الفصل الخامس

بين الكاپيتول والصخرة الترپيئية١

نحن بنات طارق
نمشي على النمارق

غير أن فوز (إسماعيل) لم يكن كاملًا، ولو أنه تخلص من وزير كريه لديه رغم تعضيد الحكومتين البريطانية والفرنساوية له، وذلك لأن اللورد سلسبري كتب إلى القنصل البريطاني، وكلفه بأن يخطر الخديو أن الحكومتين عازمتان على العمل معًا في كل ما له علاقة بالشئون المصرية، وأنهما لا تقبلان إدخال أي تعديل على مبدأ الاتفاقات السياسية والمالية التي وقعها سموه منذ عهد قريب، فإن استعفاء نوبار باشا ليس في أعينهما سوى أهمية شخصيته، ولكنه لا يعني تغييرًا في النظام المقرر.

فأجاب الخديو أنه يتعهد بالمحافظة على المواثيق الصادرة منه في شهر أغسطس الماضي، وأنه يرغب من صميم فؤاده المحافظة أيضًا على اتفاقاته المالية، ولكنه لا يمكنه أن يكيف منذ الآن قرارات مجلس الوزراء في هذا الموضوع.

ثم دارت المفاوضات على تشكيل الوزارة الجديدة، فألح السير ريڨرس ويلسن والمسيو دي بلينيير بوجوب إعادة نوبار باشا إليها، وكتبا إلى حكومتيهما يحرضانهما على تعضيد مطلبهما.

فانحازت الحكومة البريطانية إلى رأي السير ريڨرس ويلسن، وكتب اللورد سلسبري إلى السير ڨيڨين بأن مركز السير ريڨرس ويلسن قد يصبح في منتهى الحرج، بل قد يتعذر إبقاؤه إذا لم يعد نوبار إلى الوزارة.

فلم يوافق السير ڨيڨين على ذلك، وأبدى مخاوفه من أن يؤول التشبث بنوبار، مع وجود (إسماعيل) على العرش المصري إلى شدائد وارتباكات لا يسع الحكومة البريطانية إلا تجنبها.

أما الحكومة الفرنساوية فلم تنحز إلى رأي المسيو دي بلينيير، وذهبت إلى أنه لم يعد من الموافق التمسك بنوبار مذ أظهر الخديو عدم رضاه عنه، فوافقتها على ذلك الحكومة الإنجليزية، ولكنها رأت في الوقت عينه أن تلفت نظر (إسماعيل) إلى أنها تعتبره مسئولًا عن الصعوبات الحديثة التي نجمت بمصر، وأنه في حال قيام غيرها من نوعها، فإن العواقب قد تكون وخيمة عليه.

ولما فرغ من أمر نوبار، أبدى الخديو بعض اقتراحات، فقابلها الوزيران الأوربيان بعكسها، وما زالت المفاوضات جارية بين عابدين والقنصلين، ووزارتي خارجية الدولتين الغربيتين — وإدراة البلاد متعطلة في الأثناء — حتى قرَّ رأي اللورد سلسبري والمسيو وادنجتن أخيرًا على أن الخديو لا يحضر في أي حال من الأحوال جلسات مجلس الوزراء، وأن الأمير محمد توفيق ولي العهد المقترح تعيينه من أبيه ذاته، يعين رئيسًا لمجلس الوزراء، وأن الوزيرين الأجنبيين يكون لهما حق منع كل إجراء يريانه.

ولما عرضت هذه الأمور على (إسماعيل) أبدى ارتياحه إليها، وشكر للدولتين موافقتهما على رغبته في منع نوبار باشا عن دخول الوزارة وقال: «إنه سيبذل جهده لمساعدة وزرائه، إذا وجد منهم الرغبة عينها في ضم مجهوداتهم إلى مجهوداته، وأنه يشعر تمام الشعور بالمسئولية الملقاة عليه فيما يختص بنجاح الأعمال على المحور الجديد الموضوع لها.»

وفي ١٠ مارس صدر الأمر القاضي بتعيين الأمير محمد توفيق رئيسًا للوزارة الجديدة، فلما أقدم على تشكيلها، أبدى الخديو رغبته في أن يعهد إلى رياض باشا بوزارتي الخارجية والحقانية بدل وزارة الداخلية، التي كانت معهودة إليه في الوزارة السابقة، فعارض في ذلك الوزيران، بحجة أن رياض باشا الرجل الوحيد الذي يمكنه أن يمنع كل تداخل غير دستوري في إدارة الأقاليم الداخلية.

ولكن القنصلين عضدا رأي الخديو بحجة أن إجباره على تعيين وزرائه على غير رغبته لا يتفق مع المسئولية الشخصية التي طولب بها، فخالفتهما حكومتاهما، وانضمتا إلى معارضة الوزيرين الغربيين، فأبى (إسماعيل) في الأول إلا عدم إبقاء رياض باشا على رأس وزارة الداخلية، ولكنه رضي في النهاية، فعهدت إلى الرجل وزارتا الداخلية والحقانية، وتمكنت الوزارة من التشكل في ٢٢ مارس، أي بعد استعفاء نوبار بنيف وشهر.

على أنه — قبل استلامها مهام أعمالها — وقع خلاف شديد بين السير ڨيڨين القنصل البريطاني، والسير ريڨرس ويلسن، وزير المالية المصرية، منشأه أن القنصل كان يميل إلى إشراك (إسماعيل) في الحكم، بالرغم من عدم حضوره جلسات مجلس الوزراء، لاعتقاده تعذر الحكم بدون مساعدته، ووجوب إرشاده إلى الطريق القويم، بالتي هي أحسن، بدلًا من استعمال العنف لتسييره فيه، وأن السير ريڨرس ويلسن كان يرى السلامة كلها في إبعاده عن كل تداخل في شئون الإدارة، ووضعه تحت مراقبة شديدة تصيره صفرًا على الشمال.

فانقسم عالم الرسميات قسمين أحدهما تحزب لمبدأ السير ڨيڨين، والآخر لمبدأ السير ويلسن، وأخذت التقارير ترسل متناقضة إلى الحكومة الإنجليزية، فوقعت في تخبط لا تحير أمرًا.

