الجانب الآخَر

الدُّنيا ليل، ليل يونيو الدافئ الصافي، ونسمة القاهرة الرقيقة تدخل من نافذة العربة الطويلة، فتعبث بخصلات شعرها الأسود القصير، فيطير على وجهها وعينيها، ويحجب عنها الطريق الذي يجري سريعًا تحت عجلات العربة، وترتفع أصابعها الطويلة الرفيعة من حين إلى حين تعيد خصلات الشعر إلى مكانها.

ونظرت حكمت إلى جوارها فرأته وهو جالس يمسك بعجلة القيادة وينظر إلى الأمام، ويبدو أنفه من الجانب مُقوَّسًا بعض الشيء، وعيناه غائرتان إلى حدٍّ ما. فشعرَتْ بانقباض غريب؛ لقد رأَتْه من قبلُ مرة أو مرتين ترى وجهه من الأمام، وكانت ملامحه توحي لها بالقوة والرجولة، عيناه عسليتان صافيتان تكشفان في صدق عن أغوار نفسه، وجبهته عريضة فيها سماحة ونبل، وشفتاه منفرجتان عن ابتسامة طيبة تعبِّر عن قلبِ إنسانٍ كبير.

إنَّ هذه أوَّل مرة تنظر إليه فيها من الجانب.

ونظرت إلى وجهه من الجانب مرة أخرى؟ يا للغرابة! كأنها ملامح رجل آخَر لا يمكن أن ترتاح إليه ولا يمكن أن تثق فيه. وكانت تودُّ أن تقول له عُدْ بي من حيث أتيت، ولكنها ظلَّت صامتةً، وأخذت تنظر إلى الطريق وأصابعها تسوِّي خصلات شعرها الطائر.

ووصلا في النهاية، وأوقف العربة، ونزلا، وجلسا متقابلين تحت شجرة كبيرة، وسمعت صوته الرجالي القوي يقول: ماذا تشربين؟

– عصير ليمون.

وكانت أول مرة تخرج فيها معه؛ لماذا عرض عليها الخروج معه، مع أنه لم يَرَها إلا مرة أو مرتين؟ ولماذا استجابت لدعوته مع أنها رفضت دعوات الكثيرين؟

جلست حكمت شاردة تفكر في تلك الأسئلة التي تتزاحم في رأسها: هل لأنه رجل يمتلئ رجولةً كما يبدو من صوته وملامحه وقوامه الفارع؟ هل أحسَّتْ في مظهره بذرة الرجل الذي تبحث عنه منذ ثمانية وعشرين عامًا التي تكوِّن عمرها، الرجل الذي يحتوي عقلَها وقلبَها وجسدَها، ويسكن عنده قلقُها وحيرتُها وأحزانُ حياتها؟

ونظرت إليه تفتش في ملامحه عن ذلك الرجل، وسمعت صوته القوي يقول: حكمت، انظري إلى هذه الشجرة وإلى هذه الأنوار التي تتخللها؛ كم هي جميلة!

ورفعت حكمت بصرها إلى الشجرة، كانت ضخمة تنتشر فيها لمبات النور الملونة؛ بعضها أحمر، وبعضها أصفر، وبعضها أزرق، وقالت: إن الشجرة جميلة، ولكن تلك الأنوار الكثيرة تفسد جمالها.

وقال في حماس: بالعكس، إنها تزيدها جمالًا. ومرت الدقائق وهو يتطلَّع إلى الأنوار، وقد انقلبت ملامح الرجل فيه إلى ملامح طفل صغير، ينظر فرحًا إلى مجموعة من «البلونات» الملونة.

