الفصل الخامس

التوظيف السياسي للتاريخ

مقدمة

عندما يشتد الطغيان السياسي في أمَّة من الأمم في عصرٍ من العصور، نجده يُقيِّد حريات شعب هذه الأمة، ولا سيَّما أصحاب الكلمة من المبدعين والمفكِّرين، ويفرض عليهم الصمت بقوة القهر والظلم. وهنا يلجأ المبدعون إلى وسائلهم الفنية ليعبِّروا عن آرائهم وأفكارهم بطريقة فنية غير مباشرة؛ لذلك سنجد علي أحمد باكثير يوظِّف تاريخ الحملة الفرنسية على مصر ليعبِّر به عن رأيه في جيش مصر بعد هزيمة ١٩٦٧، من خلال ثلاثيته: «الدودة والثعبان»، و«أحلام نابليون»، و«مأساة زينب»، وسنجد أيضًا توفيق الحكيم يوظِّف قصة بيع الأمراء المماليك من قبل قاضي القضاة العز بن عبد السلام؛ ليعبِّر بها عن رأيه في تصرفات الرئيس الراحل جمال عبد الناصر، وسنجد أيضًا باكثير يوظِّف شخصية صلاح الدين الأيوبي ليدعو من خلالها الحكَّام العرب إلى إنقاذ فلسطين من الخطر الصهيوني.

ومن الملاحظ أن أيَّ أمةٍ من الأمم عندما تتعرض إلى خطر ما يهدد كيانها ووحدتها القومية، فإنها لا تلبث أن ترتدَّ دائمًا إلى الصور المشرقة في ماضيها، وإلى جذورها القوية الأصيلة؛ أي ترتد إلى تراثها لترتكز عليه لمواجهة هذا الخطر. والعودة للتراث هنا تمنح الأمة الإحساس بالأمل، وبقوة شخصيتها القومية، والإيمان بعراقتها وأصالتها؛ لذلك سنجد علي أحمد باكثير في ثلاثيته يرتدُّ إلى التراث التاريخي، ليبين عن دعوة التاريخ لتكوين جيش الشعب، ذلك عندما أحسَّ بضعف الجيش المصري وهزيمته في ١٩٦٧، وأيضًا توفيق الحكيم عندما أحسَّ بالخطر الداهم؛ المتمثِّل في أعوان الرئيس الراحل جمال عبد الناصر — مراكز القوى — عندما ابتعد الرئيس عن الالتحام بالشعب ومعرفته معرفة صحيحة. ومن هنا ارتدَّ الحكيم إلى التراث ليبحث فيه عن المعادل الموضوعي لهذا الخطر، فوجده في التاريخ المملوكي. أما علي أحمد باكثير فقد عاد إلى التراث ليوجِّه أنظار الحكَّام العرب إلى الخطر الصهيوني، الذي يهدِّد الكيان العربي باحتلاله لفلسطين، وذلك من خلال مسرحيته «التوراة الضائعة».

أمَّا في المراحل التي كانت حركة اليقظة القومية تتعرض فيها للفتور والضعف بسبب النكسات، وما يترتب على ذلك من شعور بالإحباط والضياع، كان كُتَّاب المسرح أيضًا يعودون إلى التراث لتقوية النفوس، وبثِّ الأمل فيها، من خلال عصور ومراحل الازدهار والانتصار. ومن هذا المنطلق وجدنا ظاهرة توظيف التراث العربي قد انتشرت بصورة كبيرة في المسرح بعد نكسة ١٩٦٧؛ فقد أحسَّ كُتَّاب المسرح بأن الهزيمة عصفت بكيان الأمة العربية، ومن هنا تمسَّكوا بجذورهم القومية من خلال التراث؛ ليمنحوا الأمة العربية بعض التماسُك، ولبَثِّ الأمل في النفوس المنكسرة.

ومن هنا وجدنا باكثير يختار المقاومة الشعبية، والأمل في تكوين جيش الشعب من التراث التاريخي في ثلاثيته بعد عام ١٩٦٧، وأيضًا يوجِّه أنظار العالم العربي للخطر الصهيوني في مسرحيته «التوراة الضائعة» بعد عام ١٩٦٧. أمَّا محمود دياب فنجده يبحث عن أسباب الهزيمة في ١٩٦٧، من خلال التراث، في مسرحيته «باب الفتوح».

(١) جيش الشعب رمز للقومية للعربية

يقول «علي أحمد باكثير»:
لعل اهتمامي بالقومية العربية كان ذا أثر في ولوعي بالتاريخ واستلهامه لموضوعات كثيرٍ من مسرحياتي، على أن هناك أسبابًا أخرى؛ منها أن الفن عمومًا، والفن المسرحي خصوصًا ينبغي عندي أن يقوم على الرمز والإيحاء، لا على التعيين والتحديد، فتكون الحقيقة التي يصوِّرها العمل الفني — وهو هنا المسرحية — أوسع وأرحب من الحقيقة التي يمثِّلها الواقع. وأحداث التاريخ تعين الكاتب على بلوغ هذه الغاية أكثر ممَّا تُعينه أحداث الجيل المعاصر؛ لأن أحداث التاريخ قد تبلورت على مرِّ الأيام فاستطاعت أن تنزع عنا الملابسات والتفاصيل، التي ليست بذات بالٍ من حيث الدلالات، التي يتصيِّدها الكاتب للوصول إلى الهدف الذي يرمي إليه في عمله الفنِّي. حقًّا إن أساس الفن هو الاختيار، والفنان يستطيع أن يختار من المادة التي يجيل منها موضوعه العناصر التي يراها ذات دلالة، ويطرح ما ليس كذلك، سواء كانت هذه المادة من التاريخ أو من الحياة المعاصرة، غير أن التاريخ للسبب الذي أشرنا إليه آنفًا أعون على هذا الاختيار المطلوب من الحياة المعاصرة.١
من هذا المنطلق كتب «باكثير» مسرحياته: «الدودة والثعبان» عام ١٩٦٧، و«أحلام نابليون»، و«مأساة زينب» بعد عام ١٩٦٧، وقبيل وفاته في ١٠ / ١١ / ١٩٦٩ مستلهمًا فيها تاريخ الحملة الفرنسية على مصر. وهذه المسرحيات تعتبر ثلاثية متكاملة رغم ما أُثير حولها من جدلٍ بين النقَّاد حول اكتمالها أو عدم اكتمالها.٢

وتدور مسرحية «الدودة والثعبان» حول وصول الحملة الفرنسية بقيادة «نابليون بونابرت» إلى مصر. وكانت الحملة مؤمنة بأنها لن تلقى أيَّ مقاومة تُذكر؛ لأن المماليك — وهم حكَّام مصر في ذلك الوقت — لن يصمدوا أمام التفوق العسكري للفرنسيين. هذا من جانب، ومن جانب آخر كانت الحملة مؤمنة — أيضًا — بأنها لن تلقى أي مقاومة تُذكر من الشعب المصري الذي ترك مهمة الدفاع عنه للمماليك. وبالفعل ينتصر الفرنسيون على المماليك، وبقي الشعب المصري وحده أمام العدو ليقاومه. وتمثلت هذه المقاومة في محاولة إنشاء جيش من الشعب بقيادة الشيخ «سليمان الجوسقي» — زعيم العميان — الذي دأب وهو ورجاله ومندوبو الأقاليم على التأهب والاستعداد وجمع السلاح لإنشاء هذا الجيش. ويبدأ الشيخ في بذر فكرته من خلال الحوار التالي بينه وبين القاضي التركي «إبراهيم أدهم» و«روستي» — قنصل النمسا في مصر:

