الفصل الأول

حيرة وارتباك١

كأن الظلام حين أرخى سدوله
يبيت على ليل بليل موصل
امرؤ القيس

فما تشكلت الوزارة الشريفية، وأقبلت تدير مهام الأمور، إلا وعاود قناصل الدول الكرة، وأقبلوا يلحون بوجوب إعادة السير ريڨرس ويلسن والمسيو دي بلينيير إلى منضبيهما، إرضاء لدولتيهما، وتهدئة لخواطر الدائنين.

فرد (إسماعيل) عليهم بأنه إزاء هياج الرأي العام لم يكن في الإمكان إجابة طلبهم، وأنه يقبل أية مراقبة، مهما كانت دقيقة، ولكنه لم يعد يستطيع قبول عضوية أجانب في الوزارة المصرية.

وقال لهم شريف باشا، تأكيدًا لكلام مولاه: «إن الوزارة مصممة على منع سموه من قبول ذلك حتى فيما لو كان سموه ميالًا إلى قبوله، ولئن فعل وخالف رأيهم، فإنهم مصممون على الاستقالة، وتركه وشأنه؛ لأن مبادئهم لا تمكنهم من التسليم بإعادة نظام بات مسخوطًا عليه من الأمة بأسرها.»٢

فلما تحققت الدول أن الانقلاب الذي تم بمصر أصبح أمرًا صمم على عدم الرجوع فيه، وقعت في حيرة كبرى، لأنه على أهمية مصاعب الموقف وخطورتها، لم يكن من السهل الإقدام على أي عمل لحل المشكل بدون تسيير المصالح الدولية المختلفة إلى التصادم معًا تصادمًا مخيفًا.

فسلطان تركيا أصبح يخشى أن يؤول عمل الخديو إلى إنشاء أخطار حول ما له من حقوق السيادة على مصر، وأخذ يفكر فيما يجب فعله؛ أيسبق الدول إلى العمل، فيقبل (إسماعيل) من تلقاء نفسه، ويغتنم الفرصة لتحقيق ما طالما جال في خاطر أسلافه الفخام، ورجال السياسة العثمانية، مذ اكتسب سيف (محمد علي) العظيم شبه استقلال للقطر المصري، فيرسل عدة أورط عثمانية إلى وادي النيل بصحبة والٍ يعينه مكان الخديو المقال، ويعيد مصر ولاية عثمانية بسيطة كما كانت قبل أن يؤول زمامها إلى ذلك المكدوني الجسور؟

ولكن، ألا يعد هذا العمل، الآن، والدول الغربية قائمة قاعدة لما بدا من (إسماعيل)، عملًا يتم خوفًا منها، ويقع بسبب مداخلتها وتأثيرها؟ وإذا عد كذلك — وهو الواقع — ألن يؤخذ هذا العمل عينه قاعدة لبناء مبدأ تنتفش منه الأخطار كما ينتفش الشوك من جسم القنفذ، مبدأ وجوب إقالة كل حاكم لا تستحسن تلك الدول حكمه؟ وهل من مصلحة تركيا أن يقام بناء مثل هذا المبدأ، وأن يعرَّض بمركزها برضاها إلى مؤثرات الرأي العام الأوروبي؟ أليس الأوفق، من هذه الوجهة تحبيذ عمل الخديو، وشد أزره فيما تحدى به الدول الغربية، وفي تصميمه على رفض إشراك أي أجنبي في حكم بلاده؟

ولكن من جهة أخرى ماذا يكون مركز تركيا في العالم، وإلام تؤول حقوق سيادتها على مصر، لو أقدمت الدولتان الغربيتان على إقالة (إسماعيل) من تلقاء نفسيهما، وبدون استشارة الباب العالي، أو بمجرد استشارته استشارة صورية فقط؟

فالأوفق — والظروف هذه — الانتظار والتربص، ريثما يظهر بصيص نور للسير بهداه، مع التيقظ التام لماجريات الأمور.

