الفصل الرابع

الوزارة المسئولة١

وليل رجونا أن يدب عذاره
فما دب حتى صار بالهجر شائبًا

فلما تشكلت الوزارة بالكيفية المذكورة، لم يعد هناك فائدة لوجود المراقبين الماليين، لأن الوزيرين الغربيين حلا محلهما، فمنح لكل منهما راتب سنة برمتها، بصفة تعويض — مع أن مدة خدمتهما لم تتجاوز العشرين شهرًا — وصرفا.

على أن الوزارة الجديدة لم تستلم مهام الأعمال إلا حوالي آخر نوفمبر سنة ١٨٧٨؛ لأن الوزيرين الأجنبيين كانا قد سافرا إلى أوروبا، بعد شهر أغسطس، لعقد قرض جديد فيها، الغرض منه سداد الدين السائر.

والذي فتح بابًا لوقوع فكر هذا القرض الجديد في خلد الماليين الغربيين الذين حلوا على زمام مالية البلاد محل المفتش، هو قبول الخديو وعائلته التنازل عن أملاكهم، عملًا برغائب أولئك الماليين، وعدم اهتداء هؤلاء إلى طريقة أخرى لرفع حمل ذلك الدين السائر الثقيل عن عاتق الحكومة.

فأرسل الوزيران إلى أوروبا ليتفاوضا مع محل روثتشيلد الإنجليزي على إصدار القرض المرغوب فيه، ولما علم أنهما نجحا في مأموريتهما صدر في ٢٩ أكتوبر سنة ١٨٧٨ مرسوم خديوي أذاع نبأ تنازل العائلة الإسماعيلية عن أملاكها للحكومة المصرية، وأذن بإجراء قرض قدره ثمانية ملايين ونصف من الجنيهات تكون تلك الأملاك ضمانة لسداده، وقرر إنشاء مندوبية خاصة لإدارتها، مؤلفة من مصري يعينه الخديو وإنجليزي وفرنساوي تعينهما حكومتاهما.

وبعد يومين من صدور ذلك المرسوم، أي في ٣١ أكتوبر وقع السير ويلسن الاتفاق على القرض، ولكن العواصف التي ما فتئت منذ سنتين تتضارب في سماء المالية المصرية وحولها كانت قد عكرت سمعتها إلى حد أنه بالرغم من الآمال التي أحياها في صدور الماليين الغربيين الانقلاب المصري الأخير، وصيرورة الأمور إلى وزارة مسئولة، وبالرغم من أن مصدر القرض بيت روثتشيلد القوي المؤسسة سمعته المالية على صخرة ثقة نفس الحكومة البريطانية به، فإنه لم يكن تصديره إلا بسعر ٧٣ وبفوائد قدرها ٧٪، فنجم عن ذلك أن مبلغ الثمانية ملايين ونصف الاسمي نقص حتى صار ستة ملايين ومائتين وستة وسبعين ألف جنيه فقط. على أن هذا المبلغ عينه لم يدفع برمته إلى الحكومة المصرية، لأنه لما جمع، وأصبح تسليمه إليها ممكنًا، أبى مصدرو القرض التخلي عنه حتى تستوي أولًا الديون المسجلة على الأطيان المرهونة، السابق صدور أحكام بها، فدفع منه، في الأثناء، مبلغ مليون و٢٢٥ ألف جنيه، قيمة قطعية شهر نوفمبر، و٥٠٠ ألف جنيه على حساب الجزية السنوية للباب العالي، و٢١٢ ألف جنيه قيمة العمولة للمصدرين، ولم يسلم، في النهاية، إلى الخزينة المصرية سوى مبلغ ٤ ملايين و٣٦٠ ألف جنيه، دفع منه أيضًا المطلوب لسداد الديون ذات الأسبقية.

فلو أمكن لروح إسماعيل صديق المفتش، مخاطبة خلفائه الطاعنين على «عملياته المالية»، والتجاوزات القطعية التي فيها، أما كان يحق لها أن تقهقه في وجوههم، سخرية، وتقول لهم باستهزاء: «هل عمليتكم هذه خير منها؟ فها قد أثقلتم أجود أطيان مصر بدين قدره ملايين من الجنيهات، مع أنه لم يدخل الخزينة منه أكثر من ثلثه؟ فهل هذا مقدار حذقكم ومبلغ تفننكم؟»

على أن صعوبة التخلص من الدين السائر لم تكن الوحيدة القائمة في وجه الوزارة الجديدة، فإن الصعوبات كانت شتى، ولم يكن يمكن مطلقًا التغلب عليها، بالرغم من تعضيد حكومتي إنجلترا وفرنسا للوزارة النوبارية، إلا إذا عضدها الخديو أيضًا تعضيدًا قلبيًّا.

فمع أن البلاد كانت في أقصى الحاجة إلى استجماع كل قواها للتخلص من الدين المنيخ بكلكله على قلبها، فإن نقص الفيضان في ذلك العام كان قد قضى على معظم تلك القوى، وعدم سير نظام الري حسب أصول عمليته جعل نتائج هذا النقص في منتهى الوخامة، أضف إلى ذلك أن المجاعة الناجمة عن قلة مياه النيل كانت ضاربة أطنابها في البلاد، وأن قوى الفلاح كانت قد أرهقت كلها بالطرق التي استعملت معه في الربيع السابق، لتحصيل المطلوب لسداد فوائد الدين، ومع ذلك فإن استحقاقات القطعيات أخذت تثقل في كفة ميزان الأيام منذ أوائل قيام تلك الوزارة، بل قبل استلامها زمام الأمور استلامًا رسميًّا، ففي ١٥ أكتوبر سنة ١٨٧٨ استحق قسط الفوائد وقدره ٤٤٣٠٠٠ جنيه على الدين الممتاز، وفي أول نوفمبر التالي استحق قسط الفوائد وقدره مليونا جنيه على الدين الموحد، ولم يكن بين يدي مندوبي صندوق الدين لدفع هذه المبالغ سوى ٤٤٢ ألف جنيه في آخر شهر أغسطس.