القاضي : يجب أن يدرك الجيش هذه الحقيقة.
الجوسقي : هذا لو كان هذا الجيش من الشعب.
القاضي : من الشعب، من الشعب! أتظنُّ في الإمكان أن ينشأ جيش من هذا الشعب؟
الجوسقي : ماذا يمنع يا مولانا القاضي؟
القاضي : شعب غير محارب.
الجوسقي : من طينة أخرى غير طينة البشر؟
القاضي : لم يتعوَّد القتال.
روستي : في إمكانه أن يتعوَّد.
القاضي : لا يريد أن يحارب بنفسه.
الجوسقي : هذا ما تقولونه عنَّا أنتم والمماليك.
القاضي : كلا، لا تخلطنا بالمماليك؛ نحن شيء والمماليك شيء.
الجوسقي : لكن سُوء الرأي فينا يجمعكم.
القاضي : كلا، لا يجمعنا بهم شيء.
الجوسقي : وهذا الرأي السيئ فينا؟
القاضي : هذا ليس من عندنا. هذا ما ينطق به الواقع.
الجوسقي : هذا واقع فرضتموه علينا أنتم والمماليك.
القاضي : بل كان موجودًا في بلادكم من قبل أن يفتحها السلطان سليم الأول؛ فقد انتزعها من أيدي المماليك.
الجوسقي : ليواصل بعدهم فرض هذا الواقع.
القاضي : لو كان ذلك لا يرضيكم لثرتُم عليه.
الجوسقي : صدقت. هذه كلمة حق. لقد طال علينا الأمد فخُيِّل إلينا أن السلاح لا ينبغي أن يحمله إلا مملوك أو عثماني.٣

ويصل بالشيخ «سليمان الجوسقي» أن يُفاتح «نابليون» في أمر إنشاء جيش من الشعب. وهذه المكاشفة من قبل الشيخ كان لها أحد أمرين: إما أن يقتنع بها «نابليون» فيدمِّر الجيش الحملة الفرنسية، أو لا يقتنع بها، فيقوم الشيخ بتكوين الجيش وحده، وإذا علم به «نابليون» سيظنُّ أنه جيش مكوَّن ضدَّ المماليك لا ضدَّ الفرنسيين.

الجوسقي : هل فكَّرت فيما اقترحته عليك من قبل؟
نابليون : تكوين جيش من الشعب؟
الجوسقي : نعم.
نابليون (يضحك) : يا شيخ جوسقي، هذا الشعب لا يصلح للقتال.
الجوسقي (في حدة) : من قال لك؟ إنك تردد كلام المماليك والأتراك.
نابليون : ألم ترَ إلى ما اعترى أهل القاهرة من الفزع والوله حتى هربوا منها بمتاعهم وأولادهم قبل أن ندخلها فتخطفهم اللصوص في الطريق؟
الجوسقي : يا سيدي، لم يكن ذلك عن جبن، ولكن عن جهل بحقيقة الحال، وقلة نظام، وسوء تدبير، وعدم وجود قيادة واعية … أنت ورجال جيشك أجانب، ولكن لستم خونة. أنا قلت لك يا سيدي: جند من الفلاحين ومن العربان.
نابليون : هؤلاء هم الذين قاومونا وقاتلونا في طريقنا من الإسكندرية.
الجوسقي : وما زالوا حتى اليوم يقاومونكم في الأقاليم.
نابليون : فكيف أعتمد على هؤلاء؟
الجوسقي : إذا كسبت قلوبهم كسبت كل شيء.
نابليون : وكيف أكسب قلوبهم؟
الجوسقي : إذا اقتنعوا أنك تريد حقًّا أن تحررهم من ظلم المماليك.
نابليون : وكيف يقتنعون بذلك؟
الجوسقي : إذا رأوك تطمئن إليهم فتنشئ منهم جيشًا ليحلَّ محل جيش المماليك.٤

ويستمر الشيخ «الجوسقي» طوال المسرحية يسعى لتحقيق أمله في تكوين جيش الشعب، ولكن «نابليون» يكتشف في نهاية الأمر خداع «الجوسقي» له، وأنه زعيم هذا الجيش، وهو أيضًا المحرِّض الأول لقيام ثورة القاهرة الأولى؛ لذلك يأمر بقتله هو وأتباعه من العميان.

هذا هو دور الشيخ «الجوسقي» في المسرحية. أمَّا دوره في التاريخ فلم يتعدَّ سوى أنه أحد الشيوخ الخمسة المقبوض عليهم بعد ثورة القاهرة الأولى؛ لأنهم المحرِّضون عليها، وهم: «سليمان الجوسقي»، و«أحمد الشرقاوي»، و«عبد الوهاب الشبراوي»، و«يوسف المصيلحي»، و«إسماعيل البرَّاوي». وقد تم حبسهم في بيت «البكري»، وبعد عدة أيام قتلوهم بالبنادق وألقوهم من السور خلف القلعة.٥ وبذلك استطاع «باكثير» أن يخلق شخصية «الشيخ الجوسقي» بصورة فنية لم تلق أي اهتمام من جانب التاريخ بقدر اهتمام الفن المسرحي بها، وأصبحت هذه الشخصية رمزًا لتكوين جيش الشعب في باقي الثلاثية.

وفي الجزء الثاني من الثلاثية — مسرحية «أحلام نابليون» — نجد «زينب» ابنة «خليل البكري» — نقيب الأشراف — وزوجة «نابليون» تتبنَّى فكرة جيش الشعب، وكأنها امتداد لشخصية «الجوسقي»، ونعلم أن إيمانها بهذا الجيش وبالأمة العربية جعلها تتزوج من نابليون سرًّا، ولكن هذا الإيمان يتبدد أمام هزيمة «نابليون» في الشام، فيدور بينهما هذا الحوار:

نابليون : أنا ما أكرهتُكِ على الزواج، لم إذن تزوجتِني؟
زينب : لأنك خدعتني بمعسول كلامك، وملأت رأسي بتلك الأحلام الوردية التي زعمت أنك قادر على تحقيقها. العرب يا زينب أولى بالخلافة من الترك. دار الخلافة يجب أن تكون في القاهرة لا في إسطمبول. سأعيد وحدة الأمة العربية التي مزَّقها الأتراك والمماليك. سأحيي روح الجندية في هذا الشعب من جديد، وسأبني على ضفاف النيل دولة عربية كبرى يخضع لها الشرق كله، إلى آخر تلك الأوهام.٦

ولكن «زينب» تتمسك بأحلامها وإيمانها بجيش الشعب، الذي أصبح في نهاية المسرحية رمزًا لتوحُّد الأمة العربية تحت علم واحد، بعد أن تركها «نابليون» هاربًا إلى فرنسا، وبعد أن تخلَّى عن وعوده لها بتحقيق آمالها السابقة، فيدور بينها وبين «محيي الدين» — ابن عمِّها وحبيبها — هذا الحوار:

زينب : أنت تعلم أني أحبك يا محيي الدين وأقدِّرك، ولكني لا أستطيع أن أتزوجك.
محيي الدين : لمَ يا زينب؟
زينب : أنت لا تستطيع أن تجعلني سلطانة. هل تستطيع؟
محيي الدين : لا.
زينب : ولا أن تعيد وحدة الأمة العربية التي مزَّقها الصليبيون والتتار والأتراك والمماليك. هل تستطيع؟
محيي الدين : لا.
زينب : فكيف تريد أن تتزوجني يا محيي الدين؟
محيي الدين : السعادة يا زينب لا تتوقف على هذه المطالب.
زينب : لكن الحياة تتوقف عليها يا محيي الدين، ولا سعادة بغير حياة.
محيي الدين : هذه أوهام يا زينب.
زينب : كلا، ليست بأوهام.
محيي الدين : لن تتحقق أبدًا.
زينب : بل هي آتية لا ريب.
محيي الدين : قد ذهب من منَّاكِ بها وتخلَّى عنها وعنكِ.
زينب : إن تخلَّى عنها فهو غريب، ولكني أنا منها وهي مني؛ فلن أتخلى عنها أبدًا. سأظلُّ أنتظر وأنتظر وأنتظر.
محيي الدين : إلى متى يا زينب؟
زينب (كالحالمة) : إلى أن يجيء الفارس البطل على فرسه الأدهم ويومئ بإصبعه، فإذا الأمة العربية يجمعها علم واحد، وإذا القاهرة عاصمتها المزدانة، وإذا أنا على عرشها سلطانة.٧

