الرأي العام يرد على فؤاد زكريا

لم يسبق في تاريخ روز اليوسف أن تلقَّت من قرائها مثل الرسائل التي أمطروها بها ردًّا على مقالات الدكتور فؤاد زكريا المثيرة: «جمال عبد الناصر واليسار المصري»، لا من حيث عدد الرسائل فقط، ولكن أيضًا من حيث طولها، وحرارتها، وذكاؤها، وأحيانًا، شتائمها! ولأن هذه الرسائل تمثِّل، بتنوعها وصدقها وبساطتها، حكم الرأي العام في القضية التي أثارها الدكتور زكريا؛ فقد كان محالًا أن نتجاهلها، ولكن كان محالًا أيضًا أن ننشرها؛ لأنها تحتاج إلى عدة آلاف من صفحات «روز اليوسف» يستغرق نشرها على الأقل عشرة أعوام!

وللخروج من هذا المأزق، فإن روز اليوسف قد قررت أن تكتفي بنشر نماذج وفقرات من الردود التي وصلتها تلخص بها الاتجاه العام لكل ما تلقته من رسائل حول هذه القضية.

وفيما يلي هذه النماذج والفقرات.

كان اليسار ينقد عبد الناصر واليمين يحرق له البخور

إنني كناصري لا أعتقد أن عبد الناصر كان فوق مستوى الخطأ، وهو في نفس الوقت لم يكن دون مستوى الصواب، وأعتقد أن اليسار بوجه عام، والناصريين منهم بوجه خاص لم يوجهوا النقد للتجربة بالرفض المطلق والتعصب الحنبلي في أي وقت من الأوقات، بل إنهم قد وجهوا النقد للتجربة أثناء حياة عبد الناصر وفي عنفوان التجربة منتقدين تجاوزات الأجهزة، والمكتبية في العمل، والبيروقراطية الناشئة، والطبقة الجديدة الطفيلية التي تسلقت إلى موقع السلطة والنفوذ ومارست الاستغلال من خلالها.

وكان اليسار في نقده هذا يهدف إلى إثراء التجربة والتطور بها في خط صاعد نحو أهداف الثورة التي تكفل الحياة الكريمة للشعب، أما ما رفضه اليسار فهو النقد الهدَّام الذي يصطاد السلبيات والأخطاء ليجعل منها مبررًا لهدم كل ما أُنجز والنكوص ربع قرن إلى الوراء.

وعندما يصف اليسار هذه الفلول باللاأخلاقية؛ فلأنها في الوقت الذي كان اليسار فيه يمارس النقد البنَّاء في داخل التجربة أيام عبد الناصر، كانت هذه الفلول تحرق له البخور وتُلقي قصائد المديح والثناء، في سبيل الحفاظ على مواقعها.

ثم إذا بها تنقلب مرة واحدة بعد موت عبد الناصر؛ لتحمل المعاول وتنهال على التجربة بهدف تدميرها.

واليسار الآن يمارس نقد التجربة بنفس الروح وبواسطة وسائل التعبير المختلفة.

لا عبد الناصر ادعى أن التطبيق الاشتراكي قد تم، وأن الاشتراكية قد تحققت بل إن العملية هي «تحول نحو الاشتراكية»، ولا يتم تذويب الفوارق بين الطبقات إلا بعد بلوغ مرحلة متقدمة في التطبيق، وقول الكاتب إنه لا يستطيع أن يعترف بالتحول الذي أُنجز لأنه لم يحقق النتائج النهائية هو قول يفتقر إلى الرؤية المستقبلية.

أما ما أورده الكاتب عن أن الدولة تفرض سيطرتها على وسائل الإنتاج والمال لإبعاد خطر سيطرة الطبقة الغنية عليه، ولإخضاعه لخدمة جهاز الدولة، ثم الحجة التي أوردها بشأن المواجهة مع هذه الطبقات في سوريا عندما بدأت التأميمات هناك أيام الوحدة، فإني أعتقد أن الكاتب قد استنتج تلك الحقيقة بشكل خاطئ، إذ إن المعروف أن الرأسمالية هللت لقرارات التمصير التي أخرجت الشركات الأجنبية؛ لأن ذلك يتفق ومصالحها، بل إن هذه الطبقة تصورت أن الثورة ستسلمها هذه الشركات الأجنبية، وهذا هو سبب ترحيبها بتلك القرارات في حينها ولكنها وقفت ضد الثورة بكل قواها عندما حسمت الثورة موقفها لصالح الطبقات الكادحة، واختارت الاشتراكية طريقًا للتنمية ولتحقيق العدالة الاجتماعية وعندما أصبحت القوة الاقتصادية في أيدي هذه الطبقة خطرًا على الثورة.

أما عن انعدام الرقابة الشعبية على الأموال العامة والقطاع العام، فلعل هذا هو من أبرزِ الأخطاء في التجربة، ولعل أحد الاقتراحات الإيجابية التي طرحت أخيرًا هو نشر ميزانيات شركات القطاع العام وإخضاعها للرقابة الشعبية.

ولكن القول بأن الثورة قد سيطرت على مرافق الإنتاج لتمويل مغامراتها وشراء الأنصار والأعوان في الداخل والخارج فهو منتهى التحيز؛ إذ إن دعم ثورات التحرُّر الوطني على امتداد الوطن العربي وأفريقيا وآسيا ليس مغامرات، بل هو دليل على الوعي العميق بوحدة قضية التحرُّر في الوطن العربي، وفي العالَم كلِّه ضد عدو مشترك.

ولعل أكبر دليل على ذلك أن الثورة لم تفرض على أعوانها في الخارج تبعيةً للنظام السياسي والاجتماعي، بل إنها أقرَّت منذ بدايتها حق الشعوب في تقرير مصيرها، وظهر ذلك في قضية السودان، كما أن عبد الناصر رفض أن يستخدم القوة وإراقة الدماء ضد القوى العميلة التي ارتكبت جريمة الانفصال، ولعل هذين الحدثين يدلان على أنه لم يكن يسعى لتمويل مغامرات أو شراء أعوان أو تكوين إمبراطورية من خلال سيطرة الدولة على وسائل الإنتاج.

