لا شيء يفنى

دوت الكلمة في أذنيها دويًّا غريبًا جعل الحجرة تدور في اهتزازات قوية سريعة، رجَّت الأشياء رجًّا عنيفًا ضاع معه تماسُكها وتلاصقها، وانفصلت جزيئاتها وذرَّاتها بعضها عن البعض، ففقد كل شيء لونه وحجمه وكثافته.

وجاهدت عيناها تبحثان عن الطبيب الطويل، أو عن معطفه الأبيض، أو عن منضدة الفحص الجلدية، أو عن الجدران الرمادية … دون جدوى، فقد اختلط أمام عينيها البياض بالسواد، والإنسان بالجماد، والمساحات بالأحجام، وشعرت كأنما هي تغوص إلى قمة رأسها في مادة غريبة مخيفة، لها ملمس الطين، ولها ميوعة الماء، ولها سواد الليل، ولها عمق السماء.

وشعرت بذراعيها تثقلان وتثقلان كأنهما دُكَّتا لآخرهما بالرمال.

ثم فتحت عينيها بعد لحظة، ورأت كل شيء في مكانه المعهود، ورأت الطبيب الطويل بمعطفه الأبيض، ورأت منضدة الفحص الجلدية والجدران الرمادية.

واقترب منها الطبيب في خطوات بطيئة ثقيلة، وسمعته يقول: كنت أظن أنك شجاعة.

ورنَّت كلمة شجاعة في أذنيها رنينًا غريبًا، كأنما فقدت معناها القديم.

وردَّت بلا وعي قائلةً: شجاعة؟!

فقال الطبيب: نعم، عهدي بك شجاعة.

وقلَّبت في رأسها الكلمة وتساءلت عن معنى الشَّجاعة.

ما هي الشَّجاعة؟ أن تعيش الحياة؟! أو تموت الموت؟!

كانت الشَّجاعة منذ لحظات هي أن تركب الأتوبيس قبل أن يقف، وتشتري كتابًا بعشرة جنيهات ليس معها غيرها، أو تقول لزميلها: أنت منافق. أو تقول لرئيسها: أنت مخطئ. أو تقول لبائع الخضر: أنت لص. أو تقول لصديقها: أنا أحبك! ولكن الشجاعة الآن أصبحت شيئًا آخَر، أصبحت شيئًا مستحيلًا يطلب منها المستحيل.

كيف وهي حية تتحرك وتتنفس وتحس دقات قلبها ونبضات روحها أن تعتبر نفسها ميتة؟ كيف لها وهي تتحسَّس خلايا جسدها الدافئة الحية أن تسلم بأن خلايا الموت الباردة تزحف على جسدها؟

كيف لها أن تصدق أن جسدها يمكن أن يحمل الحياة والموت في وقت واحد؟ ولكن لماذا لا تصدق؟ أَلَمْ ينطق الطبيب بالحقيقة الرهيبة؟ هل تنقصها الشجاعة لتصدق الحقيقة؟ أم تنقصها الحقيقة لتمارس الشجاعة؟ أم ينقصها العقل؟ أم ينقصها الإيمان؟

أم أن الأمر كله لا يحتاج إلا إلى ذلك التسليم اللامنطقي بالقضاء المحتوم!

وارتفعت ذراعها الثقيلة تتحسَّس صدرها باحثة عن الورم الصغير، واستطاعت أصابعها أن تعثر عليه وسط النسيج الطري؛ كرة صغيرة لها حجم الليمونة ولها جفاف الزيتونة وكثافتها، تجري هنا وهناك بثقة وحرية واستهتار؛ استهتار بذلك اللحم المستقر الآمن، واستهتار بذلك الجلد الذي يغلِّفها ويحدِّدها، فشدته إليها في تعاريج دقيقة كثيرة كتعاريج الوجه الغاضب.

كرة صغيرة من اللحم، من الخلايا الغاضبة الفائرة راحت تنقسم على نفسها في جنون، وتلتوي على بعضها البعض في صلابة وشدة، وتُفسِح لنفسها مكانًا مريحًا، وتأكل الخلايا الوادعة الآمنة أكلًا. ما الذي أغضَبَها هذه الخلايا؟ وما الذي أشعَلَ بها نار الجنون؟ أهي سمة الكائنات الحية أن تأكل بعضها البعض؟! هي سمة الموت الذي يعيش على الحياة؟! لا أحد يعلم؛ لا الطبيب، ولا الساحر، ولا رجل الدين. لا أحد يعلم على الإطلاق.

ورفعت عينيها الحمراوين إلى وجه الطبيب وقالت في شرود: هل من علاج؟

وقال وهو يبتسم: لا. وكأنه يقول نعم.

قالت: ولماذا لا تفتحون صدري وتُخرِجون منه هذه الكرة المجنونة؟

قال الطبيب بصوت بارد وكأنه يجيب على مثل هذا السؤال مئات المرات في اليوم: لا فائدةَ؛ لقد انتقلت بعض الخلايا المجنونة إلى الدم، وحملها الدم إلى الغدد.

وقالت في حماس: ولماذا لا تفتحون الغدد وتُخرِجون منها الخلايا المجنونة؟

قال الطبيب في بساطة: لا يمكن.

– لماذا؟

– إننا لا نعرف عدد الغدد.

– آه!

ونظرت إلى الطبيب في فزع وقالت: وما العمل؟

قال في برود: لا شيء. ننتظر.

