مصرع بُلبُل

حكاية رمزية تمثل الواقع في حياة المدن الكبرى حين يدخل غمارها الشاب قادمًا من البلدة الصغيرة أو القرية البسيطة … هذه الحياة الصاخبة تخلب ذلك الشاب بزخرفها، وفنون لهوها، وألوان عبثها، تجتذبه فيرتمي بين أحضانها، ويلقي بقياده إليها فتذهب به في مزالق الضلال كل مذهب.

ثم تُسفر هذه الحياة عن وجه كالح، وتنقشع نشوتها عن صحو مضى أوانه … فإذا هنالك إفلاس في أحد ثلاثة: في المال، أو الصحة، أو المستقبل، وكثيرًا ما أُعلن الإفلاس في الثلاثة جميعًا، وهنالك الفاجعة الأبدية … أما «البلبل» في هذه الحكاية فرمز الشاب المخدوع، وأما «الوردة» فترمز إلى بائعة اللهو والعبث … وأما «الروض» فهو رمز الحانة أو الملهى.

قدَرٌ ساقه فآواهُ روضًا
لم يكن طار فيه قَبْلًا وغنّى
فاستوى فوق أيكةٍ ورمى عَيْـ
ـنَيْهِ فيما هناك يُسرى ويُمنى
وإذا الروضُ بهجةُ الروحِ طيبًا
وظلالًا، وفتنةُ العينِ حُسنا
وكأنَّ الغديرَ بين ضلالٍ
وهُدًى كلّما استوى أو تثنَّى
تنحني فوقه كرائمُ ذاك الدَّ
وْحِ، منها الجَنى، وكم يتجنَّى
مطمئنٌّ يسيرُ تِيهًا، فإنْ را
مَ عَنَاقَ الصخورِ صدّتْ فجُنَّا
هكذا يصبح الحبيبُ المُعَنِّي
بعد حينٍ وَهْو المحِبُّ المُعَنَّى
ومضى البلبلُ الغريبُ يطوف الرَّ
وْضَ حتى انزوى مُحيَّا النهارِ
راح يأوي إلى الغصون، ولكنْ
كيف يغفو مُشرَّدُ الأفكار؟
كان في الروض فوق ما يتمنّى
من فنون الأثمار والأزهار
غيرَ أنْ ليس فيه طيرٌ يُغنِّي
أيُّ روضٍ يحلو بلا أطيار؟
وسَرتْ فيه رِعدةٌ حين لم يَلْـ
ـقَ سوى دارسٍ من الأوكار
وبقايا نواقفٍ رَخَم المَوْ
تُ عليها مُخضَّبَ الأظفار
أيُّ خطبٍ أصابكمْ معشرَ الطَّيْـ
ـرِ؟ وماذا في الروض من أسرارِ؟
طلع الفجرُ باسمًا إثْرَ ليلٍ
دونه وحشةً كهوفُ المنيَّهْ
تتنزَّى أشباحُه صاخباتٍ
عارياتٍ، أكفُّها، دمويَّه
ورُجومٌ تفري الغيومَ وتهوي
كلُّ رَجْمٍ من الجحيم شظيَّه
وخُسوفٌ تحدَّثَ البدُر فيهِ
بفم الحوتِ مُنذِرًا برزيَّه
ذاك ليلٌ قضى على البلبل المنْـ
ـكودِ، لولا يدٌ تصدَّتْ عَليَّه
مَلْكَةٌ عرشُها المشارقُ والتّا
جُ سناها، أَعْظِمْ بها شرقيَّه
أنقذتْه فهبَّ يشدو شَكورًا
مَرِحًا، هاتفًا لها بالتحيَّه:
مليكةَ النيّراتْ
آلهةَ المشرِقَيْنْ
الناسُ في الغابراتْ
إليكِ مدّوا اليديْنْ
وأحرقوا في الصلاةْ
نُضارَهم واللُّجَيْن
وقرَّبوا الأعناقْ
زُلفى تُراقْ
يا ليلُ إن الصباحْ
رمزُ حياةِ الورى
أنفاسُه في البطاحْ
وروحُه في الذرى
أما رأيتَ الأقاحْ
أفاقَ بعد الكرى
وضوَّع الآفاقْ
لما أفاقْ
هناك راعي الغنم
جذلانُ، حيُّ الفؤادْ
يرتع بين الأَكَم
يهيم في كلِّ وادْ
والنايُ صبَّ النّغم
وبثّه في الوهادْ
كزفرة الأشواقْ
غِبَّ الفراقْ

