حينما ينهزم الرجل

جلس إلى مكتبه الذي تكدست عليه الأوراق الهامة وغير الهامة قَلِقًا حائرًا؛ شيء في أعماقه يدفعه إلى أن يترك مكتبه ويذهب إلى بيته ويأخذ حمَّامًا ساخنًا ويبدِّل ملابسه، ويرتدي ملابس جديدة قبل أن يذهب إليها؛ فالليلة موعده معها، موعده الفاصل الذي جاء بعد مواعيد كثيرة، والذي سوف يحدث فيه شيء؛ شيء آخَر غير ما كان يحدث كل مرة.

ونظر إلى ساعته، كانت السابعة، وموعده معها في التاسعة، أمامه ساعتان كاملتان، يمكن له أن يستعدَّ لهذا اللقاء الحاسم.

وأغلق درج مكتبه بسرعة، وقال لمساعده الشاب إنه ذاهب لإنجاز بعض الأعمال الهامة، واستقلَّ سيارته، وانطلق إلى بيته، ووضع المفتاح في شق الباب الصغير المظلم ولفَّه مرتين، ثم دفع الباب، فلفحت وجهَه ريحٌ باردة رطبة تسكن شقته دائمًا أبدًا، صيفًا وشتاءً، لا تتغير كثافتها ولا رائحتها.

بالرغم من دورات الشمس والقمر والأرض، لكنها تظل دائمًا رطبة باردة قابعة في تلك الشَّقة الضيِّقة الواسعة، من دماء البشر أجيالًا وقرونًا، وواسعة بتلك الحجرات الخاوية العارية إلَّا من أثاث ضئيل صغير يستند متهالكًا إلى زوايا الجدران، كأنَّه قطع أثرية تُرِكت مَنْسِية في كهف من الكهوف.

ولم يكن يفكِّر من قبل في منظر شقته وأثاثها ورطوبتها، وكان يستضيف فيها فريساته من النساء، ويقضي معهن الليل على سريره المعدني البارد، لكنه لم يستطع أن يفعل ذلك معها، كان حريصًا على ألَّا يدعوها إلى شقته، وقال لها إنَّه هو الذي يجب أن يذهب إليها لا أن تأتي هي إليه كباقي النساء.

وجرى إلى الحمام وأشعل السَّخان، وخلع ملابسه ولبس ملابس البيت، وأحضر أدوات الحلاقة ووقف أمام المرآة يتحسَّس ذقنه بأصابعه، لقد حلقها صباح اليوم، ولكن لا بُدَّ له أن يحلقها مرة أخرى حتى تكون ناعمة كالحرير؛ إنَّ موعده معها الليلة ليس كأي موعد سابق، سوف يُقَبِّلها حتمًا، وسوف يلامس وجهُه وجهها، ولا بُدَّ لبشرته أن تكون ملساء.

ونظر إلى وجهه في المرآة وتحسَّسَ شعرات رأسه البيض، وأخذ يَعُدُّها شعرةً شعرة كعادته كل ليلة، ولما وجد أن عددها ست وعشرون شعرة كليلة الأمس، انبسطت أسارير وجهه، لكنَّ قلبه لم يلبث أن انقبض حين لمح خطَّيْن رفيعين تحت عينيه؛ هذان الخطَّان لم يكونا بالأمس، وفتح درجًا في أسفل المرآة وأخرج علبة الكريم الطبي الذي يُغذِّي البشرة، ووضع بأصبعه قطعة صغيرة تحت عينيه، وأخذ يُدلِّك بشرته بأطراف أصابعه تدليكًا خفيفًا، حتى خُيِّلَ إليه أنَّ الخطين الرَّفيعين قد ذابا تمامًا بفعل الكريم الساحر.

نظر في عينيه يتأملهما فرأى سوادهما باهتًا، تغشى بياضَهما صفرةٌ كئيبة جعلَتْها أشبهَ بعيون مرضى الكبد والصفراء، وأحسَّ بالفزع فجرى إلى رفٍّ صغيرٍ في الحائط، وأخذ منه زجاجة دواء، وابتلع منها قرصين ثم أعادها إلى مكانها، وسحب زجاجة أخرى وشرب منها معلقة كبيرة، ثم أخذ قطعة صغيرة من القطن وغسل جفنيه ورموشه.