واتضح من المقارنة التي عملت في آخر هذا الشهر أن إيرادات الأشهر الثمانية الأولى من سنة ١٨٧٨ نقصت مليونا و١٤٣ ألفًا عن مثيلاتها في سنة ١٨٧٧.

وما تمكنت الحكومة من سداد قسط الفوائد المستحقة على الدين الموحد، بتخصيصها لسداده جانبًا من القرض الروتشيلدي — كما قلنا سابقًا — إلا وحل محله في الميزان هم دفع المطلوبات المستحقة في الربيع التالي، وكان همًّا ثقيلًا جدًّا؛ لأنه بالرغم من أن أكثر المبالغ الإيرادية الأميرية تجبى في شهري نوفمبر وديسمبر من كل عام، وأن القسط المستحق في أول مايو سنة ١٨٧٩ كان مليوني جنيه، وقسط ١٥ أبريل ٤٤٣ ألف جنيه، فإنه لم يكن بين يدي مندوبي صندوق الدين في آخر هذه السنة سوى ٣٠٢٠٠٠ جنيه لدفع قسط مايو، و١١٧ ألف جنيه لدفع استحقاق أبريل فالحاضر إذًا كان غمًّا، والمستقبل همًّا.

ومع ذلك، فبدلًا من أن الوزارة تبذل جهدها لتخفف على نفس الخديو وطأة سحب السلطة والثروة منه، بدلًا من أنها تعمل ما في وسعها لكي تحوز رضاه، وتنال تعضيده، فإنها سلكت سلوكًا جعل الدوائر المصرية وغيرها في القاهرة والإسكندرية تصفها بتهكم قائلة: «الظاهر أن هذه الوزارة المسئولة غير مسئولة للخديو، ومسئولة أمام نفسها فقط.»٢

فنوبار باشا رئيسها، اعتمادًا على كفاءته المعروفة، وارتكانًا على أن مبدأ مسئولية الوزارة يقضي بإبعاد الخديو كلية عن مداولات مجلس الوزراء، وبحجة أن حضور (إسماعيل) هذه المداولات يكتم حرية الآراء، ويعرقل سير المباحث، من جهة، وأنه، من جهة أخرى يبقى في نفوس الأمة الاعتقاد بأن الخديو لا يزال الكل في الكل — وهو اعتقاد ضار في عرفه — أظهر منذ يوم تعيينه عزمه على اعتبار (إسماعيل) صفرًا على الشمال، وعلى إقامة قواعد الحكم بدونه، بل وعلى عكس رغائبه وآرائه، لاعتقاده أن هذه الرغائب والآراء لا تستوي مع مصالح البلاد. وتمادى في هذا العزم، وفي طعنه أمام زميليه الغربيين على سوء الإدارة الماضية إلى حد أن أخصاءه وأقرب الناس إلى معرفة سره أخذوا يعتقدون أنه يعمل في الحقيقة على قلب مولاه ليحل محله.

ولما كانت كفاءة نوبار باشا ساطعة، لا يستطيع أن يختلف عليها اثنان، وكان الرجل قد اكتسب صداقة زميليه المذكورين واحترامهما، وأوجب اعتقادهما في تفوق معارفه المحلية على معارفهما، فإن السير ريڨرس ويلسن، والمسيو دي بلينيير لم يريا بدًّا من الانضمام إليه، وتوحيد عزميهما مع عزمه.

وإذ رأيا أن نوبار باشا هذا — الذي بالرغم مما كان معروفًا عن حدة طباعه وشدة لهجة لسانه، كان في العهد السابق يحكم نفسه، إلى درجة عدم الخروج مطلقًا، مع الخديو مولاه عن حد الاحترام الذي كان (إسماعيل) يوجبه لنفسه، من جهة كبار رجال دولته، وجوبًا، لا يقل في دقته وإطلاقه عما كان قيصر عموم الروس، في ذلك العهد، يطالب به كبار رجال مملكته — يطلق لأخلاقه كل العنان مذ اعتقد أنه أصبح مستقلًّا تمام الاستقلال في منصبه الرئيسي، وتحت حماية الدول، ويؤكد شخصيته وذاتيته، بدون أن يبالي بجرح إحساس مولاه، ولا بأن يثقل على قلبه ثقلًا فوق طاقة الاحتمال، إذ رأيا ذلك، أخذ السير ريڨرس ويلسن يعامل (إسماعيل) كما كان نائب الملكة في الهند يعامل أحد مهرجات الدرجة الثالثة، وشرع المسيو دي بلينيير يصوغ، هو أيضًا، معاملته للخديو في قالب معاملة زميليه له.٣

ولم يكن (إسماعيل) بالرجل الذي يحتمل ذلك أو يصبر عليه، لا سيما من نوبار خادمه الخاضع الخانع بالأمس، ومن ريڨرس ويلسن الذي ظهر مذ عرفه بمظهر العدو الراغب في الأخذ بثأر بائت.

فأقبل على معاكسة الوزارة معاكسة خفية، والعمل على إسقاطها، وعرفت رغبته في ذلك في الدوائر الرسمية المصرية، فلم يسعها إلا العمل بما يوجبه عليها يمين الولاء لشخصه.

وأول معاكسة أقدم عليها، مزاحمة مندوبي صندوق الدين والسير ريڨرس ويلسن على أموال البلاد، فأرسل عمالًا من قبله إلى الأقاليم ليجمعوا بواسطة المديرين، ومأموريهم، ونظار الأقسام كل ما يمكن جمعه من النقود، وتحويله إلى إحدى سراياته.