ولما كان السير ريڨرس ويلسن من كبار رجالها، وكان وجوده بمصر على رأس وزارة المالية المصرية مجرد انتداب بإجازة، وأن وقوع الخلاف بهذا الشكل بينه وبين القنصل البريطاني لا ينتج سوى تمكين الراغب في الصيد في الماء العكر من نيل مرامه، استدعت الحكومة البريطانية السير ڨيڨين إلى لندرا في ١٥ مارس، وأرسلت عوضًا عنه السير فرنك لاسل، وزودته بتعليمات مفادها «وجوب مساعدته السير ريڨرس ويلسن في معاملته للخديو، ومساعدة قلبية فعالة.»

ونحن ندري كيف كانت معاملة السير ريڨرس (لإسماعيل)، فلا غرابة إذا اتسع الخرق بينه وبين العنصر الغربي، وإذا وجد نفسه غير قادر على التشرب بمبادئ النظام الجديد، فمبدأ تصييره إلى لا شيء في سياسة البلاد استمر معمولًا به، بالرغم من تخلصه من نوبار باشا، والشروط التي أجبر على قبولها كانت من الثقل والمذلة بحيث لم يكن يستطيع احتمالها، بالرغم من حسن نياته، وقوة عزمه.

وعليه فإنه لم يمض أسبوع على تشكيل الوزارة إلا وشرع النزاع بين الخديو ووزير ماليته يبدو للعيان، فالفوائد السارية على قرض سنة ١٨٦٤ كانت تستحق في أول أبريل سنة ١٨٧٩، وقدرها ٢٤٠ ألف جنيه. ولم يكن في ٢٨ مارس بين يدي مندوبي صندوق الدين سوى ١٨٠ ألف جنيه.

ولما كانت فوائد ذلك القرض مضمنة، من جهة، عملًا بالمشروع الجوشني بضريبة «المقابلة»، وكانت مندوبية التحقيق، من جهة أخرى، عاملة في ذلك الحين على تجهيز مشروع تصفية نهائية للحال المالية، ارتأت فيه إلغاء قانون «المقابلة»، قرَّ رأي مجلس الوزراء بالاتفاق مع أعضاء المندوبية على تأجيل دفع استحقاق أول أبريل هذا إلى أول مايو التالي، وجهز السير ريڨرس ويلسن نص المرسوم السامي الواجب لذلك الغرض، وعرضه على الخديو ليوقعه.

فأبى (إسماعيل) توقيعه قائلًا: «إن هذا المرسوم إنما هو، في الحقيقة، إشهار إفلاس، مع أنه لا يرى البلاد مفلسة، ويعتقد إمكان القيام بجميع تعهدات الحكومة المالية. ولا يستطيع توقيع مرسوم كهذا في مواجهة التعهدات السياسية والمالية التي أجبرته عليها حكومتا بريطانيا العظمى وفرنسا.»

فأدى رفضه إلى إدخال بعض تعديلات لفظية على نص المرسوم، أمكن معها حمل الخديو على توقيعه.

غير أن رأي مندوبية التحقيق في وجوب إلغاء قانون «المقابلة» كان في الأثناء قد انتشر في الأوساط والمنتديات المصرية. ولما كان إلغاء ذلك القانون في غير مصلحة الطبقات الغنية وفئة الذوات، لأنهم الوحيدون الذين استفادوا، وكانوا لا يزالون يستفيدون منه، أخذت اجتماعاتهم تتوالى ومداولاتهم تطول وتحتد، ومرماها مقاومة فكرة الإلغاء بكل ما في الحول والطول.

ففي أول أبريل كتب السير فرنك لاسل إلى اللورد سلسبري ما يأتي: «يوجد الآن هنا حركة أفكار عنيفة واسعة، والظاهر أن الشيخ البكري نقيب الأشراف، وشيخ مشايخ الطرق يدعو في بيته الوجهاء والعلماء إلى اجتماعات متوالية، غرضها إثارة كره ديني ضد الوزيرين الأوروبيين، وأن الخطباء في المساجد جاهروا باعتبارهم رياض باشا صديقًا للمسيحيين، وعاملًا على الإضرار بالمسلمين، وهو ما قد يدعو إلى استقالته من منصبه، لأن حياته باتت معرضة للخطر، وأشار عليه رئيس البوليس مرارًا بضرورة التوقي.»

وفي ٤ أبريل كتب السير فرنك لاسل نفسه «يظهر أنه ليس هناك شك في حدوث الاجتماعات التي قلت عنها، وفي أن المخابرات متصلة بين الخديو، وأهم الأشخاص الذين حضروها، ولكن الغرض الذي يرمون إليه هو الحصول على تعضيد لمشروع مالي يجهزه الخديو، معارضة لمشروع السير ريڨرس ويلسن، وأيضًا حمل القوم على تحرير عرائض لسموه يلتمسون بها أن ينفذ في مصر الدستور العثماني الذي أعلن هنا سنة ١٨٧٧، وما فتئ، منذ ذلك الحين كتابة ميتة. وقد قيل لي: إن الأسباب التي تبدو لحمل السراة على توقيع تلك العرائض هي أنه في حال نجاح مشروع السير ريڨرس ويلسن تزداد الضرائب على الأطيان العشورية زيادة كبيرة، وتضيع المزايا التي منحها قانون «المقابلة»، وأن العلماء حملوا على الاعتقاد بأن نية الوزيرين الأوربيين إنما هي تسليم القطر للغربيين تسليمًا تامًّا، إضرارًا بالدين الإسلامي، ولكني لست أشك في أن الحامل الأكبر على توقيع تلك العرائض إنما هو معرفة موقعيها أنهم بتوقيعها إنما يأتون عملًا مرضيًّا للخديو، وقد قال لي رياض باشا: إنه طلب إلى بعض مستخدمي وزارة الداخلية توقيعها، فلم يتجاسروا على الرفض.»

فرأى الوزيران الغربيان أنه لا يمكنهما السكوت على هذه الإجراءات. وفي ٦ أبريل سلما الخديو، يدًا بيد، احتجاجًا صريحًا على السلوك الذي رأى اتباعه، والذي زعما أنه مناقض لوعوده وعهوده، فلم يعر الخديو احتجاجهما اهتمامًا، لأن ترتيباته كانت قد بلغت النضوج، ولأنه بات متأكدًا من إصابة الضربة التي عزم على ضربها استردادًا لسلطته المغتصبة منه في عقر داره.

