الفصل الخامس

سياسة الولاة المستقلين

الدولة الطولونية والدولة الإخشيدية
استقبل الطولونيون والإخشيديون حكومة مصر مع أنهم ظلوا اسمًا تحت سلطان الخلافة العباسية، ويقول المستشرق «بيكر» في هذا الصدد: «يبدأ التاريخ الخاص بمصر الإسلامية بالطولونيين، ولما كان أحمد بن طولون مستقلًّا عن السلطة المركزية، فلم يعمل فقط على استغلال البلاد، بل حرص دائمًا على أن تنتج هذه البلاد باستمرار حتى يعلو صيت أسرته، وبذلك تحولت مصر من ولاية بسيطة إلى مركز لإمبراطورية عظيمة، وتحسنت أحوال الإدارة، وارتفع مستوى المعيشة كما هي الحال في مختلف العصور التي كان لمصر خلالها حكومة ثابتة الأركان.»١

وكان لهذا الوضع الجديد نتائجه الطبيعية، ومن ضمن النتائج البارزة أن الولاة المستقلين لم يعتمدوا على الخليفة بل كانوا على أهبة الاستعداد لمواجهة أعدائه، فأرادوا أن يكتسبوا عطف عناصر الشعب، ومن بينهم الأقباط.

على أننا لا نستطيع التقدير، على وجه التدقيق، الحد الذي وصلوا إليه في تسامحهم؛ ذلك لأن عهد الطولونيين والإخشيديين كان قصيرًا للغاية؛ حيث لم يمتد إلى أكثر من خمسين سنة، بينما لا تعطينا المصادر التي عثرنا عليها إلا معلومات يسيرة عن العلاقات بين المسلمين والأقباط.

ومع ذلك، فإننا نعلم أن ابن طولون بدأ عهده بإجراء حاز قبول المسلمين والنصارى على السوء، فقد قرر إلغاء جميع الضرائب الهلالية التي فرضها صاحب الخراج أحمد بن المدبر، ولما أبعده ابن طولون، جمع بين يديه السلطات المدنية والعسكرية والإدارة السياسية والمالية، وعُني الوالي أول ما عُني بإلغاء الضرائب وإبطال طرق العنف، التي كانت تصحب جبايتها، ولا غرابة إذا نقصت حصيلتها مائة ألف دينار منذ السنة الأولى.

وقد اطمأن الشعب لهذا الإجراء وعاد إلى عمله، ويؤكد بعض رواة العرب أن قيمة الضرائب، التي جلبت إلى بيت المال لم تبلغ سوي ثمانمائة ألف دينار في أول هذا العهد بينما بلغت أربعة ملايين وثلاثمائة ألف دينار قبل وفاة ابن طولون، وقُدرت ثروة الوالي الشخصية بأكثر من عشرة ملايين دينار.

وفي هذا العهد لم يعامل النصارى واليهود معاملة سيئة بوجه عام، ولم يشتكوا من أحد، هذا مع العلم بأن بطريرك اليعاقبة دخل السجن لعدم دفعه غرامة حُكم عليه بها.

إذًا كيف نستطيع أن نعلل تسامح ابن طولون مع أهل الذمة وقسوته على بطريرك الأقباط؟ نقرأ في مخطوط قبطي يرجع إلى هذا العهد٢ أن ابن طولون لم يكن يعامل جميع طبقات الشعب على قدم المساواة، فكان يفضل الأتراك على بقية المسلمين، والملكيين على سائر النصارى، وكان يميل إلى اعتبار بطريرك اليعاقبة خصمًا خطيرًا له، وكان ينتهز كل فرصة تسنح له ليوقع عليه الغرامات حتى تظل كنيسته في حالة فقر مدقع.

وهذه المعاملة تجعلنا نعتقد أيضًا أن البطريرك أبى أن يحرج مركزه بتقديم ولائه الكلي إلى ابن طولون منذ اللحظة الأولى؛ لأن الخليفة لم يعترف بابن طولون كوالٍ شرعي على مصر.

