الفصل الثاني

شروح علائية

وقد جرى شاعرنا في «رسالة الهناء» على مألوف عادته، فأتبعها طائفةً من تفسير ما صعُب من ألفاظها، وشرح ما غمُض من أغراضها، فقال:
وقد أتبعت هذا الإطناب بتبيين ألفاظٍ فيه؛ ليكون الهذيان كاملًا، والمَرَض لفُضُوله١ شاملًا.

اليُرَنَّأ: الحنَّاء، قال «مُزَرِّدٌ»:

يُقَنِّئُه ماءُ اليُرَنَّأ تحته
شَكِيرٌ٢ كأطراف الثغامة٣ ناصل٤

يقنئه: يجعله قانئًا؛ أي أحمر، ويقال في المثل: «الحسن أحمر.» والعامة يتأولون هذا الكلام على أن الرجل إذا كان جميلًا كان لونه إلى الحمرة، وعلى ذلك يحمل البيت المنسوب إلى بشارٍ:

غطت بحمرة ثوبها
قسماتها، والحسن أحمر

وأهل اللغة يحملون المثل على غير هذا المعنى، ويزعمون أن المراد: أن الإنسان إذا طلب أمرًا حسنًا صبر على سفك الدم، ومن ذلك قولهم: دونه الموت الأحمر، وعلى نحوٍ من هذا يتأولون قول «أبي زبيد»:

إذا علِقتْ قِرنًا خطَاطِيفُ كَفِّه
رأى الموت — بالعينين — أسود أحمرا
والمراد بالمَثَل — في هذا الكتاب — مذهب٥ العامة.

والأحم: الأسود.

ويُهارُون من قولهم: هُرْتُه بكذا إذا رَمَيْتَهُ به، وقيل «معنى هرته» معنى ظننت به الشيء وهو على خلافه، قال الراجز يذكر الإبل:

قد علِمتْ جلَّتها٦ وخُورُها٧
أنِّي — بسُوء الشُّرب — لا أهُورُها

والورس: العَيب.

والعِرِّيسة: موضع الأسد، والمثل السائر: «كمبتغي الصيد في عرِّيسة الأسد.»

مُجَنِّئَاتٍ، من قولهم: «جنأ عليه» إذا انحنى عليه، وفي الحديث: أنه رجم يهوديًّا ويهوديةً فجعل يَتَجانَأ عليها.

وأرَمَّتْ؛ أي سكتت، قال الراجز:

يَرِدْن والليلُ مُرِمٌّ طائره
ملقًى رُواقاه٨ هجودٌ سائره

والخيطل: السِّنَّور، والسُّرْعُوب: ابن عِرسٍ، قال الشاعر:

ما كان يملك أن يسعى مساعينا
آل الثعالي٩ وأبناء السَّراعيب

والفِرْنب: ذَكَر الفأر، وربما قالوا: الفرنب الفأرة، ويُنشد:

يَدِبُّ — بالليل — لجاراته
كضَيْوَنٍ١٠ دَبَّ إلى فِرْنِب

والنَّمْر — بسكون الميم — لغةٌ كثيرةٌ في «ربيعة» ومن جاورها، يقولون: «النمر بن قاسطٍ»، ويفعلون ذلك بجميع الأسماء والأفعال على وزن هذا، وكذلك ما كان مضموم العين؛ مثل: «ظرُف الرجل»، فيقولون: «ظرف الرجل» — بسكون الراء والجيم.

و«أسامة»، من أسماء الأسد، قال الشاعر:

تعدو المنايا على أسامة في الغـ
ـيل١١ عليه الطَّرفاء١٢ والأسل١٣

والفُورُ: الظِّباء، لا واحد لها من لفظها.

والناهض: الفرخ١٤ قبل أن يكمل نبات ريشه.

ومعتامًا أي: مختارًا.

والتثريب: الأخذ على الذَّنب.

ورَدَيَّ في معنَى رَدَاي — أي الهلاك الذي ينزل به من قِبَلي — وهذه لغةٌ للعرب يستعملونها في المقصور كله، فيقولون هُدَيَّ ونَوَيَّ، قال الشاعر:

ألم تر أنني جاورتُ «كَعبًا»
فكان جوارُ بعض الناس غَيَّا
فأبلُوني بَلِيَّتكم، لعلِّي
أصالحُكم وأستدرج نويَّا
ويقال هو «ضُلُّ بنُ ضُلٍّ» إذا كان لا يُعرَف ولا يُعرف أبوه١٥ وينشد:
وإن زيادكم «ضل بن ضل»
وإنَّا من إيادكم براء
«وهَيُّ بنُ بيٍّ»١٦ في ذلك المعنى قال الشاعر:
لها شهيدان من زورٍ، وكاتبها
«هيُّ بنُ بي» ومجنون بن شيطان

وقال بعضهم: «هيُّ بنُ بيٍّ: رجلٌ من وَلَدِ آدم ذهب في الأرض فلم يوجد له خبرٌ، وقيل: قتل فلم يؤخذ بثأره.»