ففي ٧ أبريل أذيع في العاصمة أن الأمير محمد توفيق رئيس الوزارة قدم استقالته بانيًا سببها على أن الوزيرين الغربيين منذ أن عهدت إليه الرياسة، أهملاه بالكلية، ولم يستشيراه في شيء مطلقًا.

وفي يوم ٨ أبريل رفعت إلى الخديو العرائض تترى من مجلس شورى النواب، وبطريرك الأقباط، وحاخام باشي اليهود، وشيخ الإسلام، ونيف وستين باشا وستين بيك، ومن ضباط الجهادية والبحرية، وكلها تطعن على النظام الجديد وطرقه، وتطلب العود إلى النظام القديم.

وفي اليوم التاسع من أبريل استدعى الخديو رجال الهيئة القنصلية بالقطر، وألقى عليهم خطابًا أمام عدد كبير من وجوه البلاد المصريين المجموعين خصيصًا لذلك الغرض، وقال لهم فيه: «إن الاستياء في القطر بلغ حدًّا أصبح معه يرى نفسه مضطرًّا إلى اتخاذ إجراءات قطعية، وأن مشروعًا ماليًّا معبرًا عن حقيقة رغائب البلاد قد عرض عليه موقعًا من جميع طبقات الأمة، وأن الأهالي في هذا المشروع، الذي ستعطي عدة نسخ منه لممثلي الدول، يحتجون بشدة على ما يريد السير ويلسن إعلانه من أن البلد مفلس، ويطلبون تشكيل وزارة مصرية محضة، تكون مسئولة أمام مجلس شورى النواب، وأنه يرى — إجابة لطلباتهم — أن يكلف شريف باشا بتشكيلها، على أن تكون أعمالها سائرة على مبدأ المسئولية، الذي أقره في كتابه المحرر في ٢٨ أغسطس إلى السير ريڨرس ويلسن، ووفقًا لمرسوم ١٨ نوفمبر سنة ١٨٧٦، المهيمن على مشروع جوشن وچوبير.»

ثم تلا الخديو شريف باشا وقال: «إن الأمة تعتقد أن سلوك الوزارة كان مهينًا لنوابها، وأن إعلان تفليسها يلبسها عارًا لن تمحوه الأيام، وأنها مستعدة لتضحية كل ما يلزم لاجتناب ذلك العار، وأن الرغبة في إلغاء قانون «المقابلة» قد أثارت استياءً عامًّا، وأنه أصبح يستحيل على الخديو مقاومة إرادة الأمة الظاهرة بهذه الكيفية الصريحة.»

فقابل قناصل الدول هذه الأقوال والبيانات بسكوت تام، ما عدا قنصل النمسا والمجر، فإنه سأل «هل الأشخاص الذين وقعوا المشروع مستعدون لرهن أملاكهم ضمانة لنفاذه؟»

فأجاب الخديو: «ليس في الاستطاعة تقديم ضمانة أقوى من عزم عموم القطر، من رئيس الحكومة إلى أحقر الأفراد، على تضحية كل عزيز وغالٍ، ولا التلبس بعار الإفلاس.»

وعلى ذلك ارفض المجلس، وعقب ارفضاضه أرسل ثلاثة تحريرات إلى القناصل.

أما التحرير الأول فكان العريضة المقدمة من أعضاء مجلس شورى النواب، شكوا فيها من أن الوزارة مذ شكلت ما فتئت تعتبرهم كأنهم غير موجودين، بل وتعاملهم بامتهان، وقرروا أن إشهار الإفلاس، وإلغاء قانون «المقابلة» ضاران جدًّا بمصالحهم، ومخالفان لحقوقهم، وأنهم لن يسمحوا بنفاذهما مطلقًا، ورجوا الخديو بالتفات إلى هذه الحال لتجنب المشاكل التي قد تنجم في المستقبل فيما لو استمرت حقوقهم وحقوق الأمة مجهولة إلى مثل ذلك الحد، لما قد يتولد عنها من أخطار مخيفة.

والتحرير الثاني كان العريضة المقدمة من الوجوه والعلماء وكبار الموظفين والضباط، وفيها أن مقدميها اطلعوا على المشروع المالي الذي جهزه السير ريڨرس ويلسن، ويعتبرونه ضارًّا بمصالح البلد، وأنهم بالتالي وضعوا مشروعًا من عندياتهم يسألون التصريح لهم بعرضه على مجلس شورى النواب، ويرجون الخديو منح هذا المجلس السلطة المتمتعة بها مجالس النواب الأوروبية فيما يختص بالأحوال الداخلية والمالية، وأن يكون مجلس الوزراء مستقلًّا عن رئيس القوة التنفيذية، ومسؤولًا للمجلس.

والتحرير الثالث كان المشروع الموضوع لحل المشكلة المالية.

فأرسلها القناصل إلى دولهم، وكان أعضاء مندوبية التحقيق قد حرروا بما وصلت إليه أعمالهم تقريرًا، واستعدوا لإرساله بالبريد، ولكن الخديو أمر بتأجيله، مؤملًا أن ينال موافقة الدول على المشروع المقدم له من وجهاء الأمة المصرية، قبل اطلاعها على تقرير رجال المندوبية.

وفي اليوم عينه بعث الخديو كتابين إلى السير ريڨرس ويلسن والمسيو دي بلينيير يخطرهما أنه، عملًا برغائب الأمة الصريحة، قد كلف شريف باشا بتشكيل وزارة جديدة مؤلفة من مصريين دون غيرهم.

ولما كان قد تقرر الرجوع إلى العمل وفقًا لمنطوق مرسوم ١٨ نوفمبر سنة ١٨٧٦ حرر شريف باشا خطابين أحدهما إلى المسيو بيج دي بوجاس الذي كان قد تعين مندوبًا فرنساويًّا في صندوق الدين بدل المسيو دي بلينيير عند ارتقاء هذا إلى منصب الوزارة، والآخر إلى السير إڨلين بارنج المندوب البريطاني في الصندوق عينه، وطلب إليهما قبول منصبي مراقبين عامين للإيراد والمصروف.