فلما علم ذلك للمندوبين والوزير الإنجليزي كلفوا مفتشيهم في الأرياف بالتشدد في المراقبة، وحجز كل مبلغ يجدونه مع أولئك العمال، واتفق حوالي آخر شهر سبتمبر أن أولئك المفتشين ضبطوا مبلغ سبعة آلاف جنيه جمع من الريف المحيط ببني سويف، وأرسل مع بعض خدمة الدائرة إلى سراي دولة الوالدة بالقصر العالي، ولكن عمال الخديو كانوا قد اتخذوا كل احتياط، فرفعوا دعوى استرداد أمام محكمة مصر المختلطة فكسبوها، وألزموا أولئك المفتشين بإعادة المبلغ إلى الجهة المرسل إليها.٤
فحدا ذلك بالمندوبين والسير ريڨرس ويلسن إلى التشدد في التدابير، فوفقوا إلى حجز مبلغين كبيرين: (أحدهما) مقداره ١٨ ألف جنيه، حُصل من مديرية الجيزة، و(الثاني) قدره ٥٠ ألف جنيه حُصل من مديرية البحيرة، بواسطة مديري هذين الإقليمين، وأرسلا إلى عابدين، ولما وبخوا عمال الخديو على عملهم، أجابهم أولئك العمال بكل جسارة، وبدون مبالاة: «نحن لا نعرف في القطر سيدًا غير أفندينا ولن نطيع غيره.»٥
ثم لم يمضِ أسبوعان إلا وعلم الغربيين أن عمالًا آخرين جبوا مبلغًا جسيمًا من مديرية الشرقية، وإنهم آتون به إلى مصر، فأرسلوا مفتشين قبضوا عليهم في محطة خارج القاهرة، ولكن أحد ضباط الحرس الخديوي تداخل في الأمر وأنقذهم، ثم خفرهم علنًا إلى سراي عابدين.٦

وكانت مندوبية التحقيق قد أشارت بزيادة الضرائب على الأطيان العشورية — وهو أمر كان الخديو نفسه راغبًا فيه قبل تنازله عن سلطته الشخصية — فلما أرادت الوزارة تنفيذ ذلك، أبى (إسماعيل) إلا أن يؤخذ، أولًا: رأي مجلس شورى النواب، عملًا بالمبادئ الدستورية عينها.

ومن البديهي أن هذه المعاكسات لم تكن تروق في عين السير ريڨرس ويلسن، أو «المفتش الإنجليزي» كما أخذ يدعوه الرأي المصري العام، فتذمر منها تذمرًا مرًّا للقنصل البريطاني وللخارجية البريطانية، وازدادت معاملته (لإسماعيل) خروجًا عن حدود اللياقة.

فبعث اللورد سلسبري — وكان قد أخلف اللورد دربي على وزارة داوننج ستريت — إلى السير ڨيڨين بمصر يكلفه بأن يبلغ الخديو «أن حكومة جلالة الملك ترى أن على سموه مسئولية خطيرة جدًّا فيما يتعلق بنجاح النظام الجديد أو خيبته، لا سيما فيما يختص بتحصيل الضرائب، فقد بلغ حكومة جلالة الملك إشاعات، إذا كانت على جانب من الصحة، فإنها قد تحمل رجالها على التخوف من أن بعض الدوائر العليا بمصر، بحجة تداخل الحكومات الأجنبية في الأمور هناك، تحاول إطراح كل مسئولية، وهو ما يذاع في البلد، ويعرف، فلا تحمد عقباه، فحكومة جلالة الملكة تثق ثقة تامة بمقدرة البلاد على القيام بتعهداتها، ولا تشك مطلقًا في نتائج النظام الجديد، على شرط أن لا يعاكس في سيره، ولكنه إذا عوكس من قبل القابضين على السلطة، أو أظهر هؤلاء شبه رغبة في انتقاصه، فإن الصعوبات المحيطة بنوبار باشا ومستشاريه ستزيد زيادة هائلة، ومسئولية خيبتهم ستجر مسببيها إلى هاوية العواقب الوخيمة التي قد تنجم عنها.»

فلما بلغت هذه الرسالة إلى (إسماعيل) تضجر، وتململ بكيفية ظاهرة، ولكنه لم يندفع مع تيار غضبه، وقال وهو متجلل بكرامته: «إن هذا البلاغ لمن آلم وأخطر البلاغات التي أرسلت إليه من قبل حكومة جلالة الملكة، وأنه يأسف أسفًا شديدًا على أنها ارتأت ضرورة استعمال لهجة معه يراها هو، جائرة، ولا يرى نفسه أنه يستحقها، وأن نصائح الحكومة البريطانية أبديت لغاية تلك اللحظة في قالب العطف الظاهر عليه وعلى أسرته، ولكنه يخال له الآن أنهم متحيزون ضده تحيزًا بينًا، وعلاوة على ذلك، فإن المسئولية التي يرغبون في إلقائها عليه فيما يتعلق بنجاح النظام الجديد وجباية الضرائب ليست منطقية ولا عادلة، فإنه تخلى عن أملاكه الخاصة، وعن سلطته الشخصية، وقبل برغبته مركز حاكم دستوري، فأنشئت وزارة مسئولة لتقوم بشئون الحكم، فإذا كان ما يفهمه من مبادئ الحكم الدستوري في محله، فإن المسئولية ملقاة على عاتق الوزارة لا على كتفي مليك البلاد، وأما فيما يتعلق بجبي الضرائب فلا حول ولا طول له في الأمر، ولذا فلا سبيل إلى إلقاء أية مسئولية عليه من هذه الوجهة، وأما فيما يختص بربط ضرائب جديدة فإنه لا يزال يعتقد أن ذلك لا يجوز بدون مصادقة مجلس شورى النواب، ويرى وجوب جمعه لهذا الغرض، ولاستشارته في كل الاقتراحات المالية الأخرى التي أبدتها مندوبية التحقيق.»

ومع أن السير ڨيڨين كان يعلم جيدًا أن معظم أعضاء مجلس شورى النواب من أصحاب الأطيان العشورية، وأنهم لن يوافقوا مطلقًا على زيادة ضريبة لا تمس سواهم، وأنهم سيتخذونها سلاحًا للطعن على الوزارة، وإيقاظ السخائم ضدها، لا سيما بعد أن صدر قرار منها لجمع نقود، لم يتفتق له ذهن المفتش نفسه، ألا وهو إجبار جميع الذكور البالغين الخامسة عشرة من العمر على العمل في أشغال السخرة، إلا من افتدى نفسه بمال، لم يحر جوابًا، وانصرف وهو يتوقع شرًّا للنظام الجديد.