كما أن القول إن القاعدة في التجربة الاشتراكية هي استغلال النفوذ وإن الشذوذ هو النزاهة؛ قول موغلٌ في التجني، يغفل دور القطاع العام في الصمود الاقتصادي، والجهد الرائع الذي بذلَه رجالُه في الإعداد لمعركة العبور في السادس من أكتوبر.

صبحي عبد الكريم محمد
طالب حقوق، جامعة القاهرة

لماذا بعد أن مات؟

من المؤسف أنه لم تمضِ سنواتٌ قليلةٌ على رحيل القائد عبد الناصر حتى تعرَّض لحملة مسعورة من بعض الكتاب مظهرين سلبياته، تاركين منجزاته العظيمة.

لقد تكلَّم عبد الناصر عن النكسة قبلهم، وقال: «أنا با تحمل المسئولية كلها، وعن كل شيء، ولكن أيضًا مش أنا اللي ح أقدر أغير كل شيء في هذا البلد لوحدي. فيه ناس متصورة أن جمال لما يقول شيء ينفذه في الحال. الناس ما بتعرفش إيه اللي بيجرى في الكواليس … إذا كانت الانحرافات حصلت في المخابرات، والمفروض هي اللي تقول لي على الانحرافات اللي تحصل في البلد، ما كانش ناقص إلا أعمل مخابرات على المخابرات، واعمل مخابرات على جهاز رقابة المخابرات.»

وبالنسبة لحرب اليمن قال عبد الناصر: «إحنا ذهبنا إلى اليمن لكي ننصر المبادئ، وساعدنا الجنوب لكي نقضي على الاستعمار، والآن هناك نظام حكم وطني في صنعاء بدون قوات مصرية.»

وأنا أسأل فؤاد زكريا: أليس نجاح ثورة اليمن سببًا في تحرير الجنوب العربي؟ وأليس تحرير الجنوب العربي سببًا في التحكم في مدخل البحر الأحمر في جنوب حرب أكتوبر؟

إن العيب كل العيب أن يكثر الكلام بعد الموت. هل تعرض ديجول للنقد والتجريح من الكتَّاب في فرنسا مثلما تعرض عبد الناصر من الكتاب في مصر؟

إنني أطلب منكم في روز اليوسف أن تنشروا هذه الكلمات:

إن الذين يظنون أنهم يهاجمون عبد الناصر نفاقًا لأنور السادات واهمون، فلم يأتِ فرعون ليمحو أثر مَن قبله إلا إذا كان عاجزًا.

أحمد بهاء الدين

من يملك الشجاعة لا ينتظر الموت ليمارس شجاعته.

إن في عبد الناصر جوانب كثيرة، كبيرة، موصولة بعقل ذكي ونظرة بعيدة فهو أهل لكل صفة كريمة، ولكل كلمة خير تقال فيه.

أحمد حسن الباقوري

سوف يبقى عبد الناصر يفري قلوب أعدائه.

محمد عودة

لو كانت مصر عندنا عقيدة فهي الإسلام، ولو كانت مؤسسة فهي الأزهر، ولو كانت شخصًا فهي جمال عبد الناصر.

طلبة الفلبين

انشروا هذا الكلام ليرد على كل من تراودُه نفسه أن ينبح مرة أخرى ضد عبد الناصر سواء كان داخل مصر أو خارج مصر.

أستحلفكم بالله أن تنشروه!

محمد قاسم عبد القادر
القباصي، الأقصر

لا تنشروا هذا الكلام!

لفت انتباهي إصرار الدكتور فؤاد زكريا على تعرية التجربة الناصرية من أي ثوب اشتراكي.

فهو يفسر الخطوات الاشتراكية بأن عبد الناصر قد ضرب الرأسمالية لمجرد شعورِه بأنها خطيرةٌ على نظام حكمِه، ولم يفسِّر لنا سيادته لماذا أحس عبد الناصر بهذا الخطر، ما لم تكن الرأسمالية من جانبها قد أحسَّت بأنه خطير عليها؟

ثم إن الدكتور لم يفسِّر لنا قيامَ قطاع عام مرتكز على قاعدة صناعية ضخمة، تصلح أساسًا لقيام نظام اشتراكي قوي، ولم يذكر الأسباب التي حدت بجمال عبد الناصر أن يتيح لأبناء الشعب المصري فرصة التعليم حتى الجامعة بدون مصاريف، ولم يشر الدكتور إلى المعنى الحقيقي لتوزيع الأرض على الفلاحين؛ أصحابها الحقيقيين.

هذا أولًا.

وثانيًا: لاحظت اهتمام الدكتور الشديد بتأليب اليسار على التجربة الناصرية، بحجة الخوف من أن يفقد هذا اليسار تأييد الجماهير.

وتناسى سيادته أن هذه الجماهير لم تؤمن بشيء (بعد إيمانها بالله) قدر إيمانها بجمال عبد الناصر وبتجربته وأن هذه الجماهير هي جماهير اليسار، والدنيا كلها يا سيدي تعلم مدى الحب الجارف والمنقطع النظير الذي أعطاه هذا الشعب الوفي لجمال عبد الناصر، نعم قد يكون الشعب المصري عاطفيًّا … لكن كيف تأتي هذه العاطفة؟ لماذا مثلًا لم يحب الشعب الاستعمار البريطاني، وقد عاش بيننا أكثر من ٧٠ عامًا، استخدم خلالها كل وسائل الخديعة والدهاء؟!

إن هذا الشعب — مع عاطفيته — ذكي، وذكي جدًّا لا يمكن أن يعطي حبًّا بدون حساب أو بدون ثمن. إن طيبة هذا الشعب الفلاح معروفةٌ حقًّا لكن دهاء هذا الشعب لا يجهله إلا جاهل.

إن أسلوب الوقيعة بين اليسار وجمال عبد الناصر هدفُه الأساسي ضرب اليسار بالخط الأساسي لثورة ٢٣ يوليو، وأرى أن اليسار هو الذي يتحمَّل الآن مسئولية الحفاظ على أهداف الثورة والسير بها إلى تحقيق أهدافها … وأثق كل الثقة في أنه لن يقع في هذا الفخ المنصوب له بعناية وذكاء بالغين.

