تمهيد

يسعى هذا الكتاب لفهم التحولات التي تشهدها الحركات العالمية من حيث مبادئ الثقافة والفعل. وفي صميمه الإحساس بأن الحركات المعاصرة تُجابِهنا بتحوُّلٍ أساسي، يتمثل في الانتقال من أشكال التنظيم والفعل التي ميزت «الحركات الاجتماعية» في القرنين الماضيَيْن، إلى أشكال جديدة تستند إلى مبادئ الخبرة. وما هو على المحك هنا ليس فقط العلاقات بين ما هو فردي وما هو جمعي، أو الانتقال من البنى التراتبية إلى الشبكات، ولكن أيضًا طرائق الكينونة في العالم، والشعور بالذاتية المتأصِّلة في المرء وفي الآخَرين. تدفعنا محاولة فهم هذه التحولات إلى إعادة التفكير في مفهوم الحركة ومفهوم الفعل. ونتيجةً لذلك، تفتح لنا هذه الحركات طرقًا جديدة للتفكير بشأن العولمة، فتسمح لنا بالابتعاد عن أيديولوجيات العالم المتزامن، «العالم الخالي من الحدود»، وأن نشرع في فهم العولمة على أنها تعني عوالم متعددة، وتفاعلًا بين ذاتيَّات متجسِّدة؛ حيث تتداخل كيفيَّات الوجود الحضاري بطرق جديدة.

في أوائل عقد التسعينيات من القرن العشرين، لقيت العولمة ترحيبًا واسعًا بوصفها عملية لتوسُّع الاقتصاد الخالي من الحدود، بينما اكتسب موضوع «المقاومة» أهمية أكبر بنهايات العقد نفسه. وفُهمت العولمة بمعنى وجود مركز واحد، بينما اختُزلت مبادئ الفعل إلى الدفاع عن المصالح أو التقاليد أو الهويات. وفرض هذا صبغةً واحدة على الحركات وعلى الفعل، بالنظر إليهما على أنهما مجرد استجابة دفاعية في الغالب، يُفتَرض فهمها بمعايير المركز الذي كانت تقاومه. وحُشِدت الأطر الفكرية القديمة للتفكير بشأنها، فأبرز بعضُها فرصًا واستراتيجيات، والبعض الآخر هويَّاتٍ ومجتمعات. وفي هذه الأثناء، بدا أن مبادئ الفعل والثقافة والتنظيم الناشئة تُتَجاهل، وخصوصًا في حالة الحركات «غير الغربية» التي لا تنطبق عليها نماذج «الحركة الاجتماعية» التي نألفها.

وشهد العقد الذي تلا ذلك انحسار التفاؤل الذي ساد في التسعينيات، لتحل محله أفكار جديدة بشأن العنف، والدول الفاشلة، وتهديد الإرهاب، مع تحلُّل النظام العالمي الذي ساد منذ عام ١٩٤٥. وأصبح يُطرَح علينا على نحو متزايد اختيارٌ ما بين رؤيتين للعالم: العالم الخالي من الحدود، و«صدام الحضارات».

إن تَحَرُّرنا من هذا الاختيار هو مهمة فكرية، وأخلاقية، وعملية في المقام الأول، وهي مهمة يأمل هذا الكتاب في أن يسهم فيها ولو يسيرًا. وهو يخاطب الناس المعنيين بإنشاء الحركات، والمشارَكة فيها، والتفكير بشأنها، ومَن يعيشون التحولات التي تشهدها طرائق الفعل والكينونة والإحساس والتنظيم، ويحاولون أن يدركوا كُنْهها. وهو يخاطب أيضًا الباحثين والطلاب والمعلِّمين الذين يحاولون التفكير في الحركات بطرائق جديدة. ويخاطب الناس الذين يفكرون ويشعرون بما تعنيه العولمة، ومَن يتساءلون عن كيفية الحصول على ما تُقدِّمه من إمكانات التشارك في عوالم متعددة، لا الحياة في عالم واحد.