فرفضا بحجة أنهما لا يستطيعان الاشتراك في نفاذ تصميم مشروع مالي يريانه غير عملي بالمرة، وفي تغيير سياسي يعتبرانه مخالفًا للتعهدات التي ارتبط بها الخديو منذ عهد قريب مع دولتيهما.

فأخطر حينذاك شريف باشا، المسيو فرنك لاسيل أنه يعتبر أن رفضهما يطلق يد الحكومة المصرية، ويخليها من كل مسئولية فيما يختص بإعادة المراقبة فورًا، على أنه أرسل في الوقت عينه يسأل الحكومتين الفرنساوية والإنجليزية تعيين مراقبين غيرهما.

وتلا ذلك تقديم السير چرلد فتزجيرلد، وبلوم باشا سكرتير الإدارة المالية، والسير اوكلند كلڨين رئيس عموم المساحة، استقالاتهم من خدمة الحكومة المصرية.

أما الوزيران الأوروبيان فأبيا الإذعان لرفتهما حتى يطلعا على ما تقرره حكومتاهما في الأمر.

وفي الأثناء كان الخديو — عملًا بما قاله للقناصل العامة في خطاب ٩ أبريل — أصدرا أمرًا ساميًا عين شريف باشا بمقتضاه رئيسًا للوزارة المصرية، وكلفه بتعيين أعضائها، على شرط أن يكونوا كلهم مصريين، وبين له فيه الخطة الواجب عليه اتباعها، إرضاء للرأي العام المصري، وموافقة لمصالح البلد الحيوية، وقال له فيما يختص بالإصلاحات النيابية: إنه ينيط بوزارته تحضير القوانين واللوائح الانتخابية على مثال القوانين واللوائح المعمول بها في أوروبا، مع مراعاة عوائد الأهالي، واحتياجاتهم بحيث تؤدي إلى تكوين مجلس نيابي جامع للشروط التي تستلزمها الحال الداخلية، وتقضي بها رغائب الأمة.

فقام شريف باشا من وقته بالمهمة التي عُهدت إليه، واختص بالرياسة، ووزارة الخارجية، وعرض على سمو الخديو أسماء الوزراء الذين انتخبهم ليشكل وزارته منهم، وهم: راغب باشا للمالية، زكي باشا للأشغال، ذو الفقار باشا للحقانية، شاهين باشا للحربية والبحرية، ثابت باشا للمعارف، وعمر لطفي باشا للتفتيش العام مع حق حضور اجتماعات الوزراء.

فوافق الخديو على تعيينهم، لعلمه أنهم جميعًا — لا سيما چاهين وعمر لطفي — من المخلصين الولاء لشخصه، الذي لا يخافون في خدمته الخدمة كلها لوم لائم، لاعتقادهم أن إرادته هي القانون، ولا قانون سواها، عملًا بما له من الحقوق الموروثة.

•••

وكانت مندوبية التحقيق في جميع المدَّة التي سبقت هذه الحوادث مكبَّة على إتمام مأموريتها، وهاك ما كانت قد بلغت إليه أعمالها:
  • أولًا: إن الحكومة المصرية في حال إفلاس منذ ٦ أبريل سنة ١٨٧٦، أي منذ أن توقفت عن دفع إفادات ماليتها المستحقة، ولئن دفعت بعد ذلك مبالغ جسيمة على حساب الفوائد، وسدَّدت ما يقرب من خمسة ملايين جنيه من أصل الدين، فإن عجز ماليتها في سنتي ١٨٧٧ و١٨٧٨ قارب خمسة ملايين جنيه أيضًا، ومقدار دينها السائر ازداد نيفًا ومليوني جنيه، فدفع الفوائد في هذه الظروف إنما كان قطعًا في اللحم الحي، والواجب يقضي إذًا باتخاذ طرق غير الطرق الوهمية التي لجئ إليها حتى ذلك الحين، وتقليل الصرف إلى درجة حفظه في حدود الإيراد الدقيقة، أما الدائنون فما عليهم سوى الرضوخ للضرورة.
  • ثانيًا: إنه في عدم استطاعة الحكومة القيام بتعهداتها لكل هؤلاء الدائنين، فغاية ما في وسعها أن تساوي بينهم كلهم في الظلم.
  • ثالثًا: إنه لأجل الوصول إلى هذا، يجب أن لا يعدل عن ثلاثة مبادئ: «الأول» أن لا يطالب الدائنون بتضحية أي شيء إلا إذا ضحى المدينون — أولًا — كل ما يمكن مطالبتهم بتضحيته، مما لا يخرج عن المسلم بإمكان المطالبة به عقلًا. وبما أن المدينين هم المصريين — وإن سلم بأنه لم يكن لهم دخل في الديون التي ركبتها حكومتهم على أكتافهم — فالمصريون أول من يجب مطالبتهم بالتضحيات اللازمة، على شرط أن لا تكون هذه التضحيات فوق طاقتهم. و«المبدأ الثاني» أن يعامل الدائنون بموجب الإجراءات القانونية المسنونة في القانون المختلط لدائني أي تفليسة، أي أن من كان مطلوبه أسبق ومدعمًا بإثباتات قانونية، حق له أن يسدد قبل غيره، ومن كل مطلوبه غير مسجل، عومل بمبدأ الفرنك قرشًا، و«المبدأ الثالث» أن يسن قانون يجبر كل الدائنين على قبول التسوية العامة، ويلزم المحاكم المختلطة بالأخذ به، لئلا تخيب أقلية ناقمة نفاذ المشروع كله.
  • رابعًا: إن الخديو على قاعدة المبدأ الأول، وإن كان قد تنازل عن جانب عظيم من ممتلكاته، لا يحسن به مطالبة دائنيه بتضحيات جديدة، إلا إذا ضحى هو أيضًا شيئًا من منافعه، وقبل أن يكون مرتبه السنوي ٣٠٠ ألف جنيه بدلًا من ٦٠٠ ألف جنيه.
  • خامسًا: إنه في معاملة الممولين المصريين على قاعدة المبدأ عينه، يجب اعتبار ثلاثة أمور: «الأول» كيف يجب أن تكون زيادة الضرائب على الأطيان العشورية، «الثاني» كيف يجب أن يعتبر قرض الروزنامة، «الثالث» كيف يجب أن يعامل قانون «المقابلة».