وعاد ينظر إلى نفسه في المرآة، وأمسك بماكينة الحلاقة وراح يحلق ذقنه بعناية فائقة، وحلق نصف وجهه، وتحسَّس بأطراف أصابعه فإذا ما عثر على شعرة نافرة أو على بقعة خشنة عاد فأجرى عليها الماكينة، ولا يتركها إلا بعد أن يتحسَّسها ويجدها ناعمةً نُعومةَ الحرير.

وانتهى من حلاقة ذقنه، فأمسَكَ المقص وشذَّب أظافر يديه وقدميه، ثم حمل ملابسه النظيفة على كتفه ودخل الحمَّام.

وأخذ ساعته معه وعلَّقها في مسمار في الحائط؛ كان خائفًا من أن يسرقه الوقت الممتع الذي يقضيه غارقًا لنصفه في الماء السَّاخن والصَّابون المُعطَّر فيتأخر عن موعده معها، وهو حريص على أن يذهب إليها في الموعد تمامًا بالدقيقة؛ فقد حدث ذات ليلة أنْ ذهب إليها متأخِّرًا خمس عشرة دقيقة، ولم يكن يبغي من هذا التأخير سوى أن يُلهِب شوقها إليها بشيء من الانتظار، لكنَّه حين وصل إلى شقتها وجدها مظلمة، وظلَّ ضاغطًا على الجرس زمنًا طويلًا حتى يئس ونزل، ولم يعرف ليلتَها هل كانت بالبيت وتعمَّدت ألَّا تفتح أم أنها خرجت إلى موعدٍ آخَر، وحين سألها لم تُعْطِه تفسيرًا واضحًا، وقالت في صراحة وصدق: لقد تأخرتَ، وأنا لا أطيق الانتظار. وأخذ يدلِّك جسمه بالماء وهو يسأل نفسه: أيمكن أن يصدر هذا العمل عن امرأةٍ تحب؟! ولم يحاول أن يُصدِّق أنها لا تحب، وكيف له أن يُصدِّق أنَّ هناك امرأة لا يمكن أن تحبَّه؟ لقد أحبَّتْه مئات النساء من قبل، ولا تزال تحبه العشرات والعشرات، وهو يبتكر في كل يوم أساليبَ جديدة للهروب من النساء. كيف لا تحبه هذه المرأة وتحترمه احترامًا بالغًا، ولسوف يُخضع هذه الأنوثة الليلةَ إذن؟ هي تحبه بلا شك، ولكنها امرأة عنيدة تعتزُّ بأنوثتها، ولسوف يُحطم عِندها وكبرياءها …

وعادت إلى ذاكرته صورتها حين رآها لأول مرة؛ كان ذلك منذ عامين تقريبًا، وكنت تجلس وسط عدد من الرجال والنساء، ووجد عينيه تمرَّان بسرعة على كلِّ الوجوه لتستقرَّ على وجهها. كانت ملامحها غريبة بالنسبة لملامح النساء؛ ملامح متسقة متكاملة تنطق بأنوثة عارمة، ولكنها أنوثة غالية مثقفة، تُثير في نفس الرجل المغرور برجولته بالذات رغبةً عنيفة في تحدِّيها وإخضاعها.

وكان تعوَّد أن يُخضع النساء، وأدمَنَ لذة إذلالهنَّ وإخضاعهنَّ له حتى تضخَّمت رجولته وأصبحت القسوة على النساء صفته الأولى؛ فهو لا يشعر بلذة عناقه للمرأة إلا بعد أن يصفعها على وجهها بضع صفعات، ويجذبها من شعرها بقوة حتى تستلقي رأسها بين قدمَيْه وتمرغ أنفها في ترابهما؛ بعد ذلك يُقبِّلها.

علَّمته تجاربه مع النساء أن المرأة بغريزتها الأولى التي لا تستطيع منه خلاصًا مهما تحرَّرت وارتقت؛ فإنَّها تعشق موضعها عند قدمَيْ سيِّدها الرجل، وتعبد قسوته وقوته وعناده وكبرياءه وجبروته، وتشمئز من رقته وحنانه وهيامه.