ثالثًا: يكفي للتدليل على أن السيد الدكتور يغالط ويفسِّر الظواهر بغير حقيقيتها؛ أنه يفسِّر استقبالَ الرئيس الأمريكي السابق بأنه رفض من الإنسان المصري للاشتراكية، ويتجاهل حقيقة علم الشعب المصري بمدى نفوذ الولايات المتحدة على إسرائيل، وبالتالي على قضية الأرض المحتلة. فلقد أشار العديد من وكالات الأنباء أن طريقة استقبال السيد نيكسون في مصر قد بددت الدعايات الصهيونية في أمريكا بأن العرب يكنون الكراهية للشعب الأمريكي … ولقد تغير فعلًا بعد هذا الاستقبال التأييد الأمريكي «اللامحدود» تجاه إسرائيل، على الرغم من خروج الرئيس نيكسون من البيت الأبيض.

رابعًا: أناشد روز اليوسف ألَّا تتيح لمثل هؤلاء الأساتذة أن يكتبوا على صفحاتها باسم اليسار وباسم المُدافعين والخائفين والأوصياء عليه؛ حتى لا يختلط الأمر خُصوصًا على شبابٍ ما زالوا في بداية الطريق مثلي، فلا أعرف الفرقَ بين الاشتراكيةِ وبين الأستاذ أحمد أبو الفتح مثلًا.

إن عندنا كتابًا اشتراكيين أجلاء، يستطيعون نقد التجربة ونقد دور الاشتراكيين، ولكن من خلال حرصهم على تجربتنا الاشتراكية وعلى مسارها العام ومبادئها الأساسية.

نعم في تجربتنا سلبيات، وجلَّ مَن لا يخطئ. وهناك ثغرات في البناء، ومهمة الاشتراكيين أن يغلقوا هذه الثغرات ليبنوا بعد ذلك فوق الصرح هذا الذي بناه عبد الناصر، والذي قال هو نفسه عنه رحمه الله: «إننا ما زلنا في بداية الطريق نحو بناء مجتمع اشتراكي.» كرَّر ذلك مرارًا وتكرارًا هل تذكرون؟

إنني أعرف أن كلماتي هذه لا تستطيع أن تباريَ أستاذًا كبيرًا كالدكتور حقًّا، ولكن الشيء الذي أعتز به وأثق فيه هو أنها صادقة … لكونها نابعة من قلب شاب مصري أحب مصر — مثل كل شبابها — من قلبٍ لم يلوث بعد، وأرجو ألَّا يلوث أبدًا بإذن الله.

محمد شريف الريس
طالب علوم، جامعة القاهرة

أوهام الكهف

كنت أتمنى ويشاركني الكثير من جيلي الذين تعلموا السياسة في مدرسة «جمال عبد الناصر» ألَّا يكون الدكتور فؤاد زكريا، وهو الذي حذَّر جيلًا بأكمله من خطورة الوقوع في أخطاء التعميم وأوهام الكهف عند بحث أي قضية، أولَ من يقع في أخطاء التعميم وأوهام الكهف، فيما كتبه عن «جمال عبد الناصر واليسار المصري».

وسوف أختار تعميمات ثلاثة، اشتملت عليها تصورات الدكتور فؤاد زكريا؛ وهي:
  • (١)

    إن اليسار المصري على إطلاقه، اتخذ موقف تبرير أخطاء التجربة والرفض التام لأي نوع من إعادة التقييم، والهجوم الشديد على كل من يتصدَّى للعهد الناصري بالنقد … وكأن هذا العهد فوق مستوى الخطأ.

  • (٢)

    إن التجربة الناصرية ليس لها من سمات الاشتراكية إلَّا اسمها، وإنها في تقديره قد أساءت إلى الاشتراكية، وعلى اليسار أن ينفض يديه من هذه التجربة الفاشلة، ويتنافس مع اليمين في إهالة التراب عليها، ويمضي الدكتور فيحذر اليسار إذا لم يسمع نصيحته فسوف يفقد شعبيته لا محالة؛ لأنه يدافع عن تجربة فاشلة أعلن الإنسان المصري سخطه عليها في استفتاء غير رسمي هو استقبال الرئيس الأمريكي السابق «نيكسون».

  • (٣)

    إن الإنسان المصري خرج من هذه التجربة مختلفًا في جوهره الباطن، اختلافًا جذريًّا، وإن «الناصرية» قد قامت بعملية تخريب داخلي لعقل الإنسان المصري ووجدانه، بحيث تبلَّد إحساسُه وأصبح يقف موقف اللامبالي، من أحداث وطنه وأمته.

هذه تعميمات ثلاثة، كانت أبرز ما فهمته مما كتب الدكتور فؤاد زكريا في روز اليوسف.

وكنت أتمنَّى ألَّا يُطلق الدكتور فؤاد زكريا أحكامه، دون أن يستند إلى أدلة علمية من خلال دراسته للواقع المصري، بحيث لا يقع، كما قلت، في خطأ التعميم وأوهام الكهف.

وأقول «أوهام الكهف» ذلك أن أحكام الدكتور زكريا لا تخرج عن أحكام عدد من «المثقفين المصريين» الذين يتناولون الظواهر بصورة سطحية … ولا يغوصون في أعماقها حتى يرَوْا نور الحق ولو من بعيد.

ولسوف أبدأ بمناقشة التعميم الثالث، وهو الخاص بالتخريب الداخلي لعقل الإنسان المصري ووجدانه.

  • (١)

    لو أن هذا الحكمَ صدر عن رجل بعيد عن حركة جيل ثورة ٢٣ يوليو لهان الأمر … لكن أن يصدر هذا الحكم من رجل قريب من حركة الشباب المصري، بحكم موقعه في الجامعة، فهذا يدعو إلى الاستغراب والدهشة.

    ولعل لا ينسى، إن لم تكن خانته الذاكرة، أن شباب ثورة ٢٣ يوليو بالذات، والعناصر اليسارية منه بوجهٍ خاصٍّ التي تربَّتْ في أحضان منظمة الشباب الاشتراكي التي كانت وما زالت إحدى التنظيمات التي أقامها العهد الناصري، هي التي قادت المسيرات الطلابية، عقب الهزيمة مباشرة، وطالبت ببداية جديدة للأمور ورفعت شعارات سيادة القانون والحريات، ولعل الدكتور لا ينسى الشعار، الذي توجه به شباب مصر إلى الرئيس أنور السادات وكان وقتئذٍ رئيس مجلس الشعب «أنور يا سادات … فين قانون الحريات».

