مقدمة

بقلم  صلاح حافظ

كانت أول جهة قاومت نشر هذا الكتاب هي روز اليوسف، أو بتعبير أدق: مجموعة الكتاب السياسيين في هيئة تحرير المجلة. وكان الحق معهم إلى حد كبير. ولم يكن سهلًا على الإطلاق تجاهل وجهة نظرهم.

كان الجو العام جو محاكمة لجمال عبد الناصر، وكتبٌ تظهر هنا وهناك تدينه بطريقة أو بأخرى، وتنفد نسخها من السوق بمجرد أن تظهر.

وكان خصوم عبد الناصر أسرعَ من استثمر جو «الانفراج الديمقراطي» بعد مايو ١٩٧١م فبدءوا بحملة تشهير يشتمون فيها «مراكز القُوى» التي سقطت في ذلك اليوم، ولكن بقصد التشهير ضمنًا بجمال عبد الناصر وحكمه.

ثم جاءت حرب أكتوبر، وما تلاها من إطلاق شامل لحريات الكلام والتعبير، فكان خصوم عبد الناصر أسرعَ أيضًا إلى استثمار الفرصة، ودون تحفُّظ هذه المرة. أطلقوا ألسنتَهم فيه على اعتبار أنه كان سبب الهزيمة، بينما السادات سبب النصر. وبعد أن كانوا يهاجمونه ضمنًا، في حملتهم على مراكز القُوى، أصبحوا يهاجمونه شخصًا، وعينًا، وتاريخًا، وإنجازاتٍ، وأصبح في قفص الاتهام كلُّ شيء قاله أو فعله.

وتدفقت كتب ومقالات تعفي الاستعمار وإسرائيل من مسئولية تخريب مصر، وتُلقيها على عاتق الإصلاح الزراعي، والسد العالي، ومجانية التعليم، ومحاربة الاستعمار، والتطور الصناعي، والتحول الاشتراكي … إلى آخر هذه «الجرائم» الفادحة!

ثم شيئًا فشيئًا، تجاوزت الحملة حدودَ التضليل، ودخلت مرحلة البذاءة وأصبح يشترك فيها قوادون، ويغلب عليها ألفاظ روَّاد الحانات وبيوت الدعارة، ثم انعقد لواؤُها في النهاية للذين احترفوا — في مختلف العهود — كتابة التقارير لأجهزة المباحث. فخيالهم الذي تدرَّب طويلًا على اختلاق التقارير جعلهم أقدر من غيرهم في الاختلاق على عبد الناصر، وأكثر رواجًا وجاذبية.

ومثلما تَرُوج الصور الفاضحة، وكتب «الأدب» المكشوف، جاء وقت أصبح يكفي فيه أن تشتم عبد الناصر بأي كلام، على أي ورق لكي تنفد النسخ في ساعات.

في هذا الجو بالذات، تلقَّت «روز اليوسف» الصفحات الأولى من هذا الكتاب.

تلقَّتْها في صورة مقال، طويل بعض الشيء، كتبه أستاذ الفلسفة الشهير «فؤاد زكريا» يناقش فيه علاقةَ جمال عبد الناصر باليسار المصري، ويُصدر أحكامًا قاسية عليه وعلى اليسار معًا.

وكان جوهر المقال — كما كتبه الدكتور فؤاد — يتلخَّص في أن اليسار المصري قد أخطأ عندما شارك في تأليه جمال عبد الناصر، وتحالف معه دون شروط، ووضع نفسه في خدمته مُتغاضيًا عن أخطائه. وأنه يُخطئ الآن حين يستمرُّ في الدفاع عن هذه الأخطاء وتبريرها، تاركًا لليمين شرفَ كشفها ومهاجمتها.