وفي الجزء الثالث والأخير من الثلاثية — مسرحية «مأساة زينب» — يستمر الأمل في تكوين الجيش لخلاص مصر من الاستعمار، متمثِّلًا أيضًا في شخصية «زينب» التي تحاول إقناع الجنرال «فردييه» — نائب القائد العام — وزوجته بتبنِّي فكرة إنشاء جيش الشعب، وإقناع «كليبر» بها، بل نجدها تحارب الأتراك والمماليك بعد أن أصبحت من أتباع الشيخ «الجوسقي» وامتدادًا له:

زينب : أعطني بندقية يا جنرال فردييه.
فردييه : ماذا تصنعين بها؟
زينب : سأقاتل بها معكم، سأطلق الرصاص على هؤلاء الأتراك والمماليك.
فردييه : تحسنين إطلاق الرصاص؟
زينب : كل أتباع الجوسقي مدرَّبون على استعمال السلاح.
فردييه : ما كنت من أتباعه.
زينب : صرت اليوم من أتباعه.٨

ويتبدَّد الأمل عند «زينب» في تكوين جيش الشعب عن طريق «كليبر» بعد أن قتله «سليمان الحلبي»، فتحاول تحقيق أملها عن طريق «مينو» من خلال زوجته «زبيدة»:

زبيدة : ما كنت أعلم أنه بهذا السوء.
زينب : في وسعك أن تُجدي فيه خيرًا فتشعري بالرضا إذا ظفرت منه بشيءٍ في خدمة بلادك.
زبيدة : تعنين إنشاء جيش الشعب؟
زينب : نعم.
زبيدة : ما خطبك يا أختي؟ ألم أقل لك مرارًا إنه لا يقبل هذه الفكرة أبدًا، ويعدُّها خطرًا عليه وعلى جيشه؟
زينب : حاولي مرة أخرى. قولي له إن هذا الجيش سيكون سياجًا له دون هجوم الإنجليز من الشمال، وغارات العثمانيين من الشرق.٩
ويتبدَّد هذا الأمل أيضًا بخروج الحملة الفرنسية من مصر، ووصول الاستعمار الإنجليزي بقيادة الجنرال «هتشنسون»، وهنا تُقام محاكمة ﻟ «زينب» من قِبل «نصوح» باشا — القائد العثماني — و«عثمان الطنبورجي» من أمراء المماليك، ويأتي الحكم عليها بالإعدام بسبب الخيانة العظمى؛ لأنها حاربت بجانب الفرنسيين، وكذلك لانتهاكها لحرمة الدين؛ كالتبرج والخلاعة والسفور ومخالطتها ﻟ «نابليون» — بعد أن أنكرا عليها قصة زواجها منه سرًّا — هذا بالإضافة إلى مراقصتها لفرنسيين آخرين وشرب الخمر معهم غير «نابليون». وأخيرًا تكتمل مأساة «زينب» بإقرار وإثبات هذه التهم عليها من قِبل والدها «خليل البكري»، الذي يتنكَّر منها ومن أفعالها وسط المحاكمة. وبالفعل يسوقها الجلاد «عبد العال أغا» وزبانيته إلى مصيرها المحتوم، فتدعو آخر دعواها قائلة:
يا رب، أنقذ الكنانة، وادفع بلاءها، وارفع لواءها، وأصلح رجالها، وارحم نساءها، واجعل لها جيشًا من بنيها يعزُّها ويحميها. يا رب، أنت العليم، وأنت الخبير، وأنت المولى، وأنت النصير.١٠
وشخصية «زينب» استطاع «باكثير» أن يخلقها بصورة فنية كما خلق من قبل شخصية الشيخ «الجوسقي»، فالجبرتي يقول عنها:
طُلِبت ابنة الشيخ البكري — وكانت ممن تبرج مع الفرنسيس — بمعينين من طرف الوزير، فحضروا إلى دار أمها بالجودرية بعد المغرب وأحضروها ووالدها، فسألوها عما كانت تفعله فقالت: إني تبت من ذلك، فقالوا لوالدها: ما تقول أنت، فقال: أقول إني بريءٌ منها، فكسروا رقبتها.١١
وفي موضع آخر يقول عن والدها «خليل البكري» — نقيب الأشراف:
كان له ابنة خرجت عن طورها في أيام الفرنسيس، فلما أُشيع حضور الوزير والقبودان والإنكليز، وظهر على الفرنساوية الخروج من مصر، فقتل ابنته المذكورة بيد حاكم الشرطة، فلما استقرَّت العثمانية بالديار المصرية عُزِل المترجم عن نقابة الأشراف، وتولَّاها السيد عمر مكرم كما كان قبل الفرنساوية. ولما حضر محمد باشا خسرو أنهى إليه الكارهون له بأنه مرتكب للموبقات ويعاقر الشراب وغير ذلك، وأن ابنته كانت تذهب إلى الفرنسيس بعلمه، وأنه قتلها خوفًا وتبرئةً لنفسه من الشهرة التي لا يمكنه سترها، ولا يقبل عذره فيها ولا التنصُّل منها، وأنه لا يصلح لمشيخة سجادة البكرية.١٢
والآن، وبعد اكتمال الثلاثية، ألا يمكن أن نقول: إن فكرة إنشاء جيش الشعب؛ تلك الفكرة الممتدة طوال الثلاثية، والمتبنَّاة من قبل الشيخ «الجوسقي» ثمَّ «زينب»، هي دعوة من قبل «علي أحمد باكثير» لإصلاح الجيش المصري، أو إنشاء جيش آخر بعد هزيمته في عام ١٩٦٧، على اعتبار أن الجيش المهزوم كان جيش الحكومة لا جيش الشعب. والدليل على ذلك أن الشيخ «الجوسقي» أنكر على السيد «عمر مكرم» مقاومته الوطنية، ووصفه بأنه من «شيوخ الوقت» الفاقدين لمقوِّمات القيادة.١٣ ولعل «باكثير» يرمز هنا للرئيس «جمال عبد الناصر» بشخصية «عمر مكرم».

(٢) التوظيف الفكري السياسي للتاريخ

يقول توفيق الحكيم: «لقد كانت ثقتي بعبد الناصر تجعلني أُحسنُ الظن بتصرفاته، وألتمس له التبريرات المعقولة، وعندما كان يخالجني بعض الشك أحيانًا، وأخشى عليه من الشطط أو الجور كنت ألجأ إلى إفهامه رأيي عن بُعد وبرفقٍ، وأكتب شيئًا يفهم منه ما أرمي إليه؛ فقد خفت يومًا أن يجور سيف السلطان في يده على القانون والحرية، فكتبت «السلطان الحائر».»١٤
وهذه المسرحية كتبها الحكيم عام ١٩٦٠، وهي تدور حول قصة تاريخية قام فيها قاضي القضاة «العز بن عبد السلام» ببيع أمراء دولة المماليك في المزاد، والقصة تقول:
كان هؤلاء المماليك … ذوي نفوذ وقوة في بلاط الدولة المصرية أيام الصالح نجم الدين أيوب … [و] كانوا يديرون دفة الحكم من وراء عرش الخلافة … وبعدما تسلَّم الشيخ العز منصبه الهام، ونظر في الأمور القضائية الشرعية نظرة إصلاح، ظهر له أن أولئك المماليك ما زالوا عبيدًا أرقَّاء من الوجهة الشرعية، فحكم عليهم بأنهم من أملاك بيت مال المسلمين، وإذا أرادوا الحرية فلا بُدَّ من بيعهم … ولما رأوا الإلحاح البالغ والعزم الأكيد من عز الدين على بيعهم رفعوا الأمر إلى السلطان … فطلب السلطان منه أن يتركهم وشأنهم، فلم يرجع الشيخ عن حكمه … وترك القضاء … وعزم على ترك البلاد … فركب السلطان بنفسه ولحقه واسترضاه وطيَّب خاطره، فرجع واتفق معه على أن يُنادى على الأمراء في المزاد.١٥
والحكيم في هذه المسرحية يُقيم صراعه حول ثنائيته الخالدة بين الحقيقة والواقع؛ فالسلطان في الحقيقة عبدٌ مملوكٌ من متاعِ الدولة، وفي الواقع هو السلطان حاكم البلاد. وهذا الصراع أدى إلى صراع آخر بين السيف والقانون، فإما أن يختار السلطان طريق السيف — أو القوة — لإثبات الواقع، أو يختار طريق القانون لإثبات الحقيقة. وبالفعل يختار السلطان طريق القانون، وبفضل هذا الاختيار يتعرَّف على شعبه، كما يتعرَّف عليه الشعب ولأول مرة عن طريق «الغانية» التي تقول له:
كنت وقحة معك عن عمد، ومبتذلة سليطة عن قصد … أتدري لماذا؟ … لأني كنت أتخيلك في صورة أخرى! … صورة سلطان متعجرف يزهو ويتبختر ويتعالى في خيلاء جبروته! … كأغلب السلاطين! … بل لعلَّك أكثرهم غرورًا، وأشدهم غطرسةً؛ بسبب حروبك وانتصاراتك … فالناس يتحدَّثون دائمًا عن تلك الياقوتة الخيالية التي تزيِّن عمامتك … تلك الياقوتة الفريدة في الدنيا، التي قيل إنك انتزعتها بحدِّ سيفك من رأس كبير المغول! … نعم … أعمالك عجيبة وعظيمة؛ لذلك كانت صورتك في رأسي مرادفة للتكبر والتحجُّر والقسوة … لكن ما أن حدَّثتني بهذا اللطف وهذا التواضع حتى أصابني شيءٌ من الذهول والحيرة! …١٦

