شرارة من الداخل

لم تكن المسافة التي تفصل بينه وبينها تزيد على طول ذراعه، ولم يكن بالبيت أحد سواهما، وعلى المنضدة الصغيرة زجاجةُ الخمر المعتقة ودورق الثلج الصغير، وتأمَّلها وهي تُمسِك كأسها في يدها وتحوطه بأصابعها، ثم تقربه إلى شفتيها في هدوء.

كانت صامتة، لكنَّ عينيها كانتا تعبران لحظة عن الفرح ولحظة عن الألم، لحظة تتوهج بالعاطفة المجنونة، ولحظة تنطفئ بالعقل البارد، لحظة تغرق في حنان متدفق، ولحظة تجف في تحدٍّ قاسٍ.

وظل يتأملها وهي تشرب الكأس وراء الكأس حتى التهب خدُّها بسخونة الخمر، واتَّقدت عيناها ببريق ينمُّ عن فوران الأحاسيس، وشعر برغبة عنيفة في أن يمسك أصابعها الرفيعة ويضغط عليها بقوة حتى تتكسَّر بين أصابعه، ويصيح بها قائلًا: التحدي في عينيك يرغمني على القسوة. أو أن ينتزع الكأس من بين أصابعها ويلقي بها من النافذة ويصرخ في وجهها: أَلَا يمكن أن تبادليني الحب بدون أن تفقدي الوعي؟ أو أن يجلس عند ركبتيها ويدفن رأسه في صدرها ويبكي ويقول لها: حنانُ عينَيْك يُبكِيني.

لكنه لم يفعل شيئًا، ظل يتأملها ساكنًا، وسعادةٌ خفية تدغدغ خلايا جسده وقلبه وعقله، وكل شيء خارج هذه الحجرة الصغيرة تافه، حتى فنه؛ فنه الكبير الذي انتصر على كل اهتمام في حياته. ولماذا لا يكون الفن تافهًا؟ أَلَم يكن يكتب من أجل تحقيق شيء … مثل هذه اللحظة التي يعيشها الآن؟ أَلَم يكتب سنين طويلة من أجل لحظة مثل هذه اللحظة، ولم تستطع الكتابة أن تعطيها له مطلقًا؟ كل إنسان خارج حدود هذه الإنسانية لا وجودَ له الآن، حتى ابنته؛ ابنته الوحيدة الصغيرة التي انتصر حبُّها على كلِّ حب في حياته. ولماذا لا يتلاشى وجود ابنته؟ أَلَم يكن يحبها لأنها نتاجُ حبٍّ قديم، وقد جاء الحب الجديد الذي يمحو القديم، والذي يمكن أن يعطيه نتاجًا جديدًا؟

ونظر في عينيها الجسورتين، لم تفعل الخمر بجسارتها شيئًا؛ كأنما لم تشرب قطرة خمر واحدة، لولا تلك الحمرة الخفيفة التي شابت بياض عينيها، وتلك الومضات المجنونة التي تبرق فيهما من حين إلى حين.

وتأمَّل شفتيها وهما تنفرجان في محاولة للكلام، وابتسم لها مشجِّعًا، إنه يريد أن يسمع منها شيئًا وهي نصف واعية، وعقلها الصارم نصف نائم، ولكنها لم تقل شيئًا، ابتسمت في صمت وعادت لتملأ كأسها من جديد.

ولم يتحمل، رأى يده ترتفع على الرغم منه وتمسك كأسها وتنتزعه من بين أصابعها، وقال وهو يحتوي أصابعها الساخنة بين أصابعه الباردة: كفى! ونظرت إليه في دهشة، وقالت وهي واجمة: أنت الذي أحضرت زجاجة الخمر. تذكَّر فورًا اللحظة التي وقف فيها أمام بائع الخمر متردِّدًا أيأخذ معه زجاجة الخمر؟ لم يسبق له أن تردد في شراء زجاجة قبل ذهابه للقاء امرأة؛ ولكنه لا يريد أن يذهب إليها حاملًا خمرًا، لماذا؟ لعله شعر أنه لن يكون بحاجة إلى فقدان وعيه، أو أنه سيفقد وعيه بلا خمر، أو أنه حين يجلس معها يصبح كل شيء تافهًا، حتى الخمر، حتى الخمر تفقد طعمها ومعناها وتأثيرها؛ ألم يشرب، ولا يزال عقله متقدًا متنبِّهًا لكل حركة من شفتيها، ولكل ومضة في عينيها، ألا يزال واعيًا؟ لِمَ يخرج منه تلك الأحاسيس الدفينة التي يكتبها العقل وتحررها الخمر فينطلق يفعل ما يريد بلا تفكير؟ وسمعها تضحك ضحكة قصيرة وهي تقول: صدقتك حين قلت إنها علبة بسكويت، تصوَّر غبائي! وابتسم في شيء من الحرج؛ لماذا ألبس زجاجة الخمر ثوبًا تنكريًّا ووضعها في علبة بريئة من علب البسكويت؟ لعله كان يريد شراء علبة بسكويت بدلًا منها، ولكن ماذا تقول المرأة حين يشتري لها الرجل علبة بسكويت؟ أتفرح ببراءتها وسذاجتها؟ أم تحزن لبراءتها وسذاجتها أيضًا؟!