العذاب هو الخيط الحريري الرفيع الذي يربط المرأةَ به، المرأةُ تحب الرجل الذي يعذِّبها؛ فلماذا لا يعذِّبها ليلفَّ حول رقبتها ذلك الخيط الحريري ويشدَّها وراءه؟

وأخذ يدلك أصابع قدميه بالصابون المعطر، ولاحظ كعادته أن أصبع قدمه الصغير أصغر من اللازم، لا يكاد يشبه أصبع الآدميين؛ فهو قصير سميك كروي، كأنه مخلب مكسور لحيوان أليف، أو برعم عقيم في شجرة عجوز. كثيرًا ما كان يشعر بالاشمئزاز من جسده، وخاصةً فتحتَيْ أنفه حين يصيبه الزكام والرشح، فيشعر كأنَّهما فتحتا صنبورٍ عتيقٍ بليت جلدته وفي حاجة إلى قطعة غيار جديدة. وكثيرًا ما ضاق من منظر أسنانه الصفراء، وتمنَّى لو خلعها جميعًا وركَّبَ أسنانًا جديدةً.

ولكنْ هل يمكن لامرأة أن تكشف عيوبه التي يعرفها؟ إنَّ المرأة كما فهمها ليست كالرجل؛ إنَّها تنظر إلى الرجال ككل وليس كأجزاء أو أعضاء، إنَّ الرجل في نظرها سيد، إله؛ يمنحها الحياة واللذة والغذاء، فكيف لها أن تدقِّق النظر في جسد الإله؟ كيف تجرؤ على أن تنظر إلى أسنانه الصفراء المشرشرة وهو يُقبِّلها، كيف تجرؤ على أن تتأمل أصابع قدميه حين يستلقي رأسها بينهما؟ يجب أن تُغمِض عينيها، كل النساء يُغمِضن عيونهن.

لقد فهم المرأة وعرفها بعد أن قضى من عمره عشرين عامًا يتدرَّب على تقبيل النساء وعناقهن؛ حتى أصبح أستاذًا للحب والغرام، وبلغ من عمره الأربعين عامًا ولم يفكر في الزواج، وهو قد تزوَّج مئات المرات وأنجب مئات الأطفال؛ بعضهم تمزَّق أشلاءً بيد الطبيب الجريء، وبعضهم يعيشون في بيوت أزواج من الرجال ويحملون أسماءهم ولا أحد يعلم الحقيقة إلا الزوجة وهو. وكثيرًا ما كان يزور أحد هؤلاء الأزواج — ومعظمهم معارفه وأصدقاؤه — وينظر إلى عيني الطفل البريء ويرى فيهما نفس لون عينيه ونفس ارتفاع أنفه، لكنه لم يشعر قطُّ بذلك الشعور الذي اسمه الأبوَّة، بل كان ينظر إلى الزوج الغبي الجاهل في لذةٍ تَفُوق لذة الشياطين، ويشعر بالزهو لانتصاره على الرجال والنساء معًا. وكان كلما فكَّر في الزواج تراءَتْ له زوجته في أحضان رجل آخَر، وتراءى له أطفاله يَجْرُون في بيته وينفقون من ماله ويحملون اسمه وهم أولاد رجال آخَرين، فترتعد فرائصه من الهلع ويلعن الزواج ويمجِّد العزوبية.

وصبَّ الماء الساخن على جسمه وقدميه، ونهض واقفًا وأمسك المنشفة، وأخذ يجفِّف جسده بعناية، واعترف بينه وبين نفسه أنَّه كان يسعى طوال حياته إلى الانتصار، الانتصار بأي شكل وبأي ثمن؛ إذا خالَفَه رجل في رأيه وكان صائبًا فإنه يعاند ويتحمَّس ويناقش ولا يهدأ حتى ينتصر، وإذا رغب في امرأةٍ ولم ينلها ظلَّ يطاردها بأساليب مختلفة بعضها اهتمام وبعضها إهمال حتى تقع الفريسة بين يديه.

وكان يعلم أنَّ انتصاره على المرأة يبدأ حين تُسلِّم له جسدها؛ حينئذٍ يعلم أنَّها سلَّمت كلَّ أسلحتها، وأنَّها سوف تلاحقه وسوف تستعطفه وسوف تستجديه، وأنه سوف يشدُّها من رقبتها وراءه بذلك الخيط الحريري المتين، فما الذي يبقى للمرأة بعد أن تمنح جسدها للرجل سوى الالتصاق الأبدي أو الندم والحسرة والهوان؟!

ولم يكن يُؤمن بذلك الالتصاق الأبدي بالمرأة، بل لم يكن يؤمن بأي التصاق بها على الإطلاق؛ فلم يكن يبقى للمرأة منه إلا الهزيمة والهوان، وهو لا يشعر بانتصاره إلا حينما تغسل المرأة بدموعها قدميه؛ حينئذٍ يعرف أنه حقَّق الغرض الأسمى لرجولته، فتنتهي مهمته معها ويبحث عن فريسة أخرى يسلك معها نفس الطريق.