    كان اليسار الناصري هو أول من رفع شعارات الحرية، وسيادة القانون، ووضع بداية جادة للأمور، وإسقاط كافة السلبيات التي كان اليسار أول من نبَّه إليها.

    ولم تكن حركة اليسار الناصري هذه نابتة من فراغ … بل إنها نتيجة التفاعل الفكري الخلاق بين اليسار الناصري واليسار القديم اللذين أتيحت لهما الفرصة أن يلتقيا في منظمة الشباب الاشتراكي عند بداية تكوينِها عام ١٩٦٥م.

    ولم يكن اليمين سعيدًا بحركة الشباب عام ١٩٦٨م، بل إنه هاجمها وأدانها سواء فيما كتبته الأقلام الرجعية في تلك الفترة، بل لعل الدكتور فؤاد زكريا يذكر أن مجلس الشعب عقد جلسة عاصفة، هاجم فيها اليمين منظمة الشباب الاشتراكي، باعتبارها هي أساس بلاء الشباب «بجرثومة الاهتمامات العامة».

    ولقد كانت حركة الشباب بالإضافة إلى الحركة الجماهيرية هي التي مهدت لصدور بيان ٣٠ مارس ١٩٦٨م الذي ما زال أحد الوثائق الفكرية الهامة لثورة ٢٣ يوليو ١٩٥٢م.

  • (٢)

    انتصار السادس من أكتوبر المجيد، تحقق بإرادة الشباب المصري. صحيح أن القيادة السياسية خططت وكانت موفقة إلى أبعد الحدود في اختيار الزمان المناسب لبدء الهجوم، وحقيقة أن القرار كان من أعظم القرارات التاريخية، التي اتخذتْها القيادة السياسية، لكن الذين وضعوا القرار موضع التنفيذ الفعلي هم جيل ثورة ٢٣ يوليو الذي يرى الدكتور فؤاد زكريا أنهم خرجوا من تجربة الناصرية متبلدي الإحساس، مخربة عقولهم ووجدانهم.

    والتعميم الثاني هو أن التجربة ليس لها من الاشتراكية إلا اسمها، وأنا هنا أختلف مع الدكتور فؤاد زكريا، وأقول إن التجربة لم تسم نفسها بالاشتراكية، وجمال عبد الناصر نفسه كان دائمًا يقول: إننا في مرحلة تحول إلى الاشتراكية، وكيف نحكم على تجربة عمرها لم يتعد أربع سنوات! لقد تم الاعتداء الخارجي على التجربة قبل أن تبدأ عامها الخامس، فالتحوُّل إلى الاشتراكية تم في مصر في منتصف عام ١٩٦٢م، وجاءَت الضربة الخارجية في ٥ يونيو ١٩٦٧م ومن هنا، فليس من الصواب أن تقولَ إن التجربة اكتملت وإن علينا أن نحكم بمقدار ما حقَّقَتْ من نجاح أو فشل.

    وبرغم هذا العمر القصير للتجربة، فإن اليسار المصري عمومًا واليسار الذي نما في مدرسة جمال عبد الناصر قد انتقد التجربة أثناء مسيرتها، في كل وقتٍ أتيحت له فيها حرية الكتابة أو الالتقاء بالقيادة السياسية.

    ولقد كان خطأ التجربة الناصرية هو أنها كانت تتم من قمة السلطة؛ فلقد كان جمال عبد الناصر في قمة السلطة يحاول بحسِّه الثوري أن يحدثَ تغييرًا ثوريًّا في المجتمع المصري اعتمادًا على جهاز الدولة البيروقراطي القديم، وتلك قضية أخرى لا أود التعرض لها الآن، إلا أنه يمكن القول بأنه حتى بجهاز الدولة البيروقراطي القديم استطاعت «الناصرية» أن تجعل الشعب يسيطر على وسائل الإنتاج الأساسية.

    ولعل الدكتور فؤاد زكريا لا يختلف معنا إذا قلنا إن سيطرة الشعب على وسائل الإنتاج الرئيسية هي الشرط الضروري الذي يفتح الطريق على مصراعيه للتخطيط الشامل، والتنمية الاقتصادية والزيادة السريعة في الإنتاج … (هدف الكفاية).

    كذلك كانت هي أيضًا الشرط الضروري لتحقيق العدالة الاجتماعية (هدف العدل) ولقد اقترنت الإجراءات التي نقلت الملكية لوسائل الإنتاج الرئيسية بعدد من الإجراءات الأخرى التي كانت تستهدف عدالة التوزيع، أذكر من هذه الإجراءات القرارات الصادرة في ١٩ يوليو ١٩٦١م بتخصيص ٢٥٪ من أرباح المؤسسات والمشروعات والشركات التابعة للقطاع العام للعاملين بها، والذي امتد تطبيقه بعد ذلك إلى الشركات المساهمة وما يماثلها، وتمثيل العاملين في مجالس إدارات الشركات بعضوين وزاد العدد فيما بعد إلى أربعة أعضاء يكون اختيارهم بطريق الانتخاب. هذا فضلًا عن تحديد الحد الأقصى للمرتبات بخمسة آلاف جنيه، ورفع فئات الضرائب على شرائح الدخول العالية وتخفيض ساعات العمل إلى ٧ ساعات، وإلغاء الفائدة على القروض التي يقدِّمها بنك التسليف الزراعي للفلاحين، والتوسع في تطبيق التأمينات الاجتماعية، على نحو يجعلها تغطِّي كافة المخاطر التي يتعرَّض لها العاملون.

    ومن هنا فإن الدكتور فؤاد زكريا يتفق معنا في أن نزع مصادر الثروة والإنتاج من أيدي الإقطاعيين والرأسماليين والأفراد وإقامة قاعدة صناعية قوية يمكن أن تكون نواةً لتحول اشتراكي حقيقي في المستقبل — كما يقول — هو ما يدافع عنه اليسار الآن في مواجهة الزحف اليميني الذي يريد أن يلتهم إنجازات شعب بأكمله لمجرد أن أتيحتْ له الفرصة في التعبير عن وجهة نظره.

  • (٣)

    والآن، هل كان اليسار المصري هو الذي برَّر أخطاء التجربة وامتنع عن إعادة التقييم؟

    لم يقف اليسار هذا الموقف، بل إنه هو نفسه اليسار. واليسار الذي نما مع التجربة ذاتها، هو الذي رفع شعارات الحرية وسيادة القانون، وهو الذي طالب ببدايةٍ جادةٍ وجديدةٍ لمسيرة ثورة ٢٣ يوليو، واليسار هو نفسه الآن الذي يناقش ما ألمَّ بالتجربة من سلبيات.