ولم يكن موقف بريطانيا العظمى محفوفًا بصعوبات أسهل حلًّا من الصعوبات القائمة في وجه سلطان تركيا، فالمصالح السياسية والمالية البريطانية بمصر كانت من الأهمية والخطورة بحيث لا تستطيع الحكومة الوقوف معها إزاء المشاكل المصرية موقف المتفرج، القليل الاهتمام، فكان لا بد لها من التداخل فيها، على أن هذا التداخل كان من شأنه أن يجرها إلى عواقب كانت إذا تبصرت فيها، وقفت مترددة؛ أتنساق إليها أم تحجم عنها؟

فمصر بموقعها الجغرافي، وبصفتها مفتاح الهند، ما فتئت موضوع اهتمام بريطانيا العظمى، وداعية إلى تيقظها التيقظ كله، خشية أن تقوم على ضفاف النيل دولة قوية تحول بينها وبين مستعمراتها الهندية، أو تهددها فيها، فلما أنشأ الملازم واجهرن في عهد الباشا العظيم، الطريق البريدي بين أوروبا والهند، المعروف باسم «الأوڨر لندروت»، زاد اهتمام بريطانيا العظمى بمصر وشئونها أضعاف أضعاف ما كان، حتى خيل لبعضهم أنه أصبح لا بد لتلك الدولة البحرية الضخمة من الاستيلاء عليها، وإلا فإدخالها ضمن دائرة نفوذها.

وعبر كاتب إنجليزي يقال له كنجليك في سنة ١٨٤٩ عما أخذ حينذاك يجول في الخواطر بقوله في كتاب دعاه «إيوتن» «إن الإنجليزي المشرئب برقبته اشرئبابًا بعيدًا ليقبض على هذه المحبوبة، سوف يغرس قدمه بثبات على ضفاف النيل، ويتربع في مقاعد المؤمنين» غير أن الحكومة البريطانية في ذلك العهد لم تكن تفكر مطلقًا في الاستيلاء على مصر، وإن همها جدًّا أن لا يستولي عليها أحد غيرها. ولا أدل على ذلك مما يرويه المسيو إميل الليڨييه، رئيس الوزارة الفرنساوية التي أشهرت الحرب على ألمانيا سنة ١٨٧٠، في كتابه المسمى «الإمبراطورية المتسامحة»، فإنه يقول — وقوله ثقة — «إن الإمبراطور ناپوليون الثالث فاتح في سنة ١٨٥٧ الحكومة البريطانية في أمر اقتسام إفريقيا الشمالية، واقترح عليها اختصاص فرنسا بمراكش، ومملكة سردينيا (وأصبحت فيما بعد مملكة إيطاليا) بتونس، وإنجلترا بمصر.»

فلما عرض الأمر على اللورد بالمرستون، كبير وزراء الإنجليز في ذلك الحين، أجاب «قد يمكن أن إنجلترا وفرنسا وسردينيا تحكم أجزاء عديدة من العالم خيرًا مما يحكمها الآن حكامها، ولكني لست أرى أن هذا داعٍ إلى إقامة حكم هذه الدول على تلك الجهات، فنحن — من خصوصنا — لا نريد مصر، والذي نبتغيه من مصر هو أن تستمر مرتبطة بالسلطنة التركية، لأن هذا ضمانة ضد وقوعها تحت سلطة أية دولة أوروبية. نحن نريد أن نتجر مع مصر، ونريد أن نجتاز مصر في أسفارنا، ولكنا لا نريد أن نثقل أكتافنا بأعباء الحكم عليها، فيلزمنا أن نحسن حال هاتيك الأقطار بمؤثرات تجارتنا العامة، ولكن علينا أن نمتنع الامتناع كله عن صليبية فتح قد تحق علينا معها كلمة باقي الأمم المتمدنة».٣
وكتب إلى صديقه اللورد كولي، يقول، «نحن لا نريد مصر أو نبغيها لأنفسنا أكثر مما يبغي رجل عاقل ذو ملك في شمال إنجلترا، وصاحب مقام في جنوبها، أن يمتلك عموم الفنادق والمنازل القائمة في طريقه إلى ملكه في الشمال، وغاية ما يتمناه هو أن تكون تلك الفنادق والمنازل معتنى بها، ومحفوظة في حال جيدة، وأن لا يعوقه عائق عن الدخول إليها، وأن يجد فيها حينما يردها شواء خروف، وخيل بريد.»٤
وكانت حجته الكبرى في مقاومته عمل إنشاء ترعة السويس هي أن تلك الترعة لو تمت — وهو أمر غير محتمل — لاضطرت إنجلترا إلى احتلال مصر وامتلاكها، وهو أمر لا تريده.٥