    فاتفقت المندوبية فيما يختص بالأمر الأول على ضرورة روك الأطيان المصرية كلها، وإزالة التمييز بين العشورية والخراجية منها عند ربط الضرائب الجديدة عليها، ولكنها قررت مبدئيًّا أن يزاد على الضرائب المربوطة على العشورية منها مبلغ قدره ١٥٠ ألف جنيه يوزع عليها إفراديًّا، وذلك إلى أن يفرغ من عملية الروك.

    ولما كانت كل الأطيان العشورية ملكًا للكبراء وذوي اليسار، وكانت الضرائب عليها خفيفة حتى ذلك الحين، فما كان ثمت سبيل إلى اعتبار تلك الزيادة غير إنصافية، ومعقولة.

    واتفقت فيما يختص بالأمر الثاني على مجاراة الحكومة المصرية في اعتبار المال المأخوذ من الروزنامة ضريبة لا قرضًا، واستبعاد ما جمع منه من مجموع الديون المصرية في مقابل تخفيف بعض الأثقال على الممولين المصريين.

    وإنما استنتجت المندوبية أن هذا كان اعتبار الحكومة لذلك المال من موافقة مجلس شورى النواب في سنة ١٨٧٧ على إبطال دفع الفوائد عليه، ومن قرارها القاضي بوجوب تحصيل الملايين الخمسة الباقية منه بعد الفراغ من تحصيل أموال المقابلة.

    ولكن ما حدا على الأخص بالمندوبية إلى اعتبار ذلك المال ضريبة لا قرضًا إنما هو أنه لم يكن في الاستطاعة اعتبار أحد دائنًا للحكومة إلا إذا كان المطلوب له مؤيدًا بدليل — لئلا ينبت المطالبون من كل جهة — وأنه لم يكن في أيدي معظم دافعي مال الروزنامة أي كتاب أو وصل يؤيدون به صحة مزاعم دفعهم.

    واتفقت المندوبية — فيما يختص بقانون «المقابلة» — على الامتناع عن المطالبة بما لم يدفع منها لغاية ذلك الحين، وعلى إلغاء الامتيازات التي منحت بموجب ذلك القانون، مقابل دفع تعويض، لم تبين مقداره للمزارعين الذين دفعوا «المقابلة» — وقد جعل قانون التصفية المسنون في سنة ١٨٨٠ ذلك التعويض ١٥٠ ألف جنيه سنويًّا لمدة خمسين سنة.

    وبنت اتفاقها هذا على أن جانبًا عظيمًا من «المقابلة» لم يدفع نقدًا، بل «رقعًا»، أي أن وزارة المالية كانت تسلم لمحاسيبها رقعة تعترف لهم فيها بدين وهمي على الحكومة، فيدفع أولئك المحاسيب تلك الرقع للجباة بدلًا من المال المطلوب «للمقابلة».

    وإن جانبًا آخر من المقابلة لم يدفع إلا وهمًا، بالرغم من دفعه نقدًا، وذلك لاحتساب وزارة المالية لمحاسيب آخرين، مال الضريبة من مال «المقابلة»، وإبقاء مال الضريبة تحت المطالبة.

    ولكي تعوض المندوبية من مسوا بضرٍّ من اعتبار قرض الروزنامة ضريبة، ومن إلغاء قانون «المقابلة» تعويضًا وقتيًّا، ارتأت «أولًا» إسقاط كل متأخرات الضرائب — وكانت لغاية أول يناير سنة ١٨٧٦، ٣٠ ألف جنيه، «ثانيًا» إعفاء جميع المزارعين من الضريبة المهنية أو الحرفية — ومجموعها السنوي منهم فقط كان يبلغ ٨٠ ألف جنيه، «ثالثًا» إلغاء الضريبة التي على الرءوس — ومجموعها السنوي مائتا ألف وخمسة آلاف جنيه، «رابعًا» إلغاء عوائد الدخوليات — ومجموعها ٢١ ألف جنيه سنويًّا، «خامسًا» إلغاء عوائد الطرق في الأرياف — ومجموعها ٨ آلاف جنيه سنويًّا، «سادسًا» إلغاء عوائد الأسواق — ومجموعها ١٠ آلاف جنيه سنويًّا، «سابعًا» إلغاء رسوم الوزن في الأرياف — ومجموعها ١٧ ألف جنيه سنويًّا، «ثامنًا» إلغاء عوائد ختم الحصر والأنسجة — ومجموعها ٢٣ ألف جنيه سنويًّا، «تاسعًا» إلغاء رسوم بيع المواشي — وقدرها ألف وخمسمائة جنيه سنويًّا، «عاشرًا» إلغاء رسوم ومكوس أخرى ترفع قيمة المسقوط كله إلى ٤٠٠ ألف جنيه سنويًّا.

  • سادسًا: إنه في معاملة الدائنين المسجلة ديونهم على قاعدة المبدأ الثاني يجب أن لا يغير مركز أحد منهم، وأن تحترم الضمانات التي في يد كل منهم، وأن يخفض سعر الفوائد المدفوعة من ٦٫٧٪ إلى ٥٪ للجميع.

    وأما الدائنون غير المسجلة ديونهم، فبما أن هذه الديون تبلغ ٨٢١٠٠٠٠ جنيه، وأنه يوجد مبلغ ٦٣٠١٠٠٠ جنيه تحت تصرف صندوق الدين، فيمكن تصفية حسابهم دفعة واحدة، بدفع ٥٢٪ لكل منهم من أصل دينه، مقابل تنازله عن الباقي.

    فوضعت المندوبية تقريرًا مفصلًا أفاضت فيه الشرح عن الأعمال التي انتهت إليها، ووقعته في ٨ أبريل سنة ١٨٧٩، ثم باتت تنتظر من وراء العمل بإرشاداتها تغيير الأحوال، وبدء تطورها نحو مآل صالح.