    كذلك الجماهير العريضة هي التي حمَت التجربة الثورية من الانتكاس، وإذا كان الدكتور فؤاد زكريا يتخذ من استقبال نيكسون مؤشرًا لاستفتاء جماهيري على تجربة «جمال عبد الناصر» فماذا يقول عن هبة الجماهير المصرية يومي ٩، ١٠ يونيو؟! ألم تكن استفتاء على تجربة جمال عبد الناصر؟!

    أيضًا أليس وداع الجماهير المصرية لجمال عبد الناصر عند رحيله استفتاءً شعبيًّا على تجربته؟!

بقيت كلمة أخيرة؛ وهي أن أخطر ما نتعرَّض له الآن هو خطأ التعميم، صحيح أن التجربة شابَها الكثير من السلبيات لكن هناك الكثير من الإنجازات التي لا يمكن إخفاؤها وأبرزها على سبيل المثال لا الحصر، بالإضافة إلى القاعدة الصناعية، السد العالي، شبكات الكهرباء، المياه النقية في الريف، كهربة الريف، الاتساع الكمي الهائل في التعليم والكيفي أيضًا.

حمدان جعفر (مدير تحرير مجلة «النقل البري»)

اليسار المصري وعبد الناصر، وسكان الأبراج العاجية

تأتي دراسة الدكتور فؤاد زكريا عن اليسار وجمال عبد الناصر في مرحلةٍ هامةٍ من مراحل تطور الحركة الوطنية في مصر، مرحلة تحاول فيها قوى اليمين الرجعي العودة بمصر إلى أحضان الرأسمالية العالمية، وبالمجتمع المصري إلى بناء رأسمالي متخلف ومرتع للاستثمارات الأجنبية، ويقف اليسار بجميع فصائله موقف المدافع عن تقدُّم مصر اقتصاديًّا واجتماعيًّا وحضاريًّا، ومن هذا المنطلق فإنَّ أي مصري يرحِّب بدراسة الدكتور زكريا كمساهمةٍ في هذا الصراع الدائر الآن.

إن دراسة الدكتور زكريا نموذج متكامل لموقف المثقف المصري البرجوازي المتردِّد من ناحية، والقادر — بما لَه من بلاغة — على المغالطة من ناحية أخرى، وليس هذا هجومًا شخصيًّا على الكاتب بل تقييمًا موضوعيًّا لمساهمته ومحاولته لوضعها في إطارها الصحيح من حركة الفكر الوطني المصري.

أول ما يلفت النظر هو الحكم على ثورة ٢٣ يوليو حكمًا «ديماجوجيًّا» لا يستند إلى أسلوب علمي واضح، فاليمين في مصر واضح في تحليله لثورة ٢٣ يوليو باعتبارها في نظره خروجًا أو انحرافًا عن المسيرة الطبيعية لحركة المجتمع المصري بصورة ما قبل ١٩٥٢م، أي اقتصاد متخلف تابع للأسواق العالمية، ومجتمع التمايز الطبقي الصارخ وثقافة الصفوة الممتازة، كذلك فإن موقف اليسار المصري واضح تمامًا، بل قد تحملت، وما زالت، فصائل اليسار الكثير في سبيل توضيح موقفها؛ وهو أن ثورة ٢٣ يوليو بكل منجزاتها وبكل أخطائها تمثِّل حلقة هامة في تطور الحركة الوطنية في مصر، وهي بلا شكٍّ خطوةٌ تقدمية بالنظر إلى مجتمع ما قبل ١٩٥٢م وهي بلا شك إنجازٌ يجب الحفاظ عليه وتطويرُه وتنقيتُه أمام هجمة اليمين الرجعي في وقتنا الحاضر. إن الفترة من ١٩٥٢م إلى ١٩٧٠م تمثِّل محاولة من عناصر البرجوازية الصغيرة المصرية بقيادة جمال عبد الناصر لانتشال المجتمع المصري من براثن الاحتلال السياسي والعسكري والتخلُّف الاقتصادي والاجتماعي، ومن هنا فإن موقف اليسار من هذه الحركة موقفٌ متسق تمامًا ليس فيه ذوبان وليس فيه قصر نظر كما توهم الأستاذ زكريا.

وثاني ما يلفت النظر في دراسة الأستاذ زكريا هو مغالطة دمغه لليسار بأنه ترك الحلبة لليمين ليرفع الشعارات ويتبنى القضايا المصيرية، ولست أدري كيف وصل د. زكريا إلى هذا الاستنتاج وهو رجل الفلسفة والمنطق! هل نسي تضحيات اليسار بكل شيء من أجل رأيه … لقد أعلن اليسار، وما زال، رأيه واضحًا من كل انحراف في مسيرة ثورة ٢٣ يوليو، وقد تكبَّد في سبيل ذلك الكثير من فقدان الحرية إلى فقدان الحياة ذاتها ولم يكن اليسار أبدًا من سكان الأبراج العاجية.

وثالثًا فقد ابتعد الدكتور زكريا عن العلمية حينما صور علاقة اليسار بثورة ٢٣ يوليو بأنها احتضان قاتل من الثورة لليسار، وهذا رأي يكشف عن عدم معرفة بأبسط مبادئ العمل السياسي، فاليسار قوة وطنية وثورة ٢٣ يوليو تمثل قوة وطنية ذات آفاق تقدمية ولست أرى ما هو التعارض في أن ينضم اليسار إلى هذه الحركة يثريها بالفكر والعمل، ويدفعها إلى مواقع أكثر تقدمية، وإن كان اليسار يدافع عن ثورة يوليو فإنه الآن إنما يفعل ذلك عن إيمان بأن هذه الثورة لم تكن كلها سوءًا، بل كانت حلقة تقدمية في تطور الحركة الوطنية في مصر. إن اليسار المصري ليس حركة ثقافية وليس كيانًا مستقلًّا عن المجتمع المصري؛ ولذلك فهو ينخرط في تيار هذا المجتمع ويتفاعل معه، ويحاول التأثير في اتجاهه نحو آفاق أكثر تقدمية ومن هنا فلا يملك اليسار ترفَ الجلوس على مقاعد وثيرة والنقد خاصة بعد فوات الأوان.