وأمسكت حكمت بكوب عصير الليمون، وأخذت ترشف منه في بطء، ثم رأته يلتفت إليها ويقول في سعادة ساذجة تتناقض مع قوامه الفارع وملامحه العنيفة: أنت جميلة، جميلة جدًّا. ولم تكن تنتظر أن يكون أول حديثه معها هذه الكلمة! إن أي رجل يجلس مع أي امرأة يقول لها: «أنتِ جميلة.» إنها كانت تتوقع منه أن يقول شيئًا آخَر، شيئًا عميقًا كبيرًا يهزُّ كيانها. إنه رجل عادي جدًّا، يبدو أنه لا يعرف أكثر مما قال! ولكن مظهره، ملامحه التي توحي بالعمق والقوة، صوته العميق، ذلك الإحساس الأول الذي شعرت به بأنه الرجل الذي تبحث عنه منذ ثمانية وعشرين عامًا؛ هل كان شعورًا كاذبًا؟ ولكن لماذا يبدو صغيرًا الآن؟ لماذا يبدو عاديًّا؟ وهل يمكنها أن تتجاهل فهمها وخبرتها ونضوجها وتقبل رجلًا عاديًّا؟ ولكنها أشرفت على الثلاثين من عمرها ولم تقابل الرجل الذي تريده. هل تيأس من الحصول عليه؟ وهل ترضى بهذا الرجل الطويل العريض الجالس أمامها، والذي تتراقص عيناه في طفولةٍ على لمبات النور الملونة؟

وانتفضت على صوته العميق جدًّا وهو ينظر في سذاجة وسطحية إلى يديها وهما تمسكان بكوب العصير، ويقول: إن يديك جميلتان جدًّا، صغيرتان. ما أجملهما!

ومدَّ يده كالطفل وهو يقول: أريد أن ألمسهما، هل تسمحين؟

وكانت قد بلغت من النضج وفهم الحياة حدًّا لم تَعُد معه تخشى تجربةَ أي شيء، ولكنها تريد أن تختبر هذا الرجل، تريد أن ترى كيف يبدو حين يُمسِك يديها؛ هل سيكون ذلك الطفل الذي يلهو بالبالونات الملونة، أم أنه سيكون الرجل الذي يرتسم على ملامحه؟

وكانت تريد أيضًا أن تمنحه الفرصة ليُظهِر عاطفته لها؛ هل يحبها؟ وما نوع هذا الحب؟ وكيف يعبِّر عن هذا الحب؟

ولم تكن تريد أن تحكم عليه بالإعدام من أول لقاء، لقد عوَّدتها التجربة والخبرة أن تصبر، وأن تنتظر، وأن تتأمل. إن لحظة واحدة خليقة بأن تخلق حُبًّا جديدًا، وإن لحظة واحدة خليقة بأن تقتل حُبًّا قديمًا.

وأعطته يديها الصغيرتين النحيلتين، فأمسكهما وقبَّلهما ووضع وجهه في راحتيهما، وراح يبتلع لعابه، وتفاحة آدم في رقبته تعلو وتهبط، وسمعته يقول لها: أحبك.

وكانت إنسانة رقيقة الحس والعاطفة، لها قلب كبير، حانٍ، يحترم شعور الإنسان أينما كان وكيفما كان، فنظرَتْ إليه في ودٍّ وحنان وقالت بصوت يختلج بالصدق والحرارة: حينما رأيتك أحسست أنك قد تكون الرجل الذي أبحث عنه طوال عمري، ولكن …

وسكتَتْ؛ لم تكن تريد أن تصدمه، ولم تكن تريد أن تفجعه، ونظر إليها كأنه لم يسمع ما قالت وقال: إن يديك ناعمتان جدًّا! ما هذا؟ هل صُنِعتا من البلَّور؟

بلَّور؟!