ولم يكن توقعه في غير محله، فإن الوزارة، من جهة، بالرغم من مضي الأيام بكثرة على تشكيلها، لم توفق إلى عمل واحد يصح أن يكون دليلًا للمصريين على أنها تمثل جانب الرقي والمدنية، أو أن نياتها ترمي إلى رفع الضيم عنهم ما أمكن، وجلب الخير إليهم، ما استطاعت إليه سبيلًا، فإن طرق الجور والاستبداد والظلم السابق استعمالها في تحصيل الضرائب، استمرت على ما كانت عليه، وبالرغم من مباحث مندوبية التحقيق وتدبيراتها، كان دفع مرتبات الجيش والمستخدمين لا يزال متأخرًا، وكانت مطالبة دائني الحكومة من الأهالي مضروبًا بها عرض الحائط، وزادت الوزارة الجديدة على ذلك أن أول عمل عملته، حينما استلمت مهام الحكم، كان طرد الموظفين من الأهالي مئات مئات، عملًا بما دعاه القنصل البريطاني «اجتثاث أعشاب الخميرة القديمة، خميرة الموظفين الوطنيين العديمي الفائدة، والكثيري الارتشاء»، واستبدالهم بغيرهم من الأوربيين، معظمهم من قليلي الكفاءة، بالرغم من المرتبات الضخمة المجعولة لهم، والتي أخذوا، هم، يتقاضونها بأكملها.٧
ولم تظهر هذه الوزارة فضلًا — إذا كان ثمة فضل في ذلك — إلا في وضعها ميزانية لسنة ١٨٧٩ توخت فيها الصدق في الأرقام، وجاهرت بعجز يبلغ قدره مليونين من الجنيهات، ومع ذلك فإن مجاهرتها هذه أثارت انفعالات الغيظ في صدور أصحاب الديون، لاعتقادهم وتصريحهم أن هذا المبلغ المعجز في الميزانية قد حصل بالتأكيد من الممولين، فأين إذًا ذهب؟ هذا ما تساءله مكاتب لإحدى جرائد لندن الكبرى، كان مقيمًا بالإسكندرية وأجاب «أين ذهب؟ هذا أحد أسرار خزينة الخديو الخصوصية، وما دامت مندوبية التحقيق والوزارة الجديدة لا تبلغان إلى معرفة تلك الأسرار والدخول في صميم تلك الخزينة، فتأكدوا أنه لم يغير بمصر إلا ما هو تافه.»٨

و(إسماعيل)، من جهة ثانية — وكان تغيظه من مسلك الوزارة الوقح معه قد بلغ أشده، وكيده بات لا يطاق من تتابع المظاهرات العدائية ضده، بشكل يزداد قبحًا يومًا عن يوم من قبل الجاليات الأجنبية في بلاده (وهي الجاليات التي كانت تتلمس منه ابتسامًا في سني حكمه الأولى وتحرق أمامه بخور المديح والثناء بل والعبودية، أيام كانت تتوقع إثراء من الفتات المتساقط عن مائدته الملكية) — (إسماعيل) العالِم أنه، بالرغم من تنازله عن سلطته الشخصية، لا يزال مهيبًا ومطاعًا من رعاياه كما كان، وإنهم لا يزالون يعتبرونه «ولي النعم»، وصاحب التصرف المطلق في أموالهم وأعمارهم، العالِم أيضًا، أن كلمة واحدة منه تكفي لتوقد حريق أحقاد وضغائن ضد أولئك الأجانب، وضد الوزيرين الأوروبيين، اللذين يعاملانه كأنه كمية مهملة، وضد نوبار، الذي لم يكن مسيحيًّا مرتبطًا مع مسيحيين فحسب، بل كان أرمنيًّا، أي من أمة ضرب العثمانيون ضدها المثل السائر على أفواههم، وهو «أرمني وزر، دولت وشر». (إسماعيل) الذي كان قد صمم تصميمًا صادقًا على عدم الخروج من الدائرة الدستورية التي خطها لنفسه، لم يعد يستطيع البقاء على ذلك التصميم بعد كل الغلطات التي ارتكبتها الوزارة، وبعد ما توالت عليه وخزات الإبر بدون انقطاع من الوزارة، والجاليات الغربية في بلاده، وصحافتهن في القطر، وفي أوروبا بالرغم من مركزه بالنسبة لهن، ومركزهن بالنسبة له، ومن قناصل الدول، وحكوماتهن، بالرغم من تصريحاته المتتابعة، الخالصة، المنبئة بنيته الصادقة على تعضيد النظام الجديد، والعمل بأحكامه في مصلحة الدائنين والقطر معًا.

على أنه، رغم إقدامه على معاكسة الوزارة، المعاكسة التي ذكرناها، لم يظهر، حتى ذلك الحين، رغبته في العود إلى استلام زمام الأمور بنفسه، وأخذ يتسلى عن مباشرة الحكم، وابتعاده عن جلسات مجلس الوزراء كل الابتعاد، بملاحظة مبانيه وعماراته في جهتي عابدين والجزيرة، وكانت جارية على قدم وساق، مستنفدة جانبًا عظيمًا من النقود، كأن صاحبها إنما يريد أن يتحدى الرأي العام الأوروبي في بلاده، ويظهر له مقدار احتقاره لمطاعنه، وقلة مبالاته بانتقاداته على مصروفاته.

