لحظة صدق

كل شيء في مكانه القديم، بشكله القديم، كل شيء هو هو كما كان دائمًا، الأريكة الصفراء الطويلة هي الأريكة، وإلى جوارها رف الكتب الصغير هو رف الكتب، ومن فوقها صورة البحر الكبير هو البحر، وعيناها هما عيناها، وتنظران إليَّ وتعكسان من حيث لا أدري صورة البحر في هدوئه وثورته وعمقه وغموضه الطبيعي الأبدي.

كل شيء في مكانه القديم، بشكله القديم؛ ولكن شيئًا ما بدا جديدًا، ونزعتُ عينيَّ من عينيها ورفعتهما إلى البحر الكبير، ثم مررت بهما على الستارة الزرقاء الخفيفة الزرقة كأنها السماء.

هذا بيتها، نعم بيتها، وليست أول مرة أدخل بيتَها، لعلها العاشرة أو المائة، لم أفكر في عدد زياراتي لها.

والأريكة الصفراءُ هي الأريكة الصفراء، وليست أول مرة أجلس على الأريكة إلى جوارها وحدنا، وحدنا تمامًا، إلا من ذلك الوجه الذي يطلُّ علينا من فوق الحائط الرمادي دائمًا، من داخل إطاره المربع، وفي جبينه خط يرسم الأبوة والبنوة معًا. والزجاجة الحمراء، وهي الزجاجة، وليست أول مرة أشرب معها النبيذ.

وهي هي؛ بجسدها، وشعرها، ووجهها، وعينيها، وكل ما عرفته عنها من سذاجة ومكر، وبراءة وعبث، وذكاء وشرود، وقوة وضياع، واستقرار وحيرة، وإرادة وفزع وقلق.

وأنا بجسدي ورأسي وشعري وأصابع يدي.

ولكنَّ شيئًا ما تغيَّر، أشياء ما تغيَّرت، كل شيء تغيَّر، كل شيء يبدو كأنه أول مرة.

ما الذي تغيَّر؟ بيتها؟ لا، ليس بيتها، فكل شيء في مكانه القديم.

هي؟ لا، ليست هي، كل شيء فيها في مكانه القديم، الكذب في عينيها، والخداع على شفتيها، ورداؤها القديم على جسدها؛ رداؤها الكئيب الذي تدفن تحته أنوثتها، حتى رداؤها هذا لم تغيِّره. ما الذي تغيَّر؟! أنا؟ لا، لستُ أنا، فأنا أعرف نفسي، ما من قوةٍ على ظهر الأرض تستطيع أن تغيِّرني، أنا رجل قوي ناجح، لم يمنحني أحد القوة والنجاح، ولكني انتزعتهما نزعًا من بين فكَّي العالم، وقد كنت في يومٍ ما صغيرًا ضعيفًا فقيرًا، أدميتُ قدمي سيرًا على الأرض لألحق بالذين يركبون، وصمَّمت على أن ألحق بهم، وقد فعلت؛ ولكن هذا لا يكفيني، أريد أن أركب وهم يلهثون ورائي حفاة، وأقدامهم دامية كما كانت قدماي. ولقد ركبت، لم أَعُد أسير على قدمي، ولكن هم يركبون أيضًا، وأنا لا أريد لهم أن يركبوا مثلي، لا أريد أحدًا مثلي؛ فإن أحدًا ليس مثلي، ولا يجب أن يكون.

إنني حين أمشي يُفسِح لي الرجالُ الطريق؛ هذا شيء طبيعي، يجب ألَّا يمشي أمامي أحد، وإني حين أريد امرأة فإنها تركع لي وتعطيني كلَّ ما عندها دون أن أعطيها شيئًا، هذا شيء طبيعي، النساء يجب أن يعطوني دون مقابل؛ إن مثلي لا يُعطي، وإذا كان لا بدَّ من أحد يعطي وأحد يأخذ، فلماذا لا أكون أنا الذي يأخذ؟

وهذه المرأة الجالسة إلى جواري، أليست هي كبقية البشر؛ إذا أعطت لا تأخذ، وإذا أخذت لا تعطي؟

ولكنها عنيدة ذكية! يبدو أنها مثلي، مثلي تمامًا، من نوعي، من فصيلتي؛ إنها لا تعطي.