والحكيم هنا أراد بنزول السلطان إلى شعبه أن يندمج مع هذا الشعب حتى يتبين واقعه الحقيقي، بدلًا من الاعتماد على أعوانه أمثال الوزير والقاضي ممن يشوهون صورة السلطان أمام الشعب، كما يشوهون صورة الشعب أمام السلطان؛ فالسلطان هنا هو الرئيس «جمال عبد الناصر»، وأعوان السلطان أمثال «الوزير والقاضي» هم مراكز القوى في العهد الناصري، و«الغانية» هي رمز للشعب المصري.

ومما سبق نجد أن «توفيق الحكيم» استطاع أن يوظِّف التراث التاريخي متمثِّلًا في قصة «بيع الأمراء»؛ كي يرمز بها إلى العهد الناصري وما فيه من مساوئَ، محاولًا إصلاحها عن طريق الرمز والمعادل الموضوعي، وذلك من خلال مسرحه الفكري وثنائيته الشهيرة في الصراع بين الحقيقة والواقع.

(٣) إحياء الشخصية التاريخية

لقد اختلفت العلاقة بين الكاتب المسرحي المعاصر والتراث في الوقت الحاضر، فلم يعُد همه الأساسي أن ينقل إلينا الأحداث والشخصيات التراثية بصورة فوتوغرافية كما جاءت في مصادرها التراثية، بل أصبح مهتمًّا بمزج التراث بالعصر الحاضر؛ أي أن يختار من بين الأحداث التراثية والشخصيات التراثية ما يتناسب مع تجربته المعاصرة؛ كي يُسقط الحاضر على ذلك الحدث التراثي، أو على الشخصية التراثية. ومن هنا تتم العلاقة الثرية بين الكاتب وبين التراث. وفي إطار هذه العلاقة يتم الأخذ والعطاء، أي التأثير والتأثُّر؛ لأن الكاتب المسرحي يرتد إلى التراث لينهَل من ينابيعه المتدفقة ما يساعده على إبراز تجربته المعاصرة.

وفي ذلك يقول الدكتور عبد القادر القط:
قد يرى الكاتب في حدثٍ من أحداث التاريخ أو شخصية من شخصياته مشابهة من أحداث أو شخصيات معاصرة، فيحاول أن يربط بين التاريخ والحاضر، وأن يعبِّر من خلال الماضي عن بعض القضايا في العصر أو المجتمع الذي يعيش فيه؛ أي أن «يُسقط» الحاضر على الماضي كما يُقال في الاصطلاح النفسي المعروف. وكما يقتضي التعبير عن بعض الدلالات والرموز من خلال الحدث التاريخي والشخصية التاريخية إقامة بناء فني كامل على أساس من العزل والاختيار، كذلك ينبغي أن يمارس الكاتب هذا الاختيار والعزل في الربط بين أحداث التاريخ ووقائع الحاضر، فكما أن أحداث الحياة العصرية اليومية لا تصلح جميعًا، في اختلاطها واختلاف قدرتها على الدلالة والرمز، لكي تكون موضوعًا لعمل مسرحي ناجح، كذلك لا تصلح كل أحداث التاريخ كما انتهت إلينا؛ فالتاريخ ليس في النهاية إلا أحداثًا كانت ذات يوم وقائع لحياة عصرية شديدة الاختلاط، مختلفة الرموز والدلالات.١٧

من هذا المنطلق كتب «علي أحمد باكثير» مسرحية «التوراة الضائعة» عام ١٩٦٩، وقد ضمَّنها ثلاثة مشاهد خيالية تجمع بين «صلاح الدين» و«ريتشارد قلب الأسد» في عصرنا الحديث، وذلك كي يضعا العالم الإسلامي والعالم المسيحي في قفص الاتِّهام جزاء تفريطهما في فلسطين.

ريتشارد : وما الصهاينة؟
صلاح الدين : اليهود الذين اغتصبوا فلسطين، وطردوا منها أهلها العرب، وأقاموا فيها دولة إسرائيل؛ لتكون نواة لإمبراطورية لهم تمتد من النيل إلى الفرات.
ريتشارد : من النيل إلى الفرات؟
صلاح الدين : وليس هذا غاية مطمعهم، بل يرمون من خلالها إلى السيطرة على العالم كله.
ريتشارد : هذا كلام غير معقول. اليهود قتلة المسيح يستولون على العالم؟ أين المسيحيون إذن، وأين المسلمون؟١٨

وبعد ذلك يدور الحوار بينهما حول أمريكا، والاستعمار، والإمبريالية، والحركة الصهيونية، والحركة النازية، والقوة الذرية، وغزو الإنسان الفضاء، و«هرتزل» — زعيم الحركة الصهيونية — و«هتلر» واضطهاده لليهود، و«تشرشل»، و«بلفور». وأمام هذه الأخطار العصرية، ينسحب ريتشارد عائدًا إلى قبره، ويدور بينه وبين صلاح الدين هذا الحوار:

ريتشارد : لا يا صلاح الدين، لا أستطيع البقاء هنا لأرى جناية هذا العالم المسيحي على الأرض التي باركها المسيح. سأعود إلى قبري وأترك للرب القدير أن يفعل ما يشاء.
صلاح الدين : لقد كنت أودُّ — يا أخي ريتشارد — أن تبقى هنا معي لتؤنسني.
ريتشارد : لا أستطيع يا أخي. سوف لا أستطيع.
صلاح الدين : لا بأس، عُد إذن إلى قبرك، ونم ملء عينيك؛ فلسوف تصحو ذات يوم فلا تجد في هذه الأرض المقدَّسة ظلًّا لأعداء المسيح، وتعود أرض السلام إلى أهل السلام.١٩

وباكثير في هذه المسرحية — خصوصًا مشاهدها الخيالية — يدعو إلى رفض الوقوع تحت السيطرة الصهيونية، التي تسعى إلى تفريق الأديان في العالم بصفة عامة، وفي الوطن العربي بصفة خاصة. وقد تحقَّق ذلك عند باكثير عندما استلهم من التاريخ شخصيتي «صلاح الدين» و«ريتشارد قلب الأسد»، وأقام بينهما حوارًا من الممكن أن يصبح في يوم ما حوارًا بين أبناء الأمة العربية المسلمين منهم والمسيحيين، أملًا في إنقاذ الوطن العربي من الخطر الصهيوني، وتمهيدًا لتحرير فلسطين من خلال إحياء الشخصيات التاريخية.

