الفصل الرابع

فصل أخير١

وصف (إسماعيل)

أما وقد سبق لنا وصف (إسماعيل)، حينما ارتقى عرش أبيه، فلننظر ماذا فعلت به الأيام، ولنر كيف كان حينما تخلى عن ذلك العرش.

أمست قامته التي كانت دون الربعة، تظهر أقصر مما كانت بسبب السمن الذي تراكم عليها، فجعل مشية صاحبها كأنها متدحرجة، واعرضَّ صدره وثقل، واتخذت كتفاه وسعًا هرقوليًّا، ولكن عبء الهموم أحناهما قليلًا، وما فتئت لحيته المقصوصة قصًّا قصيرًا تستدير حول وجهه المستدير، ولكن الفضة وخطت فيها الذهب، والذهب عينه جعل يميل إلى البرونز فيها وفي الشارب أيضًا، والفم ما فتئ ثابتًا والشهوة عليه مقيمة، وتقاطيع الوجه ما فتئت منتظمة، بالرغم من الأسارير التي خطتها يد السنين بقلم الشجون، ولكن اللون اقتمَّ، والسكون كسا مجموع تلك التقاطيع بدل الحركة السابقة، أما عيناه فما فتئتا على عادتهما القديمة من نصف غلق تارة، ومن فتح إحداهما وإغماض الأخرى طورًا، وما انفكت العين المفتوحة تسطع سطوعًا لا يطاق، حينما يريد صاحبها استجلاء غوامض الصدور، وتضيء كبرق وامض.

على أن عموم وجهه بات كصفحة مخطوطة بالمداد الحساس لا يظهر، فلا يقرأ شيء عليها، إلا إذا أبرزت الانفعالات الكتابة. مثل نابوليون الثالث تمامًا، لتشابه الرجلين في الصفات القوية والضعيفة المتحاربة معًا فيهما، ولو أن حزم (إسماعيل) وسرعة عزمه لم يكن لهما أثر عند نابوليون الثالث، رجل التردد المستمر.

وأما الصوت، فأمسى ضخمًا مملوءًا، يرن في السمع كأنه وقع الآلة المعروفة بالباريتون، ويخرج إلى المحادثين معاني مكسوة بتعابير جميلة، حتى متى كانت المعاني بسيطة وعادية، وما فتئ الابتسام الساحر المتجلي على الشفتين بين حين وحين يزيد في لطف تلك التعبيرات.

غير أن مَن نظر بتمعن حقيقي إلى وجه المتكلم، وتأمل الخطوط المخطوطة على جبينه العريض وفمه القوي، الدالة على أهواء شديدة، يضغط عليها بشدة متناهية، حالما يتيقظ المتكلم إلى دبيب هموم الحكم في وسط الأفكار الخفيفة، المعبر عنها بخفة كذلك، كان لا يسعه إلا أن يحكم بأن الرجل غير سعيد.

ولكنه لم يكن يسعه أيضًا إلا الإعجاب بلطف الأخلاق ورقة الشمائل التي كان متحليًا بها دومًا، بالرغم من قلة هنائه الداخلي، والتي شهد بها كل من خدمه أو خالطه، وظهرت جليًّا في قلة الأحكام القاسية الصادرة في عهده.

فعلاوة على أنه لم يكن ليسمح أبدًا لفمه أن يخرج قولًا بذيئًا، أو كلمة سافلة، أو لفظًا قبيحًا، فإنه كان ظريف المعشر، ميالًا إلى المزاح، مكثارًا منه في بعض الأحايين، على أن مزاحه كان في منتهى الخفة واللطف، لا يثقل على النفوس مطلقًا.