ولكن لا بدَّ أن أنتصر عليها، لا بدَّ أن أجعلها تعطيني، لا بدَّ!

وأنا لا أريد أن أشعر أنني آخذ منها، لا أريد أن أشعر أنني أغتصبها؛ إن الاغتصاب يُذكِّرني بالشرف، وأنا لا أريد أن أكون شريفًا، أريد منها أن تركع عند قدمي وتعطيني، بل أريد منها أن تغريني وتتوسل إليَّ كي أقبل عطاءها.

أنا لم أُولَد شريرًا، كان أبي قدِّيسًا، وكانت أمي راهبة، ولكن الحياة هي التي وُلِدت شريرة، الحياة التي حرمَتْني وأنا طفل من قطرة دافئة من لبن أمي، من مليم أحمر واحد أشتري به كيسًا من اللب، من سن ريشة سليم أكتب به شقائي.

هذه المرأة الغريبة الجريئة الوقحة المخادعة! ما الذي يجعلها تجلس معي في بيتها، وتشرب معي النبيذ وحدنا؟

هل تريدني؟ لا، وإلا فما الذي يمنعها أو ما الذي منعها في كل المرات السابقة؟

هل تمتحن قوتها أو تمتحن قوتي؟

إنها تنظر إليَّ، تتفرج عليَّ، تدرس ملامحي، تحفظ خطوط أنفي، تدقِّق النظر إلى أسناني، حتى حينما لويت عنقها وأنا أجذبها من شعرها الجامح، وأهوي برأسها الشامخ تحت رأسي، وشفتيها العنيدتين تحت شفتي، حتى في هذه اللحظة وأنا أكاد أضيع في أول قبلة معها كانت عيناها مفتوحتين واعيتين يقظتين، تتفرجان عليَّ!

امرأة وقحة جريئة منافقة! لماذا لم تَغِب عن وعيها ككل النساء؟! لماذا؟! هذه المرأة الكاذبة التي تلعب بي!

أنا أكذب على كلِّ الناس، وأتفرج على كل الناس، ولكن هذا حقي، هذا طبعي وأنا حر، ليس من حق أحد أن يناقشني.

ولكنْ أن تكون هناك امرأة مثلي؟ تمارس من الحرية ما أمارسها؟ تمارس من الكذب ما أمارسه؟ هذه المرأة يجب أن تُسحَق! وإني لَقادر على سحقها.

هذه العنيدة المتكبرة! سأعلمها مَن أنا! سأجعلها تذكرني دائمًا، وكلما ذكرتني نفذ الخنجر المسموم إلى قلبها من جديد، الخنجر الذي طعنت به كرامتها وأنوثتها وشخصيتها.

شخصيتها! وهل هناك امرأة لها ما يُسمَّى بالشخصية؟ إنهنَّ جميعًا نساء لا يخلصن إلا للرجل الذي يخون، ولا يَخُنَّ إلا الرجل الذي يخلص. نساء! ولكن كيف عرفت ذلك؟ كيف عرفت ذلك؟ كيف عرفت هذه الحقيقة؟ عرفتها منها؛ تلك التي لا أنساها أبدًا، تلك المرأة الوحيدة التي أخلصتُ لها فكانت هي الوحيدة التي خانتني! لماذا لا أنساها أبدًا؟ لماذا؟ ألأنها الوحيدة التي ترفضني؟ أم لأنها الوحيدة التي رفضتني؟ أم لأنها الوحيدة التي لم تعطني فرصة لكي أرفضها؟

إنها تنظر إليَّ، وفي يدها كأس النبيذ، وإني أجلس إلى جوارها، في بيتها، وكل شيء في مكانه.