ولكن بعد أن تم فتح تلك الترعة، وعلى الأخص بعد أن اشترت الحكومة البريطانية أسهم الحكومة المصرية فيها، أخذت رغبة إنجلترا في امتلاك القطر المصري تنمو شيئًا فشيئًا في صدور رجال سياستها، لا سيما المحافظين منهم، وأخذت تتشكل وتتجسم رويدًا رويدًا، حتى باتت راكزة ثابتة في نفس اللورد بيكنسفلد رئيس وزارة المحافظين في أيام (إسماعيل) الأخيرة. ولا أدل على ذلك من تلون هذا الوزير اليهودي الأصل في معاملته الحكومة المصرية، وفي احتياله على خلق الصعوبات المالية لها، ومن مكاتبات اللورد سلسبري لقنصلي إنجلترا بمصر، البادية عليها صبغة التهديد المستمر (لإسماعيل)، مع وقوف السياسة البريطانية تمام الوقوف على طبع هذا الخديو، وقلة صبره على ما يمس كرامته، وينتقص مكانته.

على أن استيلاء إنجلترا على مصر لم يكن بالشيء الهين:
  • أولًا: لأن المعاهدات الدولية كانت عقبة كؤودًا في السبيل.
  • ثانيًا: لأن الدول الأوروبية، لا سيما فرنسا، لم تكن لتستطيع عليه صبرًا.
  • ثالثًا: لأن كثيرين من عقلاء الإنجليز أنفسهم كانوا لا يريدونه مطلقًا، ويعتبرونه مصيبة على دولتهم.
  • رابعًا: لأنه في وزارة المحافظين ذاتها، كان يوجد من لا يستحسنه مطلقًا، ويبذل وسعه في مقاومة نفاذه.

ومع ذلك فمصير الأمور كان — حتى لأقصر الناس تبصرًا وبصرًا — متوجهًا وجهة إجبار بريطانيا على المجيء إلى مصر، إن لم يكن للاستيلاء عليها وضمها إلى أملاكها، فلتسيير إدارتها وفقًا للمصالح الإنجليزية، ولمنع دولة أوروبية غيرها من احتلالها.

أما فرنسا، فالذي كان يهمها فوق كل شيء هو أن لا يغرس الإنجليزي قدميه على ضفاف النيل لا بثبات، ولا بكيفية وقتية مقلقة، ولكنها لم تكن في الوقت نفسه تنظر بعين الارتياح إلى احتلال قوة تركية هذا الوادي الخصيب، وكانت تعتبر أن مثل هذا الاحتلال داء أفظع بكثير من الداء المتألمة مصر به، لا دواء له. وبما أنها كانت متيقنة من جهة أخرى، من أن اتحادها مع إنجلترا، لاحتلال القطر معًا، إنما يكون مصدرًا في المستقبل لمشاكل وصعوبات لا نهاية لها بين الدولتين قد يؤدي بهما إلى الاشتباك في حرب معًا، لا سيما بعد أن قال البرنس بزمرك «إن مصر ستكون للدولتين الغربيتين ما كانه الشلزڨيج هلستين الدانمركي لبروسيا والنمسا». فإن سياستها كانت تقضي عليها، وكانت في الواقع موجهة إلى إبقاء الحال بمصر على ما هي عليه، بدون أقل تعديل.