ووقف أمام المرآة يمشط شعره الأكرت، وشعر ببعض الارتياح؛ لقد اهتدى أخيرًا إلى مفتاح المرأة الجديدة وتعرَّف على طريقها الوعر الشاذ. كانت قد عذَّبته عامين كاملين وهي ترفض قبلاته، حتى لمساتُ يديه كانت لا تصيبها بتلك الرعشة التي تصيب النساء فترتخي جفونهن. لكنها لم تقتل الأمل في قلبه، كانت تُجلِسه معه وتتحدث إليه وتدقِّق النظر في ملامحه، وخاصةً إلى أسنانه التي لم يُعجَب بها قطُّ طوال حياته، رغم إعجابه الشديد بعينيه وأذنيه.

واستطاع في هاتين السنتين أن يُحوِّل نظرها من أسنانه إلى عينيه وأذنيه، واستطاع أيضًا أن يجعلها تُعجَب بكلامه؛ فرأى نظراتها القوية الثابتة تلين، ولمح بريقَ أنوثتها العارمة يتَّقِد في عينيها؛ فاقترب منها وحاول أن يُقبِّلها، لكنها ابتعدت عنه وقالت في عناد وكبرياء: هل تحبني؟ فنظر إليها مستغربًا؛ كيف تجرؤ امرأة على أن تسأله هذا السؤال؟ لم تشترط عليه امرأة من قبل أن يعترف بالحب قبل أن يُقبِّلها، فسألها بدوره: هل تحبينني؟ ولم يكن يشعر بحاجة إلى هذا السؤال، فهو يعلم أنها تحبُّه، وإلا فما الذي يدفع امرأة مثلها إلى أن توافق على لقائه! لكنها أجابت في قوة وصدق: لا، ليس بعد.

وأحسَّ بالدماء تغلي في رأسه، وودَّ لو صفعها على وجهها، لكنها سألته بجرأة: هل تحبني؟ ولم يستطع أن يكون في مثل قوتها وصدقها، فأطبَقَ شفتيه في صمت؛ لم يكن يريد أن يمتهن رجولته الغالية ويشعر أنه رجل رخيص ككل الرجال يُتاجر باسم الحب، ويكذب على المرأة بكلمة أحبك حتى ينال منها ما يريد، لقد عوَّدته انتصاراته المتكررة مع النساء على ألَّا يكذب؛ فهو في غير حاجة إلى الكذب؛ كانت النساء يعطينه قلوبهن وأجسادهن دون أن يُكلِّف نفسه مشقَّة الكلام عن الحب، وأصبحت كلمة الحب التي تخرج من بين شفتيه أغلى عنده من قلبِ أيِّ امرأة ومن جسدِ أيِّ امرأة. كانت رءوس النساء تستقر بين قدميه بلا مقابل، بلا ثمن، بلا وعد، بلا شيء على الإطلاق؛ بل أحيانًا ما كانت المرأة هي التي تدفع له حتى لا يقطع صلته بها إلى الأبد، وتظل تخدع نفسها بذلك الأمل الكاذب في أنه سيأتي إليها يومًا.

وفتح صوان ملابسه وارتدى بدلة أنيقة، وأخذ زجاجة العطر الثمين ووضع نقطتين تحت كل إبط.