    ولكن الخديو أسقط وزارته في اليوم التالي، فغير، بذلك، الموقف والمركز، فلم يرَ أعضاء المندوبية بدًّا من تقديم استقالاتهم، هم أيضًا، فقبلت وأصبحت أيامهم في خبر كان.

    وفي ٢٢ أبريل عينه نشر — مقاومة لمشروعهم ومشروع السير ريڨرس ويلسن — المشروع الذي وضعه الخديو، بمساعدة رجاله لحل المشكلة المالية. وقد سبق لنا القول عنه إنه أنكر أن مصر مفلسة، وأنها لا تستطيع القيام بتعهداتها، فنزيد الآن أنه قدر مجموع إيرادات القطر في سنة ١٨٧٩ بمبلغ ٩٨٧٣٠٠٠ جنيه — وهو ما اعتبره رجال مندوبية التحقيق زائدًا مبلغ ٨٠٠٠٠٠ عن الحقيقة — وأنه طالب بتخفيض الفوائد إلى ٥٪ مع تعشيم الدائنين بإمكان الرجوع فيما بعد إلى ٦٪، وأنه لم يشتمل على أي ذكر لمرتب سنوي للخديو وأسرته، وأن العنصر الغربي بعد اطلاعه عليه، حكم بأن مرماه إنما هو عود السلطة المطلقة إلى الخديو، وبقاء طبقات سراة الأمة وذواتها متمتعة بامتيازاتها.

ويقول اللورد كرومر في كتابه «مصر الحديثة»: «إن نتيجة التغيير في النظام الذي أقدم عليه الخديو ما لبثت أن ظهرت للعيان فإن السير فرنك لاسيل كتب في ١٩ أبريل إلى الوزارة البريطانية ما نصه (إن شاهين باشا، وزير الحربية ذهب إلى البحيرة، وربما كان ذلك لأجل جمع نقود، لأن مركزه السابق إذ كان مفتش الوجه البحري العام، قد أكسبه شهرة بأنه «أقسى وأنجح جمَّاع للضرائب عرف بمصر»، وهي شهرة لا يحسده أحد عليها).»

وكتب نائب القنصل البريطاني في الزقازيق إلى رئيسه بمصر ما يأتي: (تسألني كيف يسير النظام الجديد؟ أسوأ مما كان قديمًا، فإن ثلاثة أرباع الضرائب، ونصف «المقابلة» يحصل بطرق الظلم والعسف العادية. وبما أنه ليس لدى الفلاح محصول قطن أو غلال يبيعه ليدفع، فإنك تراه مضطرًّا للالتجاء إلى المرابين، والاقتراض منهم بواقع ٥٫٤٪ شهريًّا، إذا أراد التخلص من الكرباج. أما الذوات، فبما أنهم لا يدفعون إلا المال، ويدفعونه على راحتهم، فإنهم يرون الأيام سعيدة، والحياة جنة ورد، وقد أتانا منذ عهد قريب عمر لطفي باشا، مفتش الوجه البحري العام، وأصدر أوامر مشددة لجمع النقود بكل الطرق الممكنة).»٢

على أن مندوبي صندوق الدين لم يستقيلوا من وظائفهم، وأخذوا يتداولون فيما يجب عليهم عمله، إزاء انهيار البناء الذي أقامه الاتفاق الدولي بمصر من كل جانب حولهم، فقرَّ رأيهم على رفع قضية على الحكومة المصرية الجديدة أمام المحاكم المختلطة، وحقًّا رفعوها.

•••

ولكن هل كان (إسماعيل) مخطئًا فيما أقدم عليه إزاء شعبه وإزاء أوروبا، وإزاء نفسه؟ لا بد للحكم في ذلك من الرجوع إلى طبيعة مركزه، وإلى أحكام الاتفاقات الدولية التي آل ذلك المركز إليه بموجبها.

فبطبيعة مركزه كان محقًّا في اعتقاده أنه سيد القطر المطلق، ورب كل ثروة فيه، بصفته رب كل حياة نامية على سطحه. كان محقًّا في اعتقاده أن لا قانون سوى إرادته، ولا شرع، فيما عدا الأمور الدينية، سوى شرعه، فهو خليفة الفراعنة والبطالسة، خليفة الولاة العرب، خليفة الطولونيين والأخشيديين، خليفة الفاطميين والأيوبيين، خليفة السلاطين المماليك، والأمراء المماليك، وخليفة الولاة أسلافه من بيته العلوي وكل من سبقوه كانوا متمتعين بالسلطة المطلقة، كانوا أسياد القطر برمته، وملاكه، لا يعيش سكانه إلا باستمدادهم نَفَسًا من نَفَسهم، ونفخة من روحهم، وكانوا أرباب الأموال والأعمار، بل والأعراض ذاتها، بل كان بعضهم يدعي السيادة عينها في نفس المعتقد والدين ومع ذلك، فإن المصريين في كل عصور حياتهم، وبالرغم من كل تطوراتها وتقلباتها وثوراتها لم يفكروا يومًا ما في أن الحق الذي يدعيه عواهلهم لأنفسهم من السيادة المطلقة عليهم، والتصرف بلا قيد بالكلية — إلا القيد الذي يتقيدون به من تلقاء أنفسهم — في أموالهم وأعمارهم وأعراضهم، قد يكون مبنيًّا على غير أساس، بل قد لا يكون له وجود بالمرة، إذا هم رفضوا التسليم به، بل لم يفكروا في جواز عدم صحة ذلك الحق، بل سلموا به تسليمًا تامًّا، واستكانوا إليه وأقروه، بل عدوه جزءًا كبيرًا من فضلهم وكمالهم، بل دافعوا عنه دفاع المستميت ضد كل من حاول أن يحررهم من قيده، أو يغير فكرهم فيه، وحاش لله ألف مرة أن يكون قصدنا من قولنا هذا الطعن على مواطنينا، أو الحط من كرامتهم، أو تسفيه أحلامهم، فإن أممًا سواهم، وليست من أقل الأمم رقيًّا ومدنية في العصور الغابرة، وفي العصر الحالي، أقرت ذلك الحق عينه، واستسلمت بكلياتها وجزئياتها إلى حكامها وملوكها. وها نحن نرى أن الشعب الألماني في أيامنا هذه — على ما بلغ من التقدم في ميداني العلوم والحضارة المادية والعقلية — يقر ذلك الحق لإمبراطوره بتعديل خفيف، ويستسلم إلى إرادته استسلامًا أعمى،٣ فكيف نستطيع أن نؤاخذ الشعب المصري، الذي كان عائشًا في أيام (إسماعيل) على عقليته وشعوره، على إنكاره ذاته ومصالحه، وعلى استكانته إلى رغائب مولاه وولي نعمته؟

