قلبي الذي عصيته

عيناي مفتوحتان لا تريان، والظلام كثيف ومخيف، والطريق ضيق حار، وأنفاسي بطيئة مخنوقة، وجسدي ثقيل مشلول.

أيمكن أن تكون هناك تعاسة أكثر من هذه التعاسة؟

أيمكن أن تبدو الحياة كئيبة كهذه الكآبة؟

حين يفقد المرء بصره مع أن له عينين، حين يشتد الظلام في وسط النهار؟!

كان أحد الملايين الذين تمرُّ وجوههم أمامي فلا أكاد أذكر منها شيئًا سوى أنها آدمية.

لكنه أراد أن يشدَّ عينيَّ الشاردتين إليه، أراد … ولم يكن يملك شيئًا من الإنسان إلا إرادته.

واستقرَّت عيناي عليه لحظة.

أنفه منخفض قصير يوحي إليَّ بأنه شرير، وشفتاه رفيعتان مقوَّستان إلى أعلى كحاجب امرأة شريرة، وعيناه قاسيتان يرتجُّ صفارهما الباهت الصغير في البياض الكبير كما يرتجُّ الصفار داخل البيضة العفنة.

وأشحت بوجهي عنه لكنَّه استدار وواجهني.

تركت له المكان فتبعني كالظل، وركع على ركبتيه وبللت دموعه أرضي واعترف لي بالحب العملاق.

لم يصدِّقه قلبي ونفر منه؛ لكن عقلي صدقه، هو رجل، غني ناجح، مرموق.

كان قلبي يحتقر عقلي؛ يحتقر مفاهيمه وأساليبه، يحتقر أرقامه وموازينه وكشوف حساباته، ولم يكن لعقلي حولٌ ولا قوةٌ أمام جبروت قلبي؛ فيتكور كالطفل اليتيم في جمجمته الضيقة المظلمة، يجتر هزيمته في صمت منتظرًا المأساة.

كنت أتبع قلبي دائمًا، وكنت أحزن، وأشقى، وأفلس، وأجوع، ولكني لم أفكر مرة واحدة في الخروج على قلبي.

لماذا؟ لا أدري.

ولكني صممت على أن أخرج عليه مع هذا الرجل، ولأجرب عقلي هذه المرة.

•••

جلست أمامه أحاول أن أنظر إلى صفحة النيل العميقة بدلًا من عينيه الباهتتين الضحلتين، وأحاول أن أجد في كلماته اللزجة المتكلفة الخالية من الفن والذكاء شيئًا ذا معنى.

كان يتحدث عن التجارة، وعن العرض والطلب، وكيف يصطاد الزبون ليعطيه أبخس شيء بأغلى ثمن، ويُسَمِّي ذلك فنًّا وذكاءً.

•••

أحسست بقلبي يغلي بين ضلوعي اشمئزازًا منه؛ لكن عقلي كان يبادر فيذكِّرني بجاهه وماله ونجاحه.

فَلأروِّضْ قلبي على احترام فن التجارة.

جلست إلى جواره في عربته الوثيرة الناعمة، وأغمضت عيني لأغيب مع أحلام عقلي.

ما أجمل الثراء! ما أمتع أن أركب عربة فاخرة فارهة كالطائرة تسبح بي في شوارع القاهرة! … بل ما أمتع أن أمتلك هذه العربة وأمتلك صاحبها أيضًا!

وتقزز قلبي من أحلام عقلي.

أنا؟ أنا أفكِّر في الامتلاك؟ في الأخذ؟ أنا التي كنت أعطي وأعطي، وكانت سعادتي هي أن أعطي وأعطي؟

ولكن ماذا فعل لي العطاء؟

كنت أحزن، وأشقى، وأفلس، وأجوع، فلأجرِّبِ الأخذ هذه المرة، وَلْأعلِّمْ نفسي أن تأخذ وتأخذ.

•••

رأيته يقترب مني وينظر إليَّ بعينيه المرجوجتين المائعتين، وأمسك يدي في يديه، فانتفض قلبي حانقًا غاضبًا؛ لكن عقلي تصدَّى له زاجرًا ناهرًا، فسكت.

واقترب مني أكثر وأكثر، ورأيت شفتيه الرفيعتين المقوَّستين إلى أعلى كحاجب امرأة عاهر تقتربان من شفتي، وقفز قلبي نافرًا مشمئزًّا، لكن عقلي ذكَّرني بمواهبه؛ إنه ثري، وسوف يصبح ثراؤه ثرائي.

إنه غبي؛ وسوف يريحني من غرور الأذكياء. لم أحاول أن أدقق النظر إلى شفتيه أو عينيه، لم أحاول أن أدقق الفهم لحديثه أو حركاته.

واتهمت قلبي بالغباء والسذاجة، هذا القلب الذي يؤمن بأشياء تافهة لا منطق فيها ولا معنى.

عيناه عميقتان! أفكار ذكية! إحساس مرهف! نفس فنانة! قيم روحية! …

أشياء تافهة حقًّا، مجرد أوهام يحسُّ بها قلبي الساذج بلا واقع لها على الأرض وبلا مبررات وبلا مقاييس إلا مقاييس إحساسي المبهم الغاشم!

أغمضت عينيَّ، وأغلقت أذنيَّ، وأوصدت صمامات قلبي، وناولته شفتيَّ.

وقال بصوت ضحل: أتحبينني؟

كاد قلبي يصرخ ويقول: لا لا. لكن عقلي قفز أمامه وقال: نعم!

وقال بصوت قبيح: أتتزوجينني؟

حاول قلبي أن يولول ويقول: أبدًا أبدًا. لكن عقلي سدَّ عليه الطريق وقال: نعم.