واقترب منها قليلًا، وحاول أن ينطق بشيء، لكنه لم يقل شيئًا. أيمكن أن تعبر كلمة الحب عن ذلك الزلزال الذي يرجُّ عقله وقلبه وجسده؟ وأطبق شفتيه في صمت وأطبق أصابعه على أصابعها في قوة. آهٍ لو تلاشى عقله أمام لحظة الجنون واحتواها بين ذراعيه، وظل يضغط عليها حتى تذوب؛ ولكنه ظل متردِّدًا، لماذا هو متردد؟ ألا يجد في عينيها إجابة واضحة على السؤال الذي يصرخ في أعماقه: هل هي تحبني؟

ولكن تيارات التعبير المتباينة تمرُّ بعينيها دون أن يلتقط جوابًا، نظرة الحنان تُحرِّك قلبه، ونظرة التحدي تُثير رجولته، الأنوثة العارمة فيها إلى جانب تلك القوة التي تكاد تشبه قوة الرجولة؟ الأنوثة التي تشعره برغبة عنيفة في الالتصاق بها، والرجولة التي تشعره برغبة مثلها في الفرار منها، التناقض العجيب فيها، التناقض الساحر، سحر الحياة وسرها، وهذا الشعور العجيب، الشعور المتناقض، رغبته في الالتصاق بها ورغبته في الفرار منها، يربطه بها ربطًا. هل هو ساحر مثلها؟ هل يحتوي كيانه على التناقض؟ هل يجمع مثلها بين رجولة قوية وأنوثة رقيقة؟ لم يقابل من قبل امرأة واحدة تجمع بين هذا التناقض، كانت المرأة إمَّا أنوثة يرغب في الاتصال بها وإمَّا رجولة يرغب في الفرار منها، ولكن أن يرغب في الالتصاق والفرار في نفس اللحظة وبنفس القوة؟ هذا هو الصراع الرهيب الذي يولِّد في أعماقه شرارة التردد، شرارة العقل الذي لا يغيب، شرارة العاطفة التي لا تهدأ.

وابتسم في إشفاق على نفسه وهو يحترق من الداخل بشرارة غريبة تُضيِّع عليه فرصة الاستمتاع باللحظة التي يعيشها، لم يحترق من قبل بشرارة داخلية، كان يحس الشرارة خارجه وكان يُطفئها بيديه أو شفتيه أو ذراعيه؛ ولكن كيف تصل أصابعه إلى تلك الشرارة المشتعلة في داخله؟

لا شيء سوى أن يعيش معها إلى الأبد؛ أن يتزوجها، أن يقترن كيانه بكيانها، وسمع نفسه يقول لها: لنتزوَّج!

ورآها تعتدل في جلستها ودموع كالندى تبلل عينيها، وقالت وهي حزينة: وزوجتك؟

آه! تذكَّرَ زوجته، وابنته، ولكن ليس لأحد وجود الآن في عقله وقلبه.

وقال في إصرار: أطلقها.

واعتدلت أكثر في جلستها، وبدأت تتكلَّم، وتكلمت كلامًا نبيلًا عاقلًا، ولكن ما أقبح النبل في لحظة الحب! وما أقبح العقل في لحظة الجنون! وسمعها تقول: لا تطلق زوجتك من أجلي، ولا تُفرِّق بين أم ابنتك وأبيها.

وشعر برغبة في أن يردَّ على نبلها بصفعة عنيفة على وجهها تخلع عن رأسها ذلك العقل القبيح، ذلك الكذب، ذلك النفاق، أيمكن لها أن تكون صادقة إذا كانت تحبني؟ أليست العاطفة طوفانًا هائلًا من الصدق والأنانية والجنون، يجرف في تياره كل ادِّعاء وكل نُبل وكل عقل؟!

وكبح جماح غضبه واغتصب ابتسامة امتنان وتقدير وقال: أنت إنسانة نبيلة عظيمة.

ونهض في هدوء وارتدى سترته وقال في أدب ورقة: سأذهب.

نظرت إليه في دهشة؛ سيذهب؟ إلى أين؟ وبدا لها خروجه من بيتها شيئًا عجيبًا، لم يكن ضيفًا وانتهت مدة زيارته، كان … كان رجلها، رجل حياتها؛ زوجها، ابنها، وأباها، وبيتُها هو بيته، أيخرج من بيته؟ وإلى من يذهب؟ وشعرت برغبة عنيفة في أن تحول بينه وبين الخروج، أن يتلاشى عقلها أمام لحظة الجنون، أن تُطفئ شرارة التردد التي تشتغل داخلها شرارة الحب، ولكن الشرارة كانت داخلها، وأصابعها لا يمكن أن تصل إليها.

وأخفت دهشتها تحت ابتسامة نبيلة مهذَّبة، وصافحها في أدب شديد وخرج.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