ولكي يثبت الدكتور زكريا قضيتَه، فإنه قام بدراسةٍ حاول أن يبيِّن فيها أن عبد الناصر قد استخدم اليسار ولم يستخدمه اليسار، وأنه لم يضع سلطته في خدمة الاشتراكية، وإنما وضع الاشتراكية في خدمة سلطته. وأن اليسار أخطأ خطأ العمر حين فهم غير ذلك.

ومع أن موضوع المقال لم يكن محاكمة عبد الناصر، أو تقييم عهده، إلا أنه انطوى — كضرورة فرضها الموضوع — على شيء من المحاكمة وشيء من التقييم.

ومتى؟

في وقت حملة ضارية ضد عبد الناصر، يقودها كذَّابون ومخبرو مباحث، ويختلقون لحسابها كلَّ ما يخطر بخيالهم المبتذل، ويقبضون ثمنها من ناشرين لا يهمُّهم إلا الرواج، أو يقبضون مباشرة من أسياد هؤلاء الناشرين.

وكان طبيعيًّا لهذا أن يعترض الكتَّاب السياسيُّون في «روز اليوسف» على نشر بحث الدكتور زكريا في الوقت الذي ورد فيه … وأن يقرِّروا بالإجماع تأجيلَه حتى تنتهي حملةُ التشهير المبتذلة ضد عبد الناصر، حتى لا يستفيد منه قادة هذه الحملة وقوَّادوها.

وفعلًا، تأجَّل نشرُ البحث عدةَ أسابيع.

ولكن الحملة كانت تزداد عنفًا كل يوم … وتزداد انحطاطًا وهبوطًا واستهانة بعقول الناس وتخريبًا لها.

وهنا قرَّرت «روز اليوسف» — ربما لأول مرة — أن تتجاهل رأيَ كتَّابها، وتتصرف عكس نصيحتهم، وتنشر البحث الذي أجمعوا على عدم نشره!

لماذا؟

بالذات لكي تُجهض حملة القوادين …

كان واضحًا أن نقد عبد الناصر، ومراجعة الماضي بكافَّة تفاصيله، أصبح أهمَّ ما يشغل الناس، وأن السبيل الوحيد إلى منع القوَّادين من استثمار هذه الحقيقة هي طرح طراز آخر، محترم، من النقد والمراجعة.

وليكن مضمون هذا النقد الآخر خاطئًا، أو صائبًا، وليكُن ظالمًا أو منصفًا ولنكن موافقين عليه أو رافضين له. فالمهم هو أنه يرتفع بمستوى نقد عبد الناصر من لغة المواخير إلى لغة مدرجات الجامعة. وأنه يحوِّل هذا النقد من لعبةٍ في مدينة الملاهي إلى قضيةٍ تستثير التفكير الجاد.

وفي التجربة ثبت أن «روز اليوسف» لم تُخطئ عندما أقدمت — في ١٤ أبريل ١٩٧٥م — على نشر بحث الدكتور زكريا … برغم معارضة كتَّابها السياسيين.

فقد ماتت بالسكتة حمْلة القوادين بمجرد نشر الحلقة الأولى من البحث، وانصرف الرأي العام عن متابعة بضاعتهم المبتذلة، إلى متابعة المناقشة الموضوعية الراقية في «روز اليوسف».

وبعد أن كان الرأي العام يقرأ حملات القوادين ثم ينام، أصبح يقرأ حملة فؤاد زكريا ثم يسهر، ويكتب ردًّا عليها، أو تأييدًا لها، أو اعتراضًا على بعضها وموافقةً على بعضها الآخر.

وهكذا انتقلت قضية «عبد الناصر» من عالم باعة الفضائح إلى عالم المشتغلين بالسياسة والفكر، وتحوَّلت من مخدرٍ لعقول الناس إلى محرِّكٍ لها، وحافزٍ لهم على الكتابة والتفكير.

