الفصل الرابع

تركنا الفشل الجماعي وراء ظهورنا، وفقدَتِ الذكرياتُ المؤلمة حِدَّتها سريعًا؛ لأننا أصبحنا نتعامل الآن مع أبينا برعاية وعناية أكبر، كذلك فإن المفاجآت التي تطرأ كل يوم أصبحت تشغلنا، حتى إننا لم نعُد ننظر كثيرًا إلى الوراء؛ فالمرض كان يضعنا كل يوم أمام تحديات جديدة. كنا حديثِي عهدٍ بهذا المرض، وحاولنا الحفاظ على سيطرتنا على حياتنا، مع أن أيدينا كانت مرتعشة لقلة خبرتنا ودرايتنا ومهارتنا في التعامل معه.

كان أبي يخرج كثيرًا ليتجول، وغالبًا ما كان يذهب إلى بيت أخي الأكبر بيتر المقابل لبيتنا، حيث يسكن وبناته الثلاث. ولكن كانت جولاته تخرج كثيرًا عن مسارها المعهود؛ حيث كان يخرج أحيانًا في جنح الليل ودون ملابس كافية وبنظرة ملؤها الخوف. ومؤخرًا لم نجد أبي لفترة طويلة بعد أن دخل بالخطأ إحدى غرف الأطفال ونام على أحد الأسِرَّة. كذلك كان يُفتِّش أحيانًا في الخزانات ويعجب لأن بناطيل أخي فيرنر لا تناسبه؛ مما دعانا بعد ذلك إلى كتابة اسمه على باب غرفته وإغلاق الغرف المجاورة لها.

كان يُجرح كثيرًا في رأسه، أو يعود إلى البيت وركبتاه تنزفان؛ لأنه تعثر في التبَّة العالية التي اعترضت طريقه وهو ذاهب إلى بيت والدَيْه. دخل ذات مرة دون استئذان إلى بيت والدَيْه، وتفاجأت زوجة أخي به واقفًا في الطابق الأول يسألها عن أخي إيريش. منذ كنت طفلًا كان قفل الباب يدخل في ثقب في الخشب، وكان من الممكن فتحه بسهولة بالإصبع السبابة، وبالتأكيد حاول أبي عدة مرات فتحه بهذه الطريقة غير مدرك أنها لم تعد تعمل، ولعل عدم جدوى محاولاته هي التي جعلته يضطرب، ودفعته في آخر الأمر إلى كسر الباب.

وتذكُر أختي أنه كان يردُّ دائمًا على الهاتف وينسى بعد دقيقة واحدة مَن كان المتصل وماذا يريد. وبالطبع كان يدَّعي أيضًا أن الآخرين هم من يأخذون الأشياء ويسرقونها، وعندما كنا نسأله عن اختفاء أي شيء وعن علاقته بذلك، كان يرد غاضبًا بأنه لا يعرف عمَّ نتكلم. وعندما بحثنا طويلًا عن ماكينة الحلاقة الخاصة به وجدناها في النهاية بداخل جهاز الميكروويف، أما سلسلة مفاتيحه التي كان يفقدها بصورة منتظمة فقد اضطرت أمي في آخر الأمر ليس فقط إلى ربطها في بنطاله، بل إلى حياكتها وتثبيتها فيه، إلا أن هذا لم يمنعه من نزعها وإضاعتها مجددًا.

وكانت تعتريه أفكارٌ ثابتة، وكان أكثرها إلحاحًا شجرة البتول التي توجد أمام بيتنا بعد أن تسبَّب إعصار لوثر في إمالتها بوضوح؛ لذا فإن أبي كان يسأل كل يوم عشرات المرات إذا كانت الشجرة ستصمد في وجه الإعصار القادم أم ستقع على البيت، وفي كل مرة كان يشير إلى أن الشجرة نَمَتْ وأصبحت عملاقةً، أو يشير إلى السُّحُب القادمة. كذلك ألحَّ على تفكيره وشغله كثيرًا عدَّادُ الكهرباء الذي كان يراقبه بشغف شديد. ما زال صوت الباب المغناطيسي لعلبة العداد يتردَّد في أذني عندما كان أبي يفتحه ويغلقه بصورة متصلة. وعندما كان بيتنا يرتجف في الصباح من شدة البرودة كنا نعلم أن أبي قد عبث بأحد الأزرار. والمسئول؟! طبعًا الآخرون!