وأخيرًا فإن آراء الدكتور فؤاد زكريا هامة ويجب أن تؤخذَ مأخذَ الجد لا كتوجيه لليسار فيما يجب أن يفعل، فاليسار يدرك تمامًا مسئوليته التاريخية نحو جماهير الشعب المصري، بل كنموذج لفكر الأبراج العاجية البعيدة عن آلام وآمال ملايين المصريين الذين لا يملكون بلاغة الكلمة، ولكنهم بكل تأكيد يملكون القدرة على تغيير مجرى تاريخ هذا البلد العظيم: مصر.

د. سمير رضوان
مدرس الاقتصاد السياسي، جامعة أكسفورد

وراء موقف اليسار من عبد الناصر هدف كبير

هناك جزئية محددة تناولها الدكتور فؤاد زكريا في مقالاته؛ هي سؤال بدا أمامه محيرًا:

لماذا اصطدم اليسار المصري بعبد الناصر في حياته بينما يتصدى للدفاع عنه باستماتة بعد موته؟

أعتقد أن مضمون هذا السؤال هو نقطةٌ تحتسب لليسار المصري ولا تحسب عليه؛ ففي هذا الموقف بالذات ضرب اليساريون المصريون مثالًا رائعًا للتضحية في سبيل المبدأ، فلا يخفى على أحدكم دفع اليسار المصري من حريته ومن شبابه ومن حياته ثمنًا لهذا الموقف.

لقد تصدَّى اليسار المصري لعبد الناصر في حياته؛ لأنه كان يريد من عبد الناصر المزيد من أجل تحقيق التحول الاشتراكي محذرًا من الإبقاء على ذيول الإقطاع والرأسمالية المستغلة، كان اليسار المصري ينتقد عبد الناصر في حياته؛ لأنه كان يريد أن يحقِّق المأمول منه في تحقيق أمل الملايين الكادحة من هذا الشعب وهو إرساء دعائم الاشتراكية الحقيقية المتكاملة، ولكن عبد الناصر تحت ضغط ظروف يعلمها الجميع دوليًّا وعربيًّا ومحليًّا لم يستطع — مضطرًّا — إلا أن يخطوَ خطوات نحو التحوُّل الاشتراكي، ثم مات عبد الناصر ولكن التاريخ سيسجل له — سواء رضي أعداؤه أم أبوا — أنه غير خريطة المجتمع المصري بأسره، وفتح باب الحياة الإنسانية بمعناها الكريم في العمل والثقافة أمام الجماهير الكادحة من هذا الشعب بعد أن كانت هذه الجماهير تحيا حياةً أشبه بالموت البطيء، ولقد كان ذلك أعظم إنجاز اشتراكي لعبد الناصر.

ومن هنا تأتي الإجابة على الشق الثاني من السؤال المطروح وأعني به: لماذا يدافع اليسار المصري عن عبد الناصر رغم كل ما لقيه على يديه؟

لقد تصدَّى اليسار لعبد الناصر وحذَّره من الإبقاء على ذيول الإقطاع والرأسمالية المستغلة، وحدث ما كان في حسبان اليسار خرج هؤلاء اليوم من جحورهم في محاولة للانقضاض على التجربة بأسرها وعلى منجزات ثورة يوليو لكي يجهزوا عليها مستغلين عددًا من سلبياتها أو أخطائها أو «جرائمها» كما يحلو للبعض أن يسمي الأخطاء.

وهنا وللمرة الثانية يتصدَّى اليسار المصري انطلاقًا من المبدأ الأسمى لكي يدافع عن عبد الناصر وتجربته، لا شغفًا بها لذاتها، وإنما لأنها التجربة الوحيدة في تاريخ المجتمع المصري ذات الملامح «الاشتراكية الكاملة».

وهكذا يمكن القول إن اليسار المصري ضرب أروع الأمثلة للتصدي للسلطة أيام عبد الناصر — غير عابئ بأي تبعات تقع عليه — من أجل المزيد من الانطلاق نحو تحقيق الاشتراكية وتعميق الثورة الاجتماعية في مصر، وهو اليوم يتصدى لمن يريد الإجهاز على إنجازات عبد الناصر الاشتراكية أملًا من اليسار المصري في أن هذه الإنجازات هي اللبنات الأولى في البناء؛ من أجل الوصول إلى الهدف الأعظم وهو الاشتراكية الكاملة والحقيقية.

سهام هاشم
محررة بوكالة أنباء الشرق الأوسط

اليسار حليفًا … واليسار معارضًا

من الذين تعرضوا لتقييم التجربة الناصرية، فريق «فقد الوعي» على حد تعبير توفيق الحكيم، فأيدها كل التأييد، ولم يلتفتْ إلى سلبياتها.

وفريق يناهضها بالكامل دون أن يلتفت إلى إيجابياتها.

من هؤلاء د. زكريا، الذي رفضها جملة وتفصيلًا، وفي هذا الرفض المطلق أطلق النار على اليسار، وكانت أدوات بحثه مواقف بعض الكتاب الماركسيين من خلال ما يكتبون في الصحف.

وهذه الأدوات، ناقصة … لأن الصحف لا يمكن — في ظروف التجربة الناصرية — أن تسمح بأن يكون للماركسيين حق التعبير «الكامل» عن آرائهم.

لليسار رؤيته الخاصة، النابعة من تحليله لمسار ثورة ٢٣ يوليو.

اليسار رآها ثورة تحرُّر وطني لها بعدها الاجتماعي؛ هي ثورة وطنية ديمقراطية، لها مهام وطنية متمثِّلة في طرد المستعمر وضرب الإقطاع، وبناء اقتصاد وطني مستقل ومهام ديمقراطية كان ينبغي على الدكتور فؤاد زكريا، ما دام قد تعرَّض لموقف اليسار، أن تكون مراجعه — كأستاذ جامعي — متكاملة، فيعود إلى بيانات اليسار وصحفه السرية خلال فترة التجربة الناصرية، حتى انتهاء تنظيمه المستقل؛ ليستطيع أن يقف — بدقة علمية — على حقيقة الموقف «المتميز» لليسار.