ولكنها من جهة ثالثة كانت مضطرة إلى حماية مصالح رعاياها المالية هناك، والأوساط المالية في باريس كانت لا تنفك تحرضها على صيانة تلك الحقوق. على أن حمايتها وصيانتها، بما سوى المداخلة الفعلية في الشئون المصرية الداخلية، كانت تظهر لها متعذرة إلا إذا انقاد الخديو إلى رغائبها، وسلم زمام بلاده إلى رقابتها — وهو ما لم يكن يمكن انتظاره من (إسماعيل) مطلقًا — فما العمل؟

وإيطاليا على حداثتها، وعلى ما لديها من مسائل داخلية تجعل اهتمامها بها وعنايتها في حلها أفيد لها بكثير من الطموح إلى التوسع في النفوذ الخارجي، إيطاليا، لعلمها أن للمظهر في العالم أهمية كبرى، وأن مركز الدول من بعضها على قدر كبر المطالب، والتشدد في التمسك بحقوق، ولو مزعومة فقط، وغير مسلم بها، كانت ترى أنه لا بد من إشراكها مع الدولتين الغربيتين في إدارة شئون البلاد المالية، لا سيما وأن جاليتها في القطر أكثر عددًا، ومجموع أفرادها المقربين من سمو أمير البلاد أشد نفوذًا عليه من جاليتي الدولتين الغربيتين، ومن مجموع أفرادهما المالكين أذن الخديو، أو المقربين إلى قلبه.

أما روسيا، فمع أن مصالحها في القطر كانت عدمًا، إلا أنه كان يجدر بها في نظرها شد أزر تركيا، وتعضيد إجراءاتها، وذلك لسببين:

الأول: لأن الحكومة الروسية كانت تعتبر نفسها الوريثة للدولة التركية — فكل ما ينتقص دولة بني عثمان يقلل من تركتها المنتظرة.

والثاني: لتوقعها مكسبًا أدبيًّا من وراء وقوفها بجانب تركيا، معضدة مؤزرة، عملًا بقول أحد ساستها، وهو «قد سلخنا جلد هؤلاء الأتراك المساكين في الشمال، إلى حد يحسن بنا معه التظاهر بحمايتهم ولو قليلًا في الجنوب.»

وألمانيا والنمسا، وإن لم تتداخلا لغاية ذلك اليوم إلا قليلًا في الشئون المصرية، إلا أنهما لم تكنا لتنظرا بعين الارتياح إلى استقلال إنجلترا وفرنسا بعمل متفق عليه بينهما وحدهما بمصر.

وعلاوة على ذلك، فإن عددًا لا يستهان به من الألمان والنمساويين الدائنين للحكومة المصرية دينًا غير مسجل كانوا قد استصدروا ضدها أحكامًا لمصالحهم من المحاكم المختلطة، فهل كان يسع دولتاهم عدم المطالبة بتنفيذ تلك الأحكام؟ كلا، وقد رأينا البرنس بزمرك يحتج احتجاجًا عنيفًا على عدم تنفيذها، واحتجاج من كان في مركزه لا يصح أن يكون مجرد حبر على ورق كاحتجاجات الضعفاء من الدول والناس.

١  أهم مصادر هذا الفصل «مصر الحديثة» للورد كرومر، و«مصر في عهد إسماعيل» لماك كون.
٢  انظر «مصر في عهد إسماعيل» لماك كون ص٢٦٠.
٣  انظر «الإمبراطورية المتسامحة» لإميل الليڨييه ج٣ ص٤١٨.
٤  انظر «مصر الحديثة» للورد كرومر، ج١ ص٩٢ الحاشية.
٥  انظر «نوبار باشا» لبرتران ص٢٦.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