ما هذا الرجل؟ إنه لا يرى إلا الأنوار والبريق والبلَّور؟

وأحسَّتْ أنها بدأت تضيق به، فسحبت يديها من يديه، واعتدلت في كرسيها، وقالت له في جدية: الواقع أنك تحبني بطريقة غريبة عليَّ، إن كلامك لا يصل إلى قلبي، بل لا يكاد يصل إلى أذني، أَلَا تعرف الحب؟

ونظر إليها في دهشة وقال: هل أنت غاضبة يا حبيبتي؟ لا، لا، لا أريدك غاضبة. اسمعي، سأقول لك آخِر نكتة قِيلت عن القرود: كان فيه قرد في حديقة الحيوان، وبعدين … وقاطعته قائلةً: أرجوك، أنا لا أحب النكت! وقال في دهشة: لا تحبين النكت! لماذا أنت حزينة يا حبيبتي؟ لماذا لا تكونين مرحة؟ إن مظهرك المشرق وابتسامتك الدائمة دلَّاني على أنك فتاة تحبين المرح. يا إلهي! كثيرًا ما تخدعنا الصور!

وابتسمت حكمت وقالت: حقًّا، كثيرًا ما تخدعنا الصور. لقد خُيِّل إليَّ أنك رجل رصين!

وانتفض مذعورًا كأنما لدغته عقرب وقال: رصين؟! ما معنى رصين يا حبيبتي؟

– أعني رجلًا جادًّا.

وتطلَّع إلى الشجرة الملونة بالنور، ونظر إلى يديها وذراعيها وقال: أكون رجلًا جادًّا؟ وكيف أكون رجلًا جادًّا في مثل هذا الوقت، والطبيعة حولي ترقص، والجمال يجلس أمامي؟ إن وقت الحب يا حبيبتي لا يحتمل الجد.

ونظرت إليه في إشفاق كبير؛ ماذا تقول له؟ وكيف تشرح له؟ تُرى هل يفهم لو قالت له إن وقت الحب هو أكثر أوقات الحياة رصانةً وجدية، وإن أجمل ما في الحب هي تلك اللحظات الرصينة الجادة التي تطفر فيها الدموع، دموع الحب التي تختلط بالألم والفرح والأمل. ولكن هل يمكن لعينيه أن تطفر منهما دموع الحب؟ تلكما العينان السطحيتان اللتان تتراقصان مبهورتين بكل لون فاقع صارخ؟ تلكما العينان اللتان تنظران إليها فلا تريان إلا سطحهما الخارجي … البلَّور؟!

وقالت له في بساطة: إن مظهرك يدل على أنك رجل جاد.

– إنني رجل بسيط، بسيط جدًّا، لا أعقِّد الأمور. لماذا تحب النساء تعقيد الأمور؟

– ولكني رأيتك في عملك، إنك تبدو فيه رجلًا آخَر غير الذي يجلس أمامي.

– هذا طبيعي؛ تُرى هل أكون في عملي وحولي رجال فيهم خشونة، كما أكون وأنا جالس مع فتاة رقيقة حلوة!

قالت: لا أقصد ذلك، وإنما تكون أنت نفس الرجل، وليس رجلًا آخَر يناقضه.

قال: إنني لا أعرف عن الحب إلا أنه جانب الحياة الجميل المَرِح! إنه الوعاء الذي ننفض فيه متاعب العمل والكفاح في الحياة.

وتنهدت حكمت في أسًى وسكتت، فسمعته يقول: ابتسمي، اضحكي.

وفتحت شفتيها عن ابتسامة هادئة، لكن قلبها كان يجترُّ فجيعتها في الرجل الذي ظنَّت أنه رجلها، ولم تكن أول فجيعة في أول رجل، كانت تبحث دائمًا، وكانت تُفجَع دائمًا، ولم تكن تملُّ البحث، ولم تكن الفجيعة تسلِّمها إلى اليأس أبدًا.