ورَيِّقُ الشباب: أوَّله الذي يروق منه.

ورَوْقا فزارة رَجُلانِ؛ وهما: عمرو بن جابر بن هلال بن سُميِّ بن عُقَيل بن مازِنِ بن فَزارة،١٧ وبدر بن عمرو بن جُؤَيَّة بن لَوْذان بن عَديِّ بن فزارة.

والرَّوْقان: القَرْنان، وقيل للسيد: «رَوقٌ» لأنه يحمي العشيرة كما يحمي الوَحْشي نفسه بِرَوْقه، قال «قُراد بن حَنَشٍ الصادريُّ»:

إذا اجتمع العَمْران: «عمرو بن جابر»
وبدر بن عمرو، خِلتَ ذُبيان تُبَّعا
والعَمْران١٨ ها هنا من الأسماء التي غُلِّب بعضُها على بعضٍ لأن الرجلين: «بدرٌ» و«عمرو».

والبَرْدان: الغَداة والعَشيُّ، وهما الصَّرْعان.

والحَنْتَفان هُما: «الحَنْتَف» و«أوسٌ» ابنا «سيف» بن «حِمْيَري» بن «يَرْبوع» بن «حنظلة» بن «مالك» ابن «زيد مناة» بن «تميم».

•••

والزَّهْدَمان من بني عبسٍ؛ وهُما: زهدمٌ وقَيسٌ، ويقال «زهدمٌ» و«كَردَمٌ».

والزَّهْدم: الصقر، فيما يقال.

ويقال إنهما أسرا «حاجب بن زرارة» يوم «جبلة» فغلبهما عليه ذو الرقيبة القشيري فأصلح بينهم «قيس بن زهيرٍ» على أن يأخذ الزهدمان مائةً من الإبل.

والأبس: «تصغير١٩ الإنسان وظلمه.»

والبارض: أول ما يظهر من النبات.

والعارض: سحابٌ يعرض في أفق السماء.

وقول الفرزدق:

… … … …
بين ذراعي وجبهة الأسد
يحسب من الضرورات، وفيه مذهبان: أحدهما أن يكون بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد، فحذف الذي أضيف إليه الذراعان، فخفض الأسد في القافية على هذا الوجه بإضافة جبهة إليه، والآخر أن يريد بين ذراعي الأسد وجبهته، فحذف ما أضيف إليه.٢٠

وأوجر: خائفٌ.

وبشيك: مكذوبٌ.

والسَّدِين: ثوبٌ من كتانٍ.