•••

تربَّع عقلي على عرشه في انتصار وزهو يتأمل الجدران الشاهقة المنقوشة، ويتشمم الأطباق الشهية المتنوعة، ويتطلع إلى الملابس الفاخرة المتعددة، ويتحسس الفراش الوثير الثمين، ويطلُّ على العربة الطويلة القابعة أمام القصر في خشوع وانتظار.

نعم، هذه هي الحياة؛ الحياة التي تستحق أن تعيشيها، أتلقين بكل هذه الأشياء الثمينة الغالية النادرة من أجل أوهام ترتع في قلبك؟!

تعلَّمي أن تحبي هذه الحياة، وأن تحبي هذا النعيم وهذا الترف، عوِّدي حواسَّك على هذه المتع الجديدة.

ماذا كان يرضيك في ذلك الحرمان الذي كنت تعيشين فيه؟! تفضِّلين بضع كلمات ضائعة في الهواء على أكلة دسمة لذيذة، تفضِّلين رجفة القلب الوهمية على رجفة الجسد المحسوسة، تعلَّمي أن تعشقي جسدك وتُشبِعي حواسك.

•••

جلست إلى المائدة الكبيرة الشهية، وأكلت وأكلت، فتحت صوان الملابس الفاخرة، ولبست ولبست، ركبت العربة الطويلة الفارهة، وسبحت وسبحت، تمدَّدتُ على الفراش الناعم الوثير، ونمت ونمت، لفَّتني دوَّامة رهيبة، لها دويٌّ كئيب شديد صمَّ أذني، وسحب الضوء من عينيَّ، وأوصد منافذ إحساسي وإدراكي، أحسست أنني نوع غريب من البهائم يمشي على قدمين، نظرت إلى نفسي في المرآة فرأيت وجهًا غريبًا عليَّ، مليئًا باللحم والأصباغ، فارغًا من الوعي والتعبير، وعينين مطفأتين جاحظتين كعيني الضفدع، وشفتين يابستين لا تقويان على الابتسام.

لم أعثر في وجهي على ملامح وجهي، ولم أعثر في أغوار نفسي على نفسي، رأيت نفسًا أخرى متخمة مترهِّلة، وأحسست جسدًا سميكًا غليظًا ليست فيه ملامح جسدي، وكأنما ضاع مني كل شيء، ضاع مني نور عيني، الابتسامة الطبيعية السهلة استعصت على شفتي.

لا شيء يواسيني، لا شيء يبعثُ فيَّ الأمل، لا شيء يثيرني، لا شيء يحمِّسُني.

ذهب قلبي وذهب معه إيماني بوجودي وحياتي.

ورأيته يقبل نحوي.

مَن هذا الرجل الغريب الكئيب الذي يقتحم عليَّ غرفة نومي؟

وسمعت صوته الضحل القبيح يقول: كسبت اليوم صفقة جديدة، استأصلت المصران الأعور بمائة جنيه.

– كنتَ تُجري هذه العملية بخمسين جنيهًا فقط؛ لماذا ضاعفت الثمن؟

– كان المصران غليظًا.

نظرت إليه، فرأيت له أنفًا منخفضًا قصيرًا يوحي إليَّ بأنه منحط، وشفتين رفيعتين مقوستين إلى أعلى كحاجبي امرأة رخيصة، وعينين قاسيتين مرجوجتين يرتجُّ صفارهما الباهت الصغير في البياض الكبير كما يرتجُّ الصفار داخل البيضة العفنة.

لماذا لم أصدق قلبي؟

قلبي صادق أمين رفيع، وعقلي حقير خسيس وضيع، ورشقت عقلي بنظرة احتقار بالغة وهو يحتمي مني داخل جمجمته الضيِّقة المظلمة يجتزُّ انتصاره القبيح البشع؛ ولكن لا تظن أنك انتصرت، لا تظنُّ أنك تربَّعت على عرشي.

سأهوي بك إلى أسفل!

•••

تعمَّدتُ أن أذلَّ عقلي، فتركت كل شيء، تركت القصر والسيارة، تركت المائدة الشهية والفراش الوثير، تركت حتى ملابسي وأحذيتي ونقودي وأوراقي وبطاقتي العائلية.

وقال لي بصوته الجشع: إلى أين؟

– إلى بيتي.

– وهذا؟

– ليس بيتي.

– ماذا حدث لعقلك؟

– عزلته.

•••

عيناي مفتوحتان لا تريان، والظلام كثيف ومخيف، والطريق ضيق حار، وأنفاسي بطيئة مخنوقة، وجسدي ثقيل مشلول، أيمكن أن تكون هناك تعاسة أكثر من هذه التعاسة؟

حين يفقد المرء بصره مع أن له عينين، حين يشتد الظلام في وسط النهار؟

وأنا أسير كالتائهة، أبحث عن شيءٍ عزيزٍ غالٍ في أغوار نفسي، أحاول أن أعثر عليه لأعيده إلى عرشه، ولأتبعه وأتبعه وأتبعه، ولأحزن، ولأشقى، ولأفلس، ولأجوع، ولكن سيكون هناك شيء ما يواسيني، شيء ما يبعث فيَّ الأمل، يصنع طيفًا من السعادة يلون صفحة الحياة أمامي بالرغم من كلِّ شيء، يجعل الابتسامة الطبيعية سهلة على شفتي، يشعل الضوء في عيني، يجعل إيماني بوجودي وحياتي لا يتزعزع، لا يموت.

يجعلني أحيا، وأحتمل الحياة.

أنا أسير، وأنا أبحث عنه، تُرى هل أعثر عليه مرة أخرى؟ لا أدري … لا بُدَّ!

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