من ذلك أن بعض قناصل الدول ألح عليه، أيامًا متتابعة، بأن يتفضل ويجود على أحد رجال تبعيته بمهمة يستطيع الرجل أن يستخرج منها مكسبًا — وكان المتداول على الألسنة أن امرأة ذلك الرجل جميلة، وأنها لا ترفض أن تكون شفيعته لدى أصحاب الأمر — فأجاب الخديو القنصل إلى طلبه، وعهد إلى الرجل بتوريد ألفي زوج ثيران لجيشه، قائلًا للقنصل «لست أشك في أن صاحبك ذو خبرة في الحيوانات ذات القرون.»

ومن ذلك أنه كان قد وقع نفور بينه وبين أحد قناصل الدول، واختصما، وكانت امرأة ذلك القنصل مغرمة بالمكاروني، نهمة في أكله، مقبلة عليه في الموائد بكيفية توجب الاشمئزاز، فتداخل بين الخديو والقنصل صديق، وما زال بهما حتى أصلح بينهما، فبعث (إسماعيل) لزوجة ذلك القنصل سوارًا بديعًا، ثمينًا للغاية، للدلالة على رجوع المياه بينه وبين زوجها إلى مجاريها، فاستغرب الصديق عمله، وسأله «لم هذه الهدية الثمينة؟» فأجاب (إسماعيل) «ماذا تريد؟ فإنه كان لا بد منها، وإلا فوليمة أولمها لهما، ويكون المكاروني من ضمن أصنافها، لئلا يقال إننا لم نراع ذوق مدام القنصلة، على أني يا عزيزي أفضل الحرب على رؤية تلك المرأة، وهي تأكل المكاروني.»٢
ومن ذلك أنه كان يكره المقابلات الرسمية في الأعياد، لأن المحادثة فيها لم تكن تدور إلا على الطقس واختلافه بين مصر والإسكندرية، وكانت نفسه قد مجتها كثيرًا، فاتفق في السنة الأخيرة من ملكه، وأيام أن كانت اضطراباته الداخلية في أشدها، أن قنصلًا أتاه زائرًا، وبعد التحية المعتادة شرع يتكلم في مسألة الطقس، وكان سياق الحديث العادي في هذا الموضوع أن الإسكندرية رطبة، وأما مصر فجافة، فقاطع الخديو عليه كلامه، وقال له: «إني أدري تمامًا، يا جناب القنصل، ماذا تريد أن تقول لي، فأرجوك أن تقيد في مذكرتك أني من الآن فصاعدًا أعتبر مصر رطبة، والإسكندرية جافة»، فوقف القنصل منذهلًا، ولما خرج من حضرته، قال لزملائه: «أظن أن سموه أضاع ذاكرته.»٣
على أن ذاكرة (إسماعيل) كانت حديدية، لا يمسح من لوحها شيء رسم عليه مرة. ولا أدل على ذلك من أن بعضهم في سنة ١٨٧٥، حادثه يومًا في شئون ترعة السويس، وذكر أمورًا تتعلق بالمخابرات القنالية، خالفه (إسماعيل) فيها، ولكي يثبت له أن قوله حق، ومزاعم محادثه في غير محلها، ذكر له عشرين سطرًا من مستند غير مهم كان قد قرأه منذ سنوات عديدة، فنقل الرجل الأسطر، ولما عاد إلى منزله راجعها، فإذا بها كما قالها (إسماعيل) حرفًا بحرف.٤

ومن لطيف معاشرته أنه كان يحمل محادثه سريعًا على التمتع براحته كلها، وعلى إزالة كل تهيب من نفسه، وكان يبذل جهده لكيلا يحس مخاطبه أنه ثقل عليه في الكلام، أو أنه لم يفهمه غرضه.

