ملايين … ملايين

كان الفجر يَبزغ على البحر عندما أدار «فهد» محركات السفينة … وكان «أحمد» يدرك أن العصابة … ستتنبَّه إلى ما يحدث بمجرَّد إدارة المحركات، فوقف هو و«بو عمير» و«إلهام» على الجانب المواجه للجزيرة وفي أيديهما المدافع الرشاشة وبعض القنابل اليدوية …

ولم تكد المحركات تدور حتى فُتح باب الكوخ الذي نزلت به العصابة … وعلى ضوء الفجر ظهرت أشباح تجري وتلوِّح بيدَيها … وأطلق «بو عمير» سيلًا من طلقات الرصاص أمام الأشباح … اضطرتهم إلى الوقوف … ولكن أحدهم تَقدم سريعًا وهو يَصيح: انتظروا … انتظروا …

ولكن القارب استدار وأخذ يغادر الشاطئ ببطء … واقترب الرجل … وكان من الممكن لأيٍّ من «أحمد» أو «إلهام» أو «بو عمير» أن يُصيبه فورًا إصابةً قاتلة، ولكنهم اكتفَوا بإطلاق النار حوله فأخذ يتلوى جاريًا وكأنه يرقص …

كان الرجل هو «بوزيل» وكان يصيح: انتظروا … إنني سأدفع لكم مليون جنيه إذا انتظرتم … إن النقود معي هنا!

لم يردَّ أحد، وأخذ الثلاثة ينظرون إليه ساخرين … واقترب «بوزيل» أكثر … وشجع اقترابه بقية أفراد العصابة فاقتربوا هم أيضًا، وبدأ بعضهم يُطلق مدفعه الرشاش … وقال «بو عمير»: سأسمح لنفسي بالمران عليهم.

ثم وضع المدفع في كتفِه وبدأ يطلق الرصاص على أقدامهم. واقترب «بوزيل» أكثر، وكانت السفينة قد ابتعدت عن الشاطئ بعشرين مترًا، وأخذ «بوزيل» يخوض في المياه ويَصيح: سأدفع مليون جنيه … مليونين … هل تسمعون؟!

ردَّ «أحمد» بصوتٍ مرتفع: إننا نسمع بالطبع يا «بوزيل» … ولكنك لا تفهم الحقيقة. إننا لسنا عصابة أخرى … وإلا قبلنا المساوَمة!

بوزيل: خذوا المليونين … بل ثلاثة ملايين واتركوا لنا السفينة وخذوا الطائرة!

أحمد: عرضٌ معقول جدًّا؛ وسوف نرسل لكم سفينة ولكن بعد يوم … هل عندكم طعام يكفي؟

وضحك الأصدقاء … وفجأة أخرج زعيم العصابة من حزامه قنبلة، واستجمع قوته … وقبل أن يتمكَّن الأصدقاء من إصابته كانت القنبلة قد طارت في الهواء، وأصابت القارب إصابة مباشرة، وانفجرت فأحدثت دويًّا هائلًا … وفي نفس الوقت كان «بو عمير» قد أصاب «بوزيل» بطلقة في كتفه تهاوى على أثرها في المياه، ثم وقف وأخذ يلوِّح بذراعه.

وكاد «بو عمير» يصيبه مرةً أخرى لولا أن «أحمد» أمسك بذراعه قائلًا: لنرَ ما حدث؟!

وأسرعوا إلى جانب السفينة … كانت القنبلة قد أحدثت فتحة فوق مستوى الماء تقريبًا ولكن المياه كانت تتسرَّب إلى السفينة.

قالت «إلهام»: ستَغرق السفينة!

بو عمير: ليس الآن … ربما بعد ساعتَين!

أسرع «أحمد» إلى «فهد» قائلًا: أطلق السفينة بأقصى سرعة … إنها تغرق ونريدها أن تغرق بعيدًا عن الجزيرة.

فهد: وكيف سنتصرَّف نحن؟

ابتسم «أحمد» قائلًا: يبدو أنك ضعيف الذاكرة يا «فهد» … هل نسيت الطائرة الهليوكبتر؟

وصعد «أحمد» إلى السطح مرةً أخرى، ثم قفز إلى الطائرة، ونظر في مُختلِف الأجهزة فوجد كل شيء على ما يرام … وأن بها وقودًا يكفي للطيران ألف كيلومتر متصلة.

قال «أحمد»: إنني جائع … وأمامنا أكثر من ساعتين حتى تغرق هذه السفينة الجميلة أليس من الممكن أن نأكُل يا «إلهام»؟

قالت «إلهام» مبتسمة: سأبحث عمَّا في المطبخ.