استغرق هذا الكتاب أربعة أعوام بحثًا وكتابة، ولم يكن ممكنًا لولا تقبُّل كثير من الناس مناقشة فعلهم وخبرتهم، بداية من الناس المنضوين في حركة «استعادة الشوارع» في بريطانيا، إلى الملتقَيات المناهضة للعولمة في الولايات المتحدة، إلى ممارسي «التشيجونج» (فن استشفاء صيني) و«الفولون جونج»، إلى الناس المستغرقين في التنسُّك، أو صنع الدُّمى، أو حَكْي القصص؛ وهو قرارٌ عرَّض هؤلاء لخطر محتمَل في بعض السياقات. كما لم يكن هذا الكتاب ممكنًا لولا توفر فرصة صوغ الأفكار واختبارها؛ لمحاولة إيجاد طرائق للتفكير في أشكال الفعل والخبرة التي لم تتناسب والنماذج القديمة للحركات والعولمة. اضطلعتْ لجنة البحث السابعة والأربعون التابعة للرابطة الدولية لعلم الاجتماع بدور بارز في هذا الأمر، بجمع الدارسين من كل قارَّة في محاولة متواصلة لفهم الحركات والفعل في العالم المعاصر. كما استضافني مركز التحليل والتدخُّل الاجتماعيَّيْن في كلية الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في باريس ستة أشهر. وهناك، تمكنْتُ من إعداد المُسَوَّدة، والإثراء من المناقشات والحلقات النقاشية مع ميشيل فيفيوركا، وفرانسوا دوبيه، وإيفون لوبو، ونيلوفيه جول. ووفرَتْ جامعة ملبورن بيئةً فكرية داعمة، ودعمًا ماليًّا في مراحل حرجة لهذا البحث. وفي نقطة ما، استقبلَتِ الجامعة زيارة ديبلوماسيٍّ وعضو في الشرطة السرية من بلد مذكور في هذا الكتاب، عبَّر عن توجُّسه من اتجاهات هذا البحث. وكان رد قادة الجامعة هو تأكيد أهمية العمل العلمي الاجتماعي، لا التردُّد في دعمه. وأفاد هذا الكتاب كذلك بقدر وافر من مساندة أناس في بلاكويل؛ ناشريه. أدَّى فيليس وِنْتوُرث دورًا بارزًا في المساعدة في إعادة صوغ المقترح المبدئي، أما كين بروفنشر فعزَّز الكتابة، وإعادة النظر، وإعادة العمل بسخاء وصبر مصحوبَين بمشاركة فكرية ناقدة. بذل القراء من وقتهم بسخاء، مستجيبين للمقترح المبدئي والمسوَّدة الأوَّلية، دافعين إياي إلى التفكير بمزيد من الوضوح فيما كنت أحاول قوله. وتؤكد هذه الخبرة دور الناشرين الحاسم في العلوم الاجتماعية المعاصرة.

يجتهد هذا الكتاب في فهم ما تنطوي عليه الحركات من حياة وكينونة وتجسد وحواس، وهذه الأمور مركزية أيضًا للبحث وللكتابة. ستحضر في الفصول التالية بطرائق مختلفة آثار المعيشة مع أطفالي الثلاثة: جابرييل، ولين، وسارة. وفي كتاب لا يحتفي بالهوية الجَمْعية، ولكنه يحاول فهم كيف نصبح فاعلين عبر الإحساس بالآخر، ثمة حضور مهم لشريكتي لورنا بين. ولم يكن هذا الكتاب ممكنًا لولا اللقاء الذي حظيت به مع آلان تورين. استقبلَني وأنا طالب دكتوراه، في كلية الدراسات العليا للعلوم الاجتماعية في عقد الثمانينيات من القرن العشرين، وبصفتي باحثًا مشاركًا منذئذٍ. يشكِّل التزامه بفهم العالم بمعايير الصراعات من أجل الحرية، لا وفق أنظمة السيطرة أو استراتيجيات المصلحة، طريقة تعامُله الفكري والشخصي مع الآخر، بداية من دوره في النضال ضد محو الذاكرة في أمريكا الجنوبية، إلى الوقت والسخاء اللذين يمنحهما الطلابَ السابقين.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