يقول جورج لوكاش:
إن ما يهمُّ في الرواية التاريخية ليس إعادة سرد الأحداث التاريخية الكبيرة، بل الإيقاظ الشعري للناس الذين برزوا في تلك الأحداث، وما يهمُّ هو أن نعيش مرة أخرى الدوافع الاجتماعية والإنسانية التي أدَّت بهم إلى أن يفكِّروا ويشعروا ويتصرفوا كما فعلوا ذلك تمامًا في الواقع التاريخي. وإنه لقانون في التصوير الأدبي الذي يبدو أولًا متناقضًا، ومن ثمَّ واضحًا تمامًا، وهو أنه للكشف عن دوافع السلوك الاجتماعية والإنسانية هذه تكون الأحداث غير المهمة ظاهريًّا؛ أي العلاقات الصغرى «من الخارج»، أكثر ملاءمة من سلسلة أحداث التاريخ العالمي المهمَّة الكبرى.٢٠

ومن هذا المنطلق كتب «محمود دياب» مسرحية «باب الفتوح» عام ١٩٧١ مستلهمًا شخصية «صلاح الدين الأيوبي» وانتصاره على الصليبيين، وتدور المسرحية حول مجموعة من الشباب في العصر الحاضر تشكو وضعها الراهن وما فيه من فراغ؛ لذلك تبحث في التاريخ عن مخرج لهذه الأزمة:

الشاب الخامس : لن نقرأ التاريخ كما كُتِب يا رُفاق، ولكننا سنعيد صنعه.
الفتاة الثانية : وكيف نعيد صنعه وليس بوسعنا أن نعيده هو نفسه؟
الشاب الخامس : أعني أن نعيد صياغته، نتخيله على هوانا، نرد إليه ما أنقِص منه، ونستبعد منه ما لا نقبله. بكلمة مختصرة: نصنع الحقيقة.٢١
ثمَّ تبحث المجموعة بعد ذلك في التراث التاريخي وتنتقي منه فترة انتصار «صلاح الدين» على الصليبيين في موقعة «حطين» إلى أن فتح «القدس». ومن الملاحظ أن المجموعة لا تهتم كثيرًا بما رصده التاريخ عن هذه الفترة بقدر اهتمامها ببعض الحقائق التي لم يرصدها التاريخ. ومن هنا تخلق المجموعة شخصية «أسامة بن يعقوب»؛ ذلك الفتى الأندلسي الهارب من ملك إشبيلية حاملًا معه كتابًا قد ألَّفه باسم «باب الفتوح». ويتضمن هذا الكتاب أفكار «أسامة» فيما ينبغي أن تكون عليه علاقة الحاكم بالمحكومين كي يقدِّمه ﻟ «صلاح الدين»؛ أي إن شخصية «أسامة» خلقتها المجموعة كي تكون رمزًا للقوة الفكرية والاجتماعية، لتقف بجانب القوة الحربية عند «صلاح الدين». فكتاب «باب الفتوح» كان يتضمن تقريرًا عن أسباب فشل «صلاح الدين» في تحقيق الانتصار الكلي؛ لأن انتصاره في «حطين» كان انتصارًا محدودًا؛ فالانتصار كما تطرحه المسرحية ينبغي أن يكون انتصارًا كليًّا شاملًا يجمع في جنباته الانتصار الإنساني والاجتماعي والاقتصادي والعسكري. أمَّا الانتصار التاريخي الذي حققه «صلاح الدين» فكان انتصارًا عسكريًّا فقط:
[فالمسرحية بذلك] احتجاج على التاريخ الذي كتبه مؤرخو الملوك والوزراء والأمراء. المؤرخون الذين يرون أن الأحداث التاريخية هي ما يصنعها هؤلاء، وأن ما سواهم دهماء لا يصنعون، وإنما تُصنع بهم الأحداث. والكاتب — لهذا — ما إن يختر نصر صلاح الدين العظيم على الصليبيين في حطين موضوعًا له، حتى يروح يفتِّش في جنبات هذا النصر عن الصانع الحقيقي له، هل هو صلاح الدين وعبقريته وجيوشه، أم هم الجنود المحاربون البسطاء الذين سعوا إلى حماية أهلهم وأرضهم وبيوتهم من هجمات الصليبيين؛ دفاعًا عن حاضرهم ومستقبلهم معًا؟ وما هو هذا النصر الذي حققه صلاح الدين للعرب والمسلمين؟ ماذا يفيد الرجل العادي والمرأة العادية منه؟ وهل هو نصر باقٍ أم تراه نصرًا هشًّا مؤقَّتًا، لا يفيد منه إلا أتباع صلاح الدين المباشرون من أمراء وقوَّاد وتجَّار وموردي نفائس وجوارٍ؟ والمسرحية تحقيق درامي بالغ العذوبة في هذه الأسئلة التي تثيرها، تحقيق يذهب إلى التاريخ رأسًا ويقول له: من غير المعقول أن يكون الكلام الذي تقوله هو كل الحقيقة.٢٢
ومن هنا وجد «محمود دياب» أن التاريخ أو الماضي — كما يراه هو — يختلف عن نفس التاريخ أو الماضي كما رآه الجيل السابق، وكما سيراه الجيل في المستقبل. «ومن هنا يصدق القول بأن للأمة الواحدة أكثر من تاريخ، ولا بُدَّ — لهذا — لكل عصر أن يكتب التاريخ من وجهة نظره … والكلمة الأخيرة في تاريخ أي عصر أو أي حادث لم تُقل بعدُ، ولا يمكن أن تُقال قط.»٢٣
ولعل «محمود دياب»، في هذه المسرحية، أراد أن يستلهم التراث التاريخي متمثِّلًا في انتصار «صلاح الدين» على الصليبيين في «حطين»؛ كي يكون معادلًا موضوعيًّا لهزيمة مصر في عام ١٩٦٧. وكما أن المسرحية تطرح العديد من الأسئلة حول أسباب انتصار «صلاح الدين»، فهي تطرح أيضًا من خلال المعادل الموضوعي العديد من الأسئلة حول أسباب الهزيمة عام ١٩٦٧؛ فمحمود دياب قد أجاب على سؤال طرحه عليه «نبيل فرج»: لماذا قلَّ إنتاجك بعد النكسة؟ قائلًا: «أعتقد أن قلة الإنتاج الأدبي بعد النكسة ظاهرة عامة، ولعل السبب في ذلك يرجع إلى أنه بعد النكسة — كما صار على جيشنا أن يجدِّد أسلحته — صار على كتَّابنا أيضًا أن يعيدوا النظر في أسلحتهم، وأن يبحثوا عن مناهجَ جديدة في التفكير والتعبير. وهذا أمر يحتاج إلى وقت قبل أن يتضح وينضج ويثمر فينا، لا يقوم على شعارات سياسية فورية تستهدف رضاء الجماهير بما تلقيه على الجروح من مسكِّنات … بل فنًّا يواجه الجماهير بنفسها بصدق حتى تصبح أكثر وعيًا بذاتها.»٢٤

ومن هنا نجد أن المسرحية تدعو إلى إعادة كتابة تاريخ الرئيس «جمال عبد الناصر»، وكذلك أسباب الهزيمة في عام ١٩٦٧، من خلال إحياء شخصية صلاح الدين. فبما أن انتصار «صلاح الدين» في «حطين» كانت انتصارًا محدودًا، فمن الممكن أن تكون هزيمة ١٩٦٧ محدودة أيضًا، وكما أن التاريخ قد أغفل أسبابًا مشرقة كان من الممكن أن تجعل انتصار «صلاح الدين» انتصارًا كاملًا، من الممكن أيضًا أن نبحث في التاريخ الناصري كي نجد الأسباب التي تؤدي بنا إلى النصر الكامل.