وأسندت رأسها إلى ظهر الكرسي، ونظرت إلى السماء في شرود، وظل يتأملها طويلًا ثم قال: لا تظني يا حكمت أنني ألهو بك، إن اللهو شيء والمرح شيء آخَر. إني لا أريد أن أصنع من حبي مأساة درامية تُذرَف فيها الدموع، إنني أريد أن أصنع من حبي قصة مَرِحة كلها ضحك وابتسام. لا أدري لماذا تبحث النساء عن الآلام دائمًا؟

وقالت حكمت وهي تنظر إلى السماء: ليس هناك حب بلا دموع. وانفجر صائحًا: يا إلهي! إنني لا أطيق منظر الدموع.

وأشار إلى الشجرة المضاءة وقال: انظري إلى هذه الأنوار، انظري إلى هذه الشجرة، انظري إلى الطبيعة الجميلة، إن الحياة جميلة تريد أن تسعد الإنسان، فلماذا يبحث الإنسان عن شقائه وتعاسته؟

وقالت وهي لا تزال تنظر إلى السماء: ولكن الألم أحيانًا يُسعِد النفس والروح، والدموع أحيانًا تكون فيها لذةٌ تَفُوق لذة الابتسام والضحك.

وضغط بيده على المائدة في رفق وقال: أنا لا أفهم هذا الكلام.

وانقضَتْ لحظةُ صمتٍ قصيرة، وأحسَّتْ حكمت بيديه تقتربان من يديها وتمسكهما، ووضع يديه في راحتيها، وقال: حكمت، حينما رأيتك لأول مرة أحببتك، وأحسست أنك تطابقين الصورة التي رسمتها لشريكة حياتي، لزوجتي؛ ولهذا طلبت منك أن نلتقي خارج العمل. إنني لا ألهو، إنني أريد أن أتزوجك، فهل تقبلين؟

وظل رأسها على الكرسي، وعيناها معلقتان في السماء ولم ترد، ونظر إليها في دهشة وقال: لماذا لا تردين؟

قالت في بساطة: أنت لا تفهمني، إن الحديث عن الزواج لم يَحِن موعده بعد. إني أرى أننا مختلفان في جوهرنا، قد تكون أُعجِبتَ بمظهري، وقد أكون رأيت في مظهرك الرجل الذي أبحث عنه، ولكن الجوهر، الأعماق، نظرتنا إلى الحياة، كل ذلك يختلف اختلافًا كبيرًا.

قال: إنه الاختلاف الطبيعي بين الرجل والمرأة.

قالت: إن الرجل والمرأة يختلفان في تكوين جسدهما، هذا طبيعي، ولكن القلب واحد.

قال: أنا لا أفهم كلامك أيضًا.

وسكتت حكمت قليلًا ثم قالت وأسى الفشل يتعلق بأهداب عينيها: هل نعود؟

قال في يأس: «كما تشائين.»

وركبت إلى جواره في العربة الفارعة الطويلة، وعادت النسمة الدافئة الرقيقة تدخل من نافذة العربة فتعبث بخصلات شعرها الأسود القصير، ويطير على وجهها ويحجب عينيها السوداوين الحزينتين، وقد تجمدت بين مآقيهما الدموع، ورفعت بأصابعها الطويلة النحيلة خصلات الشعر عن عينيها، ونظرت إليه، ورأت وجهه من الجانب، ولم تُدهَش هذه المرة؛ إن وجهه من الجانب يعبِّر عن وجهه الحقيقي.

وكان هو مُمسِكًا بعجلة القيادة يفكر ويقول لنفسه: إنها فتاة غريرة تعيش في الأوهام. لم أتصوَّر أنها ترفضني رغم مركزي وثروتي، يا لغبائها! أَلَا تحس بالمتعة وهي تجلس إلى جواري في هذه العربة الأنيقة؟! أَلَا تحس؟!

وكانت عيناها السوداوان شاردتين في الطريق الممتد الطويل، تفكر أيضًا وتقول لنفسها: إنه رجل غرير يعيش في الأوهام، لم أتصور أنه يفكر في الزواج قبل أن يعرف الحب.

وكان كلاهما مخطئًا، وكان كلاهما على صواب.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٠