وقبل أن تُنشر الحلقة الثالثة والأخيرة من بحث الدكتور زكريا، كانت «روز اليوسف» قد تجمَّع لديها سيلٌ من رسائل القراء … يتراوح طول كل منها ما بين صفحة ومائة صفحة. وكل سطر فيها جديرٌ بالاحترام؛ لغةً ومعنًى، تجربةً وفكرةً … بصرف النظر عن مدى الصواب أو الخطأ فيما تقول …

ولم تكن «روز اليوسف» في حاجةٍ إلى دليلٍ أبلغَ من هذا على صواب قرارِها بنشر بحث الدكتور؛ فها هو الموضوع الذي كان تجارةً قد صار قضيةً، وها هو الجمهور الذي كان يقرأ نقد عبد الناصر على سبيل الاستمتاع الرخيص أصبح يقرؤه على سبيل الفهم والتفهُّم، وأصبحت القراءةُ تحفزه على التفكير والتحليل … وعلى الكتابة أيضًا.

ولكيلا يعود الرأي العام يُستدرج إلى المستوى الهابط القديم، فقد حرصت «روز اليوسف» على أن تتلوَ بَحْثَ الدكتور زكريا ردودٌ عليه. تتمتَّع بنفس المستوى من الجدية والموضوعية. وكان كتَّاب السياسة في «روز اليوسف» بالطبع أسْبقَ الجميع.

لكن كتَّابًا من خارج «روز اليوسف» بدءوا يقتحمون الميدان.

وشيئًا فشيئًا تراكمت الردود، والبحوث والمقالات. ولم تَعُد «روز اليوسف» قادرةً على استيعاب السيل الذي يغمرها كلَّ أسبوع وبدأ الموقف يتطور إلى مأزق لا حل له!

وحتى هذه اللحظة، ما تزال تَرِد إلى «روز اليوسف» أبحاث تستحق النشر كلها، ولكن صفحات المجلة لا تستطيع بحال أن تستوعبها.

ومن هنا … نشأت فكرة هذا الكتاب.

ومادتُه — كما سيرى القارئ — هي بحث الدكتور زكريا، ثم الأبحاث المضادة للكتَّاب الذين ردُّوا عليه، ثم عرض لمعظم ما كتب القراء، أو بالتحديد لفقرات مما كتبوا. وقد اخترْنا كلَّ فقرةٍ بحيث لا تكرِّر معنًى سجلته فقرة أخرى. وفضلنا ما كتب رجال ونساء لا يحترفون الكتابة، وإنما يكتبون من واقع تجاربهم في مواقع العمل … حتى نضمنَ أن يكونوا معبِّرين حقًّا عما نعنيه بكلمة «الرأي العام».

ونحن واثقون من أن الكتاب، بصورته هذه، يقدِّم خدمة خاصة لكل فئة من الفئات القارئة في مصر والعالم العربي.

فهو بالنسبة للقارئ العادي فرصةٌ للاطلاع على الآراء المختلفة حول قضايا ربع القرن الماضي وكلها تمس حياته.

وهو بالنسبة للمهتمين بالسياسة ندوةٌ تناقش أخطر وأهم تجربة ثورية في العالم العربي المعاصر.

وهو بالنسبة للمفكِّرين، والكتَّاب، والمؤرخين، مادة خصبة للتحليل … تُتاح لهم دون أن يتكبَّدوا عبءَ جمعِها بأنفسهم.

وهو بالنسبة للشباب مجرد بحث يبيِّن لهم كيف يفكِّر آباؤهم، وكيف يحكمون على أهمِّ إنجازٍ في جيلِهم، ومن خلال هذا المرجع تتهيَّأ لهم فكرةٌ لا بأس بها عمَّا سيرثون من متاعب … ومن أمجاد أيضًا.

أما بالنسبة لنا في «روز اليوسف»، فالكتاب حلٌّ موفَّق لمأزق وقعنا فيه، وحجةٌ لا بأس بها لإقفال باب الحوار على صفحات المجلة حول هذا الموضوع الذي يتعلَّق بالماضي … وتخصيص المساحة التي سيوفرها لقضايا أخرى، تتعلق بالمستقبل!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