(٤) التوظيف الاجتماعي السياسي للتاريخ

لقد كتب «ألفريد فرج» مسرحية «سليمان الحلبي» عام ١٩٦٥، مستلهمًا فيها فترة حكم «كليبر» لمصر، وتصوِّر المسرحية ما ألحقه ذلك الجنرال في مصر من عسفٍ وظلمٍ بالشعب؛ لذلك يتألَّم بطل المسرحية «سليمان الحلبي» — القادم من حلب إلى القاهرة ليتعلم في الأزهر — للظلم الذي لحق بالمصريين من «كليبر»، فيقرر قتله، مؤمنًا بأن ذلك القتل هو الواجب والحق المشروع لتأكيد العدل. وجاء القتل من قبل «سليمان الحلبي» بعد أن قاضى «كليبر» وحاكمه وأدانه، وأخيرًا جعل من نفسه جلَّادًا له فقتله. وعن الأثر النفسي لظلم المصريين عند «سليمان الحلبي»، يدور هذا الحوار بينه وبين صديقه الأزهري «محمد»:

سليمان : أهذه حياة … التي يحياها الناس؟
محمد : الحياة خير في كل وقت.
سليمان : لا … فمن الحياة ما يفضله الموت.
محمد : لا تركب أجنحة الشطط يا سليمان، فالمؤمن لا يعدل شيءٌ عنده الحياة، هي عنده السر الإلهي العزيز، وحتى العقلاني — كما نسمع هذه الأيام — لا يختلف عن ذلك، فإن الحياة عنده صفة تُضاف للشيء فيرقى به، ولا ينحط به أبدًا أيًّا ما كانت الظروف. الفرنسيس أيضًا يبكون موتاهم كما نبكي نحن موتانا بالدموع.
سليمان : وهزيمة أمة كريمة … ما قولك … أن نلبس العار، ونأكل الندم، وتنبش عقولنا أفكار خطرة، وعيون شريرة ترصد الواحد كثعابين أرسلتها السحرة إلى مائدة طعامه فتصده عن الأكل، وإلى عمله فتذهله عنه، وإلى فراشه فتزرعه بالشوك. وعندئذ تُفتح أبواب الجحيم! الجحيم يصبح نظام حياة، ويصبح نبض الدم في العروق: اركع وادفع! قدِّم رجولتك للمهانة، وأطفالك لأنياب الجوع، وعنق جارك للمشنقة. قدِّم قدِّم! واركع وادفع! وعش … لتملأ عينيك بالتراب، وحلقك بالحجارة. عش لتتحول بفعل الساحر الفرنسي الأسود من رجل إلى كلب، وإذا بلغ بك الغيظ وقطعتك الحسرات … لا تتأوه … واضرب الحائط الذي تختار وتشاء بالرأس أو بالقدم ما تشاء، وانبش القمامة ما تشاء، واسجد لغير الخالق ما تشاء، وأرق ماء الوجه أو ماء العينين ما تشاء … فقد منحك كليبر — ساري عسكر الفرنسيس — أمان الحياة!٢٥
ومن خلال هذا الحوار، نجد أن قضية «سليمان الحلبي» في إقامة العدل، أو إعادة ميزان العدل المقلوب إلى وضعه الصحيح، كانت نتيجة طبيعية لظروف المجتمع المصري في ذلك العصر. وهذه الظروف كانت العامل الخارجي لدفع البطل إلى قتل «كليبر». هذا بالإضافة إلى العامل الداخلي النفسي عنده، واجتماع هذه العوامل جعلت من أفعال «سليمان» أفعالًا منطقية، وكانت النتيجة أن «سليمان الحلبي» بطل المسرحية هو «سليمان» ألفريد فرج، وليس «سليمان» تاريخ «الجبرتي» المأجور على قتل «كليبر» من قبل العثمانيين.٢٦
لذلك نستطيع أن نقول: إن «ألفريد فرج» وظَّف تاريخ الحملة الفرنسية من خلال فترة تولِّي «كليبر» للحملة بصورة فنية مقبولة؛ لأنه «لم يكتب عن سليمان الحلبي الشخصية التاريخية بالذات، وإنما كتب عن نمط ما من أنماط القاتل السياسي قد يكون فريدًا، وقد يكون مألوفًا، وهو لم يكتب عن كليبر الشخصية التاريخية بالذات، وإنما كتب عن نمطٍ مألوفٍ من الحكَّام في البلاد المفتوحة. وبذلك يكون ألفريد فرج قد خرج من الجزئيات التي يتميز بها التاريخ إلى الكليات التي يتميز بها الفن … وبذلك يكون أكثر فلسفة من الجبرتي؛ لأنه حاول أن يخرج بنا من دائرة ما وقع فعلًا إلى دائرة ما يمكن وقوعه، وما يتحتم وقوعه.»٢٧

(٥) توظيف التاريخ للدفاع عن الحكَّام

كتب أحمد شوقي مسرحيته «علي بك الكبير» عام ١٩٣٢، وقد كتبها قبل ذلك عام ١٨٩٣ وهو في باريس بعنوان «علي بك أو ما هي دولة المماليك»، ثمَّ قام بتعديل شامل عليها، وأطلق عليها «علي بك الكبير».٢٨

والمسرحية بكاملها تدور حول الخصال الكريمة التي أضفاها أحمد شوقي على شخصية «علي بك الكبير»، فصوَّره بالإنسان الخيِّر، كثير العطف على الفقراء، والمعتني بالأزهر الشريف ووسائل العلم فيه، والمهتم بالصانع والصناعة المصرية، كما صوَّره بالسياسي البارع، والوطني المخلص لبلاده. وأهم صفة ألصقها شوقي به تمثَّلت في إحياء القيم العربية، عندما رأى «علي بك الكبير» أن الاستعانة بالجار الأجنبي ستدمِّره وتدمِّر البلاد معه، وستتيح الفرصة للتدخل الروسي في شئون مصر، وذلك عندما رفض معاونة «القائد الروسي» لاستعادة ملكه:

علي بك (لنفسه) :
رباه ماذا يقول المسلمون غدًا
إن خنت قومي وأعمامي وأخوالي
يُقالُ في مشرق الدنيا ومغربها
فعلت فعلة نذل وابن أنذال
علي بك (للقائد) :
أجل سَمَوتُ لملك النيل أطلبه
بهمتي وإقدامي وأفعالي
لا أستعين على الأهل الغريب ولا
أرمي الذئاب على غابي وأشبالي
القائد :
مولاي تلك معانٍ تحتها كرمٌ
ليست لمن طلب الدنيا بأشغال
علي بك :
بُعدًا وسُحقًا لعلياء الأمور إذا
لم ألتمسها بخُلق فاضل عال
الموت في ثمر ترقى لتجنيه
في سُلَّم من ثعابين وأصلال
القائد :
إذن أميري فالأسطول منتظري
والبحر يسأل عن شأن الأميرالِ
علي بك (بصوت منخفض) :
اذهب، فما أنت دارٍ ما غدٌ فعسى
يُغيِّرُ الله من حالٍ إلى حالِ٢٩
ومن الملاحظ أن نفي تهمة الخيانة عن طريق الاستعانة بالأسطول الروسي، وأيضًا إضفاء الخصال الحميدة على شخصية «علي بك الكبير» راجع إلى موقف أحمد شوقي من الأسرة المالكة في مصر وقت كتابة المسرحية، المتمثِّل في الدفاع عنها عن طريق الدفاع عن شخصية «علي بك الكبير» لأنه أجنبي، كما أن خديوي مصر أجنبي أيضًا، أي إن شخصية «علي بك الكبير» هي المعادل الموضوعي لشخصية الخديوي أو للأسرة المالكة. وهذا الموقف من قبل أحمد شوقي قد أبرزه أيضًا في مسرحية أخرى هي «مصرع كليوباترا»،٣٠ عندما دافع عن كليوباترا وجعلها تضحي بنفسها من أجل مصر، عندما انسحبت تاركة أنطونيو يحارب وحده قيصر في معركة «أكتيوم» البحرية؛ كي يحطما بعضهما بعضًا، وبذلك تفوز «كليوباترا» بمصر بعد أن دافعت عنها، رغم أنها أجنبية وليست مصرية، ودفاع أحمد شوقي عنها هو نفس دفاعه عن شخصية «علي بك الكبير»، من أجل الدفاع عن الخديوي باعتباره أجنبيًّا، وليس مصريًّا.