ولما وافى يوم ١٨ يناير سنة ١٨٧٩، وهو تذكار عيد جلوسه السنوي، اتخذ من المعدات والاستعدادات للاحتفال به ما لم يكن يخطر له على بال مثيله في السنوات السابقة، وألبسه من الأبهة والبهجة لباسًا جعله فريد أعياد الجلوس كلها، كأنه أحس أنه آخر عيد جلوس له في الديار المصرية، أو كأنه أراد أن تنسيه فخامته وأفراحه الهموم المشتدة على نفسه، والتي أخذ تنقش أناملها على جبهته العريضة، وتحني ظهره القدير.

فبينما العاصمتان مصر، والإسكندرية، ومعظم مدن الداخلية ظهرت متجلية بمعالم زينة ازدرت بكل ما شوهد من نوعها في الماضي، فإن الوليمة السنوية والمرقص التالي لها، المعتاد إقامتها بسراي عابدين، فاقا في عرف نفس متعوديهما، كل الولائم والمراقص التي رأتها قاعات تلك السراي المترفة بذخًا ونعيمًا، وذلك بالرغم من أن حريقًا حديثًا كان قد دمر منذ بضعة أسابيع جناح الحرملك بعابدين، غير مبقٍ إلا على القاعات الفسيحة المعدة لتلك الاحتفالات.

وفاق عدد المدعوين إلى أفراح تلك الليلة كل عدد معتاد، كأنما (إسماعيل) أراد أن يشهد على بهجة تواري شمسه ما استطاع جمعه حول مغيبها من الذوات، لكي يبقى ذكرها في نفوسهم إلى الأبد بعد رفعه من بينهم.٩

ومن يدري ماذا خامره من الأفكار، إذ كان نظره يتجول بين أولئك المدعوين المبتهجين حوله، ثم يقع على الآنية الفرنساوية الفاخرة الغالية الثمن جدًّا، الخارجة من معامل (سيڨر)، والآنية الذهبية الساطعة، المتلألئة بالماس والحجارة الكريمة، الموضوعة أمام أولئك المدعوين، لتقر بها أعينهم، أو إذ كان يمر على القاعات المتداخلة بعضها ببعض، المزدهية بفرشها الفاخر، وأنوارها السنية، والداوية بضجة العيد، وسرور المتكئين أو الراقصين، من يدري إذ رأى حينذاك على وجهي القنصل البريطاني، و«المفتش الإنجليزي» خيال المقارنة التي لا بد أقامها ذان الرجلان بين وليمته تلك، ووليمة بلطشسر، الملك البابلي الذي سبق لنا الكلام عنه؟

وذوات البلاد من جهة ثالثة — وكانوا بحكم مؤثرات التربية والمصلحة مجبولين على الولاء والإخلاص لخديوهم، وعلى اعتباره «ولي نعمتهم ورب إرادتهم»، كما أنهم كانوا مجبولين على النظر إلى الدخلاء من الفرنج وغيرهم شذرًا، واحتقارًا، حتى تعدل العشرة مجاري التأثير الأول — ما رأوا خديوهم متضجرًا ومتململًا، وأن تضجره وتململه مسببان له من أولئك الفرنج، ومن نوبار باشا المدين لسموه وآله بكل ثروته، ومركزه السامي، حتى التفوا حوله بعامل الولاء والغيظ، بإرادات متحدة، وقلوب متحمسة. ولما علموا بعد ذلك أن الوزارة تريد زيادة الضرائب على أطيانهم العشورية إرضاء لأصحاب الديون الأجانب، وأن سمو الخديو هو الذي يعارضها في إرادتها، وأنها ألغت الإعفاء من السخرة، الذي كان المشتغلون في أطيانهم العشورية متمتعين به، إذا افتدوا أنفسهم، أي إذا دفعوا — هم أصحاب تلك الأطيان — المال المطلوب لإعفائهم، بلغ غيظهم من الفرنج والوزارة أقصاه، وولاؤهم وإخلاصهم للخديو أعلى درجاتهما.

والأهالي، من جهة رابعة، كانوا هم أيضًا، بمؤثرات، ستين قرنًا، مجبولين على الشعور بأن مليك البلاد صاحب التصرف المطلق في أموالهم وأعمارهم، وأنه، ما عدا عرضهم ودينهم، محق في أخذ أي شيء يرومه منهم، كما أنهم كانوا بعاملي تأثير الأجيال العديدة الماضية، والجهل المطبق، مجبولين على كره «النصارى الملاعين» — و«النصارى» في عرفهم الفرنج، اللابسون برانيط، حتى لو كانوا يهودًا — ومستعدين لأن يكونوا وقودًا لأية نيران عاطفية يروق لذي مصلحة إيقادها في صدورهم، الأهالي الناظرون إلى الذوات المتسلطين عليهم نظر التعظيم والتبجيل، والمستعدون لإرضائهم بكل ما في وسعهم، حتى بنسيان مظالهم السابقة، إتقاء لمظالمهم المستقبلة، كانوا طوع أمر أفندينا والباشوات والبيكوات، بل ومشايخ البلاد ذاتهم، ومستعدين لقول وعمل أي شيء يريدونه.

والمستخدمون، من جهة خامسة، (سواء في ذلك الباقون في الخدمة، والمرفوتون لإبدالهم بموظفين غربيين)، العارفون حق المعرفة أن مرتباتهم المتأخرة والمستحقة أولًا فأولًا لا تدفع لهم، لا لأن قلة إيرادات البلاد تحول دون دفعها، ولكن لأنه بالرغم من سحق مواطنيهم تحت ثقل الضرائب والمكوس، تكاد خزائن الحكومة كلها لا تكفي لإشباع مطامع الدائنين الأجانب، المستخدمون الراءون أن الحكومة الجديدة لا تكيل لموظفيها ومستخدميها الأجانب، ولا تزن لهم بالكيل الذي تكيل به والوزن الذي تزن به لهم، وأنها تدفع لهؤلاء كل مرتباتهم، بالرغم من جسامتها، وأن معظم المنصرفة لهم هذه المرتبات يكادون لا يعملون بها شيئًا، المستخدمون الراءون نساءهم وأولادهم يتضورون جوعًا، ولا يدرون كيف يكون المصير، كانوا كذلك مادة سهلة الالتهاب، سريعته بين يدي من كان ذا مصلحة في إلقاء شرارة عليها.