الصورة التي تعكسها هذه البيانات والصحف السرية، هي صورة اليسار الماركسي المؤيد بالكامل لإنجازات الثورة الوطنية مع محاولة تطويرها من جهة، ومن جهة أخرى رافضًا كافة أشكال الدكتاتورية، ملحًّا على تحقيق الديمُقراطية.

كان ذلك «مربط الفرس» في الخلاف بين الماركسيين وقيادة ثورة يوليو ١٩٥٢م.

إن بداية الخلاف بين التيار الغالب للماركسيين وقيادة الثورة كان الموقف من الديمقراطية، وبالتحديد حين قرَّرت هذه القيادة حل الأحزاب.

والغريب حقًّا، أن المتباكين على الديمقراطية اليوم، وقفوا في ذلك الوقت إلى جانب ذلك الإجراء غير الديمقراطي … بل كانوا يدعون إليه.

وفي أزمة مارس ١٩٥٤م، وهي معركة حول قضية الديمقراطية، قام اليسار الماركسي بتكوين جبهة ضمَّت الوفد والإخوان والاشتراكيين؛ للدفاع عن الديمقراطية … ولكن في خضم المعركة انسحب الاشتراكيون، وتخاذل الوفديون، وطعن الإخوان الجبهة في ظهرها، ودخل الماركسيون السجون.

وعند محاكمتهم كانت لهم مواقفُهم التي تسجَّل لهم، وقفوا أمام محكمة الدجوي الشهيرة رافضين المحاكمة قبل أن تسجَّل احتجاجاتهم على صدور حكمٍ بالإعدام على عبد القادر عودة وزملائه، إدراكًا منهم بخطورة مبدأ قمع الأفكار بالإعدام حتى ولو كان ذلك المبدأ لا يتناولهم هم، بل يتناول خصومهم في الفكر.

وإنني أنصح د. فؤاد زكريا أن يعود إلى سجل محاكمات الماركسيين؛ فهي مرجع أساسي للحكم على موقفهم.

إن تصاعد صدام الثورة مع الاستعمار في ١٩٥٥م هو الذي تدخَّل لتخفيف التناقض بين الماركسيين والثورة؛ إذ غمر موج الصدام العالي قضية الديمقراطية، ومع ذلك، ورغم قيام عملٍ وطني مشترك بين الثورة والماركسيين، فقد ظل مطلب الديمقراطية في مقدمة بيانات الماركسيين.

كان شعارهم للجان المقاومة الشعبية هو: السلاح والديمقراطية للشعب.

وكان شعارهم في انتخابات أول مجلس نيابي للثورة ١٩٥٧م إطلاق الحريات السياسية والإفراج عن «جميع المسجونين السياسيين» بالإضافة إلى برنامجهم الاجتماعي.

بل إن مطلب الديمقراطية كان يتقدَّم المطالب الاجتماعية في كل برنامج أو بيان للماركسيين بعد الثورة بعكس موقفهم قبل الثورة؛ فقد كان للمطالب الاجتماعية صدارةُ الأدبيات الماركسية.

وحين طرحت مسألة الوحدة مع سوريا نفسها على مستوى جماهيري، كان موقف اليسار تأييد الوحدة، على أن تكون خطوتُها الأولى شكل الاتحاد، وطالبوا بأن تنعكس صورة الحريات السياسية المتقدمة — آنذاك — في سوريا على الوضع في مصر، بينما تنعكس صورة التقدُّم الاقتصادي المتحرر من النفوذ الأجنبي على الوضع في سوريا.

ومن هذا الخلاف حول قضية الشكل الديمقراطي لدولة الوحدة حدث الصدام الثاني بين اليسار والثورة، وخلال خمس سنوات سوداء قضاها الماركسيون في السجن التزموا نفس الموقف، مساندة كل ما هو تقدمي في الثورة مع التصميم على طرح قضية الديمقراطية باعتبارها «الضمان الوحيد لاستمرار التقدم» وبعد عام ١٩٦٤م ظل الماركسيون يرفعون علم النضال من أجل الديمقراطية وتصحيح أخطاء العمل التقدمي للثورة.

وظلت الثورة على سياستها حتى في فترة حرية العمل النسبية لليسار، تحافظ على تقليد لها وهو أن يكون في سجونها بعض الماركسيين، وظل هذا الوضع إلى ما بعد وفاة عبد الناصر بفترة.

لمصلحة من تخلط الأوراق إذن … وتلصق بالماركسيين تهمة إهدار الدفاع عن الديمقراطية، بينما كانت راية الدفاع عنها هي الراية التي سقط تحتها شهداؤهم … وقضى معظمهم زهرة شبابه في السجون وهم يحملونها بإصرار؟

علي محمد الصباغ
مجلس مدينة طنطا

ملاحظات على حديث نجيب محفوظ

هذه الملاحظات سريعة على بعض ما جاء في حديث الأستاذ نجيب محفوظ … من إنسان ينتمي بالعقيدة والعمل إلى ثورة يوليو ١٩٥٢م، ويرتبط بفكرها ارتباطًا عضويًّا.

  • أولًا: يقول الأستاذ نجيب محفوظ: «حين ننظر إلى ثورتنا نجد أننا يمكن أن نحكم عليها، ونحن مضطرون في نهاية من نهاياتها الحاسمة — يونيو ١٩٦٧م — بأنها تجربة فاشلة … أنزلت بالبلد هزيمة لم يسبق لها مثيل … وقفت بنا على شفا الإفلاس …»

    ولو راجع أستاذنا صفحات التاريخ المصري، لتأكد أن هزيمة ١٩٦٧م، تعدُّ شيئًا لا يذكر بجانب تحطيم الجيش المصري بأكمله في عهد محمد علي أمام تجمع أوروبي متعصب استطاع أن يملي شروطه بتحديد حجم الجيش المصري بحيث لا يخدم سوى أغراض الأمن الداخلي، وتكرر نفس الشيء في عهد الخديوي إسماعيل حيث استدرج الجيش المصري إلى حرب الحبشة ووقفت أوروبا وراء الإمبراطور المسيحي وتم لهم القضاء على الجيش المصري هناك.

    بل إن التجمُّع الأوروبي تحت شعار الصليب ضد صلاح الدين، أعتبره — من وجهة نظري — بداية مخطط غربي ساري المفعول حتى الآن بتحديد حجم قوة مصر العسكرية وحصرها داخل ظروف محلية غير مواتية للانتشار حتى تشغلها عما يدور حولها في العالم وتبعدها عن التأثير في الأحداث.