ومما سبق نجد أن أحمد شوقي حاول من خلال توظيف التراث التاريخي، متمثِّلًا في شخصية «علي بك الكبير» أن يعبِّر عن شخصيته، وعن علاقته بالأسرة المالكة، على اعتبار أنه «شاعر القصر»؛ لذلك نجده يدافع عنها من خلال الرمز والمعادل الموضوعي للشخصيات الأجنبية.

أمَّا «عزيز أباظة» فقد تأثَّر أيضًا بالتراث التاريخي، وقام بتوظيفه في مسرحية «شجرة الدر» التي كتبها عام ١٩٥١، وكان الدافع من وراء هذا التوظيف إضفاء الخصال الحميدة على شخصية «شجرة الدر»، متمثِّلة في إبراز النواحي القومية والعربية للقائد العربي، باعتبار «شجرة الدر» المرأة الوحيدة في تاريخ الدولة الإسلامية التي سعت إلى ملك مصر فنالته.

فنجد عزيز أباظة يضفي عليها رجاحة العقل في حكم مصر، المتمثل في الشورى وأحكام كتاب الله، في الوقت الذي يُجمع فيه حكَّام العرب على عدم جواز حكم النساء شرعًا. ولتأكيد هذه الصفة عندها، وكذلك تأكيد ظلم حكَّام العرب لها، جعل عزيز الشعبَ المصري يُجمع على أن تحكمه هذه المرأة.

شجرة الدر :
قالوا فما حُكْم النساء بجائزٍ
شرعًا، وقُوَّامُ النساء رجال
بيبرس :
هذا الذي زعموه! … … …
أيبك :
… … … وهمٌ باطلٌ
ما كان جنس المرءِ خالقُ فضله
أي من الجنسين بالغ شأوه
— لا فرق بينهما — ببالغ عقله

(ثمَّ يلتفت للملكة.)

لو قد رقيت الملك وارثة له
قلنا اعتراضٌ في صميم محلِّه
لكننا اخترناك رأيًا واحدًا
فنزلت أنت على مشيئة أهله
إجماعُ شعبٍ راشدٍ لم يجتمع
متضافرًا متدافعًا في مثله
شجرة الدر :
دع ذاك أيبك، ولنعد لحديثنا الـ
ـمأثور عن أمرائنا الأعلام
هل أنكروا أسلوبنا في الحكم؟ …
بيبرس :
… … … … … لم
يتحدَّثوا في ذاك قط أمامي
شجرة الدر (في صوت قاسٍ) :
أفناقمون عليَّ أنِّي قِبْلَتي الشـ
ـورى وأحكام الكتاب إمامي؟٣١
ومن أهم المواقف التاريخية، والتي ساعدت الكاتب لبلوغ هدفه بالنسبة ﻟ «شجرة الدر»: موقفها أمام الفدية المقررة على ملك فرنسا «لويس التاسع»، عندما عجز عن جمعها فخفَّضتها له إلى النصف،٣٢ ورفضت تسليمه هو والأسرى للخليفة وللأمراء العرب، وفضَّلت قبول التهديد بالحرب مِن قِبَلهم على أن تتنصل من وعدها لملك فرنسا بفك أسره مقابل نصف الفدية.
ملكة فرنسا :
ملكة النيل إن لي لرجاء
شجرة الدر :
إن هذا الرجاء أمرٌ فهاتِ
ملك فرنسا (مستدركًا) :
أمسكي مرجريت بالله …
ملكة فرنسا :
… … … … دعني
واحتسبها عليَّ من هفواتي

(ملتفة إلى شجرة الدر.)

أعجزتْنا في جمعها ألفُ ألفٍ

(ملك فرنسا في حدة وعتاب.)

ليس هذا الخليق بالملكات
قد بذلنا كُبرى الجهود فكانت
مُخفقاتٍ، ولم تزل مُخفقاتِ
شجرة الدر :
لا تُفيضي في ذلك أخت فرنسا
لستُ في مالكم من الطامعات
إنما أرأب الذي جرَّت الحر
ب على أمَّتي من النكبات
بيبرس :
ملكتي! … … … …
شجرة الدر (تظلُّ متجهة لملكة فرنسا، وتشير لبيبرس بيدها أن اهدأ) :
… قدك … … …
بيبرس :
… … … الحوادث تترى
رُبَّ شرٍّ حسمت قبل فوات
شجرة الدر (متجاهلة قول بيبرس ومُخاطبة أيبك) :
أنقصوا فدية الملوك إلى النصـ
ـف٣٣ … … …
وبمرور الأحداث نجد «عز الدين أيبك» — بعد زواجه من شجرة الدر — يبالغ في ظلم الشعب المصري، ذلك الشعب الذي لا يجد له نصيرًا أمام ظلم أيبك له سوى اللجوء والشكوى إلى السلطانة السابقة «شجرة الدر». وبالفعل تتعهد للشعب متمثِّلًا في قاضي القضاة بأن ترفع عنهم هذا الظلم، وأن تقف أمام الظالم حتى ولو كان زوجها.٣٤
وفي بعض الأحيان، كان عزيز أباظة يُغيِّر من الحقائق التاريخية كي تقوى صورة «شجرة الدر» في ذهن القارئ، ومن أمثلة ذلك أن جعل «عز الدين أيبك» يطالب زوجته «شجرة الدر» بأموال الملك الصالح «نجم الدين أيوب».٣٥ والتاريخ يثبت أن الذي طالبها بتلك الأموال هو «تورانشاه» ابن الملك الصالح.٣٦

ومن الملاحظ أن إظهار صورة «عز الدين أيبك» بالظالم تارة، وبالطامع في أموال الملك الصالح تارة أخرى، هذا بالإضافة إلى عزمه على قتل «شجرة الدر» أدى إلى كراهية القارئ له، وحُبِّه ﻟ «شجرة الدر». بذلك استطاع عزيز أباظة أن يمهِّد لقبول القارئ لجريمة «شجرة الدر» عندما قامت بقتل «عز الدين أيبك».

ومما سبق نجد أن عزيز أباظة قام بتوظيف التراث التاريخي خدمة لإثراء شخصية «شجرة الدر»، وإظهار الجوانب الوطنية والقومية العربية لها، وجعلها النموذج الأمثل للحاكم العربي؛ لذلك نجدها قوية الإرادة لتحقيق أهدافها، لدرجة أنها تتزوج «عز الدين أيبك» كي يشاركها في الحكم، بعد أن وقف أمام حكمها — باعتبارها امرأة — حكَّام العرب، وكأنها بذلك تضع «أيبك» في الواجهة كي تحكم من خلاله، وعندما يظلم الشعب المصري، وتظهر عليه بوادر الطمع في أموالها محاولًا بذلك الانفراد بالحكم تقتله. هذا بالإضافة إلى إيمانها بالعفو عند المقدرة، وذلك في موقفها مع «ملك فرنسا» عندما خفضت له الفدية إلى النصف، وكان هدفها من كل ما سبق هو حبها لمصر وللمصريين.

ولعل توظيف عزيز أباظة للتراث التاريخي خدمة لشخصية «شجرة الدر» راجع إلى عطفه على المرأة، وذلك بسبب وفاة زوجته، ذلك السبب الذي ألهمه الشعر فكتب ديوانه «أنَّات حائرة»، فأهدى إلى روحها أول أعماله المسرحية «قيس ولبنى» بقوله: «إليها في أكرم جوار.»