هوامش

(١) الفضل: الزيادة، وجمعه فضول، وقد استُعمل الجمع استعمال المفرد فيما لا خير فيه، ولا يعني صاحبه الاشتغال به؛ لأنه جُعل علمًا لهذا المعنى فنزل منزلة المفرد، ولهذا نسب إليه على لفظه، فقيل: «هو فضولي».
(٢) الشكير: الشعر في أصل عرف الفرس وما ولي الوجه والقفا من الشعر، والنبت صغاره بين كباره، أو أول النبت على أثر النبت الهائج المغبر.
(٣) الثَّغَامة، واحدة الثَّغام، وهو: شجر أبيض الزهر والثمر كأن جماعتها هامة شيخ. وأثغم الوادي: أنبته، و– الرأس: صار كالثغامة بياضًا، و– الإناء: ملأه، و– فلانًا: أغضبه أو فرحه، ولون ثاغم: أبيض كالثغام.
(٤) نصلت اللحية — من بابي نصر ومنع — نصولًا فهي ناصل: خرجت من الخضاب، تقول «لحية ناصل»؛ أي «خارجة من الخضاب».
(٥) وفي رواية أخرى: قول العامة.
(٦) الجلة «هنا» الإبل المسنة.
(٧) الخور: جمع خوَّارة، وهي الناقة الغزيرة اللبن — وهو جمع على غير قياس.
(٨) أرواق الليل: أثناء ظلمته.
(٩) الثَّعالي: الثعالب، كما تقول: الأراني والأرانب، والضفادع والضفادي، وقد مر بك ذلك.
(١٠) الضيون — كما علمت: القط.
(١١) الغِيل: مأوى الأسد.
(١٢) الطرفاء: شجر، وهي أربعة أصناف، منها الأثل.
(١٣) الأسل: نبات، وشوك النخل، وعيدان تنبت بلا ورق.
(١٤) وأم ناهض: كنية الحمامة، قال شاعرنا في لزومه:
لقد أكثرت — في يومها — أم ناهض
من السجع، حتى ملَّ منطقها الهذر
وقد عذرت في نوحها وغنائها
فلما أطالت فيهما، بطل العذر
(١٥) ضل بن ضل أي منهمك في الضلال.
وهو من التعبيرات التي جرت على لسان المعري وقلمه في غير هذا الموضع؛ ففي «رسالة الغفران» يراه القارئ في منافرة الشاعرين: «الأعشى» و«الجعدي» التي أثارها «أبو العلاء» بينهما في جنة الفردوس، وأبدع في تمثيل «الجعدي» وهو ينافر صاحبه الأعشى ويلاحيه، ويقول له مغضبًا حانقًا:
اسكت يا «ضل من ضل»، فأقسم إن دخولك الجنة من المنكرات، ولكن الأقضية جرت كما شاء الله، لحقُّك أن تكون في الدَّرْك الأسفل من النار، ولقد صلَّى بها من هو خير منك. ولو جاز الغلط على رب العزة لقلت: «إنه غلط بك … إلخ.»
(١٦) «هي بن بي» و«هيان بن بيان» كناية عمَّن لا يعرف هو ولا يعرف أبوه، يقال لا أدري؛ أيُّ «هي بن بي» هو؟ معناه: «أيُّ الخَلْق هو؟» وقال ابن الأعرابي: «هي بن بي»، و«هيان بن بيان»، و«بي بن بي»، يقال ذلك للرجل إذا كان خسيسًا، وأنشد «ابن بري»:
فأقعصتهم، وحطت بركها بهمو
وأعطت النهب «هيان بن بيان»
أقعصتهم: قتلتهم وأجهزت عليهم … البرك: الصدر — حطت بركها بهمو؛ أي أناخت عليهم بكلكلها؛ أي صرعتهم.
وقال بعضهم:
بعرض من بني: هي بن بي
وأنذال الموالي والعبيد
[«وهي بن بي» في هذا المعنى؛ يعني في معنى «ضل بن ضل»] وهكذا إلى آخر تلك الأساطير التي لا تخرج عما أسلفناه.
(١٧) قال في لزومه:
قد عاد شوك «فزارة» متحرقًا
وتصدعت من «دارم» الأحجار
(١٨) قال في فصوله: «انكسف بدر «ذبيان» فلم ينر، وهلك هلالها فلم يُسفر — لم يضئ.» ثم قال مفسرًا:
«بدر ذبيان: هو «بدر بن عمرو»، وهو «أبو حذيفة بن بدر»، و«هلال»: رجل من «فزارة»، وهو من أجداد «عمرو بن جابر» الذي يقال له ولبدر بن عمرو: «العَمْران»؛ وهما: رَوْقا فزارة — سيداها.»
قال قُراد بن حَنَشٍ الصادري:
إذا اجتمع العَمْران: «عمرو بن جابر»
و«بدر بن عمرو» خلت «ذبيان» «تبعا»
وألقوا مقاليد الأمور إليهما
جميعًا قماء صاغرين وطوعا
قماء: يعني أذلاء صاغرين، قال في لزومه:
نَهاب أمورًا ثم نركب هولها
على عنت، من صاغرين قماء
يعني: يا لنا من عجزةٍ ضعافٍ أذلَّاء!
(١٩) يقال أبسه يأبسه أبسًا من باب ضرب صغَّره وحقَّره ووبَّخه وأذلَّه وقهَره.
(٢٠) قال شاعرنا في كتاب «عبث الوليد» (ص٣١) حين عرض لقول «البحتري»:
أنست ذا وذاك إحدى وعشرو
ك بغصن من الشباب رطيب
فقال: «قوله: إحدى وعشروك جائز إلا أنه ليس بوجه الكلام، وإنما الواجب أن يقال: إحداك وعشروك، إلا أنه حذف المضاف من الكلمة الأولى لمجيئه في الكلمة الثانية، وقبيح أن يقال في الكلام: «جاءني غلام وجاريتك» وأنت تريد: «جاءني غلامك وجاريتك» لأنك إن نونت غلامًا لم يبق فيه دليل على الإضافة، ولا يعلم أنه غلام المخاطب إذا عدم الكاف، وإن جاءت في قولك: «وجاريتك»؛ لأنه يكون منكورًا.»
وإن حذفت تنوين «الغلام» دخل ذلك في الضرورات، فصار مناسبًا قول القائل:
يا من رأى عارضًا أرقت له
بين ذراعي وجبهة الأسد
يريد: بين ذراعي الأسد وجبهة الأسد.
ومثله قول الأعشى:
إلا علالة أو بدا
هة قارح نهد الجزارة
على مذهب من يرى أن المضاف إليه محذوف من الكلمة الأولى.
أقول: ولقد كان «ابن زيدون» أصح أسلوبًا من البحتري؛ حيث قال:
وما أعطت السبعون — قبل — أولى الحجى
من الإرب ما أعطاك عشروك والعشر

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