جدِّي أيضًا، الذي كان يعمل مُحصِّلًا في شركة الكهرباء، كان شغوفًا كذلك بتوفير استهلاك الكهرباء. عندما كان ينضم إلى الجالسين حول مائدة الإفطار ويلاحظ أن ضوء النهار أصبح كافيًا كان يُطفئ المصباح ويقول:

«ستجدون الطريق إلى أفواهكم على أي حال.»

حكايات وحكايات بسيطة.

حرص جدِّي دائمًا على ألا تعيق الستائر دخول الضوء إلى البيت؛ لذا كان يزيحها باستمرار إلى الجانبين كي يسمح لمزيد من النور بإضاءة المكان. وكان مقتصدًا جدًّا، وهي الصفة الوحيدة التي انتقلت بكاملها إلى أولاده.

وهكذا أصبح أبي منشغلًا طوال الوقت باستهلاك الكهرباء، وأصبح عقلُهُ أشبه بأسطوانة الموسيقى المشروخة التي لا تتوقَّف عن تكرار الألحان نفسها.

إلا أن تلك الأفكار الثابتة التي تشبه الأشباح اختفت ذات يوم، وبدأ أبي في مرحلة الإبداع.

وبعد أن عانينا كثيرًا من مشكلة النسيان وفقدان القدرات، بدأ المرضُ في إنتاج قدراتٍ جديدة؛ حيث تطوَّرت لدى أبي قدرةٌ متميزة على إيجاد المبررات، وقد عاش حياته قبلها رجلًا صادقًا؛ فقد أصبح يجد الأعذار والمبررات أسرع من الفأر الذي يبحث عن ثقبٍ ليختبئ فيه. تغيَّرت طريقة كلامه وبدا عليها فجأةً رونقٌ تلقائي لم أعهده فيه. وفيما يتعلق بالمحتوى فقد طوَّر مؤخرًا منطقًا خاصًّا به، وكان مدهشًا؛ حتى إننا كنا لا نعرف هل يجب علينا أن نضحك، أم ندهش، أم نبكي.

قلت له ونحن واقفان بجوار البيت وننظر إلى جبل جيبهارد وقمة أحد جبال الألب تظهر في الأفق فوق بريجينتس: «ما أجمل الطقس اليوم!»

نظر والدي حوله وفكَّر لحظةً فيما قلتُهُ ثم قال:

«عندما كنتُ في البيت كان بإمكاني التنبؤ بالطقس بدقة، ولكن من هنا لا. ولأني لم أعد في البيت أصبحت غير قادر على ذلك!»

فقلت له مندهشًا: «ولكن الوضع هنا هو بالفعل نفسه بالأسفل!» لأن بيتنا كان بجوار بيت والدَيْه على بعد خمسين مترًا من فوق التل.

«أرأيتَ كم يفرق ذلك؟»

ثم فكَّر لحظة وقال:

«لا يليق أن تعارضوني دائمًا فيما أقوله عن الطقس!»

أكثر ما كان يُظهر قدراته الجديدة هو تعرُّضُه لضغطٍ، وهذا ما كان يشعر به كلما أراد الذهاب إلى البيت. في عام ٢٠٠٤ تقريبًا لم يعُد يتعرَّف على بيته. حدث هذا بسرعة، بسرعة مفاجئة لدرجة أننا لم نقدر على فهم ما يحدث. رفضنا لفترة طويلة قبول فكرة أن أبانا نسي أمرًا بديهيًّا مثل بيته.

ذات يوم لم تستطع أختي تحمُّل رجائه وإلحاحه على الذهاب إلى البيت؛ «لأنهم ينتظرونه هناك» كما كان يقول؛ إذ لم يكن ذلك محتمَلًا. كنا نشعر وقتها أن تكراره اللانهائي للكلام يفوق كل الحدود.

فأخذتْهُ هيلجا إلى الشارع وأشارت إلى البيت قائلةً:

«هذا بيتك!»