ولكن هناك شيئًا جديدًا! أين؟ أين؟ في صورة البحر؟ على رفِّ الكتب؟ على الحائط الرمادي؟ في كأس النبيذ؟ في عينيها، إنه في عينيها العنيدتين المخادعتين، نعم في عينيها؛ شيء جديد، شيء غريب، شيء ندي طلي يشبه الدموع، يشبه الصدق!

الصدق؟ كيف تراودني أنا هذه الكلمة؟ أو كيف تراودها هي؟ وهل يمكن لعينين أن تجمعا بين الصدق والكذب في وقت واحد؟

هل أصدقها؟ كأنما هي تحبُّني. يا للمرأة الغريرة!

كانت تريد أن تخدعني فأحبَّتني.

ولكن هل يمكن لي أن أصدق نظراتها؟ لا، إنها تكذب! يا للممثلة القديرة! إن في عينيها كذبًا كبيرًا! وهل توجد امرأة تعرف الحب؟

كم كنت أودُّ أن تَصْدق، تَصْدق لحظةً واحدة، أريد أن أشعر بحبٍّ حقيقيٍّ، أريد أن أكون شريفًا، إن في أعماقي طاقات كبيرة من الشرف، والحب، والصدق، ولكن لمَن أعطيها؟ لمَن؟ مَن ذا الذي يستحق؟

أنا! أنا أفكر في العطاء؟! أنا أفكر في الحب، والشرف، والصدق؟!

هل أنا؟ هل أنا أتغيَّر؟ أتغيَّر؟! كيف؟ متى؟ لماذا؟ آه! لقد تعبت … تعبت من الكذب، من الخداع، من النفاق، من الكراهية. إني لَأحنُّ إلى الصدق، إلى الحب!

إنها تحبني، نعم تحبني؛ أرى في عينيها الصدق. الآن … هذه اللحظة إنها تقترب مني، اقتربت، ولامسَتْ يدها يدي. شيءٌ ما عنيف يدفعني نحوها، لكنَّ شيئًا آخَر أكثر عنفًا ينزع يدي من يدها.

– لا، لن يحدث شيء. إني ذاهب!

– لا تذهب؛ سأعطيك كل شيء!

– لا أريد منكِ شيئًا.

– ولكنكَ كنتَ تريد.

– كنتُ.

– أنتَ كذاب.

– نعم، أنا كذاب.

ونزعتُ نفسي من بين ذراعيها الدافئتين وجريت إلى الباب، يجب أن أهرب هذه اللحظةَ قبل أن تذوب إرادتي، يجب أن أهرب قبل أن أمسَّها.

وفتحتُ الباب وخرجت، وسِرت في الشارع البارد.

ما هذا الذي فعلت؟ ألم أكن أريدها؟ ألم أكن أدبِّر الخطط لأنالها؟ ثم حين تواتيني اللحظة أزهد؟ ولكني أحسست بشيء جديد؛ شيء يشبه الصدق في عينيها، وشيء يشبه الصدق في أعماقي، كانت لحظة خاطفة كالبرق حملتني من الصدق إلى الحب إلى النبل، ومن النبل إلى الزهد.

ولكنْ لن أعود إليها أبدًا، فأنا لا أستطيع أن أكون صادقًا دائمًا، لا أستطيع أن أكون نبيلًا دائمًا، لقد حملَتْني الحياة الشريرة بفطرتها في طريقها، وقطعت شوطًا بعيدًا عن الصدق، ولا أستطيع أن أعود أدراجي، لا أستطيع، لقد بعدت كثيرًا عن البداية، واقتربت كثيرًا من النهاية.

سأنساها … بعد يوم، بعد سنة؛ ولكني سأنساها حتمًا في دوامة حياتي. ولكنَّ شيئًا واحدًا لن أنساه، إنني رغم أنفي كنت قادرًا على أن أعيش لحظةَ صدقٍ كاملة ضحَّيْتُ فيها برغبة عذَّبتني فترةً طويلة.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