بدون أن يردوا إليهم البدلية المدفوعة على الأقل، وأن المنوط بهم أمر توزيع مياه الري كثيرًا ما كانوا يضحون مصالح الصعاليك من الفلاحين تضحية تامة إما إرضاء لأغراض الأقوياء، وإما مراعاة لمصالحهم.

ووجدت المندوبية أن الإسراف في نقود الخزينة بلغ أرقامًا تخيف التصور، فمن ذلك أن رئيس ديوان المدفعية كان إذا سمع بمدفع جديد مخترع يبعث ويأمر بإرسال دستتين أو ثلاثًا منه على سبيل التجربة، بدلًا من طلب مدفع واحد، وحجته في ذلك أنه لا يصح أن تكون مصر متأخرة عن باقي الأمم في الأمور العسكرية، وأن مبالغ سنوية جسيمة كانت تدفع من المالية المصرية إلى جملة جرائد أوروبية لكي تحرق البخور في أعمدتها جزافًا للحكومة المصرية، وتزين للناس الاشتراك في اقتراضاتها، وأنه دفع ١٥٠ ألف جنيه إنجليزي عن إحدى الأميرات إلى خياطة فرنساوية، وأن مبالغ تفوق الحصر دفعت إلى دوائر الأستانة في أوجه غير مشروعة، وأنه صرف على الأعمال المفيدة ذاتها أضعاف أضعاف ما كان يجب أن يكون ثمنها الحقيقي، وأن مبالغ كبيرة جدًّا وضعت على عاتق الخزينة بدون أن تكون ثمنًا لشيء ما أخذته الحكومة في مقابلها، وأن أموالًا طائلة — أرقامها تحير — دفعت في عمليات تدوير بيوع الغلال، وهي العمليات التي كان يلجأ المفتش إليها سنويًّا. وكيفيتها أنه كان يبيع إلى بعض التجار، نقدًا، غلالًا يعدهم بتسليمها إليهم في موسم جمعها، فلما يأتي هذا الموسم يسلمهم جانبًا منها (وهو ما كان يحصله من الفلاحين بصفة ضرائب غلالية، بدلًا منها نقدية)، ويشتري منهم الباقي، ولكن بثمن يزيد ٢٥٪ على ثمن مشتراهم تلك الغلال منه، غير أنه بدلًا من دفع ثمنها هذا، الزائد عليه الربع نقدًا، كان يدفعه لهم إفادات ذات فوائد من ١٨ إلى ٢٠٪ سنويًّا، فكانت مجموعة الفوائد والأرباح التي تنتهي الحكومة المصرية إلى دفعها بهذه الكيفية مجموعة تخيف في الحقيقة.

ووجدت المندوبية أن يد المالية المصرية مدت إلى أموال الأوقاف وبيت المال ذاتها، وسحبت منهما النقود، كما يسحب المصرف المياه من الأطيان، غير مبالية بأنها أموال جهات الخير والأرامل واليتامى.

وانتهى بها الطواف على جميع ينابيع المطلوبات المالية التي للأفراد على الحكومة المصرية إلى الإقرار بأن مبلغ الدين السائر الجديد المتكون منها ومن عجز الميزانية سنة ١٨٧٨ وسنة ١٨٧٩ التالية يبلغ ١٠ ملايين من الجنيهات تقريبًا.٢

وعلى وجود هذا الدين الهائل، كان من الواجب التدبر في دفع استحقاق أول مايو سنة ١٨٧٨ وقدره مليونان من الجنيهات، قيمة فوائد الدين الموحد، بين أنه لم يكن موجود بين مندوبي صندوق الدين لغاية ٣١ مارس سوى نصف مليون فقط.

فارتأوا عدم الدفع، والتعرض للإفلاس خيرًا من إجبار الفلاحين مرة ثالثة على دفع الضرائب مقدمًا.