وعلى أية حال، لم يشكُ النصارى من معاملة ابن طولون لهم، وينقل لنا المؤرخ البلوي حديثًا دار بينه وبين رهبان دير القصير٣ نقتطف منه ما يلي: «كان الأمير أحمد بن طولون كثيرًا ما يتردد علينا ويعتكف في صومعة من صوامعنا ويتأمل، وكان يتحدث بصفة خاصة مع راهب اسمه أنطون.»٤
وقد استفاد الرهبان بطبيعة الحال من هذه العناية ولما تقدموا إلى ابن طولون بالشكوى من ثقل الجزية المفروضة عليهم، منحهم بعض الامتيازات، ثم كف أيدي رجاله عنهم، ويُحكى أن ضابطًا سلب من راهب، بطريق التهديد، خمسمائة دينار، فاشتكى الراهب أمره إلى الوالي، فأمره بإعادة المبلغ إليه.٥
وكان ابن طولون لا يأنف من إلحاق بعض الجنود المرتزقة من اليونانيين بجيشه، ولا يستنكف إذا ما أصيب بمرض عضال، أن يطلب من أفراد شعبه على اختلاف أديانهم الابتهال إلى الله ليمن عليه بالشفاء، ويقول والمؤرخ البلوي في هذا الصدد: «لما رأى ابن طولون اشتداد العلة، أحضر خواصه وقال لهم: استهدوا لنا الدعاء من الناس كافة وسلوهم الخروج إلى الجبل والتضرع إلى الله جل اسمه بالمسألة له في عافيته لنا، فشاع هذا القول منه في الناس، فخرج المسلمون بالمصاحف إلى سفح الجبل وتضرعوا إلى الله في أمره بنيات خالصة لمحبتهم له … فلما رأى اليهود والنصارى ذلك من المسلمين، خرج الفريقان، النصارى معهم الإنجيل، واليهود معهم التوراة … وارتفعت لهم ضجة عظيمة هائلة حتى سمعها في قصره، فبكى لذلك.».٦
وقد زاد هذا العطف في عهد خمارويه الذي أراد، عندما جلس على أريكة الحكم، أن يصحح خطأ والده، وكان البطريرك القبطي ميخائيل، عندما تُوفي ابن طولون، لا يزال سجينًا لوشاية من بعض أفراد الطائفة القبطية نتيجة إقالة البطريرك أسقف اسمه «سقا» لسوء سلوكه وخروجه على النظم الكنسية، فحقد الأسقف على رئيسه وأراد أن ينتقم منه فاتهمه بأنه يملك ثروة طائلة، وكان ابن طولون في ذلك الوقت يعد حملته على سوريا، ولما كانت خزانته خالية من المال، فقد استدعى هذا البطريرك، وأمره بأن يودع ما عنده من الكنوز في خزينة الدولة، محتجًّا بأن الرهبان النصارى لا يجوز لهم إلا الاحتفاظ بالمال الذي يقوم أودهم ويستر عوراتهم طبقًا لشريعتهم، كما أكد له ذلك الأسقف «سقا»، وحاول البطريرك عبثًا أن يبرهن على افتراء الأسقف فيما ادعاه، ولكن ابن طولون زجه في سجن ضيق ظل فيه سنة كاملة، وتمكن يوحنا وإبراهيم بن موسى كاتما سر ابن طولون من إطلاق سراح البطريرك تحت ضمانتهما، على أن يدفع النصارى التابعين له مبلغًا كبيرًا من المال، فاضطر البطريرك إلى توقيع سند عليه بعشرين ألف دينار، تعهد بسدادها على دفعتين، ولكنه لم يستطع دفع القسط الأول إلا بصعوبة، وبعد أن قام بعقد القروض وبيع الأراضي التابعة للكنيسة؛٧ ذلك لأن المبالغ التي فرضها البطريرك لهذه المناسبة على كل نصراني كانت بعيدة من أن تفي بالمطلوب، ولما كان البطريرك في حالة لا تسمح له بدفع ما تعهد به، فقد أُعيد إلى السجن بعد أن اعتكف في دير القديسة مريم، بالقرب من قصر الشمع في ضواحي الفسطاط، وظل في السجن إلى أن تُوفي ابن طولون، ولما تولى خماروية الحكم، أمر بإطلاق سراح البطريرك من السجن وأعفاه من التزاماته.
وحذا خمارويه حذو أبيه بزياراته لدير القصير التابع للملكيين وأمر ببناء منظرة فيه، ويقول أبو صالح الأرمني:٨ إن خمارويه كان يطيل التأمل في صناعة الفسيفساء في هذا الدير، وهي تمثل صور العذراء والمسيح وصور التلاميذ الاثني عشر.