١  علي أحمد باكثير، «فن المسرحية من خلال تجاربي الشخصية»، مكتبة مصر، ط٣، ١٩٨٥، ص٣٩-٤٠.
٢  فقد قال الدكتور عز الدين إسماعيل في مقدمته لمسرحية «الدودة والثعبان» (دار الكتاب العربي، د.ت، ص: أ-ب): «هذه المسرحية هي الأولى من ثلاثية Trilogy يكتبها الأستاذ باكثير عن الحملة الفرنسية بقيادة نابليون بونابرت على مصر وما أعقبها من أحداث … على أن المسرحية التي نقدِّمها اليوم هي جزء من تكوينٍ أكبر؛ فقد قلنا إنها الأولى من ثلاثية تمتد مع الزمن حتى القضاء على الحملة الفرنسية. وليس في وسعنا الآن أن نتكهَّن بالمغزى الكلي لهذه الثلاثية.» ويقول الدكتور أحمد السعدني في كتابه «أدب باكثير المسرحي» (الجزء الأول، «المسرح السياسي»، مكتبة الطليعة بأسيوط، ١٩٨٠، ص١١٧)، بعد أن بحث في كتاب داغر ولانداو فلم يجد بعد تاريخ صدور مسرحية «الدودة والثعبان» عام ١٩٦٧ أي بقية لهذه الثلاثية: «وإذا عرفنا كذلك أن باكثير لم يكتب الجزأين التاليين لهذه المسرحية حتى تكتمل ثلاثيته؛ كان هذا أدعى لأن نتناول المسرحية على أنها مسرحية قائمة برأسها، رغم ما في هذا التناول من عدم الرؤية الصحيحة لأبعاد يشير إليها الكاتب، أو للإيقاع الدرامي في العمل كله، فهذا الإيقاع لا يتضح إلا بعد أن يصبح العمل كله متكامِلًا، ووحدة واحدة.» وقد أنهى هذا الجدل بين اكتمال الثلاثية وعدم اكتمالها الدكتور أحمد عبد الله السومحي في كتابه «علي أحمد باكثير: حياته، شعره الوطني والإسلامي» (كتاب النادي الأدبي الثقافي، عدد ٨، دار البلاد للطباعة والنشر، جدة، ط١، ١٩٨٢، ص٨٨)، عندما ذكر أن هناك العديد من المخطوطات في مكتبة باكثير تنتظر النشر، سواء في الشعر أو النثر: «أمَّا في النثر فإن هناك كثيرًا من المسرحيات تنتظر الطبع هي: عرائس وعرسان، الشاعر والربيع «مجموعات تمثيليات» – حزام العفَّة – ثماني عشرة جلدة – «أحلام نابليون» – «مأساة زينب» – شلبية – قضية أهل الربع – «الوطن الأكبر» مسرحية شعرية، فاوست الجديد، «التوراة الضائعة»، «حرب البسوس»، المحاكمة.» وقد قامت «مكتبة مصر» بنشر المسرحيات التي بين التنصيصات بعد وفاة «علي أحمد باكثير»، وعلى وجه التحديد بعد عام ١٩٨٢.
٣  علي أحمد باكثير، مسرحية «الدودة والثعبان»، ص١٤-١٥.
٤  المسرحية، ص٦٦-٦٧.
٥  انظر: عبد الرحمن الجبرتي، «عجائب الآثار في التراجم والأخبار»، الجزء الثالث، مطبعة الأنوار المحمدية بالقاهرة، د.ت، ص٣٧–٣٩.
٦  علي أحمد باكثير، مسرحية «أحلام نابليون»، مكتبة مصر، طبعة عام ١٩٩٠، ص٦٠-٦١.
٧  المسرحية، ص١٠٨–١١٠.
٨  علي أحمد باكثير، مسرحية «مأساة زينب»، مكتبة مصر، طبعة عام ١٩٩٠، ص٣٠.
٩  المسرحية، ص٦٥-٦٦.
١٠  المسرحية، ص١٢٥.
١١  عبد الرحمن الجبرتي، السابق، ص٢٧٢.
١٢  عبد الرحمن الجبرتي، السابق، الجزء الرابع، ص١٢٥.
١٣  انظر: المسرحية «الدودة والثعبان»، ص١٦-١٧.
١٤  توفيق الحكيم، «عودة الوعي»، دار الشروق، بيروت، ١٩٧٢، ص٦٠-٦١.
١٥  رضوان علي الندوي، «العز بن عبد السلام (٥٧٧–٦٦٠ﻫ)»، سلسلة «أئمة الفكر الإسلامي»، دار الفكر بدمشق، ١٩٦٠، ص١٤١–١٤٣.
١٦  توفيق الحكيم، مسرحية «السلطان الحائر»، مكتبة الآداب، طبعة عام ١٩٧٦، ص١٤٠.
١٧  د. عبد القادر القط، السابق، ص٥٢.
١٨  علي أحمد باكثير، مسرحية «التوراة الضائعة»، مكتبة مصر، د.ت، ص١٠.
١٩  المسرحية، ص١٠٥-١٠٦.
٢٠  جورج لوكاش، «الرواية التاريخية»، وزارة الثقافة والإعلام، دار الشئون الثقافية العامة، بغداد، ط٢، ١٩٨٦، ص٤٦.
٢١  محمود دياب، مسرحية «باب الفتوح» (نُشِرت مع مسرحية «رجب طيب في ثلاث حكايات»)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٧٤، ص١٤.
٢٢  د. علي الراعي، «المسرح في الوطن العربي»، سلسلة «عالم المعرفة»، عدد ٢٥، يناير ١٩٨٠، الكويت، ص١٤٥.
٢٣  د. حسين مؤنس، السابق، ص٤٥–٦٤.
٢٤  نبيل فرج، «مقابلة مع محمود دياب حول أعماله وأفكاره المسرحية»، مجلة «المسرح»، عدد ٦٢، مايو ١٩٦٩، ص٣٧.
٢٥  ألفريد فرج، المؤلفات الكاملة ٢، مسرحية «سليمان الحلبي»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٩، ص٦٧-٦٨.
٢٦  انظر: عبد الرحمن الجبرتي، الجزء الثالث، ص١٦٧.
٢٧  د. لويس عوض، «الثورة والأدب»، دار الكاتب العربي للطباعة والنشر، ١٩٦٧، ص٣٨٢.
٢٨  انظر: د. محمد صبري، «الشوقيات المجهولة»، الجزء الأول، مطبعة دار الكتب، ١٩٦١، ص٤٩.
٢٩  أحمد شوقي، «الأعمال الكاملة (المسرحيات)»، مسرحية «علي بك الكبير»، الهيئة المصرية العامة للكتاب، ١٩٨٤، ص٦٢٠-٦٢١.
٣٠  والإشارة إلى هذه المسرحية مرجعها الاستشهاد فقط، حيث إنها لا تنتمي إلى مسرحيات البحث.
٣١  عزيز أباظة، مسرحية «شجرة الدر»، مطبعة مصر، ط١، ١٩٥١، ص٤٠-٤١.
٣٢  ويقول الدكتور عبد المحسن عاطف سلام عن هذه الواقعة — في كتابه «عن مسرحيات عزيز أباظة» (منشأة المعارف بالإسكندرية، ١٩٦١، ص٢٦٧): «ويذكر المؤلف [عزيز أباظة] أن شجرة الدر تنازلت عن نصف الغرامة التي كانت قد فرضتها على الفرنسيين عندما اشتكت ملكة فرنسا من قسوة الغرامة، وذكرت أنها لا تستطيع أن تؤديها. وليس لذلك ذكرٌ في الواقع التاريخي.» ولكن الواقع التاريخي أثبت عكس ما ذهب إليه الباحث؛ فالمقريزي أثبت أن الغرامة قد خُفِّضت بالفعل إلى النصف من قِبل شجرة الدر. راجع: كتاب «السلوك لمعرفة دول الملوك»، الجزء الأول، القسم الأول، مطبعة دار الكتب المصرية بالقاهرة، ١٩٣٤، ص٣٦٣، وكذلك وينفرد هولمز، «كانت ملكة على مصر»، سلسلة «الألف كتاب»، عدد ٣٩٢، مؤسسة سجل العرب، ١٩٦٢، ص٢١٢، وكذلك محمد عبد الله عنان، «تراجم إسلامية شرقية وأندلسية»، ط٢، مكتبة الخانجي بالقاهرة، ١٩٧٠، ص١٠٣.
٣٣  المسرحية، ص٩٨-٩٩.
٣٤  انظر: المسرحية، ص١٨٥–١٩٢.
٣٥  انظر: المسرحية، المشهد الرابع من الفصل الخامس، ص١٩٣–٢٠٦.
٣٦  انظر: وينفرد هولمز، السابق، ص٢١٠، وكذلك محمد عبد الله عنان، السابق، ص٩٧.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