«لا، هذا ليس بيتي.»

«إذن أخبرني أين تسكن؟!»

فذكر لها الاسم الصحيح للشارع والرقم الصحيح للبيت.

فأشارت هيلجا في نشوة المنتصر إلى اللافتة التي تحمل رقم البيت بجوار المدخل وسألته:

«وما المكتوب هنا؟»

فقرأ نفس العنوان السابق.

فسألته هيلجا:

«وماذا نستنتج من ذلك؟»

فردَّ عليها بغلظة: «إن شخصًا ما سرق اللافتة وأحضرها إلى هنا.» وكانت إجابته تفسيرًا خياليًّا يفتقد إلى أي منطق.

فسألته هيلجا بغضب: «ولماذا يسرق أحدٌ لافتة البيت ويثبِّتها على بيته؟»

«لا أعرف، ولكن الناس يفعلون مثل هذه الأشياء.»

قال ذلك بلهجة الأسى دون أن يُبدي أي قدرٍ من تأنيب الضمير؛ لأن ما قاله كان من دروب المستحيل.

وفي موقف آخر ردَّ على سؤالي حول عدم استطاعته التعرُّف على أثاث بيته قائلًا:

«نعم، الآن يمكنني ذلك!»

فقلت بشيء من الاستعلاء: «أتمنى ذلك.» ولكنه نظر إليَّ بخيبة أمل وقال:

«يا هذا، إن ذلك الأمر ليس سهلًا كما تظن؛ فالآخرون لديهم أثاث مثل هذا. مَن يعرف؟»

كان هذا الرد منطقيًّا جدًّا، ومقنعًا في حد ذاته لدرجةِ أنه أغضبني. يا إلهي! وسألت نفسي لماذا بدأنا هذا النقاش إذا كان قادرًا على قول مثل هذا الكلام المنطقي؟! عندما يتمتع شخصٌ بدرجة من الذكاء تجعله قادرًا على فهم مثل هذه التفاصيل، فأنا أتوقَّع منه أن يتعرَّف على بيته.

ولكن دون جدوى!

في مواقف أخرى كان أقلَّ تعقُّلًا، وكان ينظر متفحِّصًا جميع التفاصيل ثم يقول إنه يظن أن شخصًا ما قد أثَّث الغُرف بهذه الطريقة ليخدعه.

ذكَّرني ذلك بفيلم الحركة «٣٦ ساعة» الذي قام ببطولته جيمس جارنر، وإيف ماري سانت، وأدَّى فيه جيمس جارنر دور ضابط مخابرات أمريكي لديه معلومات مهمة عن غزو قوات الحلفاء. استدرجه النازيون إلى فخٍّ وخدَّروه، وفي اليوم التالي أخبروه عندما أفاق بأنه في أحد المستشفيات الأمريكية، وبأن أمريكا كسبت الحرب قبل سنوات، وأنه كان فاقدًا للذاكرة طوال هذه المدة. كانت الخدعة مُحكَمة، لولا جرحٌ صغير أصيب به الضابط قبل أيام من وقوعه في أيدي النازيين؛ فبالرغم من مرور السنين كما زعموا فإن الجرح لم يلتئم!

كان مثل هذه الأمور الغريبة جزءًا من حياة أبي اليومية على مدار سنوات. كان يفتقد أي ثقة بالتفسيرات التي يقدِّمها له أقاربه وتبدو منطقية. كان يرد: «نعم، بيتي يشبه هذا المكان جدًّا، ولكنه يختلف قليلًا.»

•••

كان يجلس كثيرًا وحده في غرفة المعيشة ويشرب النبيذ، وكان يصدمني دائمًا أن أراه ضعيفًا وجريحًا ووحيدًا هكذا. تغيَّر أبي كثيرًا، ولم يعد وجهه المكتئب ينم عن حيرته لأنه ينسى، بل عن إحساسه العميق بالغربة؛ فقد أصبح العالم كله بالنسبة إليه غريبًا.

وأحيانًا كانت قناعتنا بأن تغيير المكان يمكن ببساطة أن يُزيح عنه الإحساس بالغربة تؤدِّي بنا إلى مأزقٍ لا يخرج منه أبونا إلا بعد أيام.