ففي الأسبوع الأول من شهر يناير سنة ١٨٧٩ أتى إلى مصر وفود من وجوه الأقاليم يحملون تظلمات الأهالي من الشدة والصرامة المستعملتين من عمال الحكومة في تحصيل الضرائب، وينذرون بمصير الأمور إلى ما لا تحمد عقباه، إذا استمرت الحال سائرة على ما هي عليه.

فقلق السير ڨيڨين، وأرسل ينبئ بالجاري وزارة الخارجية البريطانية في ١١ يناير، بما نصه: «إن البلاد أخذت تغلي بعض الغليان، كما يدل على ذلك مجيء عدة وفود كبيرة من مشايخ الأقاليم للاحتجاج على استعمال الضغط الجاري الآن في تحصيل الضرائب، ويقولون لي إنه من المحتمل أن تقوم معارضة في مجلس شورى النواب ضد الاقتراح المزمع تقديمه من الحكومة بخصوص زيادة الضرائب على الأطيان العشورية — وهي زيادة واقعة على الأخص على طبقات الأهالي ذات اليسار — ولو كان هذا الغليان طبيعيًّا لما كان مظهرًا غير مرضي، ولكني أراني على بينة في اعتقادي أنه مفتعل، بواسطة عمال عكروا المياه في الخفاء، وربما استخدموا لهذا الغرض من الخديو نفسه، وقد سمعت من مصدر موثوق به أن قادة الرأي في مجلس شورى النواب استدعوا سرًّا، وعرفوا بأن الخديو لن يكون متكدرًا إذا رآهم يقاومون إجراءات إدارة أجبر على قبولها، بالرغم من أن جميعها في أيدي الأوروبيين، وهكذا فإن الوزارة الجديدة — علاوة على الصعوبات المالية الخطيرة المحيطة بها، وعلى أن مهمتها في إنشاء النظام، والترتيب من الفوضى والعدم مهمة تكفي وحدها لاستنفاد القوى البشرية — مضطرة إلى التنازع مع أعداء مكشوفي اللثام، ليس فقط، بل مع ختل داخلي في منتهى الخطورة سائر إلى غايته التي يرمي إليها، بالرغم من توالي الإنذارات المخيفة عليه فلا سبيل للحكومة إلى الفلاح في هذه الظروف إلا إذا كانت متكاتفة متضامنة، يشد بعضها أزر بعضها الآخر، وتنزل إلى الميدان، وجبهتها متحدة، وإذا سلكت سلوكًا في غاية الشجاعة والعزم، متجنبة كل التحايلات والتلونات، وعضدتها الحكومتان الإنجليزية والفرنساوية تعضيدًا محسوسًا.»

ولكن هل كانت الوزارة متضامنة، متكاتفة في وسط الشدائد المحيطة بها؟ كلا، فإن التحاسد والتزاحم على النفوذ الناشئين من المنافسة الدولية، واللذين ما فتئا عاملين على إيجاد شقاق مستمر بين القنصل العام الفرنساوي والقنصل العام الإنجليزي، تسربا إلى الوزارة النوبارية، وقاما بين السير ريڨرس ويلسن والمسيو دي بلينيير، ومع أن مظهر نوبار وشهرة حبه لإنجلترا كان من شأنهما أن يجعلاه في صف الوزير الإنجليزي، إلا أن أخلاق ويلسن وأطباعه جعلته ينحاز دائمًا إلى الوزير الفرنساوي ويعضده. والحق يقال إن السبب في ذلك أيضًا هو أن المسيو دي بلينيير، بالرغم من أن الغرض من تعيينه في الوزارة كان الدفاع عن مصالح الدائنين الفرنساويين، كان يميل جدًّا إلى مراعاة الفلاح المصري، وتخفيف وطأة الشدة عنه — وهو ما لا خلاف في أن نوبار باشا كان يريده أيضًا من صميم فؤاده — بينا السير ويلسن كان في شدة كرهه للخديو، يرى وجوب استعمال الشدة المتناهية مع الفلاحين، كأنه يريد أن ينتقم في أشخاصهم من (إسماعيل)، أو كأن ولاءهم للخديو، وإخلاصهم له على كونه، في اعتقاد السير ويلسن، السبب الوحيد في ذلهم وبؤسهم، وفي الأثقال الباهظة الملقاة على عواهنهم، قذى في عينيه لا يطيق احتماله، ويرى وجوب عقاب أولئك المساكين عليه، فلم يكن يبخل عليهم بالكرباح والسوط، كلما أحب أن يجبي منهم مالًا. وكان ضنينًا على تنسيتهم أيام «صديق باشا، المفتش» سلفه في دست وزارته.

فمع وجود هذا النزاع بين أعضاء الوزارة، وإنجابه حتمًا، خلفًا في الآراء والمداولات على شدة شعورهم جميعًا بأن سلامتهم وسلامة النظام الجديد المتمثل في أشخاصهم — إزاء ميول المليك والذوات والأهالي والمستخدمين — إنما هي في تكاتفهم وتعاضدهم، هل كان من المنتظر أن يتسلحوا بفطنة تصونهم عن الوقوع في الخطأ، وتمنعهم عن ارتكاب الشطط في غير دائرتي الخطأ والشطط المعتادين؟

هذا ما كان يشك فيه خصومهم، وما كانوا واقفين لهم بالمرصاد من أجله.

وفي الواقع فإن الوزارة النوبارية — رغم كل المنذرات الثائرة حولها، ورغم كل العظات المقدمة لها من الظروف — شدت على عينيها عصابات الغشاوة، وتعامت إلى حد ارتكاب الغلطة الوحيدة التي كان يجب عليها أن تتحاشاها قبل غيرها، بل دون غيرها.