على أن المثل السائر يقول «المال المتروك يعلم الناس السرقة». ويروى في القصص أن رجلًا ادعى النبوة في أيام الرشيد أو المأمون، فاتبعه خلق كبير، وآمنوا به، وصدقوا بمعجزاته، فنمى خبره إلى الخليفة، فأمر بإحضاره، فجاءه بثلاثة آلاف من أتباعه، وأوقفهم خارج القصر، وعلمهم عملًا يعملونه، إذا أمرهم به، فأجابوا بالسمع والطاعة ثم مثل بين يدي أمير المؤمنين وحده، فسأله الخليفة باسمًا، (وأظنه المأمون، لأني لا أعلم سماحته في أحد غيره من بني العباس) «أأنت نبي؟» قال: «نعم»، قال: «وما معجزاتك؟» قال: «لي معجزات كثيرة، وإذا شئت أتيت بواحدة منها أمامك لساعتي»، قال: «هات»، قال: «هلم إلى هذه الشرفة وانظر، أترى هؤلاء الرجال الواقفين في الميدان تحت هذا القصر؟» قال: «وما لهم؟» قال: «إني أصيرهم قططًا بكلمة، ثم أصيرهم بكلمة أخرى كلابًا»، قال: «دونك.» فأطل الرجل على قومه، وقال بصوتٍ عال: «أيها الناس، كونوا قططًا.» فأقبلوا يموءون ويتحركون كقطط، ثم قال لهم: «كونوا الآن كلابًا.» فأقبلوا ينبحون ويثبون ويشبون ككلاب، فأغرق الخليفة في الضحك حتى استلقى على ظهره فوق أريكته وهو يقول «قاتلك وقاتلهم الله.» فقال الرجل: «يا مولاي، أيدهشك أن من يستسلم إليه أناس كهؤلاء يدعي النبوة؟ وهو لو ادعى الربوبية لما كان ادعاؤه غريبًا.»

(فإسماعيل) كان محقًّا، إذًا، في اعتقاده أنه الكل في الكل بمصر، وأن الشعب المصري إنما خلق ليخدم ذاته السامية في رغائبها وآمالها وأميالها وملاذها، أضف إلى مركزه الطبيعي أن تربيته والوسط الذي نما فيه، والبيئة المحيطة به منذ نعومة أظفاره إلى أن ارتقى عرش جده وأبيه، كل هذا كان من شأنه أن يوطد فيه ذلك الاعتقاد توطيدًا ثابتًا لن يتزعزع، بل لن يتحرك، فمثله فيه جميعه مثل لويس الخامس عشر الفرنساوي، الذي كان مربيه يجعله يطل من شرفات قصر التويلري في باريس على الشعب المزدحم في شوارع العاصمة، ويقول له «أترى يا مولاي، هؤلاء الناس كلهم؟ إنهم مخلوقون جميعًا ليكونوا عبيدًا لك، فكلهم ملكك وشيئك.»

(فإسماعيل) إزاء شعبه لم يكن مخطئًا في إقدامه على استرداد السلطة المطلقة لنفسه، وهو في التزاحم القائم بينه وبين الدائنين الغربيين ودولهم المعضدة لهم، على أموال فلاحي مصر ومموليها، لم يكن في الحقيقة مقاتلًا إلا على ما كان يعتقد أنه له بحق.

وأما إزاء الدول الغربية، فإنه بموجب معاهدات سنة ١٨٤١ وبموجب الفرمانات الصادرة لجده وله، ما بين سنة ١٨٤١ وسنة ١٨٧٣، والمصدق عليها من تلك الدول، كان محقًّا في اعتقاده، أن كل تداخل تتداخله تلك الدول في شئون إدارته الداخلية، لا سيما متى كان القصد منه مجرد مزاحمته على أموال رعاياه، أي على أمواله لمحض افتيات منها، لا يبرره سوى حجة القوي أمام الضعيف.

والذي وطد في نفسه هذا الاعتقاد توطيدًا هو أنه لولا ضعف مركزه، لما تجاسرت تلك الدول على الإقدام على مزاحمته ومضايقته، وتكبيل يديه، وتقييد سلطته، فبينما هي لا تبدي حراكًا في مسألة مدائني تركيا، مثلًا — وديونها ضعفا ديون مصر — ولا تمانع في إشهار الباب العالي إفلاسه، وبينما يضيع على المقرضين البريطانيين فقط — فما بالك بغيرهم؟ — ما يقرب من ٤٠٠ مليون جنيه، بدون أن تقوم حكومتهم معضدة لمطالبهم قبل الدول المديونة، فإن هذه الدول الغربية لمعرفتها جانب الضعف فيه، لا تفتر مهددة، مقطبة، تتداخل بالرغم من نصوص الفرمانات التي صدقت عليها هي نفسها في شئون داخليته، قاذفة على رأسه مفتشيها ومراقبيها، ومحاولة اغتصاب حقوقه لتلبس رداءها وزيرين غربيين.

فكم من مرة ومرة باغت نفسه وهو يعض على شفتيه، أسفًا على عدم وجود جيش قوي لديه، ومدفعية ضخمة، وبحرية مهيبة، مثلما كان عند جده (محمد علي)، وكم من مرة ومرة صرَّ على أسنانه تغيظًا من أن مركزه من الوجهة الدينية غير موطد الأركان كمركز الخليفة، وأنه قد يكفي اتفاق بين تلك الدول المعادية، والمراجع العثمانية — وما أسهل حدوثه إما من طريق الترهيب، وإما من طريق الإرشاء — ليقلبه عن عرشه، ويقذف به إلى المنفى.