وركب عَرَبته وتطلَّع إلى المرآة الصغيرة، وأُعجِب بشكله إعجابًا كبيرًا، وشعر كأنه عريس جديد ذاهب إلى عروسه ليلةَ الزفاف، وتخيَّلها وهي جالسة في حجرة الاستقبال تنتظر قدومه. لا بد أنها قَضَت في الحمَّام اليومَ كله، تدلِّك ذراعيها وساقيها، ولا شك أنها ترتدي فستانًا عاريًا يُظهِر مفاتن جسدها، ولا شك أنها تعطَّرت؛ إنها أنثى رغم عنادها وقوتها. وتخيَّل نفسه وهو يُقبِّلها ويعانقها وهي تسلِّم له جسدها ثم تبكي، كل النساء يبكين بعد أن يستسلمن، وشعر بالزهو والانتصار حين تخيَّلَ دموعها؛ كَمْ تشوَّقَ كثيرًا أن يرى دمعة واحدة تطفر من هاتين العينين القويتين الجريئتين، وتخيَّل رأسها الصغير بين قدميه وهي تستجديه وتستعطفه أن يبقى، ولكنه لا يبقى، ثم تطلبه في اليوم التالي فيردُّ عليها في جفاء، فتطلبه مرة أخرى وأخرى، تحاول أن تفهم لماذا نهب جسدها وهرب، وهو لا يستطيع أن يشرح لها نفسه، لا يستطيع أن يقول لها: إنَّه لم يكن يريد جسدها لذاته، فهو هارب من أجساد النساء، ولكنه كان يريد أن ينتصر عليها بعد عامين من اللهفة والعذاب والانتظار؛ أن يُخضِع أنوثتها العنيدة، أن يشعر بها وهي ذليلة جريحة تتعثَّر في استسلامها له وتبكي على ضعفها وهزيمتها، أن يلفَّ حول عنقها خيطَه الحريري القاتل ويشدَّها وراءه.

ووصل إلى شقتها، ولم يستطع أن يخفي دهشته حين رآها، كانت كعادتها ترتدي رداءً قاتمًا لا يُظهِر شيئًا من ملامح جسدها، وشعرها مُرسَل دون عناية، ولم يشم رائحةَ أيِّ عطر نسائي. وجلس أمامها ببدلته الأنيقة وشعره اللامع المغسول، وفاحت رائحةُ عطره في الشَّقَّة الصغيرة؛ فشعر بالخجل من نفسه، ورأى نظراتها الثابتة تتأمَّله، ولمح ابتسامة ساخرة تحوم حول شفتيها، وانتهزت أول نكتة قالها فضحكت ضحكًا متواصلًا وألقت برأسها إلى الوراء، وخُيِّلَ إليه أنها سيُغمَى عليها من الضحك؛ فشعر بالغيظ، لكنه تظاهَرَ بعدم الفهم وشارَكَها الضحك بلا مبالاة.

وتوقَّفت عن الضحك فجأةً، ونظرت إليه ثم أطرقت إلى الأرض، ولم يَدْرِ ما الذي فعلَتْه تلك الإطراقة، لم يكن رآها من قبل وهي تُطرِق برأسها، وظنَّ أنها بدأت تضعف؛ فاقترب منها وحاوَلَ أن يضمَّها ويُقبِّلها، ولكنها تخلَّصت منه، ونظرت إليه في جرأة وقالت له: هل تحبني؟ فأطرقت إلى الأرض مرةً أخرى في صمت، فأمسَكَ رأسها وحاوَلَ أن يُقبِّلَها، واستطاع أن يضع شفتيه على شفتيها وقبَّلها قبلة طويلة. ثم ترك شفتَيْها لحظةً ونظر في عينيها قائلًا: هل تحبينني؟ فابتسمت وهي تقول: لا، ليس بعد. وشدها من شعرها الطويل وأخذها بين ذراعيه وقاوَمَته، لكنه استطاع أن يضمَّها إلى صدره بقوة وعنف، ولم يترك لها مجالًا حتى لتتنفس، وسمعها تقول في عناد وهي تتملص منه: هل تحبني؟ وكان شعوره في تلك اللحظة قد تغلَّبَ على تفكيره وعناده؛ فخرجت من بين شفتيه كلمة أحبك مع أنفاسه الساخنة اللاهثة؛ فابتسمت. وهمس لها قائلًا: هل تُحبينني؟ فقالت: لا، ليس بعد. ولم يكن لديه ثمة قوة أو تفكير، فاستسلم لها استسلامًا كاملًا وأفاق بعد قليل؛ كيف شعر أنه هو الذي استسلم لها وليست هي التي استسلمت له؟ كيف يمكن لرجل أن يحسَّ في مثل هذه اللحظة أنه هو الذي يعطي نفسه للمرأة وليست هي التي تعطيه؟ وأحسَّ بمرارةٍ في حلقه، هي نفس المرارة التي تشعر بها المرأة حين تدرك أنها استسلمت لرجل، ولرجل لا يحبها.