عندما كان يطلب العودة إلى البيت لم يكن يرفض في الحقيقة المكانَ الذي يرغب في مغادرته، بل الموقف الذي يشعر فيه بأنه غريب وتعيس؛ أي إنه لم يكن يعني المكان، بل المرض، ولكنه كان يحمل مرضه معه أينما ذهب، حتى وهو في بيت والدَيْه. كان منزل والدَيْه على بُعد خطوات، ولكن بلوغه بقي مع ذلك هدفًا بعيد المنال؛ ليس لأن قدمَيْه لا تحملانه إلى هناك، بل لعدم وفاء الذهاب إلى هناك بما ينشده. جعل المرضُ أبي يفقد للأبد الشعورَ بالاحتواء، وأصبحت الغربة لصيقةً جدًّا به، ولم يدعْ له المرضُ فرصةً ليُدرك تأثيره على إدراكه للمكان. وأصبحت عائلته تراقب يومًا بعد يوم ما يعنيه الحنين إلى البيت.

كنا نرثي لحاله لأبعد مدًى، وتمنَّينا كثيرًا أن يعود إليه الشعورُ بأنه في بيته، وإذا حدث هذا فسيكون معناه أن المرض قد تركه، وهو الأمر الذي ربما يحدث عند الإصابة بمرض السرطان لا مرض ألزهايمر.

خفَّت وطأة الأمر علينا بعد عامين، عندما تأكدَت مُجددًا مصداقيةُ المَثَل القائل بأن الأزمة يجب أن تشتدَّ أولًا قبل أن تنفرج.

وأدركتُ بعد سنوات عديدة أن الرغبة في الرجوع إلى البيت تحمل بين طياتها شيئًا إنسانيًّا؛ فقد فعل أبي بصورة تلقائية شيئًا فعلتْهُ كل الإنسانية من قبل؛ ألا وهو تحديد مكان من المفترض أن يشعر المرء فيه باحتواء إذا وصل إليه؛ ليكون بمثابة الترياق للحياة المُفزعة غير المحتملة. سمَّى أبي ذلك المكان البيت، بينما يسميه المؤمنون الجنة.

عندما يكون الإنسان في البيت يجد أشخاصًا يشعر تجاههم بالألفة ويتكلمون لغةً مفهومة. يقول أوفيد في كتابه «المنفى»: «حيث يفهمون لغتك يكون الوطن.» وكانت لهذه المقولة أهميةٌ وجودية فيما يتعلق بأبي؛ لأن محاولاته لمتابعة أحاديث الآخرين كانت تبوء بالفشل بصورة متزايدة، كما كانت محاولاته التعرُّف على الوجوه تفشل؛ مما جعله يشعر وكأنه في منفًى. أصبح من يحدِّثونه غرباء مع أنهم إخوته وأبناؤه؛ لأن ما يقولونه كان مريبًا ويسبِّب له مزيدًا من الحيرة. وهذا يجعل من استنتاجه الحتمي أن هذا المكان يستحيل أن يكون بيته أمرًا منطقيًّا؛ ومن ثم فقد كان من المنطقي أيضًا أن يتمنَّى الرجوعَ إلى بيته مقتنعًا بأن الحياة ستعود وقتها إلى ما كانت عليه.

•••

قال لي أبي ذات مرة: «لقد غسلت يدي هنا. هل كان مسموحًا لي أن أفعل ذلك؟»

«نعم يا أبي، هذا بيتك، وهذا الحوض لك.»

نظر إليَّ متعجبًا ثم ابتسم حرجًا وقال:

«يا إلهي، لعلي لا أنسى ذلك ثانيةً!»

هذا هو مرض ألزهايمر، أو بالأحرى: هذه هي الحياة أو المادة التي تُصنع منها الحياة.

•••

مرض ألزهايمر مثل كل الأشياء المهمة، يوضِّح لنا أشياء أخرى أكثر مما يوضح خفاياه هو نفسه. تتضح السمات الإنسانية والمشاعر الاجتماعية كما لو كنا ننظر إليها عبر نظارة مُعظِّمة. العالم يُحيِّرنا جميعًا، وإذا دقَّقنا النظر فسنجد أن الفارق بين الإنسان السليم والآخر المريض هو مدى قدرته على مداراة الحيرة الظاهرة؛ فتحتها تقبع الفوضى.