فإزاء الفرمانات والمعاهدات الدولية الموجبة بصراحة عدم تداخل الدول الغربية في شئون مصر الداخلية إلا في الأمور المتفق عليها بالمعاهدات الخاصة المعقودة بينها وبين الباب العالي، إزاء نص الفرمانات، لا سيما فرمان سنة ١٨٧٣، والمعاهدات الدولية القاضية للخديو بحق الاستقلال التام في أمور القطر الداخلية، استقلالًا لا يقل عن المتمتع به سلطان تركيا عينه أو قيصر الروس، هل كان يستطيع (إسماعيل) صبرًا على عمل الحكومتين الإنجليزية والفرنساوية، اللذين قهرتاه بموجبه على قبول الأشخاص المعينين منهما، وتسليمهم كل سلطة له على عموم أفرع الإدارة الداخلية؟ أو كيف لا نعترف أنه إنما استعمل حقه في الضرب على يد تجاوزها هذا، وإعادة الأمور إلى مجراها الشرعي؟

فإنه لم يكن ليعنيه أن تكون تركيا قد تعدت في الفرمانات الممنوحة منها إليه وإلى جده، الحقوق التي للشعوب قبل ملوكهم، وأن تكون أوروبا قد أخطأت في اعتماد تلك الحقوق، وإطلاق يد حاكم مصر إطلاقًا تامًّا في أمور رعاياه المصريين، بدون استشارة هؤلاء — أولًا — والوقوف منهم على رغبتهم في أن يعاملوا معاملة المواشي أم لا، فإنه كان مليكًا وجد واقعًا، ويعلم أن الواقع الناشئ إلى الوجود برضا متعاقدين، لا يصح تغييره ولا تعديله إلا برغبة ورضا المتعاقدين جميعهم، ولا يصح لأحدهم التفرد في ذلك، إلا إذا أهمل جانب الحق، واعتمد قوة السلاح فكان حقيقيًّا إذًا بالمحافظة على ذلك الواقع، ومقاومة كل من شاء التفرد في تعديله أو تغييره.

وأما إزاء نفسه، فلا شك أن (إسماعيل) أخطأ خطأ كبيرًا فإنه أقدم على عمل خطير لم تكن لديه القوة على الثبات في تيار عواقبه، فيما لو تحرك ذلك التيار، واستعمل للبلوغ إلى مراميه قوى، كان هو أحرى الناس بالتنكب عنها، عملًا بحكمة المثل الفرنساوي القائل «لا توقظ قطًّا نائمًا.»

فإنه بصرفه الوزيرين الغربيين عن دفة الأحكام، وإجباره جمهور الموظفين الغربيين، الذين أقامتهم اتفاقاته مع فرنسا وإنجلترا حفاظًا لمصالح الدائنين على الاستقالة، وبضربه بتقرير مندوبية التحقيق عرض الحائط، وإطراحه وإهماله مجموع الإصلاحات المالية والإدارية المتكون منها ما سموه بالنظام الجديد، لم يكن يجهل أنه يميل عن صداقة حكومتي إنجلترا وفرنسا، ويقف أمامهما موقف الخصم المعاند المتحدي.

ولا شك في أن أول فكر وقع في خلده بعد فراغه من الضربة السياسية التي ضربها، إنما هو فكرة المقاومة إلى النهاية، مهما كانت العواقب، فإنه حمل في الحال عموم كبار ضباط الجيش على حلف يمين، مؤداها الإخلاص والولاء في خدمته، ومقاومة جميع أعداء البلاد وأعدائه، وأعداء عائلته، كما أنه حمل مائة وخمسين ذاتًا من وجوه البلاد وكبار العلماء على إبداء فرح الأمة بصراحة من جراء صرف الأوروبيين عن الإدارة.

ومع ذلك، فإنه لم يكن في استطاعته مقاومة تينك الحكومتين، وأصبح مصيره حتمًا فيما لو أصرتا على عدم الرضا عما تم، إلى أحد أمرين: إما الرجوع بخزي وعار إلى الخنوع لإرادتيهما، وإما الفشل في مقاومتهما فشلًا يتلوه قهر عزيز على نفسه.

وبتمكينه روح التمرد من النشوء في الجندية، وجعلها تحس بقوتها على نيل أغراضها، عند توحد كلمتها، وبتحريكه في قلوب الأمة وعقولها أفكارًا دستورية، وآمال حكم نيابي — ولو أن تحركها في البدء كان كتحرك أشباح في وسط ليل بهيم — بإباحته المناقشات العديدة في التغييرات السياسية الأساسية لرجال لم يكونوا حائزين للصفات اللازمة لذلك، وبجعله بالتالي أقصى ما يداوى به نظام البلاد غذاء البلاد اليومي — وهو الحاكم المطلق، القائمة سلطته الفردية على طاعة الجند له، بل على خنوعهم لإرادته، والقائم تصرفه في إرادات الأهالي وأموالهم وحريتهم على اعتقادهم المتين بأن إرادته هي وحدها الدستور، ورغبته هي وحدها القانون، وأمره هو المقرر في كتاب الأقدار، فلا مفر من نفاذه — بعمله ذلك جميعه، إنما أقدم في الواقع على دك قواعد سلطته — حتى فيما لو فاز على دولتي الغرب في نزاعه معهما — وعلى وضع ألغام تحت مركزه — كما آل إليه من أسلافه — كان لا بد لها من نسف ذلك المركز عاجلًا أم آجلًا، إن لم يكن في أيامه، ففي أيام خلفه، فإن النار إذا أوقدت التهمت، والسيل إذا كسرت حواجزه جرف. ثم صعبت في كلتا الحالتين الوقاية.

وما وقع في القريب العاجل (لإسماعيل) عينه، ثم ما وقع بعد ذلك بقليل لابنه وخلفه الخديو (محمد توفيق) خير دليل على أن (إسماعيل) فيما أقدم عليه أخطأ إزاء نفسه خطأ كبيرًا.

١  أهم مصادر هذا الفصل «مصر الحديثة» للورد كرومر و«مصر في عهد إسماعيل» لماك كون.
٢  انظر «مصر الحديثة» للورد كرومر، ج١ ص١٢٦.
٣  كتب هذا في أبريل سنة ١٩١٨.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