    ولماذا نذهب بعيدًا والدولة الصهيونية التي تبنَّى الغرب مولدها في قلب الأمة العربية كالخنجر المسموم، ما هي إلا عميلة له، تخدم هدفه الأساسي بإجهاض القوة العسكرية العربية في مهدها وحصر انتباهها داخل حدودها بفعل الشعور بالخطر الصهيوني المتزايد.

    وهناك عدة حقائق أخرى — في معرض الحديث عن هزيمة يونيو ١٩٦٧م.

    • (١) إن هذه المعركة هي أول معركة تخسرها الثورة المصرية على مدى ١٥ عامًا من صراعها ضد مؤامرات الاستعمار والصهيونية في الخارج، والرجعية العميلة والرأسمالية المستغلة في الداخل، لشعور أعداء الثورة بخطرها الداهم على مصالحهم بعد أن شدَّت تجربة الثورة المصرية انتباه الشعوب المستعمرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية وأثارت إعجابهم باتجاهاتها الوطنية واعتبروها نموذجًا للاقتداء به.
    • (٢) إن هزيمة ١٩٦٧م هي هزيمة عسكرية بحتة في معركة واحدة، ونتيجة أخطاء عسكرية بحتة، وقع فيها بعض القادة العسكريين عن إهمال أو غرور أو سوء في التقدير.
    • (٣) إن هزيمة ١٩٦٧م — رغم قسوتها — لم تكسر إرادة الشعب أو إرادة الثورة، وكان الشعب أكبر من الهزيمة فتجاوزها، وخرج يعلن رفضه للهزيمة ويؤكد صمودَه وثقته الكاملة بقائده الجريح.
    • (٤) إنه من الظلم أن يصور الأستاذ نجيب محفوظ هزيمة ١٩٦٧م كنهاية لثورة ١٩٥٢م، فهذه الهزيمة القاسية كانت هي المنطلق الأساسي والحافز الأول لانتصار أكتوبر ١٩٧٣م كنتيجة منطقية لاستفادة الثورة بالعبرة والتجربة من أخطاء الماضي، وستبقى الثورة رافعةً أعلامها مرددة نشيدها، ما بقي شعب مصر الكادح.
  • ثانيًا: وفي معرض الحديث، يتهم الأستاذ نجيب محفوظ عبد الناصر بالديكتاتورية واستئثاره بالسلطة.

    وهنا تحضرني تساؤلات ملحة؛ ما هي مظاهر دكتاتورية عبد الناصر ودلالاتها؟ هل هي في عدم إيجاد عبد الناصر لتنظيم سياسي فعال يملأ الفراغ الذي تركته الأحزاب؟ ولكن، هل يتسنَّى لأحد أن يبني التنظيم السياسي الفعال بين يوم وليلة؟ ومن أين تأتي فعالية التنظيم السياسي، أليس من تفاعله مع قاعدته الجماهيرية العريضة؟ وكيف يتسنى لتنظيم سياسي وليد أن يتفاعل مع جماهيره العريضة ويرتبط بآمالها ويلتزم بالمحافظة على مصالحها؟ والجواب بالطبع، مع الوقت وبالممارسة الديمقراطية وبتوالد كادرات سياسية جديدة من داخل التنظيم تعي وتؤمن وتلتزم بمبادئه عقيدة وعملًا.

    لقد ظل عبد الناصر يحبذ ديمقراطية الحكم كأساس وكمبدأ، وثابت في محاضر مجلس قيادة الثورة أن عبد الناصر وخالد محيي الدين قدما استقالتيهما من المجلس عندما أصرَّت الأغلبية على اختيار ديكتاتورية الحكم، ولم يقبلا العودة إلى المجلس إلا بعد موافقة المجلس على رأيهما باختيار الديمقراطية كأساس للحكم الثوري.

    لقد ربط عبد الناصر نفسه بالجماهير — عن إيمان منه بوعيها وحساسيتها — فلم تخذله الجماهير، وأصبح حديث عبد الناصر يتجه مباشرةً إلى الشعب، كبديل واقعي عن عدم فعالية التنظيم وضعف ارتباطه بجماهيره وعجزه عن الالتحام بهم.

    ومكانة عبد الناصر بين الشعب مقياسها يوما ٩ و١٠ يونيو ١٩٦٧م ويوم إذاعة خبر وفاته، ويوم تشييع جثمانه إلى مقرِّه الأخير، ولا محل هنا للتقوُّل والتبرير؛ لأنه في هذه الأيام كان عبد الناصر دون حول ولا قوة.

  • ثالثًا: صور الأستاذ نجيب محفوظ حرب اليمن، على أنها مغامرة من عبد الناصر ضد من يهاجمون نظامَه الاشتراكي.

    ورغم أن ملف حرب اليمن لم يفتح بعد، إلا أنه يمكن القول بأنها تمت تطبيقًا لمبدأ (المساندة الكاملة للثورة العربية) عن إيمان كامل بأن الثورة العربية في كل مكان جزءٌ لا يتجزَّأ.

    وانتصارًا لنفس المبدأ، قامت ثورة مصر بإرسال قواتها إلى كل من العراق وسوريا وليبيا، ثم أقرب مثال يوم وفاة العاهل السعودي الملك فيصل، حيث عرض الرئيس السادات على الملك خالد إرسال قوات مصرية إليه للمساعدة تحسبًا منه لمظنة وقوع انقلاب عسكري في السعودية.

    ومهما كانت التضحيات البشرية والمادية، فإن هذه هي مسئولية مصر وقدرها وواجبها نحو كل دولة عربية مهما بعدت، وتحرص الثورة المصرية بالأصالة كلها على تطبيق هذا المبدأ من واقع مسئوليتها وقدرها.

    وليس بخافٍ على أحد أن انتصار الجمهورية في اليمن الشمالي، عجل بانتصار الجمهورية في اليمن الجنوبي التي أغلقت باب المندب في حرب أكتوبر، وقدَّمت القواعد للأسطول المصري، وبالطبع هذه إحدى ثمار ثورة اليمن وحرب اليمن.

    إن هزيمةً في معركةٍ مهما كان حجمها لا يمكن أن يكون نهايةً لثورة الشعب.

سمير عبد الفتاح سيد أحمد
الجهاز المركزي للتنظيم والإدارة

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