وذلك أنه لما اتضح لها أن دفع قطعية ربيع سنة ١٨٧٩، والانفاق على شئون الإدارة، يتعذران معًا، مهما بولغ في استعمال الشدة مع الفلاحين لتحصيل إيرادات العام مقدمًا، قرَّ رأيها في أوائل فبراير على الاقتصاد في مصاريف الجيش المصري، فحول السير ويلسن ألفين وخمسمائة ضابط على الاستيداع دون أن يصرف لهم شيئًا من رواتبهم المتأخرة، وصيرهم هكذا مع عائلاتهم إلى أقصى حدود الفقر المدقع.

ولا أدل على ما وصلت إليه حالة أولئك الضباط مما وقع لاثنين منهما، نرويه نقلًا عن كتاب الليفتننت كرنل داي الأمريكاني، المعنون «مصر الإسلامية والحبشة المسيحية» قال: «تأخر أحد الضباط المصريين عن دفع أجرة بيته لصاحبه، فلما ضاق رب البيت به ذرعًا، اشتكاه لوزارة الحربية، فأنزلته الوزارة درجة، بعد تأنيبها إياه تأنيبًا مؤلمًا على عدم دفع الأجرة، غير ناظرة إلى أن تأخر الضابط عن دفعها إنما هو نتيجة تأخر الحكومة عن صرف مرتبه له الأشهر الطوال.

فلما انتشر بين الضباط خبر ما أصاب زميلهم، احتاروا في أمرهم، ولم يدروا ما التدبر.

وما لبث أن أقبل صاحب البيت الذي كان أحدهم ساكنًا فيه يطالبه بالأجرة المتأخرة عليه، فخاف الضباط أن يصيبه ما أصاب زميله، فأعمل فكره لحظة، ثم خرج من الباب، واستدعى أول حمار قابله، فأتاه بحماره، فركب الضابط الحمار، وقال للحمار: «امكث هنا حتى أعود إليك»، وأنقده أجرته مقدمًا، ثم امتطى الحمار، وذهب به إلى السوق، فباعه هناك، وعاد بثمنه، فأعطى صاحب بيته مبلغ الأجرة المطلوب له، وسلم باقي الثمن للحمار، وصرفه دون أن يبالي بندبه وعويله.»١٠

وكان يوجد في ذلك الوقت بالعاصمة أمثال هذين الضابطين خمسمائة فقط، ولكن شريف باشا وزير الحربية، تنفيذًا لقرار آخر أصدرته الوزارة بصرف جزء من المرتبات المتأخرة للضباط، استدعى إلى العاصمة الألفين الباقيين، لكي يأخذوا ما تقرر صرفه لهم، ويودعوا سلاحهم تحت تصرف الحكومة، فجمع هكذا بمصر جمهورًا متقليًا على جمر مؤلفًا من ٢٥٠٠ ضابط، بين أن حامية مصر كلها لم تكن تزيد على ألفين وستمائة جندي، معظمهم من الشاعرين مع الضباط المحالين على الاستيداع، ويقال إن شاهين باشا أبلغ الخديو تذمرهم المر، وأن الخديو أجابه: «ولم هم ساكتون؟» فنجم عن ذلك جميعه ما كان يجب أن ينجم عنه حتمًا.

فإنه في اليوم الثامن عشر من شهر فبراير، بينما كان السير ريڨرس ويلسن، بعد انصرافه من لدن الحضرة الخديوية عقب تشرفه بمقابلتها، ذاهبًا في عربته إلى سراي المالية، لم يكد يجاوز عابدين قليلًا إلا ورأى، على بعد بضعة أمتار أمامه، جمهرة عاجة، فأمر حوذيه أن يسرع السوق لكي يقف على معنى الصياح البالغ أذنيه، فساق الحوذي، وسرعان ما رأى السير ويلسن رئيسه نوبار باشا في عربته، محاطًا بجمهور من الضباط المحالين على الاستيداع، تتداوله أيدي جماعة منهم، كانوا قد وثبوا به في مركبته، بينما كان غيرهم قد قبض على رءوس الجياد وأوقفها، فنظر إليه، وإذا به قد قطع رباط رقبته، وطرح طربوشه أرضًا، وديس في الوحل، وتوالت على وجهه الصفعات كأنما الجائدون عليه بها يقولون «خذ هذه تنفعك، وهذه تضرك.»

ولما وقعت عين نوبار على ويلسن صرخ إليه: «أن سر إلى المالية بسرعة، فالقوم إنما يطالبون بمرتباتهم المتأخرة.»

ولكن الضباط كانوا قد لمحوا السير ريڨرس ويلسن — وكرههم له كان يفوق كرههم لنوبار عدة أضعاف — فهب بعضهم وأوقف جياد عربته أيضًا، ووثب ستة منهم داخل المركبة، وقبضوا على لحيته، ونتفوها، وأشبعوه ضربًا ولكمًا، أكثر بكثير مما نال نوبار على أيدي زملائهم.

وما زالوا بالوزيرين، بهدلة وإهانة، حتى أوصلوهما إلى باب المالية، فسحبوهما هناك من عربتيهما، وأدخلوهما تحت صيب من الصفع والرفس إلى الوزارة، وساقوهما إلى غرفة السير ويلسن، حيث أفهموهما أنهم إذا لم تصرف لهم مرتباتهم، كالوا لهما مما ذاقا أضعافه، فإن المتأخر للجميع كان لا يقل عن مرتبات خمسة عشر شهرًا، بينا المتأخر لبعضهم كان يزيد على العشرين شهرًا.

فتذكر نوبار ما كان من سحر محادثته لإبراهيم الهمام أثناء عودته معه من الأستانة إلى الإسكندرية.