وأشعل سيجارة وجلس يُدخِّن في صمت، وجلست أمامه صامتة. لماذا لا تتكلم هذه المرأة؟ لماذا لا تثرثر ككل النساء في مثل هذا الموقف؟

عيناها فقط تنظران إليه … في قوة وكبرياء وعناد، كأنَّها لم تكن بين ذراعيه من لحظة، كأن شيئًا لم يحدث بينهما على الإطلاق، بل لعل نظرتها ازدادت قوةً وكبرياءً وعنادًا، وشعر برغبة في أن يصفعها ويقول لها: أنت لست امرأة، أنت رجل، أنت تحتقرين أنوثتك. ولكن كيف ينطق بهذه الكذبة الهائلة وبهذه السرعة الكبيرة؟ ولا شك أنها تفهم أن الرجل لا يتهم المرأة هذا الاتهامَ وفي هذا الموقف بالذات، إلا حين يشعر أمامها بالعجز، أو حين يحسُّ أنها تحتقر رجولته.

وانتهى من تدخين السيجارة، ووقف ومدَّ لها يده مصافحًا، وصافحته، وخرج مسرعًا كأنما يطارده شبح.

ولم يَنَمْ ليلتَه بالرغم من الأقراص المنومة الشديدة، ظل مؤرقًا حتى الصباح؛ أيمكن له بعد هذا العمر الطويل، وتلك الصولات والجولات في عالم النساء، وذلك الانتصار الساحق مع امرأة وأخرى؛ أيمكن له بعد كل هذا أن يشكَّ في رجولته؟ أن يشكَّ في سحره؟ أن يشكَّ في قوته؟

وانتشر نور الصباح في حجرته وهو يبحلق في السقف، يحاول أن يردَّ على علامات الاستفهام الكثيرة التي بدأت تمزِّق خلايا مخه، وتحفر لنفسها مكانًا عميقًا في ذهنه.

ونهض من فراشه يجرُّ جسده الثقيل جرًّا، ولمح التليفون، وشعر برغبة قوية في أن يطلبها، إنه يريد أن يسمع صوتها مرةً أخرى، أن يحسَّ فيه شيئًا من اللهفة، شيئًا من الاهتمام يسرِّي عنه ويخفف من تلك اللوعة التي في نفسه، وأدار قرص التليفون عدة مرات، وجاءه صوتها الكسول الناعس ليس فيه ذرة اهتمام؛ لكنه كذَّبَ أذنَيْه وحِسَّه وذكَّرها بليلة الأمس، فتمتمت بكلمات لم يسمعها، وسألها في لهفة: هل تحبينني؟ فقالت وهي تتثاءب: لا، ليس بعد. وغاص قلبه في قدميه، وأحسَّ أن الجرح الذي في قلبه يتسع، يتسع ويزيد، وأن اللوعة التي في نفسه تشتد وتستفحل، وأن علامات الاستفهام في مخه تغوص وتفور.

وارتدى ملابسه في إعياء وذهب إلى مكتبه، وبدا له كلُّ شيء كئيبًا مفرطًا في الكآبة، ولم يَعُد يتحمس لشيء، وجلس إلى مكتبه لا يستطيع أن ينظر في ورقة من الأوراق، وأخذ يختلس إلى التليفون نظرات متلهفة حزينة، وشعر برغبة عارمة في أن يطلبها مرة أخرى، لا بد أنها استيقظت تمامًا الآن وسوف يعود إلى صوتها اللهفة والاهتمام. لقد أصبح لا يريد منها شيئًا على الإطلاق سوى أن تردَّ إليه ثقته بنفسه؛ ثقته برجولته.

وأدار قرص التليفون، وجاء صوتها هذه المرة نَشِطًا مليئًا بالنشاط، لكنه أحسَّ أن هذا النشاط لا يمتُّ إليه بصلة، فقال لها في استجداء: أريد أن أراك الليلة. لكنها اعتذرت في أدب لانشغالها ببعض الأعمال، ووضع السماعة وقلبه يختنق من الألم؛ ما هذا الذي يحدث له؟ إنه هو الذي يستجديها ويستعطفها وهي التي تهرب منه، لقد التفَّ خيط العذاب الحريري حول عنقه هو وليس عنقها.

ولم يعرف لماذا حدث ذلك، لم يتصور أبدًا أن تكون هناك امرأة مثله، فقد كانت هي الأخرى لا تريده هو بالذات، ولكنها كانت تريد أن تُخضِع رجولته المغرورة، أن تشعر به وهو ذليل جريح يتعثَّر في استسلامه لها، ويبكي ضعفه وهزيمته، أن تلفَّ حول عنقه خيطها الحريري وتشده وراءها، كانت مثله تَنْشُد الانتصار بأي شكل وبأي ثمن.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