وأسرعت «إلهام» إلى المطبخ … ونزل «أحمد» و«بو عمير» إلى الصالة التي كان بها «بوزيل» … عندما خدعهما وألقى بهما في المياه، وأخذا يفحصان أرض الصالة … وجدا بابًا سريًّا يفتح في القاع … وحيث كان يجلس «بوزيل» وجدا زرًّا خفيًّا في جانب الكنبة التي كان يجلس عليها … ومد «أحمد» يده وضغط الزر، وسرعان ما انفتح الباب السري ثم أغلق بسرعة البرق، ولم يصل إلى الصالة إلا قليلٌ جدًّا من ماء البحر.

قال «أحمد»: إن «بوزيل» … زعيم عبقري … فقد أعدَّ كل شيء لنجاح خطته … شيء واحد لم يعمل حسابه.

بو عمير: ما هو؟

أحمد: شياطين الكهف السري أو «ش. ك. س» أو الشياطين اﻟ ١٣!

وجلسا في راحة … وأقبلت «إلهام» تحمل صينية عليها كمية ضخمة من الساندوتشات الساخنة وأكواب الشاي.

وصاح «بو عمير»: إنكِ فتاة رائعة.

وذهب «أحمد» واستدعى «فهد»، وجلس الأربعة يلتهمون الساندوتشات ويشربون الشاي …

•••

وبعد ساعة كان الأربعة يركبون الهليوكبتر … ويُغادرون السفينة … التي بدأت تغرق، وبعد ساعتين ونصف كانوا يَهبطون في الجزائر … واتصل «بو عمير» بقوات الأمن في الجزائر، وروى لهم القصة كاملة، وطلب إرسال قوة للقبض على العصابة في الجزيرة الصغيرة جنوب جزر «البليار».

•••

في اليوم التالي كانت صحف العالم تتحدَّث عن القبض على عصابة «بوزيل»، واعترف «بوزيل» … بكل شيء … كان قد وضع خطته بالاتفاق مع «مورج» مدير البنك على أن يُعطيَه المدير الأرقام السرية لحسابات عدد كبير من الحكومات والأثرياء التي يَضعونها لأسباب مختلفة في بنوك سويسرا، ثم يتم سحب هذه المبالغ في نفس الوقت الذي تتظاهر فيه العصابة أنها خطفت «مورج» وتذهب العصابة إلى الجزيرة المهجورة وتقضي مدة كافية لينسى العالم المطاردة كلها … على أن يعود «مورج» مدعيًا فقد الذاكرة إثر خطفِه وتعذيبه.

وتدخَّل القدَر … فقد علم أحد أفراد العصابة بالخطة. وبالأرقام السرية، فهرب إلى بيروت وسحب مبلغًا ضخمًا بالرقم السري، فأسرعَت العصابة إلى بيروت وقتلته بالسم في حمَّام السباحة، ودارت عجلة الأحداث.

•••

كان «أحمد» و«بو عمير» و«عبلة» و«فهد» و«خالد» و«إلهام» يجلسون في شرفة شقَّتهم الفاخرة في بيروت يقرءون الجرائد بعد أن أرسلوا تقريرهم إلى «رقم صفر» بكل ما حدث.

قالت «عبلة»: لقد حلَّت «ريما» رموز الأرقام والحروف بعد سفركم مباشرةً، وأرسل «رقم صفر» بالمعلومات إلى البنك السويسري حتى لا يَصرف من حساب هذه الأرقام شيئًا!

أحمد: لقد أرسلت إلى «رقم صفر» بعض المعلومات مع قائد الطائرة الهليوكبتر بعدما أوصلنا إلى قرب السفينة، وعاد إلى الجزائر … فماذا فعلتُم بهذه المعلومات؟

ريما: للأسف، لقد سقطت به الطائرة وأُصيب إصابات مَنعَته من الحديث. ولكن الحمد لله أنه لم يَمُت.

أحمد: هذا يفسر لماذا لم تتحرَّكوا بعد أن أرسلت إليكم هذه المعلومات.

عبلة: وماذا كنا سنفعل أفضل مما فعلتم … لقد أوقعتم بالعصابة في ساعات.

وفي تلك اللحظة دق جهاز اللاسلكي، وأسرع «أحمد» إليه … كانت رسالة من «رقم صفر»: مرة ثالثة تُثبتُون أنكم شياطين حقًّا … لقد قمتم بعملكم خير قيام … وصحف العالم تصفكم بأنصار العدالة، ويتسابق الصحفيون لمعرفة حقيقتِكم وأسمائكم … وهذا ما لا أريد حدوثه.

رد «أحمد»: لن يعلم أحد عنَّا شيئًا … إننا أنصار العدالة، وليس أنصار الشهرة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