ولم يُشِدِ المؤرخون النصارى بتسامح الإخشيديين كما أشادوا بتسامح الطولونيين، فهم يتهمون مؤسس هذه الأسرة، محمد بن طغج الإخشيدي، بأنه عندما عجز عن دفع مرتبات الجنود، اضطهد أهل الذمة وابتز منهم المال الكثير، مما اضطرهم إلى تصفية بعض أملاك الكنائس، لذلك امتنعوا عن الكلام عن حادث من أهم حوادث تاريخ مصر الإسلامية ألا وهو اشتراك أمير مسلم، بصفة رسمية، في حفلة دينية مسيحية؛ أي: عيد الغطاس، الذي كان يحتفل به الأقباط احتفالًا فخمًا عظيمًا، وقد ترك لنا المسعودي وصفًا دقيقًا لهذا الحادث، قال: «لقد حضرت سنة ٣٣٠ ليلة الغطاس بمصر والإخشيد محمد بن طغج، أمير مصر، في قصره المعروف بالمختار في جزيرة الروضة الراكبة للنيل والنيل يطيف بها، وقد أمر فأسرج في جانب الجزيرة وجانب الفسطاط ألف مشعل غير ما أسرج أهل مصر من المشاعل والشمع، وقد حضر في النيل في تلك الليلة ألوف من الناس من المسلمين والنصارى، منهم في الزوارق ومنهم في الدور المشرفة على النيل، ومنهم على الشطوط لا يتناكرون كل ما يمكنهم إظهاره من المأكل والمشرب وآلات الذهب والفضة والجواهر والملاهي والعزف والقصف، وهي أحسن ليلة تكون بمصر وأشملها سرورًا، ولا تُغلق فيها الدروب ويغطس أكثرهم في النيل ويزعمون أن ذلك أمان من المرض ونشر الداء.».٩
نعم، إن عهد كافور قد تخللته الحروب التي شنها الإمبراطور البيزنطي «نيقفور فوكاس» على حدود سوريا، فأصاب فيها نصرًا كبيرًا، ولكن بالرغم من أن الأغلبية في مصر كانت تحقد على هذا العمل كل الحقد، وبالرغم من أن الشعب كان يثير الشغب بعد كل موقعة يشترك فيها البيزنطيون ويهاجم النصارى ويخرب كنائسهم، فإن هذه المظاهرات لم تشجعها السلطات التي كانت تلجأ في الحال إلى القوة لإخمادها، ويؤيد هذا المستشرق جاستون فييت عندما يقول: إن الحكومة لم تكن لها يد في هذه الاضطرابات الشعبية١٠ بل بالعكس فإن الخليفة أصدر عام ٣١٣ﻫ «٩٢٥م» مرسومًا لتهدئة النفوس في أنحاء الإمبراطورية الإسلامية أعلن فيه أن الجزية لن تُفرض على الأساقفة والرهبان والعلمانيين المعوزين.
ولسوء الحظ، أن قوة الإخشيديين أخذت تضعف، فلم يتمكنوا من حماية الأقليات حماية جدية في سوريا، وعلى الرغم من المساعدات التي قدموها لبطريرك مدينة القدس ضد بعض القواد الطامعين، فإنهم لم يستطيعوا إنقاذه من القتل،١١ غير أن سقوط الإخشيديين وظهور الفاطميين جعل النصارى يتمتعون بالنفوذ والرغد لبضع سنين.

هوامش

(١) Encycl. de l’Islam Egypte.
(٢) Butcher, History of the Church of Egypt. I, p. 457–8.
(٣) بالقرب من مدينة حلوان.
(٤) سيرة أحمد بن طولون. عُني بنشرها محمد كرد على، ص١١٨ — وأنطون المذكور هو أنطون منية أندونة.
(٥) سيرة ابن طولون، ص٢٠٦.
(٦) البلوي، ص٣٣٠.
(٧) باع إلى اليهود ريع كنائس الإسكندرية، وأرض الحبشة بمصر والكنيسة التي بجوار المعلقة، وفرض ضريبة سنوية على كل نصراني «تاريخ جورج ماكين، ترجمة Vattier، ص١٨٥.
(٨) Abu salih the Armenian, The Churches And Monasteries of Egypt, fol. 49–51.
(٩) مروج الذهب ومعادن الجوهر في التاريخ، طبعة مصر، ١٣٤٦، جزء ١، ص٢١٢، ٢١٣.
(١٠) Encyclopedie de l’Islam, Art, Kibt.
(١١) يحيى بن سعيد الأنطاكي، ص١٢٤، ١٢٥.

جميع الحقوق محفوظة لمؤسسة هنداوي © ٢٠٢٤