ولكن الحكومة الفرنساوية لم تشاطرهم رأيهم، وانضمت إليها الحكومة البريطانية لرغبتها في التعضد بفرنسا في مؤتمر برلين المزمع انعقاده قريبًا، فاضطر المندوبون إلى الإذعان، وكلفت الحكومة بإرسال اثنين من الباشوات المعروفين بشدتهم، وثقل أيديهم إلى الأرياف والأقاليم لتحصيل المال المطلوب، فسار في رفقتهما جم غفير من مسلفي النقود، لمشتري محصولات الفلاحين مقدمًا، في مقابل إقراضهم النقود المطلوبة منهم للميري، فنجم عن ذلك أن الفلاحين البائسين اضطروا إلى بيع إردب الغلة بسعر خمسين قرشًا صاغًا، مع أنه بالنسبة لقلة الفيضان، وقلة المحصول، كان يجب أن يكون الثمن على الأقل مائة وعشرين قرشًا صاغًا — وهو ما بيع به بعد مضي شهر فقط، ولكن في مصلحة مقرضي النقود، ولنكاية المزارع «الغلبان» — فتمكن مندوبو صندوق الدين بذلك من دفع الاستحقاق المطلوب، على أن وصول النقود إلى أيديهم في آخر لحظة فقط، وكون جانب عظيم من العملة المدفوعة لهم إنما وصلهم قطعًا مربوطة معًا على شكل قلائد وحلي من الأنواع التي تزين فلاحاتنا المصريات بها أجيادهن، دلا دلالة مؤلمة على مقدار الضغط والشدة اللذين استعملا في تحصيل الضرائب وجبايتها.٣

فحدا ذلك بمندوبية التحقيق إلى الإسراع في فحص الحال المالية العامة، وإبداء الأدوية التي يرونها مفيدة لعلاجها، ولكن العمل كان شاقًّا، وكان لا بد للوصول إلى إتمامه من استغراق زمن مديد.

فرأى المندوبون في الأول أن يدلوا إجماليًّا محض دلالة إلى الإصلاحات العامة الواجب إدخالها ريثما يتم عملهم، فيفصلون تلك الإصلاحات تفصيلًا فأشاروا بوجوب عدم ربط ضرائب إلا بموجب قانون يعلن إعلانًا رسميًّا، ووجوب جبي الضرائب المربوطة تحت مراقبة وزير المالية الفعلية، لا الاسمية فقط، ووجوب إصلاح إدارة الحسابات، واستعمال طريقة الميزانيات السنوية، ووجوب ترتيب احتياطي للصرف منه على ما تقضي به الطوارئ، كلما زاد النيل أو نقص عن المعتاد، ووجوب الامتناع عن جباية الضرائب مقدمًا، ووجوب إنشاء نظام قضائي يحمي الشعب من كل تعديات أصحاب السلطة، ووجوب إبطال عدة مكوس وضرائب ثانوية نكائية، وضرورة روك البلاد روكًا جديدًا، ووجوب إصلاح طرق جباية مكوس الملح والتبغ، ووجوب وضع نظامات حسنة لتوزيع المياه والمناوبات، وإجراء الأشغال العمومية، وضرورة إبطال السخرة إلا فيما يختص بالأعمال المنفذة للمصلحة العامة التي لا يختلف عليها اثنان، ووجوب تعيين مدد للخدمة العسكرية، وتحديدها مع اتخاذ طرق ملائمة للتجنيد.

على أنه لم يكن في دائرة المستطاع تنفيذ هذه الإرشادات إلا مع الزمن، بالاستعانة على إخراجها إلى حيز العمل بموظفين من ذوي الكفاءة والذكاء، وبإدخال تغيير تام على عقلية الشعب حتى يقلع عن اعتقادين لا يمكن لأية إدارة أن لا تختل بدونهما، ألا وهما أن ذوي الشأن لا يناقشون فيما يفعلون، لأنهم أصحاب السلطة، وكل سلطة من الله، وأن موظفي الحكومة ومستخدميها ليسوا مكلفين بأداء الواجب الذي تقضي عليهم وظائفهم به إلا إذا استميلت رغبتهم إلى أدائه بواسطة نقود أو هدايا.

ثم إنه لم يكن في دائرة المستطاع تنفيذ تلك الإرشادات، مع الإبقاء على نظام الحكومة الفردية المطلقة، لأنه اتضح من التحقيقات أن عين الخديو، مهما كانت حادة النظر، لا تستطيع رؤية كل شيء، وأن إرادته، مهما كانت نيرة ومتماسكة وحاضرة، لا تستطيع القيام في كل مكان مقام الإرادات المحلية، وحمل الكل على اتباع جادة الاستقامة والنزاهة، ولأن الاختبار التاريخي دل على أن أعاظم عظماء الرجال، كقيصر ونابليون، لم يتمكنوا — بالرغم من سعة مواهبهم السامية — ومن انكبابهم على العمل أكثر من ثمان عشرة ساعة في اليوم، من الحلول من الآلة الإدارية محل الروح من الجسد في جميع أجزائها على السواء، فكيف يمكن ذلك للخديو، وهو — علاوة على كونه «الدولة كلها»، والإرادة الوحيدة فيها — أكبر ملاكها العقاريين، وأكبر تجارها، وصاحب معامل السكر الوحيدة فيها، فيجب — والحالة هذه — تقرير مبدأ «المسئولية الوزارية».