حتى بالنسبة إلى الشخص السليم نسبيًّا يُعد النظام القائم في رأسه مجرد خيال للعقل.

يفتح مرض ألزهايمر عيوننا، نحن معشر الأصحاء، على مدى تعقيد القدرات التي نحتاجها للتغلب على تحديات الحياة اليومية. في الوقت نفسه يعتبر ألزهايمر تصويرًا رمزيًّا لأحوال مجتمعنا بعد أن فقدنا النظرة الكلية وأصبح لا مجال للإلمام بكل المعرفة المتاحة، وأصبحت المستجدات التي لا تنتهي تخلق مشاكل في التوجُّه ومخاوف من المستقبل. عندما نتحدث عن مرض ألزهايمر فإننا نتحدث عن مرض القرن. المصادفة وحدها جعلت حياة أبي تعرض تلك التطورات عرضًا رمزيًّا. بدأت حياته في وقت وُجد فيه كثيرٌ من الثوابت (الأسرة والدين وهياكل السلطة والأيديولوجيات ودور الجنسين والوطن)، ثم انتهى به الأمر إلى هذا المرض عندما أصبح المجتمع الغربي رهينَ كومةٍ من أطلال تلك الثوابت.

وازداد تضامني مع أبي عندما أدركتُ ذلك مع مرور الوقت.

•••

إلا أنني لم أكن قد بلغت المدى؛ لأني إنسان بطيء التفكير. استمررت في المقاومة؛ لأني لم أتوقف عن الاعتقاد في أنه بإمكاني من خلال العناد والإصرار أن أعيد ارتباط أبي بالواقع.

فعندما كان يقول مثلًا إن والدته في انتظاره، كنت أسأله:

«كم عمرها؟»

«أظنه ثمانين عامًا تقريبًا.»

«وكم عمرك؟»

«أنا مولود عام ١٩٢٦.»

«إذن فعمرك تقريبًا ثمانون عامًا أيضًا.»

«أعلم، أعلم …»

فقلت له بأسًى: «أمُّك متوفَّاة.»

عضَّ على شفتَيْه وهزَّ رأسه عدة مرات ببطءٍ، وردَّ بوجه حزين:

«كنت أعرف أن هذا قد حدث.»

كافحتُ لمدة طويلة بهذه الطريقة للحفاظ على عقله الإنساني السليم، إلا أنني اعترفت بهزيمتي بعدما أدركت بما يكفي عدم جدوى تلك المحاولات، واتضح لي مُجددًا أن الذي يستسلم يمكن أن يفوز، ميتًا أو حيًّا. مَن يهتم؟ فلا فرق في النهاية. عندما قبلتُ فكرة أن أبي يمنح الأموات بعض الحياة ويقترب بنفسه من الموت قليلًا، تمكَّنتُ من الولوج إلى أعماقٍ أبعدَ في معاناته.

بدأنا جميعًا حياةً جديدة، وبقدر ما أصابتني وإخوتي تلك الحياة الجديدة بالحيرة، بقدر ما شعرنا بالمشاركة، ونما لدينا اهتمامٌ بالمرض الذي داهم والدنا. وبعد أن مكثتُ سنوات لا آبه بما يفعله من لعب الورق ومشاهدة التليفزيون، بدأتُ أهتمُّ بذلك، أيضًا لشعوري بأن هذا سيفتح لي بابًا لفهم أشياء عن نفسي، وإن لم يتضح وقتها ما هي تحديدًا.

لم يكن قضاءُ اليوم مع أبي يجعلني أشعر بالإرهاق وحسب، وإنما كان كثيرًا ما يتركني في حالة من الإلهام. مع أن العبء النفسي كان لا يزال هائلًا، فإن مشاعري تجاه أبي قد تغيرت؛ إذ رأيتُ أن شخصيته عادت إليه مرة أخرى، وكأنه هو نفس الرجل ولكنه تغيَّر قليلًا، وتغيرتُ أنا أيضًا؛ لقد غيَّرنا جميعًا المرضُ.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢١