ابتسامة

صحوت من نومي فوجدت الحزن يملأ قلبي ونفسي، ويجعلني أشعر أن جسدي ثقيل، ثقيل كأنه مصنوع من الحديد، لا بدَّ له من قاطرة تجرُّه من فوق السرير إلى الأرض. وأخذت أُقلِّب في رأسي وقلبي عن سبب هذا الحزن الكبير، فلم أعثر على شيء، حتى رأسي وقلبي لم يكن لهما وجود في تلك اللحظة.

وأحسست أنني أكره كل شيء في حياتي؛ عملي وفني وأمومتي وبنوتي وحبي وصداقتي، كل شيء حتى نفسي ووجودي، وأخذت أتأمل أطرافي الممدودة في الفراش كأنها مشلولة، فشعرت بموجة عارمة من الاشمئزاز من ذراعي وساقي، كأنما هي أطراف صناعية، وخُيِّلَ إليَّ لحظةً أن عقلي قد نسيَ تمامًا كيف يحرك هذه الأطراف، وأنها لن تتحرك أبدًا … أبدًا.

وخفق قلبي من الرعب خفقةً كبيرةً قويةً سحبَتِ الدم من رأسي وقدمي وصبَّتْه في صدري، فالتهب من سخونة الدم وأصبح كبركانٍ مغلق على جمر من نار، ووجدتني أقفز من السرير دفعة واحدة كأنما مسَّ جسدي سلكٌ كهربائي عنيف، ووقفت على الأرض، وانتصبت واقفة على قدمي ورحت أهزهما بعنف؛ لأتأكد من أنهما يعملان كما كانا كل يوم.

ومشيت في خطوات وجلة إلى صوان الملابس، وارتديت أقدم ملابس عندي، ومشَّطت شعري بلا عناية، ونظرت في عيني، ولم تمتد يدي إلى القلم الأسود لأرسم به فوق رموشي ذلك الخط الأسود الذي أرسمه كلَّ يوم، وأمسكت حقيبتي في يدي وخرجت دون أن أشرب فنجان الشاي الذي أشربه كل صباح، وسِرت في الشارع، وقادتني قدماي إلى محطة الأتوبيس كما تقود الحمار أرجله من الدار إلى الحقل.

وجاء الأوتوبيس منتفخًا بالناس كالعادة، واستطعت أن أصعد إليه وأدخل فيه. كيف؟ لا أدري! ولكني وجدتني فجأةً داخل أتُون فظيع من الأنفاس الساخنة الكئيبة؛ بعضها دخان، وبعضها مرض، وبعضها بصل، ولم تكن بي رغبة في الحياة، أية رغبة لأهرب كعادتي إلى جوار نافذة من النوافذ وأخرج رأسي منها؛ كان الحزن الغامض الذي أذاب إرادتي وفتَّت عقلي ونفسي قد جعلني أقف حيثما وقفت غير عابئة بما حولي، غير مكترثة بتلك الأذرع اللَّزِجة التي تحيطني من كل جانب.

وتساقطت نظراتي الغائرة العمياء على شيء … وجه … وجه طفل؟ وجه فتاة؟ وجه رجل؟ لا أدري، لم تستطع عيناي الكليتان أن تتبيَّنا صاحب الوجه، لكني رأيت وجهًا، ورأيت على الوجه ابتسامة.

وشدَّتني الابتسامة إلى الدنيا فجأةً كما تشدُّ سنارة الغواص اللؤلؤةَ من قاع البحر إلى سطح الأرض، كأنما كنت في قاع عميق مظلم بعيد، ثم جذبوني بحبل إلى النور والهواء، وكأنما نسيت شفتاي الابتسام!

فنظرت مشدوهة إلى الوجه لا أدري كيف أردُّ على هذه الابتسامة العجيبة التي بدت لي لغةً جديدة لم أتعلَّمها، وهززت رأسي بلا إرادة وبلا معنًى لأردَّ على ابتسامته، وعيناي ثابتتان على وجهه، متعلقتان بشفتيه كغريق يتشبَّث بحبل النجاة.

وأحسست أن ثقل قدمي قد خفَّ بعض الشيء، وأن جسدي الحديدي قد لان بعض الليونة، وفتحت فمي بلا وعي ووجدتني أنطق بلا إرادة: أشكرك.

ورنَّت الكلمة في أذني رنينًا عجيبًا؛ لم يكن لها نفس الرنين الذي تعوَّدته أذناي، ولم يكن نفس المعنى الذي فهمه عقلي!

ولم أسمع ردَّه على كلمتي كأنه لا يفهم تلك الكلمات العادية التي يقولها الناس أو لا يؤمن بها، لكني سمعت عينيه وهما تبتسمان لي، كيف سمعتهما؟ لا أدري، ولكني شعرت أن حواسي الميتة التي كانت ترى الناس جميعًا كتلةً واحدةً سوداء قد عادت إليها الحياة فأبصرت، ورأيت نافذة إلى جواري فنظرتُ منها، ورأيت أشعة الشمس المشرقة تسقط على سطح مياه النيل الجارية كأنما هي أسلاك ذهبية من نور سحري عجيب، ورأيت الناس في الشارع يتدفقون في حيوية ونشاط كأنما الحياة قد بلغت ذروتها.

وتركت النافذة ونظرت إلى الوجه، فرأيته ينحني لي في تحية وداع والابتسامة العجيبة حية على شفتيه، ثابتة على ملامحه كأنما هي جزء منها، ونزل الوجه من الأتوبيس واختفى في زحام الشارع، لكن الابتسامة ظلَّت أمام عيني لا تغيب. وأدركني إحساس يشبه الإيمان بأن هذه الابتسامة لن تتلاشى أبدًا من خلايا ذاكرتي، حتى الموت نفسه لن يستطيع أن يفعل، لو مات هذا الوجه يومًا، وسيموت حتمًا، فلن تموت هذه الابتسامة أبدًا، ستبقى في ذاكرتي وأنا أعيش. ولو متُّ أنا، ولسوف أموت، فإن هذه الابتسامة ستعيش في ذاكرة مَن رآها غيري. ولو مات غيري، ولسوف يموت، فستعيش في ذاكرة مَن رآها غيره؛ كأنما هي إله خالد جبَّار يوزع الحياة هنا وهناك بغير حساب.

وجاءني هواء منعش من النافذة فجذبتُ نفسًا عميقًا؛ جعل عضلات قلبي ونفسي ترتمي في راحة واطمئنان، وقلت لنفسي: إن الدنيا حلوة … حلوة.

وجاءت المحطة ونزلت من الأتوبيس، ومشيت في خطوات خفيفة، أحسست أن جسدي مصنوع من الريش، ومشيت في الشارع كأنما أرقص، وسمعت صوتًا في أعماقي يغني، ورأيت الوجوه كلها أمامي تبتسم لي فأردُّ على ابتساماتها بابتسامة سهلة طبيعية، كأنما … كأنما لم تنسَ شفتاي الابتسام أبدًا.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