وأيضًا لم يكن في دائرة المستطاع تنفيذ تلك الإرشادات، ما دامت عموم إيرادات القطر تحت تصرف صاحب السلطة الفردية المطلقة، وما دام في استطاعته تحويل الأموال التي تخصص في الميزانيات العامة لأغراض ما إلى غير هذه الأغراض، ما دام يمكنه أن يستعمل نقود العموم في تحسين أملاكه الخاصة، واقتناء غيرها، وما دام في إمكانه رهن المستقبل إما لإشباع هوى وقتي، وإما لمداواة غلطات الماضي، أو لتهدئة عواصف الحاضر. فيجب — والحالة هذه — تقرير مبدأ فصل أملاك الحاكم الخاصة عن أملاك الحكومة، وتعيين مرتب سنوي له، مع مراعاة جعله ضخمًا، لكي يمكن صاحبه من الاحتفاظ بمظاهر الأبهة والعظمة التي اعتادها الملوك الشرقيون، والتي يجب أن يروهم رعاياهم متظللين بها.

واعتبرت المندوبية أن النتيجة الطبيعية لمبدأ فصل أملاك الحاكم عن أملاك الحكومة في حال (إسماعيل)، إنما هي تجريده من الأملاك التي آلت إليه في مدة سني حكمه، لزعمها أنه إنما اقتناها بأموال العموم، ولاعتبارها تلك الأملاك مادة جيدة للتمكن باستغلالها أو بيعها من سداد مطالب الدائنين الملحين.

وكان للخديو وعائلته الخصوصية ما يقرب من مليون فدان من الأطيان الخصبة بمصر، منها ٤٨٥ ألف فدان كان سبق رهنها لدائني الدائرة، فعرض (إسماعيل)، من تلقاء نفسه التنازل للحكومة عن ٢٨٩ ألف فدان من اﻟ ٤٣١ ألف الباقية له ولعائلته، علاوة على تنازله الكلي عن أطيان دائرتيه السنية والخاصة المرهونة للدائنين.

فقدرت المندوبية إيراد الأطيان المتنازل من سموه عنها، فوجدته ١٦٧ ألف جنيه سنويًّا، وقدرت إيراد المائة والاثنين وأربعين ألف فدان التي أبقاها لنفسه وعائلته، فوجدته ٢٢٤ ألف جنيه سنويًّا، فاستنتجت من ذلك أن الخديو إنما تنازل عن أقل أطيانه جودة، وأبدت عدم رضاها عن الغرض، وألحت بوجوب تنازل سموه عن كل ممتلكاته وممتلكات عائلته الخاصة في الريف وفي المدن، البالغ إيرادها السنوي ٤٢٣ ألف جنيه.

فعزَّ الإلحاح على نفس (إسماعيل)، وثقلت عليه المطالبة، فأبى الإجابة.

ولكن نوبار باشا، وكان قد عاد من إنجلترا، حوالي ذلك الوقت، ودرس الموضوع درسًا تامًّا، وسبر غور قلوب الرجال الذين أخذوا على عاتقهم أمر تكييف البلاد وحكومتها تكييفًا جديدًا، وعرف نياتهم، أشار على الخديو أن يصير الضرورة فضيلة، ويذعن لطلبات المندوبية. فاقترح (إسماعيل) أحد أمرين إما تحكيم الباب العالي في المسألة، وإما أن يكون تنازله وتنازل عائلته عن ممتلكاتهم في نظير مرتب سنوي ضخم للغاية.

فأبى السير ريڨرس ولسن، رئيس المندوبية، موافقته على كليهما، وأصرَّ على وجوب إعادة عموم الأملاك الخديوية إلى الحكومة.

فرأى (إسماعيل) أن غرض رئيس المندوبية الانتقام الشخصي منه — كأنه عدوه اللدود — أكثر منه مصلحة الدائنين أو مصلحة البلد، وأنه إنما يرمي إلى تحقيره وإفقاره، ولئن وجد في كبر صدره متسعًا لقبول سلب سلطته الشخصية منه، فإنه بصفته أبا عائلة عديدة، لم يكن يمكنه التخلي عن كل ثروته الشخصية، بسهولة، وبدون أن يقوم نزاع عنيف في قلبه بين حبه لبلده وحبه لذويه.