وهبَّت من رقدتها مذعورة وقالت: ننتظر؟ ننتظر ماذا؟

قال في هدوء: معجزة من السماء، أو اكتشاف جديد في الطب، أو …

ودارت الحجرة في عينيها مرةً أخرى، واختلط السواد بالبياض، والإنسان بالجماد، والمساحات بالأحجام، وظهرت لها من حيث لا تدري صورتها وهي طفلة التاسعة من عمرها تسير في شارع طويل، وقد أرادت أن تعرف إلى أي شيء ينتهي، لكنها وجدت نفسها فجأةً في مفترق طرق كثيرة متعددة فضَلَّت طريقها إلى البيت، وأخذت تسير في الشوارع وهي تبكي حتى عثروا عليها بمحض الصدفة.

ولما فتحت عينيها لم تجد الطبيب، وتلفَّتت حولها في دهشة، وخُيِّل إليها لحظةً أنها كانت تحلم حُلمًا فظيعًا، وكادت تقفز من السرير من فرحة الخلاص والنجاة، لكنَّ عينيها ارتطمتا بالجدران الرمادية وسرير الفحص الجلدي، فعادت اليد الحديدية تقبض على قلبها.

واختلط عليها الواقع بالحلم، فرفعت ذراعها تتحسس صدرها، ولما عثرت أصابعها على الكرة اليابسة الكئيبة تأكَّدَ لها الواقع المشئوم، وجثم الذهول والحيرة على قلبها وعقلها.

كيف يمكن أن تعيش وهي تعلم أنها ستموت؟ ولكن كل الناس يعلمون أنهم سيموتون، ولكنهم لا يعلمون متى يموتون، وما داموا لا يعلمون فهم لا يصدِّقون، وما داموا لا يصدِّقون فهم ينسون، وما داموا ينسون فهم يعيشون.

وشعرت بشيء يلتفُّ حول عنقها كأنما يخنق أنفاسها، فهبَّتْ من رقدتها وجرت إلى النافذة وفتحتها، وملأت صدرها من هواء الشارع، وأعاد لها الهواء الرطب المنعش بعضَ الحيوية والتفاؤل، وطمأنَتْها حركة الناس في الشارع على استمرار الحياة، فابتعد عن ذهنها بعضَ الشيء شبحُ الموت الكئيب.

واختطفت معطفها من فوق سرير الفحص، وغادرت المستشفى بسرعة دون أن تُلقِي نظرةً على حجرة الطبيب، ومشت في الشارع تلتصق بالناس السائرين، تلتمس في دفئهم وحماستهم الرغبةَ في الحياة، وتنسى مع اندفاعهم وسرعتهم ذكرى النهاية الرهيبة، ووجدت نفسها تجري مع الناس، تجري كأنما تريد أن تلحق بقطار أو تصل إلى موعد هام، ولم يكن هناك قطار ولا موعد؛ لكنها استسلمت للجري بلا هدف، كأنما الحركة في حدِّ ذاتها أصبحت هدفًا.

وأخذت تحرِّك ذراعيها وساقيها في الهواء في اهتزازات عنيفة، تريد أن تُسقِط عن خلايا عقلها فكرةَ الفناء البشعة، أو تريد أن تفصل عن خلايا صدرها خلايا الموت اليابسة.

وشعرت بشيء من الراحة إثرَ ذلك المجهود الكبير، وسارت على مهل تتأمل الشجر والماء، وتملأ صدرها بالهواء الرطب العليل، ولمحت زهرة بيضاء جميلة على جانب الطريق، فوقفت أمامها تتأملها، ولمست أصابعها نسيجها المخملي الناعم، فشعرت بنشوة غريبة، وقرَّبت أنفها تشمُّ عطرها الزكي، فأحسَّت بسعادة تغمر قلبها وروحها، وتلفَّتت حولها مفتونة، وأسكرتها زرقة السماء العميقة منعكسة على سطح الماء الوادع، فجلست على شاطئ البحر وخلعت حذاءها ومددت جسدها على العشب المبلَّل الرطب.

وتراءى لها وسط الزرقة الفاتنة وجهٌ طويل نحيل، وملامحُ هادئة باسمة، وعينان زرقاوان عميقتان، وأخذت تتأمل الوجه كما كانت تتأمله، وتغيب في أعماق العينين كما كانت تغيب، ويهمس صوتها الحالم باسمه كما كان يهمس، وامتدَّت يدها بلا وعي إلى جيبها وأخرجت ورقة صغيرة وراحت تتأمل كلماته إليها، وقلَّبت الورقة في يدها وأخذت تتحسَّسها بأصابعها، وعاد إلى أناملها من حيث لا تدري ملمس الكرة اليابسة في صدرها، وجاءتها كلمات الطبيب الكئيبة من مكان بعيد من ذاكرتها، وضغطت أصابعها على الورقة في دهشة.

كيف تبقى هذه الورقة الصغيرة الرقيقة بينما هي تموت؟

هذه الورقة الصغيرة تخلُد في الحياة بينما هي تزول؟ ونظرت حولها في دهشة وحيرة.

ولكن هذه الورقة يمكن أن تزول، يمكن أن تذيبها مياه البحر أو تلتهمها نار المدفأة.

ولكنها لا تزول، إنها تتحوَّل إلى رماد، إلى مادة أخرى فحسب. وهي؟ أهي تزول حقًّا حين تموت؟ لا، إنها كالورقة، يتحول جسدها إلى رماد، إلى مادة أخرى فحسب، كل شيء يبقى دائمًا، وتقلَّبت على العشب الناعم الرطب، وشعرت بضغط الورم تحت صدرها، لكنها ابتسمت في هدوء وقد تضاءلت أمام عينيها فكرةُ الموت السخيفة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