فمن ذلك أنه دعى ذات يوم شابًّا إنجليزيًّا من عائلة رفيعة، ولم يكن يحسن التكلم بالفرنساوية، إلى تناول طعام الغداء عنده، فأجهد الخديو نفسه إجهادًا كبيرًا ليتتبع حديثه، ويفقه معانيه — لأن الشاب كان يتكلم الفرنساوية بالإنجليزية — وأخذ يساعده على التعبير عن أفكاره، فدار الحديث على رجل معروف لدى الخديو، فأراد الشاب أن يقول: «إن الرجل اعتاد كذا وكذا، وهذا يعبر عنه بالإنجليزية بقولهم: “He has contracted the habit”، فقال: “Il a contracté l’habit” أي «ضيق ثوبه»، فقطب الخديو جبينه، وأجهد فهمه ليدرك معنى تلك الجملة، فلم يستطع. فقال: «نعم، إنه كان يلبس دائمًا ثوبًا ضيقًا»، وغيَّر موضوع حديثه، وذلك لكيلا يحرج مركز ضيفه.٥

وكان في محادثته يسحر بلطفه كل من وجد معه، وإذا شاء صير أكبر أعدائه أصدقاء له ما داموا في حضرته. ولم يكن يجد صعوبة ما في حملك على التنازل عن آرائك والانحياز إلى آرائه، ما دمت تكلمه، ولو أنك بمجرد الخروج من حضرته تعود إلى صوابك، وترى أنه مخطئ وأنك على حق.

فيروى، من ذلك، أن أحد القناصل كان إذا قابله أظهر اتفاقه معه على كل شيء، فإذا ما خلا إلى نفسه وكتب إلى دولته كتب ضده، وكان إذا ما عاتبه (إسماعيل) على ذلك اعترف بخطأه، ووعده أن يصححه في رسالته التالية، ولكنه في رسالته التالية كان بدلًا من التصحيح، يبالغ في الطعن، فحمل عمله هذا (إسماعيل) على القول لأحد أصدقائه «إني، رأيم الحق، لمندهش من تصرف حضرة القنصل، ولكني لست أرى له دواء، فإني لا أستطيع أن أجلس معه، وهو يكتب رسائله.» قال ذلك وتبسم، وكسر على عينه.

وكان يتدارك حالًا أي خطأ يصدر منه في المحادثة، ويحوله إلى مصلحته. فمن ذلك أنه قدم ذات يوم إلى أحد كبار الكُتاب هدية نقدية نفيسة ليحمله على الكتابة في فائدته، ولكنه ما كاد يفوه بالمقصود من تلك الهدية إلا وأدرك أن الرجل ليس ممَّن يُشترون بالمال، فابتسم، وختم العرض بقوله: «وإني إنما أقول هذا لك لكي أستمرئ — ولو مرة واحدة في حياتي — لذة الرفض.»٦
ومن مميزاته أنه كان يدرك حالًا أخلاق الناس، ويعامل كل واحد المعاملة التي هي أحسن وقعًا لديه، من ذلك أنه لما أراد إنشاء معامل سكر في مزارعه في الصعيد، خاطب في الأمر بيوتًا إنجليزية، وبيوتًا فرنساوية، فأتاه وفد بريطاني ووفد فرنساوي، فقابل كلًّا منهما على انفراد. أما الفرنساوي، فاستمر الكلام معه أيامًا، وانشرح رجاله من سعة اطلاع (إسماعيل)، وإحاطته بكل دقائق الأمور، وأدهشهم منه اعتناؤه ببحث ذات دقائق اقتراحاتهم، اعتناء تامًّا. وأما الوفد الإنجليزي، وكان من منتشستر، فإنه تمم الشغل معه ببضع ساعات. فقال رجاله: «هذا رجل أقطع للشغل يوجد على غير شاطئ «الإروِل».»، فلما بلغ قولهم إلى (إسماعيل) قال مفسرًا: «إن بعض الناس يركب حصانًا، وبعضهم حمارًا، وآخر جملًا، ولكل منهم حركات خاصة به، على أن أحسن راكب من يركب كل هذه ركوبًا جيدًا.»٧

وكان كثير الشغل، صبورًا عليه، مهما كان شاقًّا، ويجد فيه لذة عظيمة، ولو أنه أثر في النهاية على صحته.