وأقبل يواعد ويراوغ أولئك الضباط السائرين، حتى بلغ أذنه وقع حوافر جياد عربة، وارتفاع أصوات تحيات، وتهاليل في الخارج، فأدرك أن الغوث قد أتى. وفي الواقع لم تمضِ دقيقة إلا وشوهد الخديو يترجل على باب المالية، ويسرع إلى نجدة وزيريه التعسين. ولندع الكلام هنا للسير ڨيڨين، قال: «حالما أبلغت ما كان جاريًا في المالية، أسرعت إلى عابدين، وأنبأت به الخديو، فنزل سموه وأركبني في عربته، وذهبنا معًا إلى وزارة المالية، فوجدنا جمعًا غفيرًا يحيط بها، ولكنهم فتحوا في الحال ازدحامهم أمام عربة الخديو، وحيوه وهللوا له، فدخلنا، ووجدنا في إحدى غرف الدور الأعلى نوبار باشا والسير ريڨرس ويلسن، ورياض باشا في وسط المتمردين من الضباط، على أنَّا لم نجد أحدًا منهم مجروحًا وإن كانت علامات الإهانة بادية على الاثنين الأولين. فلما تأكد الخديو من سلامتهما، التفت إلى المتمردين، وبعد أن وعدهم بإجابة طلباتهم العادلة، أمرهم بمغادرة السراي، قائلًا: «إذا كنتم ضباطي، فيمينكم تلزمكم بطاعتي، فإن رفضتم كنستكم كنسًا»، فأطاعوه على غير رغبة، وتذمر بعضهم، وتمتم طالبًا تركهم وشأنهم في تسوية حساباتهم كما يشاءون، وسمع غيرهم يصيح «ليمت الكلاب النصارى»، فأنزلهم الخديو السلالم، وأخرجهم إلى الرحبة حيث اجتمعوا بزملائهم المحاصرين الأبواب، فأطل الخديو من نافذة، وأمرهم بالتفرق كلهم، والذهاب إلى بيوتهم، فرفضوا.

فاستدعى الجيش، فأطلق بعض الضباط مسدساتهم في الهواء، ولكن بعض العساكر جرح بالرغم من ذلك، فأعمل الجند رءوس حرابهم، وأصابوا بعض المتمردين بجراح، وجرح أيضًا تشريفاتي الخديو بضربة سيف، وهو بجانب مولاه، وتعرض الخديو عينه إلى خطر كبير، على أن الأمر كله لم يدم أكثر من نصف ساعة، وبعد أن تولى الخديو إرسال الوزراء مخفورين بحرسٍ كافٍ إلى منازلهم، عاد إلى سراي عابدين.»

غير أن هذه الحادثة جعلته يصمم تصميمًا أكيدًا على استعادة زمام الحكم إلى نفسه، خشية حدوث ما لا تحمد عقباه، فبعث في عصر ذلك اليوم عينه، واستدعى قناصل الدول، وأنبأهم أنه إذا لم يعدل مركزه وتعاد إليه السلطة التي هي من حقوقه، فإنه لن يكون مسئولًا عن الأمن العام في البلاد.

ففي اليوم التالي، انعقد في منزل القنصل البريطاني مجلس حضره هو والمسيو جود، والقنصل الفرنساوي العام، ونوبار باشا، والسير ريڨرس ويلسن، والمسيو دي بلينيير، والميچر بارنج مندوب صندوق الدين الإنجليزي، وتداول فيما فاه الخديو به البارحة، فقر رأيهم على أن يسألوه كيف يريد أن يعدل مركزه، ثم ساروا إلى عابدين، وصعد القنصلان إلى مقابلة (إسماعيل)، بينما الباقون أقاموا في انتظار الرد في إحدى حجر الدور الأرضي.

ولم يبطئ الرد كثيرًا، فإن القنصلين عادا إليهم به بعد قليل، وإذا مفاده «أن الخديو لن يكون مسئولًا عن السكينة العامة إلا إذا أعيد إليه نصيبه الشرعي من حكم البلاد، وصرح له إما بترؤس مجلس الوزراء، أو بانتخاب رئيس للوزارة يثق به ويرتاح إليه، وأنه يشترط اشتراطًا لا يقبل مع رفضه اتفاقًا، أن نوبار باشا الذي ثبت لديه أنه عامل على اجتثاث سلطته ونسفها، ينسحب حالًا من الوزارة.»

فسأل القنصلان نوبار باشا «هل في استطاعتك — إذا ألحينا على بقائك في منصبك — أن تضمن الأمن العام؟» فأجاب «كلا، ولست أرى طريقًا مفتوحًا أمامي، والظروف كما هي، سوى أن أرجوكما أن تبلغا سموه استقالتي، وترجواه أن يصرح لي أن أعيش كفرد، لا صبغة رسمية لي، في القطر، آمنًا ومطمئنًا على نفسي.»

فبلغ القنصلان الاستقالة والرجاء إلى الخديو، فأجاب أنه يقبل الأولى، ويجود بإجابة الثانية، على شرط أن لا يتداخل نوبار باشا في السياسة، ولا يمين أو يخاتل أو يدس.

فلما اتفق على ذلك، ذهب الأمير حسن باشا، بصفته قائد عام الجيش المصري إلى السير ريڨرس ويلسن، واعتذر إليه عما لحقه من إهانة على أيدي الضباط، ثم اقترض مبلغ ٤٠٠ ألف جنيه من بيت روثتشيلد، ودفعت متأخرات الجندية منه، دون أن يعاقب أحد من الثائرين، فعرفت الجندية بذلك قوتها، فلم تعد تنساها، وربما تفرخت الثورة العرابية كلها من بيضة تلك الفتنة.

١  أهم مصادر هذا الفصل «مصر الحديثة» للورد كرومر و«تاريخ مصر في عهد إسماعيل» لماك كون.
٢  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٢٣٦.
٣  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٢٦٢ و٢٦٣.
٤  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٢٣٨.
٥  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٢٣٨.
٦  انظر الكتاب عينه ص٢٣٩.
٧  انظر «تاريخ مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٢٣٦.
٨  انظر الكتاب عينه ص٢٤٣.
٩  انظر «تاريخ مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٢٤٧ و٢٤٨.
١٠  انظر «مصر المسلمة والحبشة المسيحية» لداي ص٦٧ و٦٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