غير أن ذويه ما علموا بما اقترح عليه عمله، إلا وهبوا يقدمون له خير دليل على تفانيهم في حب ذاته المقدسة، وعلى استعدادهم لتضحية أعز مصالحهم في سبيل تهوين مصاعبه عليه فإن الأميرة السنية والدته، والأمير محمد توفيق، أكبر أولاده وولي عهده، والأميرة بنته، أرملة طوسون باشا، تطوعوا وتقدموا إلى رئيس أسرتهم عارضين التنازل، حالًا، عن كل ممتلكاتهم.

فقوَّى مثلهم الكريم روح (إسماعيل)، فاتبع نصيحة نوبار باشا، وأرسل إلى السير ريڨرس ولسن؛ ينبئه أنه قابل كل مقترحات المندوبية، ثم أيد ذلك في خطاب وجهه إليه في ٢٣ أغسطس سنة ١٨٧٨، قال فيه: «أما فيما يختص بالنتائج التي وصلت إليها المندوبية، فلا غرو إذا قبلتها كلها لأني إنما أردت أنا نفسي العمل الذي باشرته لخير بلادي، فلم يعد عليَّ الآن سوى تطبيق تلك النتائج، وهو ما أنا عازم على عمله عزمًا أكيدًا، ثق بذلك ثقة تامة، فبلدي لم يعد من إفريقيا، وأصبح من أوروبا، فمن الطبيعي إذًا أن نترك مركب الشطط القديم لنقر نظامًا جديدًا ملائمًا لحالنا، وأظن أنكم سترون في مستقبل قريب تغييرات جمة هامة، تتمم بسهولة أكبر مما ينتظر، فما المسألة في ذاتها سوى مسألة احترام للقانون والمشروعية، والواجب فيها عدم الاكتفاء بالكلام. أما أنا فقد وطنت إرادتي على أن لا أبحث إلا على حقيقة الأشياء. ولكي أبدأ بذلك خير بدء، وأدل على مقدار عزمي، فإني قد كلفت نوبار باشا بتشكيل وزارة بدلًا من أن أعين أنا بنفسي أعضاءها، كما كنت أفعل في السابق، ربما يخال للبعض أن هذا ليس بالأمر الهام، ولكني أرى أن الاستقلال الوزاري، وما هو بالشيء القليل، ينجم حتمًا عن هذه الخطة الجديدة، فإنها مبدأ تغيير طريقة، وهي في عرفي خير تأكيد، في وسعي تقديمه، لصدق نياتي، وعزمي على تطبيق مقترحاتكم.»

وإثباتًا لخطابه هذا، أرسل في ٢٨ أغسطس كتابًا إلى نوربار باشا، كلفه فيه بتشكيل وزارة، جاء ضمن عباراته ما يأتي: «تأييدًا لمبدأ المسئولية الوزارية، إني أريد، منذ الآن، أن أقوم بشئون الحكم مع مجلس وزارتي، وبالاتفاق معهم، فكل أعضاء الوزارة يجب أن يكونوا متضامنين معًا، وأن يبتوا في الأمور بأغلبية الأصوات بينهم.»

وقر الرأي على أن يكون تعيين جميع الموظفين بموجب أوامر خديوية، بناء على ما يعرضه مجلس الوزراء.

فشكَّل نوبار باشا أول وزارة مصرية مسئولة كالآتي:
  • نوبار باشا، رياسة الوزراء ووزير الخارجية والحقانية.

  • شريف باشا، وزارة الحربية.

  • رياض باشا، وزارة الداخلية.

  • السير ريڨرس ويلسن، وزارة المالية.

  • المسيو دي بلينيير، وزارة الأشغال العمومية.

فاقترن ببدعة عهد تشكيلها إلى رئيسها بدعة العهد بوزارتين إلى رجلين أجنبيين مسيحيين، وبدعة عهد الرياسة إلى رجل لم يكن مسيحيًّا فحسب، ولكنه لم يكن بالمصري الصميم. أما البدعة الأولى فمرت على أنظار المصريين ومسامعهم بدون أن توقف انتباههم، وبدون أن يفقهوا لها معنى. وأما البدعة الثانية والبدعة الثالثة، فقد أوقفتا انتباههم بصورة مؤلمة، بل لم ترق في أعين العقلاء منهم — أية كانت نزعاتهم — كما دلت على ذلك الحوادث التالية.

١  أهم مصادر هذا الفصل «مصر الحديثة» للورد كرومر، و«مصر في عهد إسماعيل» لماك كون.
٢  انظر «مصر الحديثة» للورد كرومر، من ص٥٠ إلى ٥٤ ج١.
٣  انظر «مصر الحديثة» للورد كرومر، ج١ ص٣٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