ولم يكن يميل للأبهة والعظمة إلا حينما كانت شئون الملك تستدعيهما، فكان يخرج عادة إلى النزهة لابسًا إسطمبولية بسيطة وطربوشًا أحمر، وليس أمامه سوى خمسة خيالة بلباس لونه لون الشوكولاطة.

وكان معظم حديثه بالفرنساوية، لأن معظم جلسائه كانوا أوروبيين. ولأنه لسوء حظه وحظ بلاده ما فتئ يميل إليهم، ويضع ثقته فيهم، بالرغم من أن الجديرين بها منهم كانوا أقل من أصابع اليد، وأن معظمهم تسببوا له بأضرار بليغة، كما سبق لنا القول.

ولو حسن جلساؤه، وأنعمت عليه الأقدار بوسط غير الوسط الذي شب فيه، وأمناء خير من الذين ائتمنهم، لصار في رجولته مصير خير الرجال، كما أنه أصبح من أعاظمهم، لأنه كان أرضًا جيدة، لا تحتاج إلا إلى فلاحة حكيمة، وبذر طيب. ولكنه تعلم في مبادئه — كما قلنا في غير هذا المكان — إن القانون إرادته، ولا يحدها إلا عقله، فأصبح لا يميز تمامًا أين ينتهي الخير، وأين يبدأ الشر، فالرأي الذي يوافقه يقبله، والرجل الذي يفيده يشغله، فإذا أحس بأنه أصبح خطرًا عليه داسه كما تداس عقرب. وإذا صادق إنسانًا أخلص له الصداقة بقدر ما يخلصها ملك، ولكنه إذا اضطرته مصلحته إلى التخلي عن ذلك الصديق، تخلى عنه وهو آسف، كما يتخلى المرء عن كلب عزيز لديه أصبح مضايقًا له في حياته.

وكان ذا مقدرة واسعة، جعلته يغير وجه القطر تغييرًا كليًّا، وما مرت أعوام حكمه الستة عشر على وادي النيل، إلا وقد قطع هذا الوادي شوطًا في مضمار المدنية والرقي لم يقطع مثيله في أربعة قرون سابقة. وتطورت مصر على عهده في حياتها المادية والأدبية تطورًا أصبح معه لا يعرفها من كان قد أتاها زائرًا في أيام سعيد. وقد بينا ذلك بيانًا كافيًا في محله.

فلا غرابة — والحالة هذه — أن تكون منزلة ملكه في تاريخنا بالقرن التاسع عشر منزلة الشمس في سمت السماء، وأن يبقى ذكره خالدًا في القلوب. ولا عجب إذا استمرت كنيته عند المصريين، أبا السباع، بالرغم من كل المطاعن التي وجهت إليه، وبالرغم من الشدائد الحقيقية التي قاسوها في عهده، فالشدائد تزول كلما مرت عليها الأيام، وأما أشجار الخير، فإذا غرست بذورها مرة، فإن مرور الأيام إنما يزيدها خصوبة وقوة وانتشارًا، فتصبح بعد حين، وإذا بظلها الوارف قد انسدل على نفس ذكرى تلك الشدائد، وأخفاها.

فالخير — مهما قيل بالعكس — أقوى من الشر، والحياة — ولئن كثرت الوفيات وتعددت، واشتدت أسباب الهلاك — أقوى من الموت، ألا ترى أنها تغذي كيانها من الفساد ذاته الذي يوجده الموت، وتخرج من الظلمات النور.

١  أهم مصادر هذا الفصل «مصر تحت حكم إسماعيل» لماك كون، و«خديويون وباشاوات» لموبرلي بل.
٢  انظر «خديويون وباشاوات» لموبرلي بل ص١٣ و١٤.
٣  انظر «خديويون وباشاوات» لموبرلي بل ص١٤ و١٥.
٤  انظر الكتاب عينه ص١٨.
٥  انظر «خديويون وباشاوات» لموبرلي بل ص١٧.
٦  انظر «خديويون وباشاوات» لموبرلي بل ص٩.
٧  انظر الكتاب عينه ص١٠ و١١.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