•••

نسي الطيرُ همَّه حين غنَّى
قلّما يستقرّ همُّ الطروبِ
ألِف الروضَ مُفرَدًا وتَولَّى
عنه في دوحه شعورُ الغريبِ
مُستقِلٌّ في المُلْك، لا من شريكٍ
طامعٍ يُتَّقى، ولا من رقيب
مُطلَقٌ، يستقرُّ عند نَميرٍ
تارةً أو يقيل فوق رطيبِ
وإذا (وردةٌ) تفيضُ جمالًا
تتهادى مع النَّسيمِ اللعوب
قد حمتْها أشواكُها مُشرَعاتٍ
حولها دون عابثٍ أو غَصوب
تمنح العينَ حين تبدو وتُخفي
من ضروب الإغراءِ كلَّ عجيب
كلُّ قلبٍ له هواه … ولكنْ
ليس يدري متى يجيء زمانُهْ
هو إمّا في ظلِّ جفنٍ كحيلٍ
كامنِ السحر، راقدٍ أُفعوانُهْ
أو وراء ابتسامةٍ حلوةِ الثَّغْـ
ـرِ نقيٍّ، مُفلَّجٍ أُقحوانه
أو على الصدر يستوي فوق عَرْشَيْـ
ـنِ … مكينًا مُؤيَّدًا سلطانُه
فإذا كان لفحةً من جحيم الرِّ
جْسِ، أملى أحكامَه شيطانُه
وإذا هبَّ نفحةً من نعيم الطُّـ
ـهْرِ، قامت ركينةً أركانُه
هو ذا الحبُّ فليكنْ حين يأتيـ
ـكَ بريئًا من كلِّ عيبٍ مكانُه
صارتِ الوردةُ الخليعة للبُلْـ
ـبلِ همًّا ومَأْربًا يُشقيهِ
حسرتا للغرير أصبح كَرْبًا
ما يلاقيه من دلالٍ وتِيهِ
شفَّه السُّهدُ واعتراه من الحُبِّ
سَقامٌ مُبرِّحٌ يُضنيه
من رآها وقد تَحاملَ يهفو
نحوها، كيف أعرضتْ تُغريهِ
من رأى روحَه تسيل نشيدًا
لاهبًا، لوعةُ الأسى تُذكيهِ
هي (حوّاءُ) ذلك الخلدُ فاحذرْ
لا تكونَنَّ أنتَ (آدمَ) فيه
لا تهبْ قلبكَ الكريمَ لئيمًا
تحت رجليه عابثًا يُلقيهِ
هل يرى في ظلال وردته الحَمْـ
ـراءِ سِرًّا بدا وكان خفيّا؟
هل يرى للطيور فيها قلوبًا
نبذتْهنَّ يابسًا وجنيّا؟
هل يرى اليومَ ما الذي جعل الرَّوْ
ضَ كئيبًا من الطيور خليّا؟
كم نذيرٍ بدا لعينيه حتَّى
قام شخصُ الردى هناك سويّا
سامه حبُّه شقاءً ولكنْ
نعمةُ الحبِّ أنْ يكونَ شقيّا
والهوى يطمس العيونَ ويُلقي
في قرار الأسماعِ منه دويّا
هكذا يسلك المحبُّ طريقَ الْـ
ـخَوفِ أمْنًا ويحسب الرشدَ غيّا
من تُرى علَّم البخيلةَ حتى
سمحتْ أن يُقبِّل الطيرُ فاها
لم يصدِّق عينيه حتى أطلَّتْ
وأطالت في ختله نجواها
زُلزلَ الروضُ عند ذلك بالألْـ
ـحانِ، فاسمعْ روايتي عن صداها:

نشيد البلبل للوردة

أَنشدي يا صَبا
وارقصي يا غصونْ
واسقني يا ندى
بين لحظِ العيون
فيكِ يا وردتي
قد حلا لي الجنون
أنا مني الهوى
أنتِ منكِ الفتون
انشري ما طوتْ
من غرامي السنون
كان في أضلعي
فروَتْه الجفون
اقربي من فمي
فحديثي شُجونْ
ضمَّها الطيرُ مُطبقًا بجناحَيْـ
ـهِ، وهمَّتْ بثغره شفتاها
لم يُمتَّع بنشوة الحبِّ حتى
أَشرعتْ شوكةً تلَظَّى شَباها
أوردتْها قلبًا، إذا رفَّ يومًا
خافقًا للهوى فذاك هواها
كرعتْ في الدم البريءِ فلمّا
عكستْه وهَّاجةً وجنتاها
نظر الطيرُ نظرةً أعقبتْها
روحُه طيَّ شهقةٍ معناها:
وردةٌ تُبهِر العيونَ ولكنْ
كثرةُ الشمِّ قد أضاعتْ شذاها
١٩٣٤

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